شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 620-21
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 620-21
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

574 - لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صل قائما» ، وغيره وعلى هذا ينزل بالأرض ويصلي كما تقدم.
(تنبيه) : زعم أبو محمد أن المومئ للمطر لا يترك الاستقبال، وفيه نظر، بل ينبغي أنه إذا صلى على الراحلة فحكمه حكم المتطوع عليها، والله أعلم.

عورة المرأة

قال: وإذا انكشف من المرأة الحرة شيء سوى وجهها أعادت [الصلاة] ش: لا خلاف أن للمرأة كشف وجهها في الصلاة لما سيأتي، وقد أطلق أحمد [رحمة الله] القول بأن جميعها عورة وهو محمول على ما عدا الوجه، أو على غير الصلاة، أما ما عدا الوجه، (فعنه) عورة إلا يديها، اختارها أبو البركات، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] .

575 - قال ابن عباس: وجهها وكفاها.
576 - وعن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذا بلغت المرأة المحيض فلا تكشف إلا وجهها ويدها» ، ذكره أحمد في رواية عبد الله، ورواه أبو داود، ولفظه: «إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا [وهذا» ] ، وأشار إلى وجهه وكفيه» . 577 - «وعن أم سلمة أنها سألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتصلي المرأة في درع وخمار، [ليس] عليها إزار؟ قال: «إذا كان الدرع سابغا، يغطي ظهور قدميها» ، رواه أبو داود، (وعنه) : ويديها

أيضا، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار القاضي في التعليق، لأنه لا يلزم كشفها في الإحرام، أشبها سائر بدنها.
هذا كله في الحرة البالغة، أما المراهقة فكالأمة على ما سيأتي إن شاء الله [تعالى] لمفهوم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» ، والله أعلم.

صلاة الأمة مكشوفة الرأس

قال: وصلاة الأمة مكشوفة الرأس جائزة.
578 - ش: قال ابن المنذر: ثبت أن عمر [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] قال لأمة رآها مقنعة: اكشفي رأسك لا تتشبهي بالحرائر.
ولقد بالغ بعض الأصحاب فقال: لو صلت مغطاة الرأس لم تصح صلاتها.
أما ما عدا الرأس فقال ابن حامد وابن عقيل، وأبو الخطاب، والشيرازي، وغيرهم: عورتها كعورة الرجل.
وظاهره إجراء روايتي الرجل فيها، وصرح بذلك ابن البنا في الخصال في النكاح، والحلواني، وزعم أبو البركات

أن ما بين السرة والركبة منها عورة إجماعا، وكأنه حمل إطلاق الأصحاب على أنهم فرعوا على المذهب عندهم.
579 - وذلك لما روى أبو داود، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا زوج أحدكم خادمه [عبده أو] أجيره، فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة» ، والمراد بالخادم الأمة، وقال القاضي في [الجامع] : ما عدا رأسها، وساقها، وما يظهر غالبا عورة، وحكاه أبو الحسين نصًّا عن أحمد، إذ الأصل كونها كالحرة لعموم «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» ، ونحوه، لكن ترك ذلك فيما يظهر غالبا، لمشقة احترازها عنه، وشهد له قصة عمر.
580 - وعن علي [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] : تصلي الأمة كما تخرج.
رواه الأثرم.
581 - وفي الصحيحين أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما أَوْلَمَ على صفية قال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين، أو ما ملكت يمينه؟ فقالوا: إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي ما

ملكت يمينه، فلما ارتحل وطأ لها خلفه، ومد الحجاب.
وقد انتضم من هذا أن [ظاهر] كلام الخرقي في أن ما عدا رأسها عورة لا قائل به فالظاهر أن الخرقي [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] إنما نص على الرأس لقصة عمر.
وقد شمل كلام الخرقي المدبرة، والمعلق عتقها بصفة، والمكاتبة، وخرج من كلامه المعتق بعضها، فإنها كالحرة على الصحيح من الروايتين، والله أعلم.

قال: ويستحب لأم الولد أن تغطي رأسها في الصلاة.
ش: للخروج من الخلاف، إذ قد نقل عن أحمد [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] فيها روايتان، (إحداهما) أن حكمها حكم الحرة اختاره أبو بكر، فيما نقله عنه أبو الحسين، احتياطا للعبادة، إذ قد وجد [فيها] سبب الحرية وجودا لازما، (والثانية) أن حكمها حكم الأمة، وهي اختيار الأكثرين؛ الخرقي، وابن أبي موسى، والقاضي وغيرهم، لأنها رقيقة لم يعتق منها شيء، أشبهت المكاتبة، والله أعلم.

حكم من ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى

قال: ومن ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى، أتمها وقضى

المذكورة، وأعاد [الصلاة] التي كان فيها إذا كان الوقت مبقى.
ش: قضاء الصلوات يجب عندنا على الفور حسب الإمكان، ما لم تلحقه مشقة.
582 - لما روى أنس [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» ، متفق عليه.
583 - وعن أبي هريرة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] » ، رواه مسلم وغيره، وفي لفظ «فوقتها إذا ذكرها» . 584 - ويجب مرتبا لما «روي عن ابن مسعود [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] أن المشركين شغلوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء» . رواه أحمد، والنسائي، وفعله ورد مبينا للصلاة المؤداة وغيرها، ويعضده قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» . إذا تقرر هذا فإذا نسي أن عليه صلاة فلم يذكرها [مثلا] حتى شرع في أخرى - كأن ترك صلاة الظهر مثلا، ولم يذكرها حتى شرع في صلاة العصر - فالمشهور الذي عليه الخرقي وجمهور الأصحاب أن الترتيب لا يسقط، لإمكان اعتباره.
(وعن) أحمد يسقط في المأموم خاصة، لئلا تفوت الجماعة في الفريضة المؤداة.
واختار أبو البركات سقوطه رأسا.

585 - لما روى ابن عباس [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -] أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا نسي أحدكم صلاة، فذكرها وهو في صلاة مكتوبة، فليبدأ بالتي هو فيها، فإذا فرغ منها صلى التي نسي» ، [رواه الدارقطني] ولأن الحاضرة بالشروع فيها صارت كالمضيقة للوقت، بدليل تحريم الخروج منها لغير غرض.
(فعلى هذا) يتم التي هو فيها وتجزئه، ثم يقضي الفائتة، (وعلى المذهب) ظاهر كلام الخرقي أنه يتمها، إماما كان أو مأموما، أو منفردا، والمنصوص عن أحمد أن الإمام يقطعها، معللا بأنهم مفترضون خلف متنفل، وإذا إن صحت صلاة المفترض خلف المتنفل أتمها إمام كغيره.
(وعنه في المأموم والمنفرد روايات (أشهرها) : أنهما يتمونها نفلا إما ركعتين وإما أربعا، حذارا من بطلان العمل، وجمعا بين المصلحتين.
(والثانية) : يتمها المأموم دون المنفرد.
586 - لما روى الدارقطني عن ابن عمر [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -] عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا نسي أحدكم صلاة، فذكرها وهو مع الإمام فليصل مع الإمام، فإذا فرغ من صلاته فليصل [الصلاة] التي نسي، ثم ليعد صلاته التي صلى مع الإمام» . (والثالثة) : عكس الثانية: يتمها المنفرد دون المأموم، حكاها أبو محمد.
هذا كله بشرط سعة الوقت، كما صرح به الخرقي، أما إن ضاق الوقت فإن الترتيب يسقط كما سيأتي إن شاء الله [تعالى] ثم الأصحاب يشترطون بقاء قدر يسع الإتمام التي هو فيها، وقضاء الفائتة، ثم إعادة الحاضرة، وأبو البركات يقول: إنما يشترط ما يسع عقب الذكر للقضاء، ثم لفعل الحاضرة، إذ إتمام الأولى نفل، فلا يسقط بضيق الوقت عنه ترتيب واجب.

ومقتضى كلام الخرقي [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] أنه لو لم يذكر حتى فرغ من الصلاة التي صلاها فإنها تصح وتجزئه، وهو المشهور من الروايتين.
587 - لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» الحديث (والثانية) : لا تجزئه، مراعاة للترتيب مطلقا، حكاها ابن عقيل.
588 - لما روي عن أبي جمعة حبيب بن سباع «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: «هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟» قالوا: يا رسول الله ما صليتها.
فأمر المؤذن فأقام فصلى العصر، ثم أعاد المغرب» . رواه أحمد، وقد ضعف، والله أعلم.

قال: فإن خشي فوات الوقت اعتقد وهو فيها أن لا يعيدها، وقد أجزأته، ويقضي التي عليه.
ش: كأن اعتقاد صيرورتها نفلا إذا ذكر وهو فيها صار لازما، فقال: إذا ضاق الوقت يعتقد أن لا يعيدها، وإلا فالشرط بقاء نيته، والأصل في سقوط الترتيب مع ضيق الوقت، سواء كان في صلاة، أو لم يكن.
589 - لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما التفريط في اليقظة، أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى» ، ولأن في الترتيب تفويتا

للصلاتين، وفي تركه تحصيلا لإحداهما، فكان أولى، ولأن فعل الصلاة في وقتها فريضة، وتأخيرها عنه محرم إجماعا وأصل الترتيب في القضاء على الفور مختلف في وجوبهما، وإذا عند التزاحم مراعاة المجمع عليه أولى، وعلى هذا يقضي [إلى] أن يبقى من وقت الحاضرة بقد فعلها، فإذا يأتي بها، ولا تصح منه قبل ذلك.
(وعن أحمد) رواية أخرى: لا يسقط الترتيب، بل تلزمه الموالاة في الفوائت قدر الطاقة، ولا تحسب له حاضرة ما دام عليه فائتة، اختارها الخلال وصاحبه، لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نسي صلاة فليصليها إذا ذكرها» . 590 - ويروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا صلاة لمن عليه صلاة» إلا أن أحمد قال: لا أعرفه؛ وقد أنكر القاضي هذه الرواية، وحكى عن أحمد ما يدل على رجوعه عنها، وكذلك أبو حفص قال: إما أن يكون قولا قديما أو غلطا، (وعنه) رواية

ثالثة: إن ضاق وقت الحاضرة عن قضاء كل الفوائت سقط ترتيبهن عليها، وكان له فعلها في أول الوقت.
حكاها أبو حفص إذا التأخير عن أول الوقت لا تحصل به براءة الذمة بما فيها، فاغتنام التقديم أولى.
والأول هو المشهور، اختاره القاضي وغيره، وعليه: لو خالف وصلى الفائتة إذا فهل يصح؟ فيه وجهان.
(تنبيه) : خشية خروج الوقت الاختياري كخشية خروج الوقت بالكلية، فإذا خشي الاصفرار فعل الحاضرة، والله أعلم.

تأديب الولد على الطهارة والصلاة

قال: ويؤدب الغلام على الطهارة والصلاة إذا تمت له عشر سنين.
591 - ش: لما روى عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع» ، رواه أحمد، وأبو داود، وأمره بذلك واجب على الولي، نص عليه لظاهر الأمر.

وقوة كلام الخرقي يقتضي أن الصلاة لا تجب عليه، وهو المشهور، المختار من الروايتين.
592 - لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع القلم عن ثلاثة» ، الحديث.
والثانية: تجب على من بلغ عشرا.
اختارها أبو بكر، لأنه معاقب إذًا.
وهو دليل الوجوب، والله أعلم.

سجود التلاوة

عدد سجدات التلاوة في القرآن

قال: وسجود القرآن أربع عشرة [سجدة] . ش: سجدة [في] الأعراف آخرها، وفي الرعد عند: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: 15] (15) ، وفي النحل: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50] (50) ، وفي سبحان: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109] (109) ، وفي مريم: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58] (58) ، وفي [أول] الحج: ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: 18] (18) ، وفي الفرقان: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60] (60) ، وفي النمل: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: 26] (26) ، وفي [الم] (تنزيل) السجدة: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15] (15) ، وفي حم فصلت: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37] (37) ،

اختاره ابن أبي موسى، وقيل عند: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38] (38) ، اختاره الأكثرون، فظاهر كلام أحمد التخيير بينهما، وفي آخر الحج: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77] (77) ، وفي النجم: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: 62] ، وفي الانشقاق: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21] (21) ، وفي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] آخرها.
فأما العشر الأول فبالإجماع، وأما ثانية الحج.
593 - فلما «روى عقبة بن عامر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قلت: يا رسول الله أفضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين؟ قال: «نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما» ، رواه أحمد وأبو داود، واحتج به أحمد في رواية عبد الله.
وأما سجدة النجم.
594 - فلما «روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون، والجن والإنس» . رواه البخاري وغيره.
595 - «وعن ابن مسعود أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: 1] فسجد فيها، وسجد من كان معه، غير أن شيخا أخذ كفا من حصباء أو

تراب، فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا.
قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافرا» . متفق عليه.
وأما سجدة الانشقاق، و (اقرأ باسم ربك) . 596 - فلما «روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سجدنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1] و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: 1] » . رواه مسلم وغيره.
وظاهر كلام الخرقي أن سجدة (ص) وهي عند: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24] ، ليست من عزائم السجود، وهو المشهور، المختار من الروايتين.
597 - لما «روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه قال: ليست (ص) من عزائم السجود، وقد رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسجد فيها» . رواه البخاري وغيره.
598 - وعنه «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سجد في (ص) وقال: «سجدها داود توبة، وسجدناها شكرا» ، رواه النسائي، وعلى هذا إن

سجد خارج الصلاة سجد تأسيا، وإن سجد في الصلاة ففي الجواز وجهان.
(والرواية الثانية) هي من عزائم السجود، يسجد لها في الصلاة وغيرها.
599 - لما «روى عمرو بن العاص أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان» . رواه أبو داود، وفيه ضعف، مع أنا نقول بموجبه لأنا نسميها سجدة، والله أعلم.

قال: في الحج منها اثنتان.
ش: قد تقدم هذا [والله أعلم] .

شروط صحة سجود التلاوة

قال: ولا يسجد إلا وهو طاهر.
ش: لأنه صلاة، فيدخل في عموم الأدلة المقتضية لذلك، ولأنه سجود

أشبه سجود السهو، وحكمه في بقية [شرائط] الصلاة - من الستارة، واستقبال القبلة - حكم صلاة التطوع، والله أعلم.

كيفية سجود التلاوة

قال: ويكبر إذا سجد.
ش: يكبر إذا سجد، في صلاة كان أو غيرها، لعموم، «تحريمها التكبير» . 600 - «وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه» ؛ رواه أبو داود.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يزيد على ذلك، لظاهر حديث ابن عمر، وقال غيره: يكبر إذا رفع، قياسا على سجود السهو والصلب، وغالى أبو الخطاب فقال: يكبر للإحرام أيضا.

قال: ويسلم إذا رفع.
ش: يجلس ويسلم على المشهور، المختار من الروايتين، لعموم: «تحليلها التسليم» ، (والثانية) : لا يسلم فيه، لأنه لم

يثبت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويكتفي بتسليمة واحدة عن يمينه، نص عليه، وعنه: بل اثنتان.
601 - وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - روايتان.
قال: ولا [يجوز أن] يسجد في الأوقات التي لا يجوز أن يصلي فيها تطوعا.
ش: هذا فرع أن ذات السبب لا تفعل في وقت النهي، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.

قال: ومن سجد فحسن، ومن ترك فلا شيء عليه.
ش: السجود للتلاوة سنة، لا يأثم تاركه على المشهور.
602 - لما «روى زيد بن ثابت قال: قرأت على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (والنجم) فلم يسجد فيها.
رواه الجماعة» ، وفي لفظ للدارقطني: فلم يسجد منا أحد.

603 - وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر سورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، رواه البخاري، ومالك في الموطأ، وقال فيه: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء.
وهذا الذي قاله بمحضر من الصحابة، ولم ينكره أحد، فصار إجماعا، وعن أحمد ما يدل على وجوبه في الصلاة، والله أعلم.

الحكم لو حضرت الصلاة والعشاء

قال: وإذا حضرت الصلاة والعشاء بدئ بالعشاء.
604 - ش: لما «روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعشاء» متفق عليه.
605 - وعنها أيضا قالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان» والمنع على سبيل الكراهة عند الأصحاب، فلو خالف وصلى صحت صلاته إجماعا، ولا بد في الكراهة أن تطلبه نفسه، أما إن لم تطلبه فلا كراهة، والله أعلم.

الحكم لو حضرت الصلاة وهو محتاج إلى الخلاء

قال: وإذا حضرت الصلاة وهو محتاج إلى الخلاء بدأ بالخلاء [والله أعلم] . ش: لحديث عائشة المتقدم.
606 - وعن عبد الله بن الأرقم قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء» رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي وصححه، فإن خالف وصلى صحت صلاته، على المنصوص، والمختار للأكثرين، [إذ غايته] اشتغال سره، وهذا لا يمنع الصحة، كما لو كان له مال خشي تلفه، ونحو ذلك، وحملا للنص على الكراهة، ونقل عنه حرب يعيد، عملا بظاهر النص، وقال ابن أبي موسى: إن أشغل عن الصلاة، أو عن إتمامها أعاد في الظاهر من قوله، وظاهر كلام الخرقي أنه يبدأ بالعشاء والخلاء وإن خشي فوات الجماعة، وهو صحيح، لعموم ما تقدم، والله أعلم.

باب ما يبطل الصلاة إذا ترك عامدا أو ساهيا

قال: باب ما يبطل الصلاة إذا ترك عامدا أو ساهيا ش: يعرف من هذا الباب أركان الصلاة، وواجباتها، وسننها.
[والله أعلم] . قال: ومن ترك تكبيرة الإحرام، أو قراءة الفاتحة، وهو إمام أو منفرد، أو الركوع، أو الاعتدال بعد الركوع، أو السجود، أو الاعتدال بعد السجود، أو التشهد الأخير، أو السلام، بطلت صلاته، عامدا كان أو ساهيا.
ش: الصلاة تشتمل على ثلاثة أشياء: أركان، وواجبات، وسنن.
وبدأ الخرقي [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] بذكر الأركان لأنها أهم، وعدها ثمانية: تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع والاعتدال بعده، والسجود والاعتدال بعده، والتشهد الأخير، والسلام، وقد تقدم ذكر ذلك والدليل عليه.
607 - ويدل على أكثرها حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن رجلا دخل المسجد فصلى، ثم جاء فسلم على النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] فقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل» فرجع فصلى كما صلى، ثم جاء فسلم على النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] فقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل»

ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق نبيا لا أحسن غيره فعلمني.
قال: «إذا قمت [إلى] الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، وافعل ذلك في صلاتك كلها» متفق عليه.
وبقي على الخرقي [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] القيام في الفريضة مع عدم العذر، فإنه ركن، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعمران بن حصين: «صل قائما» ، الحديث رواه البخاري وغيره، وقد يؤخذ من كلامه في صلاة المريض.
(وبقي عليه) أيضا الجلوس للتشهد الأخير، (وبقي عليه) أيضا الطمأنينة في هذه الأفعال، الركوع، والاعتدال عنه، والسجود، والاعتدال عنه، فإنها فرض بلا نزاع، لحديث الأعرابي وقد تقدم، وقدر الطمأنينة أدنى سكون بين الخفض والرفع في وجه، وفي آخر - وقواه أبو البركات - بقدر الذكر الواجب فيه، وفائدة الخلاف لو نسي تسبيح الركوع والسجود، ونحو ذلك، واطمأن قدرا لا يتسع له، صحت صلاته على الأول دون الثاني، ولا بد من مراعاة ترتيب الأركان، بأن يأتي بالقيام، ثم الركوع، على ما تقدم، فبعضهم يعده ركنا،

وبعضهم يقول: هو مقوم للأركان، لا تعتبر إلا به، كما أن قراءة الفاتحة ركن، ولا يعتبر إلا بترتيبها، والسجود ولا يعتبر إلا على الأعضاء السبعة، كما تقدم.
وقول الخرقي: أو قراءة الفاتحة وهو إمام أو منفرد.
احترازا من المؤتم، فإن القراءة لا تجب عليه كما تقدم، وقوله: بطلت صلاته عامدا كان أو ساهيا.
أما إذا ترك ذلك عمدا فواضح، وأما سهوا فإن ذكره في الصلاة قبل أن يشرع في قراءة ركعة أخرى أتي به وبما بعده، لأنه مرتب عليه، وبعد الأخذ في قراءة أخرى تصير عوضا عن الفائت ركنها، وتبطل تلك، وإن ذكره وقد سلم بطلت الصلاة على رأي أبي الخطاب، ومن كلام ابن أبي موسى: والمذهب - وهو المنصوص في رواية الجماعة - اختصاص البطلان بطول الفصل، ثم إن كان المتروك سلاما أتى به فحسب، وإن كان تشهدا أتى [به] وسلم، وإن كان غيرهما أتى بركعة تامة، والله أعلم.

قال: ومن ترك شيئا من التكبير غير تكبيرة الإحرام، أو التسبيح في الركوع، أو التسبيح في السجود، أو قول: سمع الله لمن حمده، أو قول: ربنا ولك الحمد.
أو قول: رب اغفر لي، أو التشهد الأول، أو الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

في التشهد الأخير، عامدا بطلت صلاته، ومن ترك شيئا منها ساهيا أتى بسجدتي السهو قد صحت صلاته [والله أعلم] . ش: هذا النوع الثاني مما اشتملت الصلاة عليه، وهو الواجبات، وهو عبارة هنا عما أبطل الصلاة عمده دون سهوه، وهذا لدليل خاص دال عليه، كما سنذكره إن شاء الله تعالى وإلا [فلا] فرق [بينا] عندنا بين الفرض والواجب على الصحيح، وقد تقدم ذكر هذه الواجبات، والخلاف فيها، ونشير هنا إلى دليل المذهب، أما التكبير غير التحريم.
608 - فلما روى أبو موسى الأشعري، في حديث له عن النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] ، قال: «فإذا كبر الإمام وركع فكبروا واركعوا، وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا» رواه مسلم وغيره، وظاهر الأمر الوجوب.
609 - وروى رفاعة بن رافع، أن النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] قال في قصة الرجل الذي أمره بإعادة الصلاة: «إنها لن تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، ثم يكبر الله، ويحمده ويمجده، ويقرأ ما تيسر من القرآن، ثم يكبر ويركع، حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمده.
ثم يستوي قائما، حتى يقيم صلبه، ثم يكبر ويسجد، حتى يمكن وجهه، أو قال: جبهته، حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ويكبر فيرفع، حتى يستوي قاعدا على مقعدته، ويقيم صلبه، ثم يكبر فيسجد حتى يمكن وجهه، ويسترخي ويطمئن، فإذا لم يفعل هكذا لم تتم صلاته» ، رواه النسائي وأبو داود.
والظاهر أن المراد بنفي التمام نفي الصحة، لأنه ذكره بيان لما تعاد منه الصلاة، وإنما سقط بالسهو.
610 - لما احتج به أحمد من أنه [صح] عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قام إلى ثالثة ناسيا، وسجد للسهو ولم يعد، وقد ترك بسهوه تكبيرة، مع التشهد، وجلسته.
وأما التسبيح في الركوع والسجود فللأمر به في حديث عقبة بن عامر المتقدم، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: 15]

فأخبر أنه لا يؤمن إلا من سجد إذا ذكر بالآيات، وسبح بحمد ربه، واستدل لذلك أيضا بقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: 39] والمراد الصلاة، وذلك يدل على لزوم التسبيح فيها، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: 2] فإنه يدل على وجوب القيام، وقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: 78] يدل على وجوب القراءة، وفيه نظر، وإنما سقط بالسهو قياسا على تكبيرات الخفض.
(وأما) قول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وقول: رب اغفر لي.
فلأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ذلك، وواظب عليه، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده.
فقولوا: ربنا ولك الحمد» ، وسقط بالسهو قياسا على التكبيرات.
(وأما) التشهد الأول فلما تقدم في التشهد الأخير، وإنما قلنا بسقوطه هنا لأنه ثبت أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تركه، ولم يعد له، وحكم جلسته حكمه.
وأما الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما تقدم من حديث كعب ابن عجرة، ولظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] . 611 - وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنه قال: «لا صلاة لمن لم يصل على نبيه [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ] رواه ابن ماجه والدارقطني.

612 - وإنما سقط بالسهو لما روى فضالة بن عبيد، قال: «سمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلا يدعو في صلاته، ولم يصل عليه، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عجل هذا» ثم دعاه فقال له أو لغيره: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله، والثناء عليه، ثم ليصل على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم ليدع بعد بما شاء» رواه الترمذي وصححه، ولم يأمره بالإعادة، وكان جاهلا، والجاهل والناسي فيه سواء.
قال أبو البركات: وعد غير الخرقي مع ذلك نية الخروج، وبعضهم التعوذ والاستفتاح، وقد تقدم ذلك، وعد أبو

محمد في المقنع والمغني التسليمة الثانية، في إحدى الروايتين، وفي الأخرى أنها سنة، وأبو الخطاب، وأبو البركات وغيرهما على الخلاف هل الثانية ركن أو سنة، بل المذهب عند أبي بكر، والقاضي والأكثرين أنها ركن، وقد أشعر كلام الخرقي بأن ما عدا ذلك سنة، والله سبحانه أعلم.

باب سجود السهو

قال: باب سجدتي السهو ش: لا إشكال في مشروعية ذلك في الجملة، والأحاديث مستفيضة بذلك.

قال: ومن سلم وقد بقي عليه شيء من صلاته أتى بما بقي عليه من صلاته وسلم، ثم [كبر و] سجد سجدتي السهو، ثم تشهد وسلم، لما روى أبو هريرة، وعمران بن الحصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه فعل ذلك.
ش: قد ذكر الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - الحكم ودليله، وهو حديث أبي هريرة، وحديث عمران بن حصين.

613 - أما حديث أبي هريرة ففي الصحيحين، «عن ابن سيرين، عنه، قال: صلى بنا رسول الله [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] إحدى صلاتي العشي، فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: أقصرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلماه، وفي القوم رجل يقال له: ذو اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال «لم أنس، ولم تقصر» فقال: «أكما يقول ذو اليدين؟» فقالوا: نعم.
فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه: ثم سلم؟ فيقول: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم.» 614 - وأما حديث عمران فرواه مسلم وغيره، ولفظه: «أن رسول الله [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله - وفي لفظ - فدخل الحجرة، فقام إليه رجل يقال له: «الخرباق» وكان في يده طول، فقال: يا رسول الله.
فذكر له صنيعه، فخرج غضبان، يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: «أصدق هذا؟» قالوا: نعم.
فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين ثم سلم» .

615 - وعن عمران بن حصين أيضا «، أن النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] صلى بهم فسهى، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم» . رواه أبو داود والترمذي.
وقول الخرقي: ومن سلم.
أي ساهيا، إذ كلامه في السهو، لأنه لو فعل ذلك عامدا بطلت صلاته، وقوله: وقد بقي عليه شيء.
يشمل القليل والكثير، وكذا أطلق أبو الخطاب، وأبو محمد، وغيرهما، وشرط أبو البركات أن يكون ذلك من نقص ركعة تامة فأكثر، أما لو كان النقص سجدة ونحوها فإنه يسجد له قبل السلام، وقد نص أحمد على ذلك، في رواية حرب، وهو موجب الدليل، لأن قاعدة أحمد أن السجود كله قبل السلام، إلا في هذين الموضعين

لورود النص بهما، والنص إنما ورد في نقص ركعة تامة أو ركعتين، فإن كان الخرقي أراد الإطلاق فلعله يقول: لا فرق بين نقص ركعة وسجدة، فهو من باب لا فارق.
وقوله: أتى بما بقي عليه.
مشعر بأن صلاته لا تبطل بالسلام، وهو صحيح إن كان سلامه ظنا منه أن صلاته قد انقضت، أما لو كان السلام من العشاء [يظن] أنها التراويح، أو من الظهر يظن أنها جمعة، أو فجر فائتة، فإن الأولى تبطل، ولا بناء، نص عليه، لاشتراط دوام النية ذكرا أو حكمه، وقد زالت باعتقاد صلاة أخرى.
وقوله: أتى بما بقي عليه.
شرطه أن لا يطول الفصل، ولا يشترط البقاء في المسجد، نص أحمد على ذلك في رواية ابن منصور، محتجا بحديث عمران بن حصين المتقدم، وشرط أبو محمد أيضا أن لا ينتقض وضوءه، والذي ينبغي أن يكون حكم الحدث هنا حكم الحدث في الصلاة هل يبني معه، أو يستأنف، أو يفرق بين حدث البول والغائط، وغيرهما؟ على الخلاف، وقول الخرقي يشمل وإن دخل في صلاة أخرى،

وهو المشهور عنه، فعلى هذا يبني ما لم يطل الفصل، وعنه: يستأنفها، كذا أطلق الرواية أبو البركات، وفي المغني اختصاص الرواية بما إذا كانت الثانية تطوعا، وقال الشيرازي: يجعل ما عمل في الثانية تماما للأولى.
(تنبيه) : يتشهد كالتشهد الأخير، قاله السامري، والله أعلم.

قال: ومن كان إماما فشك فلم يدر كم صلى، تحرى، فبنى على أكثر وهمه، ثم سجد [أيضا] بعد السلام، كما روى عبد الله بن مسعود عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ش: إذا شك الإمام أو المنفرد في عدد الركعات، بنيا على اليقين، على إحدى الروايات، اختارها أبو بكر، والقاضي، وأبو الخطاب، وأبو البركات.
616 - لما روى عبد الرحمن بن عوف، قال: سمعت النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] يقول: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر: واحدة صلى أم اثنتين؟ فليجعلها واحدة، وإن لم يدر: ثنتين صلى أو ثلاثا.
فليجعلها اثنتين، وإن لم يدر: ثلاثا صلى أم أربعا.
فليجعلها ثلاثا، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس، قبل أن يسلم سجدتين» رواه أحمد والترمذي وصححه.
وروى ذلك من حديث أبي سعيد، رواه مسلم وغيره، ويحمل تحري الصواب في خبر عبد الله بن مسعود على استعمال اليقين، لأنه أحوط، فهو أقرب إلى الصواب (والرواية الثانية) يبنيان على غلبة ظنهما.
617 - لما روى ابن مسعود [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] أن النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين» متفق عليه، ويحمل ما تقدم على استواء الأمرين، فإنه لا خلاف إذا في البناء على اليقين.

(والرواية الثالثة) يبني الإمام على غالب ظنه، والمنفرد على اليقين، لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بالتحري لما جرى عليه السهو في حال إمامته، فحملناه على من كان مثل حاله، وحملنا النص باليقين على المنفرد، جمعا بين الأحاديث، والمعنى في ذلك أن الإمام يبعد غلطه، إذ وراءه من ينبهه، فمتى سكتوا عنه علم أنه على الصواب، بخلاف المنفرد، وهذه الرواية اختيار الخرقي، وأبي محمد، وقال: إنها المشهورة.
أما المأموم فإنه يرجع إلى فعل الإمام والمأمومين، بناء على [أن] الإمام إذا سبح به المأمومون أنه يرجع إليهم، كذلك المأموم، وحيث قلنا بالبناء على غلبة الظن، فإن السجود له بعد السلام، لنص حديث عبد الله بن مسعود، والله أعلم.

قال: وما عدا ذلك من السهو فسجوده قبل السلام، مثل المنفرد إذا شك في صلاته فلم يدر كم صلى فبنى على اليقين، أو قام في موضع جلوس، أو جلس في موضع قيام، أو جهر في موضع تخافت، أو خافت في موضع جهر، أو صلى خمسا، أو ما عداه من السهو فكل ذلك يسجد له قبل السلام.
ش: ما عدا الصورتين المتقدمتين - وهو ما إذا سلم وقد بقي عليه شيء من صلاته، وما إذا كان إماما فبنى على غلبة

ظنه، وقد تقدما مع دليلهما من صور سجود السهو، فإن السجود له قبل السلام، لما تقدم من حديث عبد الرحمن بن عوف، وعن أبي سعيد نحوه.
618 - وصح عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه لما ترك التشهد الأول سجد له قبل أن يسلم.
619 - وعن أبي هريرة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: «إذا صلى أحدكم فلم يدر أزاد أم نقص، فليسجد سجدتين وهو جالس، قبل أن يسلم» » وهذا يشمل كل سهو، وهو مقتضى القياس، خرج منه الصورتان المتقدمتان، لحديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، قال أحمد: لولا ما جاء عنه - يعني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لكان السجود كله قبل السلام، لأنه من تمام الصلاة (وعن أحمد) رواية أخرى أن السجود كله قبل السلام، لما تقدم من حديث أبي هريرة، (وعنه) : ما

كان من زيادة فهو بعد السلام، وما كان من نقص فهو قبله، والأول هو المذهب، وعلى رواية أن الإمام يبني على اليقين، فالسجود كله قبل السلام إلا في صورة، فيكون في المسألة أربع روايات.
وقول الخرقي: مثل المنفرد إذا شك فبنى على اليقين.
قد تقدم ذلك، وأن المنفرد يبني على اليقين، على الصحيح بلا نزاع.
وقوله: أو قام في موضع جلوس.
كما إذا قام عن التشهد الأول، أو عن الأخير، أو عن جلسة الفصل بين السجدتين، وقوله: أو جلس في موضع قيام.
كما إذا جلس عقب الأولى أو الثالثة في الرباعية، نعم إن كان جلوسه يسيرا فلا [سجود عليه] . وقوله: أو جهر في موضع تخافت.
كالجهر في الظهر ونحوها، أو خافت في موضع جهر، كأن خافت في الصبح وهو إمام، ونحو ذلك، وقد اختلف عن أحمد [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] هل يسن السجود لهاتين الصورتين وما في معناهما من السنن.
620 - لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لكل سهو سجدتان» أم الأولى تركه.

621 - لأن أنسا [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] جهر في موضع تخافت فلم يسجد، ثم أبو محمد يخص الروايتين بالسنن القولية دون الفعلية، وأبو الخطاب وأبو البركات يجريانهما في جميع السنن.
وقوله: أو صلى خمسا.
يعني إذا كان في رباعية، وكذا أربعا إذا كان في ثلاثية، وثلاثا إذا كان في ثنائية، ولهذه الصور التي ذكره الخرقي [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] تفاريع وتقاسيم تحتاج إلى بسط وتطويل.
(تنبيه) قال أبو البركات: الخلاف في محل السجود، وهل هو قبل السلام أو بعده في الاستحباب، أما الجواز فإنه لا خلاف فيه، ذكره القاضي، وأبو الخطاب في خلافيهما، وظاهر كلام أبي محمد وأكثر الأصحاب خلاف هذا، وفي المستوعب فيما أظن أو غيره: وكل السهو يوجب السجود قبل السلام، إلا في موضعين، وقد حكى ابن تميم المسألة على وجهين، والله أعلم.

كلام الخرقي، لما تقدم من حديث عمران بن حصين، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سجد للسهو بعد أن دخل الحجرة، وتلخص أربعة أقوال، اشتراط المسجدية، وقرب الفصل، وإلغاؤهما، واشتراط الأول دون الثاني، وعكسه.
وقول الخرقي: كبر.
وكذلك يكبر في الرفع من السجدتين، لأن في حديث أبي هريرة: كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، [ثم رفع رأسه ثم سجد مثل سجوده أو أطول] . وقوله: وتشهد وسلم.
قد تقدم التشهد في حديث عمران بن الحصين، وتقدم السلام في ما تقدم من الأحاديث، ويسلم تسليمتين، والله أعلم.

قال: وإذا نسي أربع سجدات من أربع ركعات، وذكر وهو في التشهد، سجد سجدة تصح له ركعة، ويأتي بثلاث ركعات، ويسجد للسهو، في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله، والرواية الأخرى، قال: كأن هذا يلعب، يبتدئ الصلاة من أولها.
ش: الرواية الأولى هي المشهورة، وهي مبنية على أصل لنا،

نسي أن عليه سجود سهو وسلم

قال: وإذا نسي أن عليه سجود سهو وسلم، كبر وسجد سجدتي السهو وتشهد وسلم، ما كان في المسجد وإن تكلم، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سجد بعد السلام والكلام.
ش: إذا نسي سجود السهو، فلم يذكر حتى سلم فإنه يسجد لذلك بعد السلام، لما سيأتي من الأحاديث، لكن بشرط بقائه في المسجد، إذ حكم المسجد حكم البقعة الواحدة، فكأنه باق في مصلاه، ولهذا لو اقتدى بالإمام في المسجد جاز، وإن لم تتصل الصفوف، والخارج عنه بخلافه، ولا يشترط ترك الكلام.
622 - لما استدل به الخرقي، وهو لفظ رواية ابن مسعود [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سجد بعد السلام والكلام» . رواه أحمد ومسلم.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يشترط عدم طول الفصل، والمذهب اشتراطه، لأن سجود السهو تكملة للصلاة، فلم يجز بناؤه عليها مع طول الفصل، كسائر أفعالها بعضها على بعض، وكما لو سلم من نقص ركعة، ولم يذكر حتى طال الزمان، فإنه لا يبني، كذلك هنا، (وعن أحمد) أنه يسجد وإن خرج وبعد، لأنه جبران بعد التحلل من العبادة، فجاز وإن طال الزمان كجبران الحج، واختار أبو البركات اعتبار قرب الفصل، وإلغاء البقاء في المسجد، عكس ظاهر

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل