كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الساق، وما أشبه المقطوع.
كالخف القصير الساق، ولعله يريد الجرموق.
276 - وقد روى بلال - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه» ، رواه أحمد، وأبو داود، والموق هو الجرموق، فارسي معرب، قاله الجوهري، وهو خف واسع يلبس فوق الخف في البلاد الباردة، ولا يمسح على ما عدا ذلك، إذ الأصل [الغسل] ، خرج من ذلك ما وردت فيه السنة وما في معناه.
واعلم أنه يشترط لجواز المسح على الخف وما ألحق به - كما اقتضاه كلام الخرقي - من حوائل الرجل شروط (أحدها) : كونه ساترا لمحل الفرض، وإلا فحكم ما ظهر الغسل، وحكم ما استتر المسح، وإذا يغلب الغسل، لأنه الأصل، وسواء كان ظهور محل الفرض لقصر ذلك، أو لسعته، أو خفته، أو صفائه، كالزجاج الرقيق ونحوه،
أو خرق فيه وإن صغر، ومال أبو البركات إلى العفو عن خرق لا يمنع متابعة المشي، نظرا إلى ظاهر خفاف أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
277 - وقال قال عبد الرزاق: سمعت الثوري يقول: يمسح على الخف ما تعلق بالقدم وإن تخرق؛ قال: وكذلك كانت خفاف المهاجرين والأنصار، مخرقة مشققة.
وبالغ أبو العباس فقال في قواعده بالجواز على المخرق، ما لم يظهر منه أكثر القدم، فإن ظهر أكثر القدم فهو عنده كالنعل، أو الزربول الذي لا يستر القدم مما في نزعه مشقة، بأن لا يخلع بمجرد خلع الرجل [بل] إنما يخلع بالرجل الأخرى، أو باليد، والذي يميل إليه في جميع ذلك أنه يغسل ما ظهر من القدم، ويمسح النعل، أو يمسح الجميع، وكلامه في ذلك فيه اضطراب، ثم ظاهر كلامه أن المسح والحال
هذه لا يكون بدلا، بل أصلا مكملا بغيره فلا يتوقت، ومعتمده في ذلك على أحاديث وآثار.
278 - (منها) : ما روي «عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: يا ابن عباس ألا أتوضأ لك كما رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتوضأ؟ قلت: بلى.
وفيه: فأخذ حفنة من ماء فضرب بها رجله، وفيها النعل، فغسلها به، ثم الأخرى مثل ذلك.» رواه أحمد وأبو داود، والترمذي.
279 - (ومنها) : ما «روي عن ابن عباس أيضا قال: توضأ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخذ ملء كفه ماء، فرش به على قدميه وهو منتعل» .
280 - «وعن ابن عمر أنه كان إذا توضأ ونعلاه في قدميه مسح ظهور قدميه بيديه، ويقول: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصنع هكذا» وغير ذلك من أحاديث وآثار.
وغيره من العلماء أشار إلى ضعف ما ورد من ذلك، إذ أعلاها الحديث المصدر به، وقد سئل عنه البخاري فضعفه، وقال: ما أدري ما هذا.
وكذلك البيهقي ضعف جملة من ذلك، ثم الحديث الأول لا حجة فيه، إذ
فيه أنه غسلها في النعل، [والنعل لا يمنع الغسل] ، وعلى ذلك حمل البيهقي ما ورد من ذلك، والطحاوي حملها على أنها كانت تحتها جوربان، أو على أنه في الوقت الذي كان يجوز فيه المسح على القدمين، وأن ذلك كان هو الفرض، والمسح على النعلين فضلا، وادعى الإجماع على عدم جواز [مسح] ما تقدم، وأبو العباس يضعف هذه الأجوبة ويقول: إن هذا رد للآثار بإجماع لا نعلم حقيقته اهـ. (الثاني) : [من الشروط] ثبوته بنفسه، إذ الرخصة وردت في الخف المعتاد، وهو ثابت بنفسه، وما لا يثبت بنفسه ليس في معناه، فلا يلحق به، وإذا لا يجوز المسح على ما يسقط من الرجل، أو لا يثبت إلا بالشد، وفي معنى ذلك اللفافة على المنصوص، والمجزوم به عند الأصحاب، حتى إن أبا البركات جعل ذلك إجماعا، لعدم ثبوتها بنفسها، وحكى ابن عبدوس رواية بالجواز بشرط قوتها وشدتها، وبعض الأصحاب تخريجا بشرط مشقة النزع، وابن تميم وجها
مطلقا.
اهـ.
أما إن ثبت الخف ونحوه بنفسه لكن لولا الشد أو الشرج لبدا بعضه، فوجهان (الجواز) اختيار ابن عبدوس، وأبي البركات، (والمنع) اختيار الآمدي، وفي معنى ذلك الزربول الذي له آذان.
(الشرط الثالث) : إمكان المشي فيه، فلو تعذر لضيقه، أو ثقل حديده، أو تكسيره كرقيق الزجاج ونحو ذلك، لم يجز المسح، إذ ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص.
(الشرط الرابع) : كونه مباحا، فلا يصح على حرير، ومغصوب، وخرج القاضي، وابن عبدوس، والشيرازي، والسامري الصحة على الصلاة في ذلك، وأبى ذلك الشيخان، وصاحب التلخيص، وقال: إنه وهم، إذ الرخص لا تستباح بمحرم، نعم من اضطر إلى ذلك، كمن كان في بلد ثلج، وخاف سقوط أصابعه، أجزأه المسح عليها، قاله السامري واختلف في شرطين آخرين (أحدهما) : هل من شرطه كونه معتادا فلا يجوز على الخشب، والزجاج، والنحاس؟ وهو اختيار الشيرازي، أو لا يشترط، وهو اختيار القاضي، وأبي الخطاب، وأبي البركات؟ على قولين، (الثاني) : هل يشترط طهارة عينه؟ فيه وجهان،
يظهر أثرهما فيمن لبس جلد كلب أو ميتة في بلد ثلج، وخشي سقوط أصابعه، (أحدهما) - وهو ظاهر كلام أبي محمد - لا يشترط، للإذن فيه إذا، ونجاسة الماء حال المسح لا تضر، كالجنب إذا اغتسل وعليه نجاسة لا تمنع وصول الماء، على أحد القولين، (والثاني) - وهو اختيار ابن عقيل، وابن عبدوس، وأبي البركات - يشترط، لأنه منهي عنه في الأصل، وهذه ضرورة نادرة، وإذا يتيمم للرجلين، فإن كان طاهر العين، لكن بباطنه أو بقدمه نجاسة لا تزال إلا بنزعه، فقال كثيرون: يخرج على روايتي الوضوء قبل الاستنجاء، وفرق أبو البركات بأن نجاسة المحل ثم لما أوجبت الطهارتين جعلت إحداهما تابعة للأخرى، وهذا معدوم هنا، وهذه الشروط قد تؤخذ من كلام الخرقي، لخروج كلامه على خف معتاد، ماعدا شرطي الحل، وطهارة العين، والله أعلم.
قال: وهما العظمان الناتئان ش: قد تقدم أن الكعبين هما العظمان النائتان] ، في «باب فرض الطهارة» وتقدم الدليل عليه، فلا حاجة إلى إعادته، والله أعلم.
قال: وكذلك الجورب الصفيق، الذي لا يسقط إذا مشى فيه
ش: لما كان الخف المعتاد من شأنه أن يكون صفيقا، لا يسقط إذا مشى فيه، لم يصرح بذكر هذين الشرطين فيه، ولما كان الجورب - وهو غشاء من صوف، يتخذ للدفء - يستعمل تارة وتارة كذا، صرح باشتراط ذلك فيه، وقد تقدم بيان هذين الشرطين عن قرب، والكلام الآن في جواز المسح على الجورب في الجملة.
281 - والأصل فيه ما روى المغيرة بن شعبة «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ ومسح على الجوربين والنعلين» . رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، لكن الأكابر قد أشاروا إلى شذوذه ورده، فقال ابن المديني: رواه هزيل، وخالف الناس وقال ابن معين: الناس كلهم يروونه على الخفين غير أبي قيس ونحوه قال إمامنا - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رواية ابنه عبد الله،
وقال مسلم: أبوقيس، وهزيل - يعني راويا الحديث - لا يحتملان هذا مع مخالفتهما للأجلة الذين رووا عن المغيرة، فقالوا: مسح على الخفين.
وقال أبو داود: وكان ابن مهدي لا يحدث به، لأن المعروف عن المغيرة الخفين.
(قلت) : وهذا كله لا ينبغي أن يرد به الحديث، إذ لا مانع من رواية المغيرة اللفظين معا، ولهذا قال به أحمد، وبنى عليه مذهبه، ثم قد عضده فعل الصحابة، فقال أحمد [في رواية
الميموني] : قد فعله سبعة أو ثمانية من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
282 - وقال ابن المنذر: يروى عن تسعة من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علي، وعمار، وابن مسعود، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وابن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وقال أبو داود: روى عن [عمر و] ابن عباس.
وقال البيهقي: روي عن أبي أمامة، وعمرو بن حريث، فهؤلاء ثلاثة عشر صحابيا، غالبهم من أكابر فقهاء الصحابة المعتبرين.
اهـ.
وقد شمل كلام الخرقي المجلد والمنعل [وغيرهما] ، وصرح به غيره، وشمل -أيضا - جورب الخرق، وهو المشهور من الروايتين، واختيار الشيخين، (والثانية) : - وجزم بها في التلخيص - ليس له ذلك في جورب الخرق، والله أعلم.
قال: فإن كان يثبت بالنعل مسح عليه، فإذا خلع النعل انتقضت الطهارة ش: إذا كان الجورب لا يثبت إلا بالنعل جاز له المسح، لأن الشرط الثبوت وقد وجد، مع أن ذلك قد روى عن بعض الصحابة، وقد يتخرج المنع من قول الآمدي في الخف المشرج، وقد تقدم، ومتى خلع [النعل] انتقضت الطهارة، لزوال الشرط، والأولى أن يمسح على الجورب والنعل، كما هو ظاهر الحديث، ويمسح من النعل سيوره التي
على ظهر القدم، دون أسفله وعقبه كالخف، فإن اقتصر على قدر الواجب من أحدهما فقال القاضي - وهو ظاهر كلام صاحب التلخيص فيه -: لا يجزئه، لمخالفته ظاهر الحديث، وظاهر كلام أحمد - على ما قال أبو البركات - الإجزاء لأنهما [قد] جعلا كالشيء الواحد، وقيل بالإجزاء على الجورب دون النعل، والله أعلم.
قال: وإذا كان في الخف خرق يبدو منه بعض القدم لم يجزه المسح عليهما
ش: قد تقدم هذا الشرط عن قرب، ونزيد هنا بأن مقتضى كلام الخرقي أن ظهور بعض القدم كظهور القدمين، ثم قوله: خرق يبدو منه بعض القدم.
يخرج منه خرق لا يبدو شيء من القدم لانضمامه ونحو ذلك، فإنه لا يمنع من المسح، ونص عليه أحمد، والله أعلم.
كيفية المسح على الخفين
قال: ويمسح على ظاهر القدم.
283 - ش: لما «روى المغيرة بن شعبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يمسح على الخفين، على ظاهرهما.» رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه.
284 - «وعن علي - كرم الله وجهه -: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يمسح على ظاهر خفيه.» رواه أبو داود، وقدر الواجب في المسح جميع ظاهر الخف، وهو مشط القدم، إلى ظهر العرقوب، قاله الشيرازي، وقدر ذلك ابن البنا بقدر الناصية، وظاهر كلام أحمد - وعليه الجمهور - أن الواجب أكثر ظهر القدم.
285 - لما روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «مر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - برجل وهو يغسل خفيه، فقال بيديه، كأنه دفعه: «إنما أمرت بالمسح هكذا» من أعلى أطراف الأصابع، إلى أصل الساق، خططا بالأصابع، ورواه ابن ماجه، وقال: وفرق الأصابع وصفة المسح المسنون أن يضع يده مفرجة الأصابع، على أطراف أصابع رجليه ثم يجرهما إلى ساقه مرة واحدة، اليمين
باليمين، واليسرى باليسرى، قال في البلغة: ويسن تقديم اليمين.
286 - وقد روى البيهقي في سننه بسنده، «عن المغيرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسح على خفيه، وضع يده [اليمين] على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة، كأني أنظر إلى أصابع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الخفين» . وظاهر هذا أنه لم يقدم إحداهما على الأخرى، وكيفما مسح أجزأه، كما في الرأس، نعم لو مسح بخرقة أو خشبة ففي الأجزاء احتمالان، والله أعلم.
قال: فإن مسح أسفله دون أعلاه لم يجزئه
ش: لظاهر ما [تقدم] من الأحاديث قبل، وظاهر كلام الخرقي أنه لو مسح أسفله وأعلاه أجزأه، وهو كذلك، لإتيانه بالمقصود وزيادة، نعم هل يسن ذلك - وهو ظاهر قول ابن أبي موسى - أو لا يسن - وهو ظاهر كلام الخرقي، ومنصوص الإمام، وعليه العامة، [اتباعا] لظواهر الأحاديث؟ على قولين ومن ثم لا يسن استيعابه، ولا تكرار مسحه، وكره غسله، وبالغ القاضي فقال بعدم الأجزاء مع الغسل، لعدوله عن المأمور، وشيخه نظر إلى أنه أتى
بالأبلغ، فاجتزى بذلك، وتوقف الإمام والحال هذه، والله أعلم.
قال: والرجل والمرأة في ذلك سواء ش: أي فيما ذكر من المسح على الخف: والجورب، ونحوهما، وشرائطهما، لأن ذلك معتاد لها، فكان حكمها فيه حكم الرجل، وخرج بذلك العمامة، ولأنه مسح أقيم مقام الغسل، فاستويا فيه كالتيمم، والله أعلم.
باب الحيض
قال:
باب الحيض ش: الحيض مصدر: حاضت المرأة تحيض، حيضا ومحاضا ومحيضا، فهي حائض، وحائضة في [لغة] ، وتحيضت: قعدت أيام عادتها عن الصلاة.
وأصله [من] السيلان، يقال: حاض الوادي؛ إذا سال، والحيض دم يرخيه الرحم عند البلوغ، في أوقات معلومة، لحكمة تربية الولد، فعند الحمل ينصرف ذلك الدم بإذن الله تعالى إلى تغذية الولد، ولذلك لا تحيض الحامل، وعند الوضع يخرج ما فضل عن غذاء
الولد من ذلك الدم، ثم يقلبه الله تعالى لبنا يتغذى به الولد، ولذلك قل ما تحيض المرضع، فإذا خلت من حمل ورضاع بقي ذلك الدم لا مصرف له في محلة، ثم يخرج غالبا في كل شهر ستة أيام أو سبعة، وقد يزيد على ذلك ويقل، ويطول ويقصر، على حسب ما ركبه الله في الطباع، والله أعلم.
أقل الحيض
قال: وأقل الحيض يوم وليلة ش: هذا [هو] المشهور من الروايتين، والمختار للعامة.
قال ابن الزاغوني: اختارها عامة المشايخ.
والثانية: أقله يوم.
اختارها أبو بكر على ما حكاه [عنه] جماعة، والذي في التنبيه يوم وليلة، وقد قيل يوم، والأصل في ذلك عدم التقدير من الشرع، قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغتسلي [وصلي] » ولم يقيد ذلك بقدر، بل وكله إلى ما تعرفه من عادتها، وما لا تقدير فيه من الشرع المرجع فيه إلى العرف، إذ الشارع إنما ترك تقديره لذلك، وإلا يكون أهمل حكمه، وأنه لا [يجوز] وأهل العرف قد ورد عنهم ذلك.
287 - (فعن) [عطاء] : رأيت من النساء من كانت تحيض يوما، ومن كانت تحيض خمسة عشر يوما.
(وعن: الشافعي [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] : رأيت امرأة قالت: إنها لم تزل تحيض [يوما لا يزيد] ، وقال لي عن نساء: إنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاثة أيام، (وعن) ابن مهدي، عن امرأة أنها قالت: حيضي يومان.
وعن إسحاق: صح في زماننا عن غير واحدة أنها قالت: حيضي يومان فثبت بنقل هؤلاء الأئمة الأعلام أن في النساء جماعة يحضن يوما، ويومين، فمن قال باليوم دون ليلته أخذ بظاهر [إطلاق] اليوم، ويؤيده قول الأوزاعي: عندنا امرأة تحيض بكرة، وتطهر عشية.
ومن اعتبر اليوم مع ليلته قال: إنه المفهوم من إطلاق اليوم، ومن ثم قال القاضي في الروايتين: يمكن حمل قول أحمد: أقله يوم.
[أي] : بليلته، فتكون المسألة رواية واحدة، وهذه طريقة الخلال، وما حكاه الأوزاعي فعن امرأة واحدة، ومثله لا يثبت حكما شرعيا في حق سائر النساء، وما نقل من التقدير بثلاثة أيام، (فإما) صريح غير صحيح.
288 - كما روى عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام» رواه الدارقطني وغيره من طرق وروي - أيضا - عن بعض الصحابة، لكن كلها ضعيفة، بل فيها ما قيل: إنه موضوع.
قال أحمد [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] في رواية الميموني:) ما صح عن أحد من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال في الحيض: عشرة أيام، أو خمسة عشرة.
(وإما) صحيح
غير صريح، كقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للمستحاضة: «لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهن» . 289 - وقوله لفاطمة بنت أبي حبيش: «اجتنبي الصلاة أيام حيضك» رواه أحمد وأقل الجمع ثلاثة، فهذا ونحوه مما خرج على الغالب، إذ الغالب أن حيض النساء أكثر من اليوم، بل ومن الثلاثة أيام، والله أعلم.
أكثر الحيض
قال: وأكثره خمسة عشر يوما ش: هذا هو المذهب - أيضا - والمشهور من الروايتين، لما تقدم عن عطاء، ونقل ذلك [أيضا] عن الشافعي، وإسحاق، ويحيى بن آدم، وشريك.
290 - ويرشحه ما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، وأما نقصان دينها فإنها تمكث شطر عمرها لا تصلي» قال القاضي: رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه.
والشطر النصف، والظاهر أنه أراد منتهى نقصانهن، وقول البيهقي: إنه لم يجده في شيء من كتب الحديث يرده ما حكاه القاضي، لكن قال ابن منده: لا يثبت هذا بوجه من الوجوه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (والثانية) : أكثره سبعة عشر يوما، لأن ذلك يحكى
عن نساء الماجشون، وحكاه ابن مهدي عن غيرهن، اهـ. ولم يذكر الخرقي أقل الطهر، فيحتمل أنه لا حد لأقل الطهر عنده، وهو إحدى الروايات عن أحمد، رواها عنه جماعة، قاله أبو البركات، واختاره بعض الأصحاب، ولا عبرة بحكاية ابن حمدان ذلك [قولا] ثم تخطئته، (والمختار) في المذهب أن أقله ثلاثة عشر يوما.
291 - لما رواه أحمد واحتج به - عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن امرأة جاءت إليه قد طلقها زوجها، زعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض، طهرت عند كل قرء وصلت، فقال علي لشريح: قل فيها.
فقال شريح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها، ممن يرضى دينه وأمانته، شهدت أنها حاضت في شهر ثلاثا، وإلا فهي كاذبة.
فقال علي: قالون.
أي جيد، بالرومية، وثلاث حيض في شهر دليل على أن الثلاثة عشر طهر صحيح يقينا أما على الاثني عشر وما دونها فمشكوك فيه.
(والرواية الثالثة) : أقله خمسة عشر يوما، لما تقدم من حديث «تمكث إحداكن شطر دهرها لا تصلي» وزعم أبو بكر في روايتيه أن هاتين الروايتين مبنيتان على أكثر الحيض، [فإذا] قيل: أكثره خمسة عشر.
فأقل الطهر خمسة عشر، وإن قيل: أكثره سبعة عشر.
فأقل الطهر ثلاثة عشر.
والمشهور عند الأصحاب خلاف هذا، إذ المشهور أن أكثر الحيض خمسة عشر وأقل الطهر ثلاثة عشر.
ثم إنما يلزم هذا [أن] لو كانت المرأة تحيض في كل شهر حيضة، لا تزيد على ذلك ولا تنقص، وليس كذلك.
(تنبيه) : غالب الطهر بقية الشهر، «واللب» العقل، والله أعلم.
علامات إقبال الحيض وإدباره
قال: فمن طبق بها الدم، وكانت ممن تميز، فتعلم إقباله، بأنه أسود ثخين منتن، وإدباره بأنه رقيق أحمر، تركت الصلاة في إقباله، فإذا أدبر اغتسلت، وتوضأت لكل صلاة وصلت، وإن لم يكن دمها منفصلا، وكانت لها أيام من الشهر تعرفها، أمسكت عن الصلاة فيها، واغتسلت إذا جاوزتها، وإن كانت لها أيام أنسيتها، فإنها تقعد ستا أو سبعا في كل شهر
ش: لما ذكر - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أكثر الحيض، أراد أن يبين حكم المرأة إذا زاد دمها على ذلك، فقال: من طبق بها الدم.
أي استمر بها، وجاوز الخمسة عشر يوما، وهذه هي المستحاضة، التي قال فيها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن ذلك عرق، وليس بالحيضة» أي أن دمها يسيل من عرق، وليس هو دم الحيض، وهذا العرق يسمى «العاذل» بالمعجمة، ويقال بالمهملة، حكاهما ابن سيده، «والعاذر» لغة فيه.
والمستحاضة على ضربين، مبتدأة [ومعتادة] وغيرهما لها أربعة أحوال، وهذه التي كلام الشيخ فيها (الحال الأولى) المميزة، وهي التي [لها] دمان، أحدهما أقوى من الآخر، كأن [يكون] أحدهما ثخين منتن، والآخر رقيق أحمر، أو أحدهما أحمر مشرق، والآخر دونه، ونحو ذلك.
(الثانية) أن تكون معتادة، وهي التي لها أيام من الشهر تعرفها، وشهر المرأة ما اجتمع لها فيه حيض وطهر، وأقل ذلك على المذهب أربعة عشر يوما.
(الحالة الثالثة) أن تكون معتادة ومميزة، بأن يكون لها أيام من الشهر تعرفها، ثم استحيضت، فصار لها دمان، أحدهما أقوى من الآخر.
(الحال الرابعة) عكسها، وهي من لا عادة لها ولا تمييز.
إذا عرف هذا فلا نزاع عندنا أنه متى انفرد التمييز عمل به، فتجلس زمن الدم الأقوى.
292 - لما في الصحيحين عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت: إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة
، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» وظاهره إناطة الحكم بإقبال الحيضة وإدبارها، من غير نظر إلى عادة.
293 - وأصرح من ذلك ما روي عن عروة بن الزبير، «عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا كان دم الحيض، فإنه أسود يعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو عرق» رواه أبو داود، والنسائي.
294 - وروى البيهقي في سننه عن مكحول، عن أبي أمامة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دم الحيض أسود خاثر، تعلوه حمرة، ودم المستحاضة أصفر رقيق» لكنه مرسل، إذ مكحول لم يسمع من أبي أمامة، قال الدارقطني: مع أن في سنده مجهولا وضعيفا، نعم ذكر ذلك أبو داود عن مكحول من قوله، وأيضا فإن مع الاشتباه يرجع إلى الصفات، كما لو اشتبه المني بالمذي، ونحو ذلك، (ويشترط) للعمل بالتمييز أن لا ينقص الأقوى عن أقل الحيض، ولا يزيد على
أكثره، وأن يكون بين الدمين القويين أقل الطهر.
قلت: إن قلنا: لأقله حد.
وهل يشترط كون مجموع الدمين الأقوى والأضعف لا يزيدان على أكثر من شهر؟ فيه وجهان، أصحهما: لا يشترط، إذ أكثر الطهر لا حد له، والثاني: يشترط، نظرا لغالب عادات النساء، ومتى اختل شرط من ذلك فكأن لا تمييز.
اهـ.
ولا نزاع أيضا أنه متى انفردت العادة عمل بها.
295 - لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، «أن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف شكت إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدم، فقال لها: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي» فكانت تغتسل عند كل صلاة» ، رواه مسلم.
296 - «وعن أم سلمة أنها استفتت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في امرأة تهراق الدم، فقال: «لتنظر قدر الأيام والليالي التي كانت تحيضهن، وقدرهن من الشهر، فتدع الصلاة، ثم لتغتسل، ولتستثفر ولتصل» رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وقال
أحمد في رواية المروذي، وإسحاق بن إبراهيم، وغيرهما: الحيض يدور عندي على ثلاثة أحاديث، حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وحديث حمنة بنت جحش، وحديث سليمان ابن يسار، وهو حديث أم سلمة.
اهـ.
ولا تثبت العادة إلا بتكرار مرتين على رواية، لوجود المعاودة، وعلى أخرى - وهي المذهب، واختيار الخرقي [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] ، وقال ابن الزاغوني: إنها اختيار عامة المشايخ - لا بد من تكرار ثلاثا، لظاهر ما تقدم، إذ «كان» في مل هذا التركيب إنما تستعمل في ما دام وتكرر، وهل يعتبر التكرار في التمييز، حيث يعمل به؟ فيه وجهان (أحدهما) - وهو اختيار القاضي، والآمدي - نعم، كالعادة بل أولى، إن قلنا: تقدم عليه.
لأنه إذا اعتبر في الأقوى، ففي الأضعف أولى (والثاني) : وهو ظاهر كلام الإمام والخرقي واختيار ابن عقيل - لا، لأن النص دل على الرجوع إلى صفة الدم مطلقا.
اهـ.
وإن اجتمعت العادة والتمييز فروايتان (إحداهما) يقدم التمييز على العادة، فتعمل عليه وتتركها، وهي ظاهر كلام الخرقي، لقوله: وكانت ممن تميز.
وهو شامل لما إذا كان لها عادة، ثم قال: وإن لم يكن دمها منفصلا.
أي بعضه من بعض، بل كان كله شيئا واحدا، فلم ينقلها للعادة إلا عند عدم
التمييز، وذلك لأن التمييز أمارة قائمة في نفس الدم، موجودة حال الاشتباه، فقدم على العادة لانقضائها، وتحمل أحاديث العادة على من لا تمييز لها (والثانية) تقدم العادة، وهو اختيار الجمهور، لورودها في غالب الأحاديث من غير تفصيل، وجعلهن كلهن غير مميزات فيه بعد، ولم يرد العمل بالتمييز إلا في حديث فاطمة المتقدم، وحديثها الذي في الصحيح ليس فيه تصريح بذلك.
297 - بل في الصحيح من حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لها: «ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي» فردها - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى العادة، وقد نقل حرب عن أحمد أنها نسيت أيامها فالظاهر أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ردها للتمييز حين ذكرت أنها ناسية.
اهـ.
وإن عدمت العادة والتمييز، وهي التي كانت لها أيام فأنسيتها ودمها غير متميز، وتلقب «بالمتحيرة» ، وهي التي قد تحيرت في حيضها، ولها ثلاثة أحوال (أحدها)
أن تنسى وقتها وعددها، وهذه [التي] قال الخرقي: إنها تجلس ستا أو سبعا، نظرا لغالب عادات النساء.
298 - كما قد صرح بذلك في حديث حمنة بنت جحش، وسألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن استحاضتها، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام في علم الله تعالى، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أن قد طهرت، واستنقأت فصلي أربعا وعشرين ليلة، أو ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كل شهر، كما تحيض النساء وكما يطهرن، لميقات حيضهن [وطهرهن] » مختصر، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح (وهذا) إحدى الروايتين، وهو المختار للأصحاب (والثانية) : تجلس الأقل، لأنه المتيقن، وخرج القاضي فيها (رواية ثالثة) من المبتدأة أنها تجلس الأكثر (ورابعة) من المبتدأة - أيضا - تجلس عادة نسائها، وهي
الرواية الثانية التي في الكافي، وجعل الأقل مخرجا، وهو سهو، وإنما الأقل منصوصا، وكذلك الأول.
وعلى كل حال ففي وقت إجلاسها وجهان (أحدهما) - وهو المشهور - أنها تجلس من أول [كل] شهر، لظاهر حديث حمنة [والثاني) - واختاره أبو بكر، وابن أبي موسى - تجلس بالتحري، لأنه أمارة مغلبة على الظن، ورؤوس الأهلة لا تأثير لها عقلا ولا عرفا، بل ولا شرعا في ابتداء الحيض، وفصل أبو البركات فقال: إن طال عهدها بزمن افتتاح الدم، ونسيته، جلست بالتحري، في أصح الوجهين، وإن ذكرت زمن افتتاح الدم، كمعتادة انقطع عنها الحيض، ثم جاءها الدم في خامس يوم من الشهر، واستمر، فهذه تحيض من خامس الشهر لا بالتحري على أصح الوجهين.
(الحال الثاني) : من أحوال الناسية أن تذكر العدد وتنسى الوقت، كأن قالت: حيضي خمسة أيام [من] النصف الأول، ولا أعلم هل هي الأولى أو الثانية، أو الثالثة، فهذه تجلس خمسة [أيام] بلا ريب، لكن هل تجلسها بالتحري، أو بالأولوية؟ وصححه أبو البركات، فيه وجهان، ومتى تعذر أحدهما عمل بالآخر.
اهـ.
وكل موضع أجلسناها بالتحري، أو بالأولوية فإنها تحيض من كل
شهر حيضة، لخبر حمنة، إلا أن تذكر لها وقتا من الطهر بين الحيضتين يخالفه، فإنها تبنى عليه.
(الحال الثالث) تذكر الوقت وتنسى العدد كأن تقول: كنت أحيض من خامس الشهر، لكن لا أعرف قدر ذلك.
فإنها تحيض من الخامس الغالب أو الأقل، على الروايتين المنصوصتين، والأكثر أو عادة نسائها على المخرجتين، وحيث قلنا: تجلس الناسية ستا أو سبعا.
فإن ذلك تخيير اجتهاد أو تحر، على أصح الوجهين، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] وعلى الثاني تخيير مطلق، نظرا لظاهر (أو) كما في كفارة اليمين ونحوها.
إذا عرف هذا فالمستحاضة [في] الأيام المحكوم بحيضها فيها حكمها [فيها] حكم الحيض في جميع أحكامها، قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفاطمة: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة» فإذا انقضى ما حكم بحيضها فيه فهي إذا في حكم الطاهرات فيلزمها الغسل، والعبادات وغير ذلك، كما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفاطمة أيضا: «فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي» وفي رواية «فاغتسلي وصلي» إلا أن في وطئها خلافا كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ويلزمها أن تتوضأ لوقت كل صلاة، على المشهور من الروايتين والمختار لجمهور الأصحاب.
299 - لأن في «حديث حمنة: أنها كانت تهراق الدم، وأنها سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأمرها أن تتوضأ لوقت كل صلاة» . رواه ابن بطة بإسناده، وتصلي بوضوئها ما شاءت من فرائض ونوافل، ما لم يخرج الوقت، كما تجمع بين فرض ونفل اتفاقا، (والثانية) وهي ظاهر كلام الخرقي تتوضأ لكل فريضة.
300 - لأن في حديث فاطمة: «وتوضئي لكل صلاة» رواه البيهقي مرسلا ومتصلا، وقال: الصحيح أنه من قول عروة.
301 - وعن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المستحاضة «تدع الصلاة أيام أقرائها.
ثم تغتسل وتصلي، والوضوء عند كل صلاة» رواه الترمذي، وأبو داود وضعفه، ورواه البيهقي، وقال: «وتتوضأ لكل صلاة» .
302 - وعن جابر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة» ، وقد جاء عن عائشة - أيضا - أنها قالت: «تتوضأ لكل صلاة» . وفي رواية عنها: «عند كل صلاة» . رواهما البيهقي (فعلى الأولى) يبطل وضوءها بخروج الوقت ودخوله، على ظاهر كلام أحمد، واختيار القاضي، وعلى اختيار أبي البركات لا يبطل إلا بالدخول وتنوي استباحة الصلاة، لا رفع الحدث، فإن نوته فقال في التلخيص: لا أعلم لأصحابنا فيه قولا، وقياس المذهب أنه لا يكفي، لتعذر رفعه للحدث الطارئ ولا يشترط تعيين النية للفرض، على ظاهر قول
الأصحاب، قاله أبو البركات، إذ هذه الطهارة ترفع الحدث الذي أوجبها.
ويلزمها قبل الوضوء أن تغسل فرجها وتعصبه، وتسد محل الدم ما أمكن.
303 - لما تقدم من «قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأم سلمة في حق المستحاضة «لتستثفر بثوب» .
304 - «وقال لحمنة: «أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم» قالت: إنه أكثر من ذلك.
قال: «فاتخذي ثوبا» قالت: هو أشد من ذلك.
قال: «فتلجمي» فإن غلب الدم، وخرج بعد إحكام [الشد] والتلجم لم يضرها ذلك.
305 - لأن في حديث فاطمة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لها: «اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي لكل صلاة، وصلي وإن قطر الدم على الحصير» رواه أحمد، وابن ماجه، وهل يلزمها إعادة الشد، وغسل الفرج لوقت كل صلاة كما في الوضوء؟ فيه وجهان، أصحهما لا يجب، والأولى أن تصلي عقب الطهارة، نعم لها التأخير لبعض مصالح الصلاة، من انتظار جماعة، وأخذ سترة ونحو ذلك، فإن أخرت لغير مصلحة فوجهان.
(تنبيه) : قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما ذلك عرق» قد تقدم أن هذا العرق يسمى: «العاذل» «والعاذر» ، قال القرطبي: أي عرق انقطع.
وقوله: «خاثر» . أي ثخين.
«وتهراق الدم» أي يجري دمها كما يجري الماء وقوله: «ركضة» من ركضات الشيطان، أي أن الشيطان قد حرك هذا الدم الذي ليس بدم حيض، و «الكرسف» القطن، «وتلجمي» ، التلجم كالاستثفار، وهو أن تشد المرأة فرجها بخرقة عريضة، توثق طرفيها في شيء آخر قد شدته على وسطها، بعد أن تحتشي قطنا، فتمنع بذلك الدم أن يجري أن يقطر، «والاستثفار] مأخوذ من ثفر الدابة، لأنه يكون تحت ذنب الدابة، قيل: وأصله للسباع، وإنما استعير، «وتحيضي» أي اقعدي أيام حيضتك، والله أعلم.
أحكام المبتدأة في الحيض
قال: والمبتدأ بها الدم تحتاط، فتجلس يوما وليلة [وتغتسل] وتتوضأ لكل صلاة وتصلي، فإن انقطع الدم في خمسة عشرة يوما اغتسلت عند انقطاعه، وتفعل مثل ذلك ثانية وثالثة، فإن كان بمعنى واحد عملت عليه، وأعادت الصوم إن كانت صامت - في هذه الثلاث مرات - لفرض ش: الجارية إذا رأت الدم في زمن يصلح لكونه حيضا - وأقله استكمال تسع سنين على المذهب أو اثنتي عشرة سنة على رواية - فإنها تترك له الصوم والصلاة، وغيرهما مما تشترط له الطهارة، ويعطى حكم الحيض، لأن الحيض دم جبلة وعادة، وهو «شيء كتبه الله على بنات آدم» ، وقد وجد سببه
فاعتمد ذلك، وكونه دم فساد الأصل عدمه، ثم إن انقطع لأقل من أقل الحيض، فقد تبين أنه دم فساد، فتعيد ما تركته من الصلاة، وإن انقطع لأقل الحيض - وهو يوم على رواية، ويوم وليلة على المذهب - فهو حيض جزما فتغتسل إذا، وتفعل ما تفعله الطاهرات بلا ريب، وإن جاوز الأقل فإنها تجلس يوما وليلة فقط، على المشهور والمنصوص في رواية صالح، وعبد الله، والمروذي، والمختار للأصحاب، احتياطا للعبادة، كما أشار إليه الخرقي، إذ الزائد على الأقل محتمل للحيض والاستحاضة، ولم يوجد تكرار يرجح أحدهما، فالأحوط أن لا يجعل حيضا.
(وعنه) : تجلس الزائد ما لم يجاوز [أكثر] الحيض، لصلاحيته لذلك، (وعنه) : تجلسه إلى تمام ست أو سبع، عملا بغالب عادة النساء، (وعنه) : تجلسه إلى تمام عادة نسائها، كأختها، وأمها، وعمتها، وخالتها، إذ الظاهر شبهها بهن، هذه طريقة أبي بكر، وابن أبي موسى، وابن الزاغوني، والشيخين في شرحيهما، وغير واحد من الأصحاب، وهي ظاهر كلام أحمد في رواية جماعة، وطريقة القاضي وابن عقيل في تذكرته، والشيخين في مختصريهما، وطائفة أن المبتدأة لا تجلس فوق الأقل بلا نزاع، وإنما محل الخلاف فيما إذا تبين أنها مستحاضة، (وشذ أبو محمد) في الكافي، فجعل [في] المبتدأة أول ما ترى الدم الروايات
الأربع، وقال فيما إذا تبين أنها مستحاضة أنها تجلس غالب الحيض، ثم قال: وذكر أبو الخطاب فيها الروايات الأربع.
(وهو سهو) فإنه لا نزاع نعلمه بين الأصحاب في جريان الروايات الأربع في المبتدأة المستحاضة، وإنما النزاع في جريانهن فيها أول ما ترى الدم.
إذا عرف هذا، وقلنا على المذهب: إنها [إنما] تجلس الأقل.
فإنها تغتسل عقبه، وتصوم، وتصلي، ولا يطؤها زوجها احتياطا، ثم إن انقطع لأكثر الحيض فما دون اغتسلت غسلا ثانيا عند انقطاعه، لجواز كون الجميع حيضا، وتفعل مثل ذلك في الشهر الثاني، والثالث، فإذا كان في الأشهر الثلاثة بمعنى واحد، أي على أسلوب واحد، وقدر واحد، تبينا أن الجميع عادة لها، وأنه حيض، وإذا تجلسه جميعه في الشهر الرابع، وهذا على المذهب كما تقدم [من] كون العادة لا تثبت إلا بثلاث، أما على الرواية الأخرى فتجلسه في الشهر الثالث، لوجود شرط العادة وهو التكرار، ثم قد تبينا أنها كانت حائضا في تلك الأيام، فلا تعتد بما فعلته فيها مما يشترط له الطهارة، من صلاة، وصوم، واعتكاف، وطواف، وإذا يلزمها قضاء الواجب من ذلك لتبين عدم
صحته، وبقائه في ذمتها، عدا الصلاة فإنها لا تجب على حائض، والله أعلم.
قال: فإن استمر بها الدم، ولم يتميز قعدت من كل شهر ستا أو سبعا، لأن الغالب من النساء هكذا يحضن
ش: إذا استمر بالمبتدأة الدم، بأن جاوز أكثر الحيض، فهذه هي المستحاضة المبتدأة، ولها حالتان (إحداهما) : أن يكون لها تمييز معتبر، فتعمل عليه بلا ريب، لكن في اشتراط التكرار له - كما يشترط للعادة - (وجهان) تقدما، (الثانية) لا تمييز لها أصلا، أو لها تمييز غير معتبر، فهذا في قدر ما تجلسه الروايات الأربع السابقة، والمذهب منهن - الذي اختاره الخرقي، وابن أبي موسى، والقاضي، وجمهور أصحابه، والشيخان، وغير واحد - أنها تجلس غالب الحيض ستا أو سبعا كما تقدم، عملا بالغالب، وللاتفاق على أنها ترد إلى غالب الحيض وقتا، بأن تحيض من كل شهر حيضة، فلذلك ترد إلى الغالب قدرا، وتفارق المبتدأة أول ما ترى الدم في كونها تجلس الأقل، من حيث إنها أول ما ترى الدم ترجو انكشاف أمرها عن قرب، ولم يتيقن لها دم فاسد، وإذا
تبين استحاضتها فقد اختلط الحيض بالفاسد يقينا، ولا حالة لها قريبة تنتظر، فلذلك ردت إلى الغالب، اعتمادا على الظاهر، واختار أبو بكر، وابن عقيل في تذكرته أنها تجلس الأقل، كقوليهما، وقول غيرهما من الأصحاب في حال الابتداء.
ثم هل تثبت استحاضتها بدون التكرار، فيه وجهان، (أحدهما) : وهو اختيار القاضي - لا تثبت، وإذا تجلس قبل التكرار [الأقل على المذهب، وعند القاضي بلا خلاف، (والثاني) - وهو اختيار أبي البركات - تثبت بمجرد مجاوزة الدم الأكثر، لظاهر حديث حمنة، وعلى هذا تجلس في الشهر الثاني غالب الحيض على المختار، وأما الشهر الأول فلا تجلس منه إلا] الأقل على المذهب بلا ريب، لأن استحاضتها فيه غير معلومة، والله أعلم.
الصفرة والكدرة في أيام الحيض
قال: والصفرة والكدرة في أيام الحيض من الحيض
ش: الصفرة والكدرة في أيام الحيض - وهو زمن العادة - من الحيض، لعموم قول الله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] ومن رأت صفرة أو كدرة في [أيام] العادة صدق عليها أنها لم تطهر.
306 - وعن مرجانة - مولاة عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: كانت النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة، فيها الكرسف، فيه الصفرة من دم