شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 86-125
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجراح

صفحات 86-125
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ش: الحشوة بكسر الحاء وضمها الأمعاء، فإذا قطع حشوته وأبانها منه، أو فعل به فعلا لا تبقى الحياة معه، ولا حياة مستقرة فيه، فقد صيره في حكم الميت، فيعطى حكمه، وإذًا القاتل هو الأول، ولا شيء على الثاني من قصاص أو دية نعم عليه التعزير، لارتكابه المحرم.

قال: ولو شق بطنه ثم ضرب عنقه آخر، فالثاني هو القاتل، لأن الأول لا يعيش مثله، والثاني قد يعيش مثله.
ش: ضابط ذلك أن يفعل به فعلا يجوز بقاء الحياة معه، ثم يقتله آخر، فالثاني هو القاتل، لأنه المفوت للنفس جزما، قال أبو محمد: وكذلك الحكم إذا لم يجز بقاؤه مع الجناية، إلا أن فيه حياة مستقرة كخرق المعى وأم الدماغ.
2936 - لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما جرح سقوه لبنا فخرج، فعلم أنه ميت، فقيل له: اعهد إلى الناس، فعهد إليهم، وجعل الخلافة في أهل الشورى فقبل الصحابة عهده وعملوا به.

قال: وإذا قطع يديه ورجليه ثم عاد فضرب عنقه قبل أن تندمل جراحه، قتل ولم تقطع يداه ولا رجلاه في إحدى الروايتين، والرواية الأخرى قال: إنه لأهل أن يفعل به كما فعل.
ش: الرواية الأولى هي المشهورة عن أحمد، واختيار الأكثرين الخرقي وأبي بكر، والقاضي في خلافه وفي روايتيه،

والشريف، وأبي الخطاب في خلافيهما، وابن عقيل والشيرازي.
2937 - لما روى عبد الله بن يزيد الأنصاري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن النهبى والمثلة» ، رواه البخاري، والمثلة تشويه خلقة القتيل، كجدع أطرافه، وقطع مذاكيره، ونحو ذلك، وإذا فعل به مثل ما فعل فقد مثل به فيدخل في النهي.
2938 - وعن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا قود إلا بالسيف» رواه ابن ماجه، إلا أن أحمد قال: ليس إسناده بجيد، ولأن القصاص أحد بدلي النفس، فدخل في حكم النفس كالدية (والرواية الثانية) نقلها الأثرم وهي أوضح دليلا، لقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126] ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] ولحديث أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - المتقدم «أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين، فأخذ اليهودي فأقر فأمر به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يرض رأسه بالحجارة» ، متفق عليه، فرتب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرض على اعترافه.
2939 - وعنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه» وهذه الأدلة أخص من حديث المثلة، قال أبو العباس - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هذا أشبه بالكتاب والسنة والعدل؛ (فعلى هذه الرواية) متى اقتصر على ضرب عنقه فهو أفضل، وإن قطع ما قطعه الجاني أو بعضه، ثم عفا مجانا فله ذلك، فإن عفا إلى الدية لم يجز إذ جميع ما فعل بوليه لم يوجب إلا دية، فإن فعل فله ما بقي من الدية، فإن لم يبق شيء فلا شيء له، (وعلى الأولى) إن فعل به مثل ما فعل فقد أساء ولا شيء عليه، فإن

قطع طرفا ثم عفا إلى الدية كان له تمامها، وإن قطع ما يوجب دية ثم عفا لها لم يكن له شيء، وإن قطع ما يجب به أكثر من دية ثم عفا، فهل يلزمه ما زاد على الدية، أو لا؟ فيه احتمالان، وكذلك لو تساوى العضوان في الدية، واختلفا في المحل، كأن قطع يده فقطع الولي رجله ثم قتله، فهل يلزمه ضمان الرجل لعدم استحقاقها له بوجه، أو لا يلزمه لتساويهما في الضمان؟ فيه احتمالان أيضا.
ويستثنى على هذه الرواية إذا قتله بمحرم كتجريعه الخمر، واللواط، والسحر، وفي النار خلاف.
وقول الخرقي: قبل أن تندمل جراحه، احترازا مما إذا اندملت كما سيأتي، وقوله: قتل، أي بالسيف، لأنه الآلة التي يشرع القصاص بها.
قال: فإن عفا عنه الولي فعليه دية واحدة.
ش: لا خلاف في هذا نعلمه في المذهب، لأنه قاتل قبل استقرار الجرح، فدخل أرش الجراحة في أرش النفس، كما لو حصل ذلك بالسراية.

قال: ولو كانت الجراح برأت قبل قتله، فعلى المعفو عنه ثلاث ديات، إلا أن يريدوا القود فيقيدوا ويأخذوا من ماله ديتين.
ش: إذا قطع يديه ورجليه وبرأ ذلك ثم قتله، فقد استقر حكم القطع، فللولي أن يقتص من الجميع بلا نزاع، وله أن يعفو عنه ويأخذ ثلاث ديات، دية لنفسه، ودية للرجلين، ودية

لليدين، وله أن يقتص منه في النفس، ويأخذ منه دية الأطراف، وله أن يقتص منه في الأطراف ويأخذ دية النفس، وله أن يقتص في بعض الأطراف، ويأخذ دية بعضها، إذ حكم القطع استقر، فلا يتغير حكمه بالقتل بعد ذلك، والله أعلم.

قال: ولو رمى حر مسلم عبدا كافرا، فلم يقع به السهم حتى أسلم وعتق، فلا قود وعليه دية حر مسلم إذا مات من الرمية.
ش: لا نزاع في وجوب دية حر مسلم إذا مات من الرمية، لأن الإتلاف حصل لنفس حر مسلم، واختلف في وجوب القود، فنفاه الخرقي، وتبعه القاضي، وابن حامد، فيما حكاه تلميذه، إذ الرمي جزء من الجناية، ولا ريب في انتفاء المكافأة حال الرمي، وإذا عدمت المكافأة في بعض الجناية، عدمت في كلها، إذ الكل ينتفي بانتفاء بعضه.
وأثبته أبو بكر، وابن حامد فيما حكاه ابن عقيل في التذكرة، وهو ظاهر كلام أحمد، لقوله في رجل أرسل سهما على زيد، فأصاب عمرا: هو عمد، عليه القود؛ فاعتبر الحظر في ابتداء

الرمي، وذلك لأنه قتل مكافئا له ظلما عمدا، فوجب القصاص، كما لو كان حال الرمي كذلك، يحققه لو رمى مسلما فلم يصبه السهم حتى ارتد ومات، فإنه لا قصاص عليه، وملخص ما تقدم أن سبب السبب - وهو الرمي - هل حكمه حكم السبب الذي هو الإصابة أم لا؟ يخرج على قولين، ولهذا شبه بما إذا تعددت الأسباب كما يذكر في مسألة التجاذب، هل يناط الحكم بالجميع أو بآخرها؟ على قولين، فترتب الحكم على الجميع شبه قول أبي بكر، وتعلق الحكم بالآخر، وهو المشهور، شبه قول الخرقي.

قال: وإذا قتل رجل اثنين، واحدا بعد واحد، فاتفق أولياء الجميع على القود، أقيد لهما، وكذلك إن أراد أولياء الأول القود، والثاني الدية أقيد للأول، وأعطي أولياء الثاني الدية من ماله، وكذلك إن أراد أولياء الأول الدية، والثاني القود.
ش: إذا قتل واحد جماعة فرضي أولياؤهم بأخذه بجميعهم، أخذ بهم، لرضاهم بدون حقهم، أشبه ما لو رضي صاحب اليد الصحيحة بالشلاء، وإن طلب أحدهم القصاص، والآخر الدية، فلهم ذلك، سواء كان من رضي بالقود حقه متقدما أو متأخرا.

2940 - لعموم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية» وإن تشاحوا فيمن يقتص منه منهم على الكمال، فإن كانت حقوقهم تعلقت به في حال واحدة، قدم أحدهم بالقرعة، وإن اختلف وقت التعلق فهل يقدم أحدهم بالقرعة، وهو الذي أورده أبو البركات مذهبا لتساوي حقوقهم بالنسبة إلى البدل والمال، أو أسبقهم، لتميزه بالسبق، وبه جزم أبو محمد؟ فيه وجهان.

شروط القصاص في الجراح

قال: وإذا جرحه جرحا يمكن الاقتصاص منه بلا حيف اقتص منه.
ش: الأصل في جريان القصاص في الجروح في الجملة الإجماع، وقد شهد له قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] . 2941 - وعن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن الربيع عمته كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو، فأبوا، فعرضوا الأرش فأبوا، فأتوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالقصاص، فقال أنس بن النضر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أتكسر ثنية الربيع، والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها.
فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يا أنس كتاب الله القصاص» فرضي القوم، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» رواه البخاري، وفي رواية مسلم أن أخت الربيع جرحت إنسانا، وأن السائل أم الربيع، ولعلهما واقعتان.
إذا تقرر هذا فيشترط لجريان القصاص في الجروح ثلاثة

شروط (أحدها) إمكان القصاص من غير حيف، ككل جرح ينتهي إلى عظم، كما في الموضحة، لقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 194] أي إذا اقتصصتم، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126] فأباح لنا سبحانه أن نفعل مثل ما فعل بنا، فإذا لم يمكن الاستيفاء إلا بحيف لم نفعل مثل ما فعل بنا، بل زدنا عليه، فلم نتق الله، كما في الجناية المبتدأة (الشرط الثاني) أن يكون الجارح ممن يؤخذ بالمجروح لو قتله، وذلك بأن يجرحه عمدا محضا، فلا قصاص في الخطأ إجماعا، وكذلك في شبه العمد على المذهب كالأنفس، كما لو ضربه بحصاة لا يوضح مثلها، فأوضحت، وخالف أبو بكر وتبعه الشيرازي، فأوجب القصاص في الجروح في شبه العمد، كأن يضربه بشيء لا يقطع الطرف فيتلفه، لعموم (والجروح قصاص) وهو منتقض بالخطأ، وله أن يجيب بأنه خرج بالإجماع، فيبقى فيما عداه على مقتضى العموم (الشرط الثالث) التكافؤ بين الجارح والمجروح، كما تقدم في قول الخرقي: ومن كان بينهما في النفس قصاص، فهو بينهما في الجراح.
ومقتضى كلام الشيخ أبي محمد أن قول الخرقي: ومن كان بينهما قصاص في النفس، فهو بينهما في الجراح.
وقوله بعد: إذا كان الجاني

ممن يقاد من المجني عليه لو قتله؛ معناهما واحد، وقد يحمل أحدهما على التكافؤ، والآخر على اشتراط العمدية، دفعا للتكرار، وحذارا من فوات شرط.
واعلم أن ظاهر كلام ابن حمدان في الرعاية الصغرى - تبعا لأبي محمد في المقنع - أن المشترط لوجوب القصاص أمن الحيف، وهو أخص من إمكان الاستيفاء بلا حيف، والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنما اشترط إمكان الاستيفاء، وتبعه على ذلك أبو محمد في المغني، وأبو البركات، وجعل أبو البركات أمن الحيف شرطا لجواز الاستيفاء وهو التحقيق، وعليه لو أقدم واستوفى ولم يتعد وقع الموقع فلا شيء عليه، وكذا صرح أبو البركات، وعلى مقتضى قول ابن حمدان، وما في المقنع، يكون جناية مبتدأة، يترتب عليها مقتضاها.

قال: وكذلك إن قطع منه طرفا من مفصل، قطع منه مثل ذلك المفصل، إذا كان الجاني ممن يقاد من المجني عليه لو قتله.
ش: لا نزاع في جريان القصاص في الأطراف، وقد دل عليه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45] إلى آخر الآية، ويشترط لذلك ما تقدم، وإمكان الاستيفاء هنا من غير حيف، (بأن يكون) القطع من مفصل، كالكوع والكعب ونحو ذلك، ويلتحق بذلك ما له حد ينتهي إليه، كمارن الأنف وهو ما لان

منه، فإن كان من غير مفصل، كنصف الذراع، ونصف الساق ونحو ذلك، فلا قصاص من ذلك الموضع بلا ريب، حذارا من الحيف الممنوع منه شرعا.
وهل يقتص من المفصل الذي دونه، كالكوع والكعب، لرضاه بدون حقه، أشبه ما لو رضي صاحب الصحيحة بالشلاء، أو تتعين الدية، وهو المنصوص، واختيار أبي بكر، وحكاه في الهداية عن الأصحاب، حذارا من أن لا يفعل به مثل ما فعل به.
2942 - ولما «روي أن رجلا ضرب رجلا على ساعده بالسيف، فقطعها من غير مفصل، فاستعدى عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأمر له بالدية، فقال: إني أريد القصاص؛ فقال: «خذ الدية بارك الله لك فيها» ولم يقض له بقصاص» ، رواه ابن ماجه؟ فيه قولان، فعلى القول الأول هل يكون للمجني عليه أرش الباقي؟ فيه وجهان، أشهرهما لا، انتهى.
(وبأن يكون) الطرفان متماثلين، وذلك في شيئين (في الاسم الخاص) فلا تؤخذ يسار بيمين، ولا يمين بيسار، ولا عليا من الشفة والأجفان بسفلى، ونحو ذلك.
(وفي الصحة والكمال) فلا تؤخذ صحيحة بشلاء، ولا كاملة الأصابع بناقصتها، ونحو ذلك، لانتفاء المماثلة المعتبرة

شرعا، وإذًا حصل الحيف، ولا يشترط التماثل في الرقة والغلظ، والصغر والكبر، ونحو ذلك، إذ اعتبار ذلك يفضي إلى إسقاط المماثلة رأسا.

لا قصاص في المأمومة ولا الجائفة

قال: وليس في المأمومة ولا في الجائفة قصاص.
ش: لما ذكر الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن من شرط وجوب القصاص في الجروح إمكان الاستيفاء من غير حيف، ذكر جرحا في الرأس وهو المأمومة، وجرحا في الجوف وهو الجائفة، لا يمكن الاستيفاء فيهما إلا بحيف، أو لا يؤمن في الاستيفاء فيهما الحيف.
2943 - وقد روي عن العباس بن عبد المطلب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا قود في المأمومة، ولا في الجائفة، ولا في المنقلة» رواه ابن ماجه.
2944 - وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا قصاص في المأمومة.
2945 - وعن ابن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه اقتص من المأمومة، فأنكر الناس عليه، وقالوا: ما سمعنا أحدا اقتص منها قبل ابن الزبير، انتهى.
والمأمومة هي التي تصل إلى جلدة الدماغ،

وتسمى تلك الجلدة أم الدماغ، لأنها تجمعه، فالشجة الواصلة إليها تسمى مأمومة، وآمة لوصولها إلى أم الدماغ، والجائفة هي التي تصل إلى الجوف من بطن أو ظهر أو نحر، أو غير ذلك، والله أعلم.

قال: وتقطع الأذن بالأذن.
ش: هذا إجماع في الجملة، وقد شهد له قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ [المائدة: 45] وكلام الخرقي يشمل كل أذن بكل أذن، ويستثنى من ذلك أذن السميع، هل تؤخذ بأذن الأصم؟ فيه وجهان (أحدهما) لا تؤخذ بها، لنقص أذن الأصم عنها، فأشبه اليد الصحيحة، لا تؤخذ بالشلاء (والثاني) وهو اختيار القاضي، ومقتضى كلام الخرقي وبه قطع أبو محمد في الكافي والمغني - تؤخذ بها منعا للنقص، إذ السمع في الرأس لا في الأذن انتهى، والأذن الصحيحة هل تؤخذ بالشلاء؟ فيه أيضا وجهان (أحدهما) لا تؤخذ لنقص الشلاء (والثاني) - وهو اختيار القاضي أيضا - تؤخذ بها، إذ المقصود من الأذن جمع الصوت والجمال، وهذا حاصل فيها، فلا نقص، والأذن التامة بالمخرومة، وفيها أيضا وجهان، تعليلهما ما تقدم، وأبو محمد والقاضي يختاران عدم الأخذ بخلاف ثم، لأن الخرم نقص جزء ويعد عيبا، أما المثقوبة هل تؤخذ بها الصحيحة؟ فرق أبو محمد بين أن يكون الثقب في محله كموضع القرط، أو في غير محله، ففي محله تؤخذ بها لعدم العيب، وفي غير محله هو كالخرم، لا تؤخذ بها عنده.

قال: والأنف بالأنف.
ش: هذا أيضا إجماع في الجملة، وقد شهد له قَوْله تَعَالَى؛ ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ [المائدة: 45] وكلام الخرقي يشمل كل أنف بكل أنف، ويستثنى من ذلك الأنف الشام، هل يؤخذ بالأخشم، وهو الذي لا شم فيه؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يؤخذ نظرا لنقص الأخشم عنه (والثاني) - وهو مقتضى كلام الخرقي، واختيار القاضي، وبه جزم أبو محمد في الكافي والمغني، يؤخذ به، لأن عدم الشم لعلة في الدماغ، لا لنقص في الأنف، والأنف الصحيح هل يؤخذ بالأشل؟ فيه أيضا وجهان، تعليلهما ما تقدم في الأذن الصحيحة بالشلاء، والمختار للقاضي أيضا الأخذ، والأنف التام هل يؤخذ بالمخروم؟ فيه أيضا وجهان، تعليلهما والمختار فيهما ما تقدم في الأذن، وينبغي أن يجري الوجهان أيضا في الثقب مطلقا، والله سبحانه أعلم.

قال: والذكر بالذكر.
ش: لا نعلم في ذلك خلافا، وقد دل على ذلك قوله سبحانه: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] وقد شمل كلام الخرقي كل ذكر بكل ذكر، ويستثنى من ذلك ذكر الخصي والعنين، هل يؤخذ بهما الذكر الصحيح؟ على ثلاث روايات (إحداهن) - وهو مقتضى كلام الخرقي - يؤخذ بهما، لعموم ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] ودعوى النقص ممنوعة، إذ عدم الإنزال في الخصي

لذهاب الخصية، والعنة لعلة في الظهر (والثانية) وهي اختيار أبي بكر، والشريف وأبي الخطاب في خلافيهما، والشيرازي وغيرهم - لا يؤخذ بهما العنين، إذ العنين لا يطأ ولا ينزل، والخصي لا يولد له ولا ينزل، فأشبها ذكر الأشل (والثالثة) يؤخذ بذكر العنين، لأن ذلك مرض، والصحيح يؤخذ بالمريض، دون ذكر الخصي لأنه مأيوس من إنزاله المني، فهو كالأشل، وهذا اختيار ابن حامد، وهذا الخلاف - قال القاضي في الجامع -: مبني على اختلاف الرواية في دية ذلك، والله أعلم.

قال: والأنثيان بالأنثيين.
ش: لعموم (والجروح قصاص) والله أعلم.

قال: وتقلع العين بالعين.
ش: هذا إجماع، وقد شهد له قوله سبحانه: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45] وشمل كلام الخرقي كل عين بكل عين، ويستثنى من ذلك العين الصحيحة لا تؤخذ بالقائمة، وعين الأعور إذا قلع عين صحيح، فإن عينه لا تقلع بها، حذارا من ذهاب جميع بصره بنصف بصر.
2946 - واعتمادا على أن ذلك يروى عن عمر وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وفيه احتمال أن عينه تقلع، ويعطى نصف الدية

ولعلها من رواية قتل الذكر بالأنثى، وإعطاء ورثته نصف الدية، والله أعلم.

قال: والسن بالسن.
ش: هذا أيضا إجماع، وقد شهد له قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: 45] وحديث الربيع وقد تقدم، والله أعلم.

قال: فإن كسر بعضها، برد من سن الجاني مثله.
ش: لظاهر «حديث الربيع، أنها كسرت ثنية جارية فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالقصاص» ، ويكون القصاص بالمبرد ليأمن من أخذ زيادة، بخلاف الكسر، فإنه لا تؤمن معه الزيادة، ويبرد من السن مثل ما ذهب من سن المجني عليه، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] وتعتبر المثلية بالأجزاء فيؤخذ النصف بالنصف، والربع بالربع، ونحو ذلك، لا بالمساحة، حذارا من أخذ جميع السن بالبعض، إذا كانت سن الجاني صغيرة، وسن المجني عليه كبيرة، والله أعلم.

قال: ولا تقطع يمين بيسار، ولا يسار بيمين.
ش: لفوات المماثلة المعتبرة، لا يقال ينبغي أن تؤخذ اليسار باليمين، لنقص اليسار عن اليمين، لأنا نقول منافعهما تختلف، فأشبها الرجل مع اليد، والله أعلم.

قال: وإذا كان القاطع سالم الطرف، والمقطوع شلاء فلا قود.
ش: لانتفاء المماثلة المعتبرة شرعا، إذ لا نفع فيها إلا الجمال، فلا تؤخذ بها ما كملت منفعته، كالعين الصحيحة لا تؤخذ بالقائمة، ومراد الخرقي بالطرف يجوز أن يكون اليدان والرجلان، ويجوز أن يريد ما هو أعم من هذا، فيدخل فيه الأنف الأشل، والأذن الشلاء، ويكون ظاهر كلام الخرقي أحد الوجهين المتقدمين، والله أعلم.

قال: وإذا كان القاطع أشل، والمقطوعة سالمة، فشاء المظلوم أخذها فله ذلك، ولا شيء له غيرها، وإن شاء عفا وأخذ دية يده.
ش: يخير صاحب اليد الصحيحة التي قطعت، بين أن يعفو عن الجاني، ويأخذ دية يده بلا ريب، وبين أن يأخذ الشلاء بيده الصحيحة لرضاه بدون حقه، أشبه ما لو رضي المسلم بالقصاص من الذمي، والحر من العبد، ويشترط لذلك ما تقدم من إمكان الاستيفاء من غير حيف، بأن يقول أهل الخبرة: إنا نأمن من قطعها التلف، أما إن قالوا إنه إذا قطعها لم يأمن أن لا تستد العروق، ويدخل الهواء إلى البدن فيفسده فلا قصاص، حذارا من الحيف الممنوع منه شرعا، وإذا أخذت

الشلاء بالصحيحة بشرطه فلا شيء للمقتص على المذهب، لئلا يجمع في العضو الواحد بين القصاص والدية، واختار أبو الخطاب في هدايته أن له الأرش، وقد بقي من تقاسيم مسألة اليدين إذا كانتا صحيحتين وهو واضح، وإذا كانتا أشلتين، والقصاص جار فيهما بشرط أمن الحيف، والله أعلم.

قال: وإذا قتل وله وليان بالغ وطفل، أو غائب لم يقتل حتى يقدم الغائب أو يبلغ الطفل.
ش: هذا هو المذهب المنصوص بلا ريب، حتى إن أبا محمد في الكافي لم يذكر غيرها.
2947 - لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية» أضاف القتل إلى اختيار جميع الأهل، والصغير والمجنون من جملتهم، فإذا لم يوجد منهم الاختيار لم يجز القتل، وحكى ابن حمدان في رعايته الصغرى رواية بأن من حضر له الاستيفاء وعممها، وخصها الشيخان ومن رأينا كلامه بالصبي والمجنون، وجعلوا الغائب أصلا قاسوا عليه المذهب، قال القاضي وأتباعه: قود ثابت لجماعة معينين، لم يتحتم استيفاؤه، فلم يجز لبعضهم أن

ينفرد باستيفائه، أصله إذا كان بعضهم غائبا؛ واحترزوا (بمعينين) عما إذا لم يكن له وارث، فإن للإمام الاستيفاء، مع أن القود للمسلمين، وفيهم الصغير والمجنون، (ولم يتحتم استيفاؤه) عن قطاع الطريق إذا قتلوا من في ورثته صغير أو مجنون، فإنهم يقتلون من غير انتظار.
واعلم أن أصل هذه الرواية أخذها القاضي من قول أحمد في رواية ابن منصور - في يتيم قطعت يده - فوليه بالخيار، إن شاء الدية، وإن شاء القود، أرأيت إن مات قبل أن يندمل، ووجه الأخذ أن أحمد جوز للولي القصاص، ويلزم منه سقوط تشفي الصغير، فكذلك هنا، إذ غايته سقوط التشفي، والعجب أن القاضي لم يذكر هذه الرواية في محلها، بل خرج ثم على معنى هنا، وبالجملة وجه هذه الرواية أن الصغير والمجنون في حكم المعدومين، ولأن الحسن بن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قتل ابن ملجم قصاصا، وفي الورثة صغار، فلم ينكر عليه، وأجيب بوجهين (أحدهما) أنه إنما قتله لكفره، لأنه قتل عليا كرم الله

وجهه مستحلا لدمه، كما هو مذهب الخوارج، ومن استحل ذلك كفر، وقد قال خبيثهم عمران بن حطان قبحه الله في ذلك يمدح قاتله: يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره يوما فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا ولهذا كان أشهر الروايتين عن إمامنا - رَحِمَهُ اللَّهُ - تكفيرهم (والوجه الثاني) وهو جواب أبي بكر أن عبد الرحمن بن ملجم شهر السلاح، وسعى في الأرض بالفساد، وحارب الله ورسوله، وإذًا يتحتم قتله فيكون كقاطع الطريق إذا قتل، والحسن هو الإمام، فقتله لذلك، ولذلك لم ينتظر الغائبين، وقد حكي الاتفاق على وجوب انتظارهم، ونقل عبد الله: إذا كان في الأولياء صبي أو مصاب لم يقتل حتى يشب الصغير، وإن كان

مصابا يصيرون إلى الدية، قال القاضي: وظاهر هذا أنه أسقط القصاص رأسا في حق المجنون، وأثبته في حق الصغير، كما قال، وهو محمول على أن جنونه مطبق، لا يرجى زواله.

قال: ومن عفا من ورثة المقتول عن القصاص، لم يكن إلى القصاص سبيل، وإن كان العافي زوجا أو زوجة.
ش: (قد تضمن) كلام الخرقي صحة العفو عن القصاص، وهو إجماع ولله الحمد، بل هو أفضل، لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] وقال تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: 45] . 2948 - «وقال أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ما رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رفع إليه شيء فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو» . رواه الخمسة إلا الترمذي.
2949 - وعن عبد الرحمن بن عوف - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - –

قال: «ثلاث والذي نفس محمد بيده إن كنت لحالفا عليهن، لا ينقص مال من صدقة فتصدقوا، ولا يعفو عبد عن مظلمة يبتغي بها وجه الله إلا زاده الله تعالى بها عزا يوم القيامة، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر» رواه أحمد.
(وتضمن أيضا أن القصاص حق لجميع الورثة يرثه من يرث المال.
2950 - وذلك لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى أن يعقل عن المرأة عصبتها من كانوا، ولا يرثوا منها إلا ما فضل من ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها، وهم يقتلون قاتلها» ، رواه الخمسة إلا الترمذي، ويتفرع على هذا أنه من عفا من الورثة عن القصاص سقط، إذ القتل عبارة عن زهوق الروح بآلة صالحة، وذلك لا يتبعض، فإذا أسقط بعض مستحقيه حقه منه سقط، لتعذر استيفائه.
2951 - وقد روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وعلى المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كان امرأة» رواه

النسائي، وأبو داود ولفظه: «الأولى فالأولى» . وقوله: وإن كان العافي زوجة، تنصيص على مخالفة مذهب الغير، وذلك لما تقدم.
2952 - وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أتي برجل قد قتل قتيلا، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت امرأة المقتول - وهي أخت القاتل: قد عفوت عن حقي.
فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الله أكبر عتق القتيل.
رواه أبو داود (وقوله) : عن القصاص: يحترز به والله

أعلم عما إذا عفا عن الدية، فإنه يكون مختارا للقود، ولم أعلم من صرح بذلك، وأظن ذلك وقع للقاضي في روايتيه، وقال: أومأ إليه أحمد في رواية الميموني (وقوله) : لم يكن إلى القصاص سبيل، أي طريق، ويفهم منه أن له إلى الدية سبيل، وهو كذلك، أما في حق من لم يعف فواضح، لتعذر القصاص عليه، وذلك يوجب تعين الدية له، وأما في حق من عفا فهو ينبني على أصل، وهو أن الواجب في قتل العمد أحد شيئين، القصاص أو الدية على المذهب، فعلى هذا إذا عفا عن القصاص ثبتت له الدية، ويأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام على ذلك.
(تنبيه) : «المقتتلين» هنا أن يطلب أولياء القتيل القود، فيمتنع القتلة، فينشأ بينهم الحرب والقتال من أجل ذلك، فجعلهم مقتتلين بفتح التائين من أجل ذلك، يقال: اقتتل فهو مقتتل، غير أن هذا إنما يستعمل أكثره فيمن قتله الحرب قاله الخطابي.
«وينحجزوا» أي ينكفوا عن القود، بعفو أحدهم ولو كان امرأة، «والأول فالأول» أي الأقرب فالأقرب.

قال: وإذا اشترك الجماعة في القتل فأحب الأولياء أن يقتلوا الجميع فلهم ذلك، وإن أحبوا أن يقتلوا البعض، ويعفوا عن البعض، ويأخذوا الدية من الباقين، كان لهم ذلك.
ش: إذا اشترك الجماعة في القتل فللأولياء أن يقتلوا الجميع، بناء على المذهب، من أن الجماعة تقتل بالواحد وقد تقدم، ولهم أن يقتلوا البعض، لأنهم إذا كان لهم قتل الجميع فقتل

البعض بطريق الأولى، ويعفوا عن البعض، لأن من له قتل شخص، له العفو عنه كما تقدم، ولا يسقط القصاص عن البعض بالعفو عن البعض، لأنهما شخصان فلا يسقط القصاص عن أحدهما بإسقاطه عن الآخر، كما لو قتل كل واحد رجلا، ويأخذوا الدية من البعض، لأن من ملك قتل شخص، ملك العفو عنه إلى الدية كما سيأتي، وماذا يأخذ منه، هل يأخذ منه دية كاملة، أو بقسطه من الدية، فلو كان القاتلون أربعة فعليه ربع الدية؟ فيه روايتان تقدمتا.
وقول الخرقي: ويأخذوا الدية، ظاهره وإن لم يرض الجاني، وهو يستدعي بيان أصل، وهو أن موجب العمد ما هو؟ عن أحمد ثلاث روايات (إحداهن) ، وهو المذهب عند الأصحاب وتقدمت الإشارة إليه موجبه أحد شيئين، القصاص أو الدية، لقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] أوجب سبحانه الاتباع بالمعروف بمجرد العفو، وهو يشمل ما إذا عفا مطلقا، وذلك فائدة أن الواجب أحد شيئين.
2953 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن الدية فيهم، فقال الله سبحانه لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] الآية ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: 178] قال: فالعفو أن يقبل في العمد الدية، مختصر، رواه

البخاري وغيره، قال الزمخشري في قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 178] أهل التوراة كتب عليهم القصاص، وحرم العفو وأخذ الدية، وأهل الإنجيل العفو، وحرم القصاص والدية، وخيرت هذه الأمة بين الثلاث، القصاص والدية والعفو، ونحوه قال البغوي، إلا أنه قال: وأهل الإنجيل الدية.
2954 - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يقتل، وإما أن يفدى» متفق عليه.
2955 - وعن أبي شريح الخزاعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «من أصيب بدم أو خبل - والخبل الجراح، فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، بين أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفو، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه» ثم تلا؛ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 178] » رواه أحمد وأبو داود.
وهذا نص (والرواية الثانية) موجب العمد القود عينا،

وله العفو إلى الدية من غير رضا الجاني، فتكون الدية بدلا عن القصاص، اختارها ابن حامد، لظاهر قول الله تعالى؛ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: 178] . 2956 - وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من قتل عمدا فهو قود، ومن حال دونه فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» رواه أبو داود والنسائي.
(والثالثة) موجب القود عينا، وليس له العفو على الدية بدون رضا الجاني، لأن هذا متلف يجب به البدل، فكان بدله معينا، كسائر أبدال المتلفات.
إذا تقرر هذا فكلام الخرقي جار على الرواية الأولى، إذ عليها إذا اختار الدية كانت له بلا ريب، وكذلك إذا عفا مطلقا، أما على الثانية فلا شيء عليه إذا عفا مطلقا، وإنما تجب له الدية إذا عفا عن القود إليها، كذا قال الشيخان وغيرهما، وشذ الشيرازي فقال: لا شيء له أيضا على هذه الرواية، وفي موضع

آخر من المبهج أيضا ظاهر كلامه موافقة الجماعة، وعلى الثالثة لا يستحق العفو إلا برضا الجاني.
(تنبيه) : «يفدي» المراد هنا بالفدية الدية، بدليل أن في رواية أخرى: «إما أن يودى، وإما أن يقاد» . «والصرف» التوبة «والعدل» الفدية.

قال: وإذا قتل من للأولياء أن يقيدوا به، فبذل القاتل أكثر من الدية على أن لا يقاد، فللأولياء قبول ذلك.
ش: إذا قتل من للأولياء أن يقيدوا به، أي يأخذوا به القود، فبذل القاتل أكثر من الدية، على أنه لا يقاد بالمقتول، فللأولياء قبول ذلك، لأن الحق لهم، لا يعدوهم.
2957 - وفي الترمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم» وذلك لتشديد القتل، ولأبي البركات احتمال بالمنع من ذلك، وربما فهم من كلام الخرقي أن الأولياء لو رضوا بدون الدية كان لهم ذلك، وهو كذلك بلا ريب.

قال: وإذا قتله رجل وأمسكه آخر، قتل القاتل، وحبس

الماسك حتى يموت.
ش: هذا أشهر الروايتين عن أحمد، واختيار القاضي، والشريف وأبي الخطاب في خلافاتهم، والشيرازي، لظاهر قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] الآية، والقاتل اعتدى بالقتل فيقتل، والممسك اعتدى بالحبس إلى الموت فيحبس إلى أن يموت.
2958 - وقد روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا أمسك الرجل، وقتله الآخر، يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك» رواه الدارقطني.
2959 - وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أتي برجلين قتل أحدهما، وأمسك الآخر، فقتل الذي قتل، وقال للذي أمسك؛ أمسكته للموت، فأنا أحبسك في السجن حتى تموت.
رواه الأثرم والشافعي في مسنده.
ولا يعرف له مخالف في الصحابة (والرواية الثانية) يقتلان جميعا، لظاهر قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:

لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، ولأن القتل وجد منهما، أحدهما بالسبب، والآخر بالمباشرة، أشبه ما لو باشراه، وأجيب عن قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن المراد بقوله: لو تمالأ عليه لو تشاركوا، ثم هو معارض بقول علي، وشرط قتل الممسك قصد القتل بإمساكه، أما إن لم يعلم أن القاتل يقتله فلا شيء عليه، ذكره أبو محمد، وكذلك ذكر القاضي أنه إذا أمسكه للعب أو الضرب فقتله القاتل أنه لا قود على الممسك، ذكره محل وفاق.
(تنبيه) : «أمسك ومسك» لغتان، والخرقي جمع بينهما فقال: وأمسكه آخر.
وقال: وحبس الماسك حتى يموت.
والماسك اسم فاعل من مسك، واسم فاعل: أمسك، ممسك.
قال: ومن أمر عبده أن يقتل، وكان العبد أعجميا، لا يعلم أن القتل محرم قتل السيد.
ش: الأعجمي هو الذي لا يفصح، وله حالتان، تارة يعلم أن القتل محرم وسيأتي وتارة لا يعلم، والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنما ذكر الأعجمي لأنه الذي لا يعلم غالبا، فالعجمة قرينة تصديقه، وهذا ما لم تقم قرينة تكذبه، كالناشئ في بلاد الإسلام، وبالجملة إذا أمر السيد من هذه صفته بالقتل فقتل، فإن السيد يقتل، لأن العبد والحال هذه كالآلة له، فإذًا السيد قد تسبب في قتله بما يقتله غالبا، فأشبه ما لو أنهشه حية أو كلبا ونحو ذلك، ولا يقتل العبد، لأن العبد والحال هذه معتقد الإباحة،

وذلك شبهة تمنع القصاص، ولأن حكمة القصاص الردع والزجر، ولا يحصل ذلك في معتقد الإباحة، واختلف عن أحمد فيما يفعل به (فعنه) يؤدب ويترك، حذارا من إقدامه على ذلك مرة أخرى (وعنه) يحبس حتى يموت.
2960 - اعتمادا على أن هذا قول أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يستودع السجن.

قال: وإن كان العبد يعلم حظر القتل قتل العبد، وأدب السيد.
ش: إذا كان العبد يعلم حظر القتل، فإنه يقتل إذا كان مكلفا، لأنه مباشر مكلف، عالم بتحريم القتل، فكان موجب القتل عليه للعمومات، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولأن المباشرة تقطع حكم السبب، أشبه الحافر مع الدافع، ويؤدب السيد، لتسببه بما أفضى إلى القتل، وهذه التفرقة التي قالها الخرقي تبعه عليها أبو الخطاب والشيخان وغيرهم، وحكى الشيرازي في العبد من حيث الجملة روايتين (إحداهما) يحبس إلى الممات ويقتل السيد، (والثانية) يقتل

العبد، ويؤدب السيد، ثم حكى قول الخرقي، والله أعلم.

باب ديات النفس

ش: الديات واحدتها دية مخففة، وأصلها (ودي) والهاء بدل من الواو، كالعدة من الوعد، والزنة من الوزن، تقول: وديت القتيل أديه دية ووديا.
إذا أعطيت ديته، وأتديت إذا أخذت الدية، فالدية في الأصل مصدر، سمي به المال المؤدى إلى المجني عليه أو إلى أوليائه، كالخلق بمعنى المخلوق، والأصل في الدية الإجماع، وسنده قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «في النفس مائة من الإبل» في عدة أحاديث نذكر ما تيسر منها إن شاء الله تعالى.

دية الحر المسلم

قال: ودية الحر المسلم مائة من الإبل.
ش: لا نزاع أن دية الحر المسلم مائة من الإبل، وأن الإبل أصل في الدية، واختلف عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - هل هي الأصل لا غير، أو معها غيرها، وهل ذلك الغير أربعة أو خمسة؟ (فعنه) - وهو ظاهر كلام الخرقي ونصبه أبو محمد في المغني للخلاف - أنها الأصل لا غير.

2961 - لأن في حديث عمرو بن حزم: «في النفس مائة من الإبل» رواه النسائي ومالك في الموطأ.
2962 - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: «قضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن من قتل خطأ فديته من الإبل مائة، ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشرة ابن لبون ذكر» ، رواه أبو داود والنسائي.
2963 - وعن عقبة بن أوس، عن رجل من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «خطب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم فتح مكة فقال: «ألا وإن في قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر مائة من الإبل، منها أربعون ثنية إلى بازل عامها، كلهن خلفة» رواه النسائي.
2963 - م - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خطب يوم الفتح على درجة البيت، فقام في خطبته فكبر ثلاثا، ثم قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية تذكر وتدعى، من دم أو مال تحت قدمي، إلا ما كان من سقاية الحاج، وسدانة البيت» ثم قال: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد - ما كان بالسوط والعصا - مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها» رواه أبو داود

والنسائي، وقال: ورواه القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وظاهر هذه الأحاديث أن الدية هي الإبل خاصة، ويؤيد ذلك أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرق بين دية العمد والخطأ، فغلظ العمد، وخفف الخطأ، ولم يرد ذلك عنه – - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا في الإبل.
(وعنه) أنها خمسة أشياء كل منها أصل بنفسه، الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، أما في الإبل فلما تقدم، وأما في البقر والغنم فلأن في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى على أهل البقر بمائتي بقرة، ومن كان دية عقله في شاء فألفا شاة» . 2964 - وأما في الذهب والفضة فلما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، «أن رجلا من بني عدي قتل، فجعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ديته اثني عشر ألفا» ، رواه الترمذي والنسائي وأبو داود وهذا لفظه، وروي عن عكرمة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرسلا، قال بعضهم: وهو أصح وأشهر.

2965 - ولمالك في الموطأ: بلغه أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوَّم الدية على أهل القرى، فجعلها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، قال مالك: فأهل الذهب أهل الشام، وأهل مصر، وأهل الورق أهل العراق.
(وعنه) أنها ستة أشياء، ويضاف إلى الخمسة السابقة مائتا حلة، وهذه اختيار القاضي وكثير من أصحابه، الشريف وأبي الخطاب والشيرازي وغيرهم.
2966 - لما روي عن عطاء بن أبي رباح «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل القمح شيئا لم يحفظه محمد بن إسحاق» ، وفي رواية عنه عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «فرض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكر ما تقدم، وقال: وعلى أهل الطعام شيئا لا أحفظه» . رواه أبو داود (والرواية الأولى) أظهر دليلا، لأن

أحاديث هذه الرواية لا تقاوم تلك الأحاديث، وعلى تقدير مقاومتها فتحمل على أنه جعل ذلك بدلا عن الإبل، وهذا ظاهر في حديث عمرو بن شعيب، إذ أوله: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يُقَوِّمُ دية الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار، أو عدلها من الورق، ويقومها على أثمان الإبل، إذا غلت رفع في قيمتها، وإذا هاجت رخصت نقص من قيمتها، وبلغت على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما بين أربعمائة إلى ثمانمائة، وعدلها من الورق ثمانية آلاف درهم، قال: وقضى على أهل البقر بمائتي بقرة، ومن كان دية عقله في شاء فألفا شاة، وهذا ظاهر في أنه إنما كان يعتبر الإبل لا غير، بل هو نص في الذهب والورق، أنه كان يعتبرهما بالإبل، وحديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - واقعة عين لا عموم لها، إذ قوله: جعل ديته اثني عشر ألفا يحتمل على أنها أصل، ويحتمل على أنها بدل، والاحتمالان متقابلان، وإذًا يترجح احتمال البدلية، لموافقته لما تقدم، والكلام على حديث عطاء كالكلام على حديث أستاذه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وفعل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ظاهر في أن ذلك على سبيل التقويم، فهو مؤيد لما قلناه، وأبو محمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - يختار في العمدة قولا رابعا، هو بعض الرواية الثانية، وهو أن الدية مائة من الإبل أو ألف مثقال، أو اثنا عشر ألف

درهم، وهو ظاهر في الورق، لحديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إن صح، فإن فيه في رواية للترمذي «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل الدية اثني عشر ألفا» ، وليس بظاهر في الذهب، لأن المعتمد فيه على حديث عمرو بن شعيب، وفعل عمر، وهما ظاهران أو صريحان في أن ذلك على سبيل التقويم.
إذا تقرر هذا فعلى الرواية الثانية والثالثة إذا أحضر من عليه الدية شيئا من الخمسة أو الستة سالما من العيب لزم قبوله، أما على الرواية الأولى فإن من وجبت عليه الدية متى قدر على الإبل لا يجزئه غيرها، وإن عجز عنها انتقل إلى ما شاء من الأربعة أو الخمسة المتقدمة، على اختلاف الروايتين، وكذلك إذا لم توجد إلا بأكثر من ثمن المثل، وقال أبو محمد: هذا ينبغي فيما إذا كانت الإبل موجودة بثمن مثلها إلا أن هذا لا يجدها، لكونها في غير بلده ونحو ذلك، فإذًا ينتقل إلى غيرها، أما إن غلت الإبل كلها فلا ينتقل إلى غيرها.
وظاهر كلام الخرقي أن الواجب الإبل من غير نظر إلى قيمة، وهذا إحدى الروايتين، واختيار الشيخين، لظاهر حديث عمرو بن حزم، وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده وغيرهما، فإنه – - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أطلق الإبل، ولم يقيدها بقيمة، فتقييدها بها يحتاج إلى دليل، وكذلك الأحاديث التي فيها ذكر البقر والغنم والحلل، ليس فيها اعتبار قيمة، وأيضا فإنه – - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرق

بين دية العمد والخطأ، فغلظ دية العمد وشبهه، وخفف دية الخطأ، واعتبار القيمة يقتضي التسوية بينهما، وهو خلاف ما تضمنته سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأيضا فحديث عمرو بن شعيب نص في أنه كان يعتبر الذهب والورق بالإبل، ويقومها على أثمانها، لا أنه كان يعتبر الإبل بغيرها من ورق أو غيره.
(والرواية الثانية) يعتبر أن لا تنقص المائة بعير عن دية الأثمان، كذلك حكى الرواية أبو البركات، واختارها أبو بكر، نظرا إلى أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قومها كذلك، فجعل على أهل الذهب ألف مثقال، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، فظاهره أن قيمتها كذلك، وأجيب بأنه اتفق أن قيمتها في ذلك الوقت كان كذلك، وصرنا إليه بعد ذلك، حذارا من التنازع، وحكى أبو محمد الرواية في الكافي أنه يعتبر أن تكون قيمة كل بعير مائة وعشرين درهما، وحكى ذلك في المقنع عن أبي الخطاب، ولا ريب أنه قطع بذلك في الهداية، وقال في المغني: إن الأصحاب ذكروا أن ذلك مذهب أحمد، والتحقيق هو الأول، وعليه يحمل كلام أبي الخطاب وغيره، وسيأتي في كلام أبي محمد ما يدل عليه، والقول في البقر والغنم والحلل كالقول في الإبل على ما تقدم، كذا ذكره أبو البركات، وأبو محمد في المغني، قال: كذا قول أصحابنا في البقر والشاء والحلل، يجب أن يكون مبلغ الواجب من كل صنف منها اثني عشر ألفا، فقيمة كل بقرة أو حلة ستون درهما، وقيمة كل شاة ستة دراهم، وقال في المقنع: يؤخذ

في الحلل المتعارف، فإن تنازعا فيها جعلت قيمة كل حلة ستين درهما، وهو ذهول، بل عند التنازع يقضى بالمتعارف على المختار.
وظاهر كلام الخرقي أيضا أن الدية لا تغلظ، لا بحرم ولا إحرام ولا غير ذلك، وكثير من الأصحاب أنه لا يعتبر أن تكون الإبل من جنس إبله، ولا إبل بلده، واعتبر ذلك القاضي أظنه في المجرد، والقول في البقر والغنم كالقول في الإبل.

قال: فإن كان القتل عمدا فهي في مال القاتل حالة أرباعا، خمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة.
ش: إذا كان القتل عمدا فالإجماع على أن الدية في مال القاتل.
2967 - وقد شهد له ما روى عمرو بن الأحوص، أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يجني جان إلا على نفسه، لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده» رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه.
2968 - وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه» رواه النسائي.

2969 - وعن «أبي رمثة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: خرجت مع أبي حتى أتيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرأيت برأسه ردع حناء، وقال لأبي: «هذا ابنك» ؟ قال: نعم، قال: «أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه» وقرأ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: 15] » رواه أحمد وأبو داود.
وإذا وجبت في مال القاتل وجبت حالة عندنا لأنها بدل متلف، فوجبت حالة كسائر أبدال المتلفات، ولأن ما وجب بالعمد المحض كان حالا كأرش الأطراف، واختلف في مقدارها (فعن أحمد) - رَحِمَهُ اللَّهُ - وهو أشهر الروايتين عنه - أنها تجب أرباعا، كما ذكره الخرقي، واختاره أبو بكر، والقاضي وعامة أصحابه، الشريف وأبي الخطاب، والشيرازي، وابن البنا، وابن عقيل.
2970 - لما روى الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: «كانت الدية على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرباعا، خمسا وعشرين جذعة، وخمسا وعشرين حقة، وخمسا وعشرين بنت لبون، وخمسا وعشرين بنت مخاض» ، (وعنه) «أنها تجب أثلاثا، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها» . 2971 - وذلك لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم، وذلك لتشديد القتل» رواه الترمذي.
ولما تقدم من حديث عقبة بن أوس، وعبد الله بن عمرو، وهذه الرواية اختيار أبي محمد في العمدة، وهو الصواب، إذ حديث الزهري لا يعرف من رواه، ولو عرف لم يقاوم هذه الأحاديث، وقد قال أحمد في رواية حنبل: الذي أذهب إليه في دية العمد أثلاثا، وهؤلاء يقولون أرباعا خلاف الحديث، وعلى هذه الرواية هل يعتبر في الخلفات - وهن الحوامل - كونهن ثنايا، وهن اللاتي استكملن خمس سنين، وبه قطع القاضي في الجامع، لحديث عقبة بن أوس، أو لا يعتبر، لإطلاق حديث عمرو بن شعيب، وهو الذي ذكره القاضي؟ فيه وجهان، ويرجح الأول بأن فيه زيادة، فيحمل المطلق عليها، ويجاب بأن القيد ذكر نظرا للغالب، إذ الغالب أنه لا يحمل إلا ثنية.

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل