شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 539-579
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 539-579
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ش: أما اشتراط [أصل] نية الصلاة فمجمع عليه، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] والإخلاص محض النية، وصح عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[أنه] قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» ولا بد من تعيين الصلاة [فتعين] أنها ظهر، أو عصر، أو غير ذلك لتتميز عن غيرها، هذا منصوص أحمد، وعليه الأصحاب، وإذا، الألف واللام في كلام الخرقي للعهد، أي ينوي بالتكبيرة المكتوبة [أي] المفروضة الحاضرة، ويجوز أن يريد جنس المكتوبة، أي المفروضة، فيكون ظاهره أنه لا يشترط نية التعيين، بل متى نوى فرض الوقت، وكانت عليه صلاة، لا يدري هل هي ظهر أو عصر، فصلى أربعا ينوي بها ما عليه أجزأه، وقد روي عن أحمد [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] ما يدل على ذلك، لكن المذهب الأول.
وهل يفتقر مع نية التعيين إلى نية الفرضية، ونية القضاء أو الأداء؟ فيه وجهان: أشهرهما: لا.

قال: فإن تقدمت النية قبل التكبير، وبعد دخول الوقت - ما لم يفسخها - أجزأه.
ش: لما كان كلامه السابق يقتضي أن النية تقارن التكبير،

أردف ذلك ما يدل على أن ذلك على سبيل الاستحباب، وأن النية إذا تقدمت على التكبير أجزأه، وذلك لأن الصلاة عبادة يشترط لها النية، فجاز تقديمها عليها كالصوم، ولأن التكبير جزء من الصلاة، فكفى فيه استصحاب النية حكما لا ذكرا كالصلاة.
وشرط الخرقي لذلك شرطين: (أحدهما) : أن يكون ذلك بعد دخول الوقت، وعلى هذا شرح ابن الزاغوني، معللا بأنها ركن، فلا يفعل قبل الوقت كبقية الأركان، وأكثر الأصحاب لا يشترطون هذا الشرط، فإما لإهمالهم له، أو اعتمادا منهم على الغالب.
(الشرط الثاني) : أن يستصحب النية حكما، فلو فسخها، أي: قطعها لم يجزئه، لخلو التكبير بل الصلاة عن نية، قال ابن الزاغوني: وكذلك لو اشتغل بفعل يعرض به عن السعي إلى الصلاة.
وحكم فسخ النية بعد التكبير حكم الفسخ قبله، ولو تردد في الفسخ فوجهان.
ومقتضى كلام الخرقي: أنه لا يشترط كون التقدم بزمن يسير، وعامة الأصحاب على اشتراط ذلك، والله أعلم.

رفع اليدين عند افتتاح الصلاة

قال: ويرفع يديه إلى فروع أذنيه، أو إلى حذو منكبيه.
ش: لا خلاف في رفع اليدين [عند افتتاح الصلاة، لما سيأتي من الأحاديث، واختلفت الرواية عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في منتهى

الرفع، فروي عنه - وهو المشهور - أن الأفضل الرفع إلى حذو المنكبين] . 455 - لما روى عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» وكان لا يفعل ذلك في السجود» . متفق عليه.
456 - «وعن أبي حميد الساعدي أنه قال في عشرة من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنا أعلمكم بصلاته، كان إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه.
قالوا: [صدقت] .» رواه أبو داود [والترمذي وصححه] . (وعنه) : الأفضل الرفع إلى فروع أذنيه، أي يبلغ بأطراف أصابعه أعلى أذنيه.
457 - لما روى مالك بن الحويرث «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، [وإذا ركع رفع يده حتى يحاذي بهما أذنيه] وإذا رفع رأسه من الركوع رفع وقال: «سمع الله لمن حمده» فعل مثل ذلك» . رواه مسلم وغيره

وهذا يشتمل على زيادة، فالأخذ به أولى.
(والثالثة) : أنه يخير بين هاتين الصفتين، اختارها الخرقي، لصحة الرواية بهما، فدل على أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان مرة يفعل هذا، وتارة يفعل هذا، والله أعلم.

وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة

قال: ثم يضع يده، اليمنى على كوعه [اليسرى] . 458 - ش: لما «روى وائل بن حجر [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] أنه رأى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رفع يديه حين دخل في الصلاة، ثم التحف بثوبه، ثم وضع اليمنى على اليسرى» ، رواه أحمد ومسلم وفي لفظ لأحمد وأبي داود: وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ والساعد.

قال: ويجعلهما تحت سرته.
ش: هذا إحدى الروايات عن أحمد [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] .

459 - لما روى أحمد، وأبو داود، «عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: من السنة وضع الأكف في الصلاة تحت السرة» . والسنة المطلقة تنصرف إلى سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (والرواية الثانية) : الأفضل جعلهما تحت صدره.
460 - لما «روى قبيصة بن هلب، عن أبيه قال: رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يضع يده على صدره» - ووصف يحيى بن سعيد - اليمنى على اليسرى، فوق المفصل، رواه أحمد.
(والثالثة) : التخيير بين الصفتين، اختارها ابن أبي موسى، وأبو البركات، لورود الأمر بهما.
قال أبو البركات: وعلى الروايات فالأمر [في الأمرين] واسع، لا كراهة لواحد منهما، [والله أعلم] .

دعاء الاستفتاح في الصلاة

قال: ويقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك» .

461 - ش: لما روى أبو سعيد الخدري [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا افتتح الصلاة قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك» . رواه الخمسة.
462 - وروي من حديث عمر، وأنس، وعائشة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -] . 463 - واحتج أحمد بأن عمر كان إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك.
ويسمع ذلك.

464 - وروي عن أبي بكر، وعثمان، وابن مسعود ولو استفتح بغير هذا مما روي وصح؛ جاز، نص عليه، [والله أعلم] .

الاستعاذة في الصلاة

قال: ثم يستعيذ.
ش: لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] أي: إذا أردت القراءة.
465 - يبينه ما روى أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا قام إلى الصلاة استفتح، ثم يقول: «أعوذ بالله [السميع العليم] ، من الشيطان الرجيم، [من] همزه، ونفخه، ونفثه» . وصفة الاستعاذة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
(في رواية) اختارها القاضي في الجامع الصغير، وأبو محمد في المقنع، لظاهر الآية، وقال ابن المنذر: جاء عن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يقول قبل القراءة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» . (وفي أخرى) : «أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم» لحديث أبي سعيد.
(وفي ثالثة) : «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم» . واختارها أبو بكر في التنبيه، والقاضي في المجرد، وابن عقيل، جمعا بين قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] وقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 36] . وفي رواية [رابعة] : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم؛ لأن قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 36] لا بد أن يقدر فيه: من الشيطان.
ويجوز أن يقدر قبل، وأن يقدر بعد، فجمعنا بينهما، عملا بما قال الشيخان، والأمر في هذا واسع، ومهما استعاذ به جاز بلا كراهة.
(تنبيه) : والاستفتاح والاستعاذة مسنونان، نص عليه، محتجا بأن ابن مسعود وأصحابه كانوا لا يعرفون الافتتاح،

يكبرون ويقرءون، وذهب ابن بطة إلى وجوبهما.
[والله أعلم] .

القراءة في الصلاة

قال: ثم يقرأ: " الحمد لله رب العالمين ". 466 - ش: في الصحيحين عن عائشة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -] «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين» . ولا خلاف في أن القراءة ركن في الصلاة، واختلف في تعيين الفاتحة، فالمعروف المشهور، وعليه الأصحاب تعيينها.

467 - لما روى عبادة بن الصامت [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» . رواه الجماعة.
وفي لفظ: «لا يجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» . رواه الدارقطني، وقال: إسناده صحيح.
468 - وعن أبي هريرة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب؛ فهي خداج، هي خداج غير تمام» رواه الجماعة إلا البخاري.
والخداج: النقصان في الذات، حكاه أبو عبيد عن الأصمعي.
(وعنه) : لا تتعين، بل يجزئ قراءة آية، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: 20] وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للأعرابي: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» . وتتعين القراءة في كل ركعة

على المذهب بلا ريب، وعنه: تجب في ركعتين لا غير، [والله أعلم] .

قال: يبتدئها ببسم الله الرحمن الرحيم.
469 - ش: لما روى «نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، ثم قرأ بأم القرآن، حتى إذا بلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] قال: آمين.
وقال الناس: آمين.
ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس من الثنتين: الله أكبر.
ثم يقول إذا سلم: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رواه النسائي، ورواه ابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، والخطيب، وصححوه.
470 - «وعن أنس [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] : صليت خلف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم» . رواه أحمد، والنسائي، وابن خزيمة والدارقطني، وفي لفظ لابن خزيمة، والطبراني: «إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يسر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأبو بكر، وعمر» ، زاد ابن خزيمة في الصلاة.

(تنبيه) : الإجماع على أن (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) بعض آية في سورة النمل واختلف هل هي آية مفردة في أول كل سورة، وفيه روايتان، المنصوص عنه - وعليه عامة أصحابه - نعم، ولا خلاف عنه نعلمه أنها ليست آية من أول كل سورة إلا في الفاتحة، على رواية اختارها ابن بطة، وصاحبه أبو حفص، والمشهور خلافها، والله أعلم.

الجهر بالبسملة في الصلاة

قال: ولا يجهر بها.
ش: لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وإن قلنا: إنها من الفاتحة، لما تقدم من حديث أنس.
471 - وفي لفظ البخاري عنه: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبا بكر، وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين» . وفي رواية مسلم: لا يذكرون (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) في أول قراءة ولا في آخرها.
وعن الدارقطني: لم يصح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الجهر حديث، أما عن الصحابة فمنه صحيح، ومنه ضعيف.
وزعم بعض الأصحاب أنا إذا قلنا: إنها من

الفاتحة [جهر بها كما يجهر بالفاتحة] (ونص أحمد) على [أن] من صلى بالمدينة جهر بها، ليبين أنها سنة، لأن أهل المدينة ينكرونها.
472 - كما جهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، والله أعلم.

التأمين بعد قراءة الفاتحة في الصلاة

قال: فإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] قال: آمين.
ش: إذا قال المصلي: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] قال: آمين؛ سواء كان منفردا، أو إماما، أو مأموما، قالها إمامه أو لم يقلها.
473 - لما روى أبو هريرة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه، والمنفرد في معناهما، ويجهر بها فيما يجهر به.
474 - لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا تلا: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] قال: «آمين» حتى يسمع من يليه من الصف الأول» . رواه أبو داود، وابن ماجه، وقال: حتى يسمعها أهل الصف الأول، فيرتج [بها] المسجد.

والسنة أن يؤمن المأموم والإمام معا، ليوافقا تأمين الملائكة.
475 - وفي النسائي والمسند من حديث أبي هريرة: «إذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] فقولوا: آمين.
فإن الملائكة تقول: آمين.
وإن الإمام يقول: آمين.
فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه» . (وقوله) : إذا أمن الإمام فأمنوا.
أي: إذا شرع، أو إذا أراد، جمعا بين الحديثين والمعنى، والله أعلم.

قراءة السورة بعد الفاتحة في الصلاة

قال: ثم يقرأ سورة في ابتدائها (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . ش: أما قراءة السورة بعد الفاتحة فسنة مجمع عليها.
476 - لما روى أبو قتادة الأنصاري [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى ويقصر في الثانية، يسمع الآية أحيانا، وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى ويقصر في الثانية، وكان يطول في الركعة الأولى من صلاة الصبح، ويقصر في الثانية، وفي الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب» . متفق عليه، في أحاديث أخر، وأما كونه يبتدئها ببسم الله الرحمن الرحيم، فقد نص عليه أحمد.
477 - محتجا بأن ابن عمر كان لا يدع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لأم القرآن، وللسورة التي بعدها.
والله أعلم.
قال: فإذا فرغ كبر للركوع.
478 - ش: لما روى أبو هريرة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: «سمع الله لمن حمده» حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: «ربنا ولك الحمد» ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في صلاته كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس» . متفق عليه.
وهذا التكبير واجب في رواية مشهورة، وفي أخرى فرض، وفي ثالثة فرض إلا في حق المأموم فواجب، وفي رابعة سنة، أما الركوع فركن بالإجماع، قال سبحانه:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77] الآية.

رفع اليدين عند الركوع

قال: ويرفع يديه كرفعة الأول.
ش: يعني إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه، وقد تقدم ذلك والخلاف فيه، والأصل في الرفع (هنا) حديث ابن عمر، ووائل بن حجر وقد تقدما.
479 - «وعن أبي حميد الساعدي أنه قال في عشرة من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحدهما أبو قتادة: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قالوا: ما كنت أقدمنا له صحبة، ولا أكثرنا له إتيانا.
قال: بلى.
قالوا: فاعرض.
فقال: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما، ورفع يديه حتى يحاذي منكبيه، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: " الله أكبر " وركع، ثم اعتدل، فلم يصوب رأسه ولم يقنعه، ووضع يديه على ركبتيه، ثم قال: «سمع الله لمن حمده» ورفع يديه واعتدل، حتى يرجع كل عظم موضعه معتدلا، ثم هوى إلى الأرض ساجدا، ثم قال: «الله أكبر» ، ثم ثنى رجليه وقعد عليها، واعتدل، حتى يرجع كل عظم موضعه، ثم نهض، ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك، حتى إذا قام من السجدتين كبر، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنع حين افتتح الصلاة، ثم صنع ذلك، حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها الصلاة أخر رجله اليسرى، وقعد على شقه متوركا، ثم سلم.
قالوا: صدقت، هكذا صلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وسمى أبو داود في رواية من العشرة أبا هريرة، وأبا أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة.

صفة الركوع

قال: ثم يضع يديه على ركبتيه، ويفرج أصابعه.
ش: لحديث أبي حميد [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] . 480 - وعن عمر [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] قال: إن الركب سنت لكم، فخذوا بالركب.
رواه النسائي والترمذي وصححه.

قال: ويمد ظهره، ولا يرفع رأسه ولا يخفضه.
ش: لحديث أبي حميد.
481 - وفي الصحيح عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك» .

482 - وعن وابصة بن معبد، قال: «رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي، وكان إذا ركع سوى ظهره، حتى لو صب عليه الماء لاستقر» . رواه ابن ماجه.
وقدر الإجزاء الانحناء، بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه، لأنه لا يسمى راكعا [بدونه] ، والاعتبار بمتوسطي الناس، لا بطويل اليدين، ولا بقصيرها، قال أبو البركات: وضابط الإجزاء الذي لا يختلف أن يكون انحناؤه إلى الركوع المعتدل أقرب منه إلى القيام المعتدل، والله أعلم.

التسبيح في الركوع

قال: ويقول [في ركوعه] : سبحان ربي العظيم.
ثلاثا، وهو أدنى الكمال، وإن قال مرة أجزأه.
483 - ش: عن «حذيفة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] قال: صليت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكان يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم» ، وفي سجوده: «سبحان ربي الأعلى» رواه الجماعة إلا البخاري.
484 - وعن عقبة بن عامر قال: «لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 74] قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجعلوها في ركوعكم» ، فلما نزلت:

﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجعلوها في سجودكم» رواه أحمد، وأبو داود.
485 - وعن ابن مسعود [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم.
ثلاث مرات، فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى.
ثلاث [مرات] ، فقد تم سجوده، وذلك أدناه» . رواه أبو داود، والترمذي، وهو مرسل، وإنما أجزأت المرة لظاهر حديث عقبة.
وقد تضمن كلام الخرقي وجوب التسبيح [في الرجوع] وسيصرح به، وهو المشهور لما تقدم.
(وعنه) : أنه فرض، (وعنه) : أنه سنة.
(تنبيه) : غاية الكمال لا حد لها عند القاضي، ما لم يطل ما يخاف عليه منه السهو، وقال بعض الأصحاب: غايته أن

يسبح قدر قيامه، لصحة ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقيل: الكمال عشر تسبيحات.
هذا كله في المنفرد.
أما الإمام فظاهر كلام أحمد واختاره أبو البركات: [أن يستحب] أن يزيد على [أدنى] الكمال قليلا، فيسبح ما بين الخمس إلى العشر، وقال القاضي: لا يستحب الزيادة على الثلاث، حذارا من المشقة على المأمومين.
والله أعلم.

رفع الرأس من الركوع وقول سمع الله لمن حمده

قال: [ثم يرفع رأسه] ، ثم يقول: سمع الله لمن حمده.
[ويرفع يديه كرفعه الأول] . ش: أي ثم يقول: سمع الله لمن حمده.
حين يرفع رأسه من الركوع، أما قوله: سمع الله لمن حمده.
فقد تقدم في حديث أبي هريرة، وأبي حميد، وابن عمر، وأما الرفع إذا فتقدم أيضا في حديث ابن عمر، وأبي حميد، ومالك بن الحويرث، وقوله: سمع الله لمن حمده.
واجب في المشهور، (وعنه) : سنة، أما الرفع من الركوع والاعتدال عنه ففرضان، لحديث المسيء في صلاته.

قال: ثم يقول: ربنا ولك الحمد.
ش: يعني إذا اعتدل قائما، لما تقدم من حديث أبي هريرة،

وابن عمر، وحكم التحميد في الوجوب حكم التسميع، ويخير بين إثبات الواو وحذفها، والأفضل إثباتها نص عليه.
486 - للاتفاق عليه من رواية أنس، وأبي هريرة، وابن عمر.
والأفضل مع تركها: اللهم ربنا لك الحمد.
نص عليه.
487 - لأنه متفق عليه من حديث أبي هريرة، ويجوز: ربنا لك الحمد.
488 - لما روى مسلم من حديث أبي سعيد.

489 - و «اللهم ربنا ولك [الحمد] » كما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة وصححه، [والله أعلم] .

قال: ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد.
فإن كان مأموما لم يزد على قوله: ربنا ولك الحمد.
ش: هذا الذكر مشروع في هذه الحال في الجملة.
490 - لما روى علي بن أبي طالب [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا رفع رأسه من الركوع قال: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد» رواه مسلم وغيره.
491 - وعن ابن أبي أوفى مثل ذلك، رواه مسلم.
واختلف عن أحمد لمن شرع هذا الذكر، ولا خلاف عنه أن الإمام يقوله، وكذلك ما قبله.
492 - لحديث علي، وابن أبي أوفي وغيرهما (واختلف عنه) في المنفرد، فالمشهور عنه - وهو اختيار الأصحاب -: أنه يقول الجميع كالإمام، إذ الأصل التأسي بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

493 - لا سيما وقد عضده قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» . (وعنه) : يقتصر على التسميع والتحميد، ولا يقول: ملء السماء.
إلى آخره، حطا له عن رتبة الأمام، ورفعا له عن رتبة المؤتم، لأنه أكمل منه، لعدم تبعيته.
(وعنه) : يقتصر على التحميد فقط، وفيها ضعف.
أما المؤتم فالمشهور عنه - وعليه جمهور الأصحاب الخرقي وغيره -: أنه يقتصر على التحميد، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده.
فقولوا: ربنا ولك الحمد» وظاهره أن التحميد وظيفة المؤتم.
(وعنه) - واختاره أبو البركات -: أنه يأتي بالتحميد، وملء السماء، إلى آخره، لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» . خرج منه التسميع لأنه أمره بالتحميد عقب تسميع إمامه، ولو شرع له التسميع لأمر به عقب تسميع إمامه، كما أمر بالتكبير عقب تسميع إمامه، وهذا اختيار أبي الخطاب، وكلامه محتمل لأنه يسمع أيضا، وعليه اعتمد أبو البركات فقال: ظاهر كلامه أنه يأتي بالتسميع وما بعده، ونفى ذلك أبو محمد فقال: لا أعلم خلافا في المذهب أن المؤتم لا يسمع.
والله أعلم.

التكبير للسجود

قال: ثم يكبر للسجود، ولا يرفع يديه.
ش: أما التكبير [للسجود] فقد تقدم في حديث أبي هريرة وغيره، وأما عدم الرفع في السجود فلحديث ابن عمر وغيره، وعنه يسن الرفع، والمذهب الأول، وحكم التكبير في السجود والرفع منه حكم التكبير في الركوع، وقد تقدم، [والله أعلم] .

صفة السجود

قال: ويكون أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه، ثم يداه، ثم جبهته وأنفه.
ش: هذا المشهور عن أحمد، وعليه عامة أصحابه.
494 - لما «روى وائل بن حجر قال: رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه» . رواه الخمسة إلا أحمد، وقال الحاكم:

على شرط مسلم.
(وعن أحمد) : يضع يديه قبل ركبتيه.

495 - لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» . رواه الخمسة إلا ابن ماجه وقد ضعف.
والسجود على

هذه الأعضاء فرض، لا يكون ساجدا بدونها، أعني الركبتين واليدين، والجبهة، وكذلك القدمين.
496 - لما روى عبد الله بن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين وأطراف القدمين» متفق عليه، ولمسلم «أمرت أن أسجد على سبع؛ الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين» وقيل عنه: لا

يجب السجود على غير الجبهة، لأنه يسمى ساجدا بوضعها، وإن أخل بغيرها، أما الأنف ففيه روايتان مشهورتان: إحداهما: فرضيته كالجبهة، قال القاضي: اختاره أبو بكر، وجماعة من أصحابنا، لما تقدم من عد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - له في المأمور به.
497 - وعن ابن عباس [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -] عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض» رواه الدارقطني.
(والثانية) : ليس بفرض.
اختارها القاضي، لأنه صح عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أعضاء السجود سبعة، وعدها في الصحيح بدونه، وقال: «سبعة أعظم» . وطرف الأنف الذي يسجد عليه ليس بعظم، فعلم أن الإشارة إليه أو عده تنبيه على تبعيته، واستحباب السجود عليه جمعا بين الأدلة، وإلا فيلزم كونها ثمانية، وهو خلاف النص، واستيعاب العضو الواحد بذلك، وهو خلاف الإجماع، فإنه لو سجد على بعض يده - حتى على بعض أطراف أصابعها، أو ظهرها، أو ظهر قدميه - أجزأه.
ومقتضى كلام الخرقي أنه لا يجب عليه مباشرة المصلى بشيء من أعضاء سجوده، وهو إجماع في القدمين، والركبتين، وقول الجمهور في اليدين.

498 - ويدل عليه ما روى أحمد، وابن ماجه «، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: جاءنا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصلى بنا في مسجد بني عبد الأشهل، فرأيته واضعا يديه في ثوبه إذا سجد» . أما الجبهة ففي المباشرة بها قولان مشهوران، هما روايتان عن أحمد، أصحهما عند أبي البركات - واختارها أبو بكر والقاضي - لا يجب.
499 - لما روى «أنس [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] قال: كنا نصلي مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في شدة الحر، فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر مكان السجود» . رواه البخاري.
(والثانية) : تجب المباشرة إلا من عذر.
500 - لما روى «خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا» .

(ومحل الروايتين) فيما إذا سجد على كور عمامته أو ذؤابتها، أو ذيله، ونحو ذلك مما هو حامل له منفصل عنه، وأصل السجود فرض بالإجماع، وبنص الكتاب، والله أعلم.

قال: ويكون في سجوده معتدلا.
501 - ش: في الصحيحين عن أنس [رضي لله عنه] عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» .

قال: ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويكون على أطراف أصابعه.
502 - ش: لما روى أبو حميد الساعدي «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض، من الأرض، ونحى يديه عن جنبيه، ووضع كفيه حذو منكبيه» ، رواه الترمذي وصححه، ولأبي داود: كان إذا سجد فرج بين فخذيه، غير حامل بطنه على شيء من فخذيه، [والله أعلم] .

التسبيح في السجود

قال: ثم يقول: سبحان ربي الأعلى.
ثلاثا، وإن قال مرة أجزأه.
ش: حكم التسبيح في السجود حكم التسبيح في الركوع، وقد تقدم [ذلك] ودليله.

رفع الرأس من السجود

قال: ثم يرفع رأسه مكبرا.
ش: أما التكبير فلما تقدم من حديث أبي هريرة وغيره، وأما الرفع والاعتدال عنه، فلحديث الأعرابي: «ثم ارفع حتى تطمئن جالسا» ، وهما فرضان كذلك، والله أعلم.

قال: فإذا جلس واعتدل يكون جلوسه على رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى.
ش: لما تقدم من حديث أبي حميد الساعدي، في عشرة من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفي الصحيح عن عائشة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -] ، «وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى» . والله أعلم.

الدعاء بين السجدتين

قال: ويقول: رب اغفر لي، رب اغفر لي.
ش: ظاهر كلام الخرقي أن السنة أن يقول رب اغفر لي، مرتين فقط، وهو قول ابن أبي موسى.
503 - لما روى حذيفة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي، رب اغفر لي» رواه الخمسة، إلا الترمذي، والمشهور أن حكم: رب اغفر لي، حكم

التسبيح، في أن المرة تجزئه، وأن أدنى الكمال ثلاث، وأن كماله نحو قيامه، أو ما لم يخف منه السهو، أو عشرا على ما تقدم، وحديث حذيفة أراد به التكرار في الجملة لأن في أوله من رواية أبي داود: كان يقعد بين السجدتين نحوا من سجوده.
(وهل) سؤال المغفرة والحال هذه واجب أو مسنون؟ فيه روايتان؛ المشهور الأول.
والله أعلم.

قال: ثم يكبر ويخر ساجدا.
ش: أما السجدة الثانية ففرض مجمع عليه، وأما التكبير فلما سبق، ويقول فيها ما يقول في السجدة الأولى من التسبيح.
[ولله أعلم] .

قال: ثم يرفع رأسه مكبرا، ويقوم على صدور قدميه، معتمدا على ركبتيه.
ش: أما التكبير حال الرفع فلما تقدم.
504 - وأما القيام على هذه الصفة؛ فلأن في «حديث وائل بن حجر في لفظ لأبي داود: رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه» . 505 - وعن ابن عمر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة» . رواه أبو داود.
[والله أعلم] .

قال: إلا إن يشق ذلك عليه فيعتمد بالأرض.
506 - ش: لأن في حديث مالك بن الحويرث «في صفة صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه لما رفع رأسه من السجدة الثانية جلس، ثم قام واعتمد بالأرض» . رواه النسائي، والبخاري بمعناه، فحملناه على حال العذر لكبر ونحوه، جمعا بينه وبين ما تقدم.

وقد اقتضى كلام الخرقي أنه لا يجلس جلسة الاستراحة، وهو المختار من الروايتين عند ابن أبي موسى، [والقاضي] ، وابنه أبي الحسين، قاله ابن الزاغوني، وجماعة من المشايخ.
507 - لأنه قول عمر، وعلي، وابن مسعود، حكاه أحمد عنهم، وذكره ابن المنذر عن ابن عباس، قال أحمد: وأكثر الأحاديث على هذا.
وقال أبو الزناد: تلك السنة.
وقال

الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم.
(والرواية الثانية) : أنه يجلس للاستراحة، اختارها أبو بكر عبد العزيز وشيخه أبو بكر الخلال، وزعم أن أحمد رجع عن الأولى لما تقدم

من حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث، وحملا على

أنه فعله لما بدن وكبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وكذلك نقول جمعا بين الأدلة، وإلا فمثل هذا لا [يخفى عن] عمر، وعلي، وغيرهما.
وعلى هذه الرواية يجلس على قدميه وإليتيه، ويمس بهما الأرض، نص عليه في رواية المروذي، لتفارق الجلسة بين السجدتين.

508 - وعليه يحمل قول ابن عباس في الإقعاء على القدمين: هو سنة نبيكم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للاتفاق على أنه لا يستحب في غير هذه الصورة، وقال الآمدي: يجلس على قدميه ولا يلصق إليتيه بالأرض، وزعم أن الأصحاب لا تختلف في ذلك، قال القاضي: ويحتمل أنه يجلس مفترشا، لحديث أبي حميد المتقدم، والله أعلم.

قال: ويفعل في الثانية مثل ما فعل في الأولى.
ش: لأن في حديث الأعرابي: «وافعل ذلك في صلاتك كلها، حتى تقضيها» ويستثنى من ذلك الافتتاح بالتكبير، لأنه وضع للدخول في الصلاة، وكذلك الاستفتاح.
509 - وفي مسلم من حديث أبي هريرة قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا نهض إلى الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولم يسكت» . واختلف في الاستعاذة، فعنه: لا تستثنى، فيستعيذ في كل ركعة، لظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: 98] (وعنه) : استثناؤها، اكتفاء بالاستعاذة في أول مرة، جعلا لقراءة الصلاة وإن تفرقت كالقراءة الواحدة، ولظاهر خبر أبي هريرة، نعم لو نسي التعوذ في الأولى أتى به في الثانية، على كلتا الروايتين.
واستثنى أبو الحطاب تجديد النية، لاستصحابها حكما، قال أبو البركات: وترك استثنائها أحسن، لأنها شرط لا ركن، ويجوز أن تتقدم الصلاة اكتفاء بالدوام الحكمي، والله أعلم.

كيفية الجلوس للتشهد

قال: فإذا جلس فيها للتشهد يكون كجلوسه بين السجدتين.
ش: يعني إذا صلى الركعة الثانية، وجلس فيها للتشهد، جلس كما جلس بين السجدتين، لما تقدم في حديث أبي حميد الساعدي [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] والله أعلم.

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل