شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 589-628
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصيام

صفحات 589-628
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

«تنبيه» : «الأرب» بفتح الهمزة والراء الحاجة، وكذلك بكسر الهمزة وسكون الراء، وقيل: بل العضو أي الذكر، والله أعلم.

قال: ومن استقاء فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فلا شيء عليه.
ش: لحديث أبي هريرة المتقدم والاستقاء: طلب القيء، والذرع خروجه.
بغير اختياره.
وظاهر كلام الخرقي: أنه لا فرق بين قليل القيء وكثيره، وهو المذهب بلا ريب، وعنه: لا يفطر إلا بملء الفم.
وعنه: بل بملء نصفه.
والله أعلم.

قال: ومن ارتد عن الإسلام فقد أفطر.
ش: لأن الصوم عبادة محضة، فنافاها الكفر كالصلاة، مع أن أبا محمد قال: لا أعلم في هذا خلافا والله أعلم.

قال: ومن نوى الإفطار فقد أفطر.
ش: هذا هو المذهب المعروف المشهور، لأنها عبادة من شرطها النية، فبطلت بنية الخروج منها كالصلاة، ولأنه قد خلي جزء من العبادة عن النية المشترطة لجميع العبادة، والمركب يفوت بفوات جزئه فيبطل.
وعن ابن حامد: لا يفطر، لأنها عبادة يلزم المضي في فاسدها، فلم تفسد بنية الخروج منها كالحج.
فعلى الأول: إذا تردد في قطعه، أو

نوى أن سيقطعها، أو علقها على شرط [فنوى الإفطار] كوجود الفداء ونحوه فوجهان، هذا كله إذا كان الصوم فرضا، أما إن كان نفلا فنوى الإفطار فقد أفطر، ثم الذي وجد من صومه في حكم العدم، فإذا عاد فنوى الصوم أجزأه وإن كان بعد الزوال على الصحيح، والله أعلم.

ما يوجب القضاء والكفارة في الصيام

قال: ومن جامع في الفرج، فأنزل أو لم ينزل، أو دون الفرج فأنزل، عامدا أو ساهيا، فعليه القضاء والكفارة، إذا كان في شهر رمضان.
1327 - ش: الأصل في الجماع في رمضان ما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «جاء رجل إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: هلكت يا رسول الله.
قال: «وما أهلكك» ؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان.
قال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا.
قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا.
قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟» قال: لا.
ثم جلس فأتي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعرق فيه تمر، فقال: «تصدق بهذا» ، فقال: على أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا.
فضحك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى بدت نواجذه ثم قال: «اذهب فأطعمه أهلك» ، رواه الجماعة، وفي لفظ لابن ماجه وأبي داود: «وصم يوما مكانه» ؛ قال بعض الحفاظ: روي الأمر بالقضاء من غير وجه.

إذا تقرر هذا فمتى جامع في نهار رمضان في الفرج عامدا فقد فسد صومه، وعليه القضاء والكفارة [نظرا] لهذا الحديث، إذ هو العمدة في الباب، ولا فرق بين أن ينزل أو لا ينزل، لعدم الاستفصال في الحديث، ولا بين كون الفرج قبلا أو دبرا، من آدمي أو بهيمة، على المذهب المختار للقاضي، والشريف، وأبي الخطاب، والشيرازي، وأبي البركات وغيرهم، وقيل عنه: لا تجب الكفارة بوطء البهيمة.
ومبنى الروايتين عند الشريف، وأبي الخطاب [على] وجوب [الحد] بوطئها وعدمه، ولا بين كون الموطوءة زوجته أو أجنبية.
وإن جامع دون الفرج [فأنزل] عامدا فكذلك، عليه القضاء والكفارة، على المشهور من الروايتين، حتى أن القاضي لم يذكر في التعليق غيرها، وخص الروايتين بالقبلة واللمس، وكذلك الخرقي، وابن أبي موسى، وأبو بكر، قالوا هنا بالكفارة، مع قولهم ثم بعدمها، وذلك لأنها مباشرة اقترن بها الإنزال، أشبهت المباشرة في الفرج، ولشمول: وقعت.

لها مع عدم استفصال الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وعنه) : لا كفارة.
لأن قوة النص تقتضي أنه جامع في الفرج وكنى عن ذلك بالمواقعة، وإذا فالأصل براءة الذمة من الكفارة.
وإن لم ينزل فلا قضاء ولا كفارة إذ مع عدم الإنزال ضعفت المباشرة، فصارت بمنزلة اللمس ونحوه.
واختلف في وطء الساهي، هل حكمه حكم وطء العامد فيما تقدم؟ فعنه - وهو المشهور عنه، والمختار لعامة أصحابه [الخرقي] والقاضي وغيرهما -: نعم يجب القضاء والكفارة، لما تقدم من حديث الأعرابي، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يستفصله بين أن يكون ناسيا أو عامدا، ولو اختلف الحكم لاستفصله وبينه [له] بذلك استدل أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - وما يورد من قول الأعرابي: هلكت.
يحتمل أنه قال ذلك لعلمه أن النسيان هنا لا يؤثر] . (وعن أحمد) رواية أخرى: يجب القضاء ولا تجب الكفارة.
نص عليها في رواية أبي طالب، واختارها ابن بطة، ولعله مبني على أن الكفارة ماحية، ومع النسيان لا إثم يمحى.
ونقل أحمد بن القاسم عن الإمام أحمد: كل أمر غلب عليه الصائم ليس عليه قضاء ولا غيره.
فأخذ من هذا أبو الخطاب [ومن تبعه] رواية بانتفاء القضاء والكفارة والحال

ما تقدم، وهو ظاهر قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان.
.» الحديث، وقياسه الأكل [ناسيا] ونحوه، وليست هذه الرواية عند القاضي، بل قال في تعليقه: يجب القضاء رواية واحدة.
وكذلك قال الشيرازي، وهو مقتضى قول الشريف، وأبي الخطاب، وابن الزاغوني، وأبي البركات [لجزمهم بذلك، ونقل أبو داود عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - التوقف.
وحكم المخطئ - كمن جامع يظن] أن الفجر لم يطلع وقد طلع أو أن الشمس قد غربت ولم تغرب - حكم الناسي عند أبي البركات، وجزم أبو محمد بوجوب القضاء والكفارة [عليه] ، وكذلك نص أحمد في رواية حنبل وعبد الله، وكلام القاضي في التعليق محتمل.
وكذلك حكم المكره حكم الناسي عند أبي الخطاب، والشيخين في مختصريهما، وعن القاضي: الجزم بوجوب الكفارة [به] بناء عنده على أن الإكراه على الوطء لا يتصور.
واستثنى ابن عقيل الملجأ الذي غلبته نفسه فلم يجعل عليه قضاء ولا كفارة، والظاهر أن رواية ابن القاسم المتقدمة [تدل] على ذلك، وقال أبو محمد: ظاهر كلام أحمد [وجوب القضاء] لقوله في المرأة إذا غصبها رجل فجامعها: عليها [القضاء] .

فالرجل أولى، وكذلك جزم القاضي في تعليقه فقال: إذا جامع امرأة مكرهة أو نائمة فعليها القضاء، واستشهد بنص أحمد.
وحكم النائم [حكم] الملجأ عند ابن عقيل: لا قضاء عليه ولا كفارة، والقاضي يجعل عليه القضاء.
وقول الخرقي فعليه القضاء والكفارة إذا كان في شهر رمضان.
الشرط راجع إلى الكفارة فقط، فلا تجب الكفارة بالجماع في غير رمضان، اتباعا [للنص] ويعضده أن الأصل براءة الذمة، أما [القضاء] فهو في كل صوم واجب.
«تنبيه» : العرق بفتح [العين و] الراء مكتل، والله أعلم.

قال: والكفارة عتق رقبة، فإن لم يمكنه فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا [لكل مسكين مد بر أو نصف صاع من تمر أو شعير] . ش: لحديث أبي هريرة المتقدم، فإنه نص فيه على الثلاثة، وهو ظاهر في الترتيب.
وأنص منه ما روى ابن ماجه في الحديث أنه قال: «أعتق رقبة» ، قال: لا أجدها.
قال: «صم شهرين متتابعين» . قال: لا أطيق.
قال: «أطعم ستين مسكينا» . أمره بالعتق وظاهر الأمر

الوجوب، ولم ينقله عنه إلا عند العجز، وهذا هو المذهب والمختار من الروايتين بلا ريب.
(وعنه) [رواية أخرى: أن] الكفارة على التخيير فيخير بين الثلاثة، لأنه قد ورد بلفظ [أو] [في بعض الروايات] . 1328 - وقال أحمد: حدثنا روح، حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة «أن رجلا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا» . [وذكر الحديث] رواه مسلم.
والأصح والأشهر في الرواية ما تقدم، ثم هو لفظ الرسول؛ والثاني لفظ الراوي، لكن [قد يقال] : ليس في الرواية الصحيحة دلالة على الترتيب، وتقديم العتق يحتمل [أن يكون] لشرفه، ورواية ابن ماجه الأمر فيها يحتمل أنه

للإرشاد، لتتوافق الروايات، إذ القصة واحدة، والأصل عدم خطأ الراوي بالمعنى، وصفة الرقبة تذكر إن شاء الله تعالى في الظهار، (وصوم الشهرين) يكون متتابعا لنص الحديث، (وصفة الإطعام) لكل مسكين مد بر، أو نصف صاع [من] تمر أو شعير، إذ حكم الإطعام هنا حكم الإطعام في كفارة الظهار، حملا للمطلق على المقيد، والواجب في كفارة الظهار كذلك.
1329 - بدليل ما روي «عن أبي سلمة، عن سلمة بن صخر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطاه مكتلا فيه خمسة عشر صاعا فقال: «أطعمه ستين مسكينا، وذلك لكل مسكين مد بر» رواه الدارقطني، وللترمذي معناه.

1330 - وفي «حديث خويلة بنت مالك قالت: ظاهر مني أوس بن الصامت، فجئت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أشكو إليه، ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجادلني فيه، ويقول: «اتقي الله، فإنه ابن عمك» فما برح حتى نزل القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: 1] إلى الفرض، فقال: «يعتق رقبة» فقلت: لا يجد.
قال: «فيصوم شهرين متتابعين» ، قلت: يا رسول الله إنه شيخ كبير، ما به من صيام.
قال: «فليطعم ستين مسكينا» ، قلت: ما عنده من شيء يتصدق به.
قال: «فإني سأعينه بعرق من تمر» ، قلت: يا رسول الله فإني سأعينه بعرق آخر.
قال: «قد أحسنت، فاذهبي فأطعمي عنه ستين مسكينا، وارجعي إلى ابن عمك» ؛ والعرق ستون صاعا، رواه أبو داود؛ وفي رواية: والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعا.
وقال: هذا أصح» . 1331 - وروى أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي يزيد المدني، قال: «جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للمظاهر: «أطعم هذا فإن مدي شعير مكان مد بر» . وبهذا الحديث يحصل الجمع بين

الأحاديث، وبين أن الواجب من التمر والشعير نصف صاع، ومن البر مد.
واقتصر الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - على ذكر التمر والبر والشعير، لورود النص بها، وإلا فالواجب في الكفارة ما يجزئ في الفطرة، وفي الخبز، وقوت البلد خلاف، يأتي إن شاء الله تعالى في غير هذا الموضع، والله أعلم.

قال: وإذا جامع فلم يكفر حتى جامع ثانية فكفارة واحدة.
ش: إذا جامع في يوم في رمضان، ثم لم يكفر حتى جامع في ذلك اليوم ثانيا، فكفارة واحدة بلا نزاع، لأن الكفارات زواجر، بمنزلة الحدود، فتتداخل كالحدود، وإن جامع في يوم ثم لم يكفر حتى جامع في يوم آخر فوجهان: (أحدهما) - وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي بكر في التنبيه، وابن أبي موسى - لا يجب إلا كفارة واحدة، كما لو كانا في يوم، وقياسا على الحدود، ولأن حرمة الشهر كله

حرمة واحدة، فهو كاليوم الواحد، ولهذا أجزأ بنية واحدة على رواية.
(والثاني) : يجب عليه كفارتان، أو كفارات بعدد الأيام، اختاره ابن حامد، والقاضي في خلافه، وفي جامعه، وروايتيه، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، وصاحب التلخيص، لأنهما يومان لو انفرد كل منهما بالفساد تعلقت به الكفارة، فإذا عمهما الفساد وجب أن يتعلق بكل منهما كفارة، كاليومين من رمضانين، ولأن كل يوم بمنزلة عبادة منفردة، بدليل أن فساد بعضها لا يسري إلى بقيتها، واحتياج كل يوم إلى نية على المذهب، والله أعلم.

قال: وإن كفر ثم جامع فكفارة ثانية.
ش: نص أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - على هذا في رواية حنبل والميموني، لأنه وطء محرم لحرمة رمضان، فوجب أن تتعلق به الكفارة كالوطء الأول، أو عبادة يجب بالجماع فيها كفارة، فجاز أن تتكرر الكفارة مع الفساد، دليله الحج، والله أعلم.

الحكم فيمن أكل أو شرب ظانا عدم طلوع الفجر أو غروب الشمس

قال: وإن أكل وظن أن الفجر لم يطلع، وقد كان طلع، أو أفطر يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب فعليه القضاء.
ش: لأنه أكل مختارا ذاكرا، أشبه ما لو أكل يوم الشك فتبين

أنه من رمضان، ولأنه كان يمكنه التحرز، أشبه العامد.
1332 - وقد روي عن هشام بن عروة، عن فاطمة امرأته، عن أسماء، «قالت: أفطرنا على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في يوم [غيم] ثم طلعت الشمس.
قيل لهشام: أمروا بالقضاء؟ قال: لا بد من القضاء» . أخرجه البخاري.
أما إن أكل ظانا أن الفجر لم يطلع، وأن الشمس قد غربت، ولم يتبين له شيء، فلا قضاء

عليه، ولو تردد بعد، قاله أبو محمد، إذا لم يوجد يقين أزال ذلك الظن، فالأصل بقاؤه وأوجب عليه صاحب التلخيص القضاء في ظن الغروب، إذ الأصل بقاء النهار، ومن هنا قال: يجوز الأكل بالاجتهاد [في أول اليوم فلا يجوز في آخره إلا بيقين؛ وأبو محمد يجوز الأكل بالاجتهاد] فيهما.
واتفقوا على وجوب القضاء فيما إذا أكل شاكا في غروب الشمس، لا في طلوع الفجر، نظرا للأصل فيهما، والله أعلم.

قال: ومباح لمن جامع بالليل أن لا يغتسل حتى يطلع الفجر، وهو على صومه.
ش: قد دل على ذلك إشارة النص في قَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187] الآية، وهو يشمل جميع الليلة، ومن ضرورة حل الرفث في جميع الليلة أن يصبح جنبا صائما، وقد شهدت السنة [لذلك] . 1333 - فعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أن رجلا قال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم» ، فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد

غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
فقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله تعالى وأعلمكم بما أتقي» . رواه أحمد ومسلم، وأبو داود.
1334 - وفي الصحيحين عن أم سلمة قالت: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصبح جنبا من جماع لا حلم [ثم] لا يفطر ولا يقضي.
1335 - وحديث أبي هريرة: «من أصبح جنبا فلا صوم له» ؛ قال الخطابي: أحسن ما سمعت فيه أنه منسوخ.
والله أعلم.
قال: وكذلك المرأة إذا انقطع حيضها قبل الفجر، فهي صائمة إذا نوت الصوم قبل طلوع الفجر، وتغتسل إذا أصبحت.
ش: لأنه حدث يوجب الغسل، أشبه [حدث] الجنابة ويشترط لصحة صومها انقطاع الحيض من الليل، وإلا لو انقطع في أول جزء من اليوم أفسده، ونية الصوم قبل طلوع الفجر، لما تقدم من وجوب النية من الليل في الفرض، والله أعلم.

صوم الحامل والمرضع والشيخ الكبير

قال: والحامل إذا خافت على جنينها، والمرضع على ولدها، أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينا.

ش: أما إفطارهما فأمر مطلوب، بحيث يكره تركه، لأن خوفهما على ولديهما خوف على آدمي، أشبه خوفهما على أنفسهما، ولو خافتا على أنفسهما أفطرتا، لأنهما بمنزلة المريض [فكذلك إذا خافتا على ولديهما.
وأما القضاء فلما تقدم من أنهما بمنزلة المريض] والمريض عليه القضاء بنص الكتاب، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] فكذلك هما.
وأما وجوب إطعامهما عن كل يوم مسكينا فلقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] أي إذا أفطروا، والحامل والمرضع يطيقان الصوم، فدخلا في الآية الكريمة، ولا يقال: 1336 - هذه الآية منسوخة بما بعدها من قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] كذا في الصحيحين عن سلمة بن الأكوع - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. 1337 - لأنا نقول: قال ترجمان القرآن عبد الله بن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أثبتت للحبلى والمرضع.
وعنه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] قال: كانت رخصة للشيخ

الكبير، والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام، أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا، والحبلى والمرضع إذا خافتا.
رواه أبو داود، وقال: إذا خافتا يعني على أولادهما.
فظاهر قوله الأول نسخ الحكم في حق غير الحامل والمرضع، وبقاء الحكم فيهما.
وظاهر قوله الثاني أن الآية [الكريمة] محكمة غير منسوخة، وأنها إنما أريد بها هؤلاء من باب إطلاق العام وإرادة الخاص، وهذا أولى من ادعاء النسخ، فإنه خلاف الأصل، فالواجب عدمه أو تقليله ما أمكن، وما يقال من أن قوله: بعد ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184] ينافي الحمل على ما تقدم، إذ الصوم ليس بخير لها ولا يجاب عنه بأن تخصيص آخر الآية لا يدل على تخصيص أولها على الصحيح، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] بعد ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: 228] ونحوه.
بقي أن يقال:

فظاهر الآية الكريمة يقتضي أنه لا يجب إلا الفدية فقط، فإيجاب القضاء يخالف ظاهر الآية؟ فيقال: القضاء من دليل آخر، وهو القياس على المريض.
وقول الخرقي: والمرضع.
يشمل الأم وغيرها [وهو كذلك] وإطعام المسكين مد بر، أو نصف صاع تمر أو شعير على ما تقدم.
ولو كان خوف الحامل أو المرضع على نفسها لم يجب إلا القضاء فقط، على ظاهر كلام الخرقي، وقول العامة، لتحقق شبهها بالمريض، بل هي فرد من أفراده، وظاهر كلام أحمد بل نصه: وجوب القضاء والفدية.
قال في رواية الميموني: الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على ولديهما يفطران، ويطعمان، ويصومان إذا أطاقتا.
وقال في رواية صالح: [تخاف على نفسها] تفطر وتقضي وتطعم؛ وهذا ظاهر [إطلاق] ما نقل عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وحمل القاضي كلام أحمد على أنها خافت على ولدها أيضا مع خوفها على نفسها [وهو] بعيد من اللفظ.
والله أعلم.

قال: وإذا عجز عن الصوم لكبر أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكينا.
ش: نص على هذا أحمد في رواية الميموني وحرب، وذلك

لما تقدم من الآية الكريمة، وقول ابن عباس في تفسيرها، ولأنه صوم واجب، فجاز أن ينوب عنه المال، كالصوم في كفارة الظهار والجماع، وفي معنى العجز عن الصوم لكبر العجز عنه لمرض لا يرجى برؤه، وقد ذكر ذلك الخرقي في أول الحج، والله أعلم.

حكم الحائض والنفساء في رمضان

قال: وإذا حاضت المرأة أو نفست] أفطرت وقضت وإن صامت لم يجزئها.
ش: هذا إجماع و (الحمد لله رب العالمين) . 1338 - وفي الصحيحين عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «كنا نحيض فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» . 1339 - وفي البخاري: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أليست إحداكن إذا حاضت لم تصل ولم تصم، فذلك من نقصان دينها» ، وهذا إخبار عن شأنها الشرعية وحالها، ودم النفاس هو دم حيض في الحقيقة، فحكمه حكمه، وتأثم بالفعل لارتكابها المنهي عنه، والله أعلم.

قال: فإن أمكنها القضاء فلم تقض حتى ماتت أطعم عنها عن كل يوم مسكين.
ش: القضاء واجب على الحائض والنفساء بالإجماع، وقد شهد له حديث عائشة، ثم لا يخلو [إما] أن يمكنها القضاء أو لا، فإن لم يمكنها لمرض أو سفر، أو ضيق وقت، ونحو ذلك، حتى ماتت فلا فدية عليها ولو مضى عليها أحوال، في ظاهر كلام الخرقي، وهو الصحيح المعروف من الروايتين، لأنه حق لله تعالى، وجب بالشرع، مات من وجب عليه قبل إمكان فعله، فسقط إلى غير بدل كالحج.
(والرواية الثانية) : تجب الفدية، لأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه، فوجب الإطعام عنه، كالشيخ العاجز عن الصيام.
وإن أمكنها القضاء فلم تقض حتى ماتت فلا يخلو إما أن يكون قبل أن يدركها رمضان آخر، أو بعد أن أدركها رمضان آخر، فإن كان قبل أن أدركها رمضان آخر وجب أن يطعم عنها من تركتها لكل يوم مسكين.
1340 - لما روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه [مكان] كل يوم مسكين» رواه الترمذي [وقال] : الصحيح أنه عن ابن عمر موقوف.

1341 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصم أطعم عنه ولم يكن عليه قضاء، وإن نذر قضى عنه وليه.
رواه أبو داود.
ومفهوم كلام الخرقي أنه لا يجوز أن يصام [عنه] والحال ما تقدم، لما تقدم، ولأنه نوع عبادة لا تصح النيابة عنه في حال الحياة عند العجز عنه، فلا تصح النيابة عنه بعد الموت كالصلاة.
1342 - وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» محمول على النذر جمعا بين الأدلة، ويؤيده أن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - هي راوية الحديث.

1343 - وقد روي عنها أنها قالت: يطعم في قضاء رمضان ولا يصام.
رواه الأثرم في سننه والظاهر من حالها فهم التخصيص، وهو أولى من ذهولها عما روت.
وإن ماتت بعد أن أدركها رمضان آخر فوجهان، وقيل: روايتان: (إحداهما) وهو ظاهر إطلاق أحمد في رواية المروذي والخرقي، والقاضي، والشيرازي.
وغيرهم: يطعم عنه لكل يوم مسكين [إذ بذلك يزول التفريط بالتأخير، فيصير كما لو مات من غير تفريط.
(والثاني) : يطعم عنه لكل يوم مسكينان] جزم به أبو الخطاب في الهداية وصاحب التلخيص، وأبو البركات، لأن الموت مع التفريط بدون التأخير

عن رمضان آخر يوجب كفارة، والتأخير بدون الموت يوجب كفارة، فإذا اجتمعا وجب أن يجب كفارتان، والله أعلم.

قال: ولو لم تمت المفرطة حتى أظلها شهر] رمضان آخر صامته ثم قضت ما كان عليها، وأطعمت عن كل يوم مسكينا.
ش: قد تقدم [له] حكم التفريط مع الموت، بقي حكم التفريط مع الحياة، فقال: إنه إذا أظلها [مع التفريط] شهر رمضان آخر، فإنها تصومه، لما تقدم من أن زمنه متعين له، لا يمكن أن يقع فيه غيره، ثم تقضي ما كان عليها نذرا كالواجب، ثم تطعم لكل يوم مسكينا، نص على ذلك.
1344 - معتمدا على قول الصحابة [منهم] ابن عمر وابن عباس، وأبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وقد روى ذلك عنهم الدارقطني بسنده.

1345 - ورواه مرفوعا إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من حديث أبي هريرة، لكن فيه ضعف وكلام الخرقي يقتضي أنه لا يجب أكثر من إطعام مسكين وإن حصل التأخير رمضانات، وأشعر كلامه بأنها لو أخرت مفرطة ثم فعلت قبل أن يدخل [عليها] رمضان فلا شيء عليها، لأنها قد فعلت الواجب في وقته، أشبه ما لو لم تؤخره، وهذا يتضمن أن وقت أداء قضاء رمضان جميع السنة.
1346 - وذلك «لقول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: كان يكون علي الصيام من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، وذلك لمكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» -. [رواه الجماعة] وفي الدلالة منه نظر لتصريحها بالعذر، والله أعلم.

قال: وكذلك حكم المريض والمسافر في الموت والحياة إذا فرطا في القضاء.

ش: يعني ما تقدم في الحائض والنفساء - من أنهما إذا فرطا وماتا وجب الإطعام عنهما لكل يوم مسكينا، ومن أنهما إذا أخرتا مفرطتين حتى أظلهما رمضان أنهما يقضيان ويطعمان - يجري مثله في المريض والمسافر، لاشتراك الكل في المعنى المقتضي للاشتراك في الحكم.
وقوله: إذا فرطا في القضاء.
لأنهما إذا لم يفرطا فلا شيء عليهما مع الموت، ومع الحياة يلزمها الفعل ليس إلا، والله أعلم.

حكم المريض والمسافر في الصيام

قال: وللمريض أن يفطر إذا كان الصوم يزيد في مرضه.
ش: للمريض أن يفطر في الجملة بالإجماع، وقد شهد له قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: 185] أي: فأفطر فعليه عدة، أو فالواجب عدة، ومن قرأ (عدة) بالنصب فالتقدير: فليصم عدة، ومن شرط جواز الفطر عندنا التضرر بالصوم، بأن يزيد بالصوم مرضه أو يتباطأ [برؤه] ونحو ذلك، لأن ذلك وقع رخصة لنا، ودفعا للحرج [والمشقة] عنا، ولذلك قرنه بالسفر، فإذا لم يوجد الضرر فلا معنى للفطر، والله أعلم.

قال: فإن تحمل وصام كره له ذلك وأجزأه.

ش: إذا تحمل من جاز له الفطر بالمرض وصام كره له ذلك، لإضراره بنفسه، وتركه تخفيف الله تعالى، ورخصته المطلوب إتيانها.
1347 - قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته» ولأن بعض العلماء لا يصحح صومه، ويمنع [من] التقدير في الآية.
انتهى، فإن فعل أجزأه لإتيانه بالأصل الذي هو العزيمة، وصار هذا بمنزلة من أبيح له ترك القيام في الصلاة فتكلف وقام، والله أعلم.

قال: وكذلك المسافر.
ش: أي حكم المسافر المتقدم في أول الباب الذي يجوز له الفطر حكم المريض في أن الفطر أولى له، وأنه إن صام أجزأه لما تقدم.

1348 - وفي الصحيحين أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليس من البر الصوم في السفر» . 1349 - وقال: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم» . 1350 - «وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لحمزة بن عمرو الأسلمي - وكان كثير الصوم، وقد سأله عن الصوم في السفر فقال: - «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» ، فهذا لبيان الجواز، وتلك للأفضلية، والله أعلم.

قضاء رمضان

قال: وقضاء شهر رمضان متفرقا يجزئ.
ش: لإطلاق قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] وبذلك استدل ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. 1351 - قال البخاري: قال ابن عباس: لا بأس أن يفرق، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] . 1352 - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «قضاء رمضان إن شاء فرق، وإن شاء تابع» رواه الدارقطني.

1353 - «وعن محمد بن المنكدر قال: بلغني أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن تقطيع قضاء رمضان، فقال «ذاك إليك، أرأيت لو كان على أحد دين فقضى الدرهم والدرهمين، ألم يكن قضاء؟ فالله أحق أن يعفو ويغفر» ، رواه الدارقطني وحسن إسناده وهو مرسل.
1354 - وما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: نزلت (فعدة من أيام أخر متتابعات) فسقطت متتابعات.
رواه الدارقطني إن صح فهو محمول على أنه سقط حكمها بالنسخ، لا أنه ضاع لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] والله أعلم.

قال: والمتتابع أحسن.

ش: إذ القضاء يحكي الأداء، وخروجا من خلاف العلماء، والله أعلم.

صيام التطوع

قضاء صيام التطوع

قال: ومن دخل في صيام تطوع فخرج منه فلا قضاء عليه.
ش: من دخل في صوم تطوع جاز له الخروج منه وإن لم يكن له عذر، ولا قضاء عليه على المذهب المنصوص المعروف.
1355 - لما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: دخل علي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟» فقلنا: لا.
فقال: «إني إذا صائم» ثم أتانا يوما آخر، فقلنا: يا رسول الله قد أهدي لنا حيس.
فقال: «أرينيه فلقد أصبحت صائما» فأكل» . وفي لفظ: قال طلحة - هو ابن يحيى - فحدثت مجاهدا بهذا الحديث فقال: ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء أمسكها.
رواه مسلم.

1356 - «وعن أم هانئ أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخل عليها بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، وقالت: يا رسول الله أما إني كنت صائمة، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر» [رواه أحمد والترمذي] . وفي رواية «قالت: إني صائمة، ولكني كرهت أن أرد سؤرك.
فقال: «يعني إن كان قضاء رمضان فاقضي يوما مكانه، وإن كان تطوعا فإن شئت فاقضي، وإن شئت فلا تقضي» رواه أحمد، وأبو داود بمعناه.
وهذا نص.

ونقل حنبل عن أحمد: إذا أجمع على الصيام من الليل، فأوجبه على نفسه، فأفطر من غير عذر، أعاد يوما مكانه.
فظاهر إطلاق هذا وجوب القضاء على من خرج من صوم التطوع لغير عذر.
1357 - وذلك لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: أهدي لحفصة طعام، وكنا صائمتين فأفطرنا، ثم دخل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلنا: يا رسول الله إنا أهديت لنا هدية واشتهيناها فأفطرنا.
فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا عليكما، صوما مكانه يوما آخر» رواه أبو داود.
ومنع القاضي وغيره رواية حنبل، وحملوها على

النذر، توفيقا بين نصوصه، وأما الحديث فقد أنكره أحمد في رواية الأثرم، وقال أبو داود: لا يثبت.
وقال الترمذي: فيه مقال، ثم هو محمول على الندب جمعا بين الأدلة، وبقرينة «لا عليكما» أي لا بأس أو لا حرج، ومن لا بأس عليه لا قضاء عليه حتما.

  • (تنبيه) : «الحيس» تمر وأقط وسمن يطبخ، والله أعلم.

قال: وإن قضاه فحسن.
ش: لا يجب عليه قضاء صوم التطوع إذا أفسده، وإن

قضاه فحسن.
لما تقدم من حديث عائشة، وللخروج من الخلاف.
«تنبيه» : وحكم سائر التطوعات حكم الصوم فيما تقدم، عدا الحج والعمرة، فإنهما يلزمان بالشروع، وعنه أنه قال: الصلاة أشد، فلا يقطعها، يعني من الصوم.
قيل له: فإن قطعها قضاها؟ قال: إن قضاها فليس فيه اختلاف؛ فمال الجوزجاني [من هذا] إلى أنها تلزم بالشروع، لأنها ذات إحلال وإحرام، فأشبهت الحج، وعامة الأصحاب على خلافه، وكلام أحمد لا دلالة فيه على وجوب القضاء، بل [على] تأكد استحبابه، والله أعلم.

قال: وإذا كان للغلام عشر سنين وأطاق الصوم أخذ به.
ش: أي ألزم به، ليتمرن على ذلك ويعتاده، كما يؤمر بالصلاة إذا بلغ عشرا، ثم هل هذا الأخذ على سبيل الوجوب عليه أم لا؟ فيه روايتان.
(إحداهما) نعم.
1358 - لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام رمضان» (والثانية) : وهي

المذهب - لا.
لرفع القلم عنه كما في الحديث، ثم الخرقي قيده بعشر سنين.
وغيره ينيطه بالتمييز مع الإطاقة، والله أعلم.

حكم إسلام الكافر في شهر رمضان

قال: وإذا أسلم الكافر في شهر رمضان صام ما يستقبل من بقية الشهر.
ش: لا نزاع في ذلك، لصيرورته أهلا لأداء العبادة الواجبة على كل مكلف.
1359 - وقد روى ابن ماجه عن سفيان بن عبد الله بن ربيعة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «حدثنا وفدنا الذين قدموا على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بإسلام ثقيف قال: وقدموا عليه في رمضان، وضرب عليهم قبة في المسجد، فلما أسلموا صاموا ما بقي عليهم من الشهر» .

  • ومقتضى كلامه أنه لا يجب عليه قضاء ما مضى من الشهر قبل إسلامه، ولا نزاع في ذلك أيضا عندنا، إذ الإسلام يجب ما قبله، وكرمضان الماضي، واختلف عن أحمد في اليوم الذي أسلم فيه هل يلزمه إمساكه وقضاؤه؟ فيه روايتان (إحداهما) - وهي المنصوصة عن الإمام و [المذهب] عند القاضي وغيره - يلزمانه، لإدراكه جزءا من [وقت] العبادة، أشبه من أدرك ركعة من وقت الصلاة.
    1360 - وفي الصحيحين «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في يوم عاشوراء: «من كان أصبح صائما فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرا فليتم بقية يومه» . 1361 - وفي أبي داود عن عبد الرحمن بن سلمة عن عمه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن أسلم أتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «صمتم يومكم هذا؟» قالوا: لا.
    قال: «فأتموا يومكم واقضوا» » وهذا صريح في وجوب الإتمام والقضاء.

(والثانية) : لا يجبان، وهو ظاهر كلام الخرقي، لعدم تمكنه من [التلبس] بالعبادة أشبه ما لو أسلم بعد خروج اليوم، وحكى أبو العباس رواية ثالثة فيما أظن واختارها: يجب الإمساك ولا يجب القضاء، نظرا إلى أن الحديث الصحيح إنما فيه الأمر بذلك، والله أعلم.

حكم من رأى هلال رمضان وحده

قال: ومن رأى هلال رمضان وحده صام.
ش: هذه إحدى الروايتين عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: أعجب

إلي أن يصوم وهو المذهب [عند الأصحاب] لظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صوموا لرؤيته» وهذا قد رآه، ولأنه قد تيقنه من رمضان، فلزمه صومه كاليوم الذي بعده.
(والرواية الثانية) - وهي أنصهما - لا يصوم إلا في جماعة الناس، لظاهر قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن شهد ذوا عدل فصوموا» فعلق الرؤية على ذوي عدل، ولأنه يوم محكوم به من شعبان، أشبه الذي قبله، والله أعلم.

قال: فإن كان عدلا صوم الناس بقوله.
ش: إذا كان الرائي عدلا صوم الإمام أو نائبه الناس بقوله، هذا هو المذهب المنصوص، المختار للأصحاب.
1362 - لما روي عن عكرمة عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «جاء أعرابي إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: إني رأيت الهلال.
قال بعض الرواة: يعني رمضان.
فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم.
قال: «أتشهد أني رسول الله؟» قال: نعم.
قال: يا بلال أذن في الناس أن يصوموا» رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وروي عن عكرمة مرسلا.

1363 - «وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه» رواه أحمد وأبو داود.
وهذا ظاهر في أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رتب صومه وصوم الناس على إخباره، ولأنه خبر يلزم به عبادة يستوي فيه المخبر والمخبر، لا يتعلق به حق آدمي، فقبل منه [قول] واحد، كالإخبار عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا يلزمه هلال شوال، لأنه يتعلق به حق آدمي وهو الإفطار، ولا الشهادة في سائر الحقوق، لعدم استواء المخبر والمخبر فيهما وعدم لزوم

العبادة [فيها] (وعن أحمد) ما يدل [على] أنه لا يقبل فيه إلا قول اثنين كبقية الشهود.
1364 - لما روي عن أمير مكة الحارث بن حاطب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «عهد إلينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ننسك للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدان عدلان نسكنا لشهادتهما» ، رواه أبو داود والدارقطني، وقال: هذا إسناد متصل صحيح.
وأجيب بأنا نقول بمنطوقه، ومفهومه قد عارضه منطوق ما تقدم، ولا ريب أن المنطوق يقدم على المفهوم.
وتوسط أبو بكر فقال: إن كان الواحد بين جماعة الناس، وتفرد بالرؤية لم يقبل، لأنهم يعاينون ما عاين، فالظاهر خطؤه، وإن كان منفردا قبل كالأعرابي الجائي من الحرة، لما شهد عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورد بحديث ابن عمر المتقدم.
(تنبيه) : [هذا] الخلاف السابق مبني على أن هذا هل يجري مجرى الإخبار أو مجرى الشهادة؟ والمذهب إجراؤه

مجرى الإخبار، وعليه فلو أخبره من يثق بقوله قبل قوله، وإن لم يثبت ذلك عند الحاكم، وتقبل فيه المرأة، وعلى الثاني لا تقبل، والله أعلم.

ما يثبت به انتهاء شهر رمضان

قال: ولا يفطر إلا بشهادة عدلين.
ش: حكم هلال شوال حكم بقية الشهور لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين.
1365 - لما روى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب «، أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال: إني جالست أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وسألتهم، وإنهم حدثوني أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا [لرؤيته، وأنسكوا، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين، وإن شهد شاهدان ذوا عدل فصوموا وأفطروا» » ] رواه النسائي.
1366 - وعن ابن عمر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنه أجاز شهادة رجل واحد على رؤية الهلال، وكان لا يجيز على شهادة الإفطار إلا [شهادة] رجلين» وفارق هلال رمضان، لما فيه من الاحتياط للعبادة.

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل