شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 316-355
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنائز

صفحات 316-355
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وقراءة الحمد، والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[إن أوجبناها في التشهد] ، وأدنى دعاء للميت، ويسقط بعض واجباتها عن المسبوق كما سيأتي، وتجب لها أيضا النية، ولا يشترط معرفة عين الميت، ولا ذكوريته وأنوثيته، بل تكفي نية الصلاة على الميت الحاضر، ومن شرطها تطهير الميت بالغسل، أو بالتيمم عند تعذره، مع بقية شروط الصلاة.
والله أعلم.

قال: ومن فاته شيء من التكبير قضاه متتابعا.
ش: من فاته شيء من التكبير حتى سلم الإمام، قضاه بعد سلام إمامه متتابعا، على منصوص أحمد، واختيار الخرقي، وابن عقيل في التذكرة، وأورده أبو البركات مذهبا، لأنه بصدد أن ترفع الجنازة، فتحصل صلاة بلا جنازة، وقال أبو الخطاب في الهداية متابعة للقاضي، وتبعهما أبو محمد في المقنع -: يقضيه على صفته، إلا أن ترفع الجنازة فيقضيه متواليا، لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وما فاتكم فاقضوا» والقضاء يحكي الأداء، قال أبو البركات: ومحل الخلاف فيما إذا خشي رفع الجنازة، أما إن علم بعادة أو قرينة - أنها تترك حتى يقضي فلا تردد أنه يقضي التكبيرات بذكرها، على مقتضى تعليل أصحابنا، والمراد بالقضاء على الصفة أن يأتي بالتكبير والذكر المشروع في محله، فإذا أدرك الإمام في الدعاء تابعه فيه، ثم قام فأتى بالحمد، ثم أتى بالصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المذهب في أن ما أدركه مع

الإمام آخر صلاته، وما يقضيه أولها، وعلى القول بالعكس إذا دخل المسبوق قرأ الفاتحة، ثم بني على ذلك، والله أعلم.

قال: فإن سلم مع الإمام ولم يقض فلا بأس.
ش: المنصوص عن أحمد - وهو اختيار الخرقي، والقاضي وأصحابه، والشيخين - أن قضاء ما فات المأموم من التكبير على سبيل الاستحباب، فلو سلم مع الإمام ولم يقض فلا بأس.
1060 - لما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: يا رسول الله إني أصلي على الجنازة، ويخفى علي بعض التكبير.
فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما سمعت فكبري، وما فاتك فلا قضاء عليك» . 1061 - واعتمد أحمد على ما رواه العمري، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: لا يقضي.
وفي المذهب رواية أخرى، اختارها أبو بكر، أن القضاء على سبيل الوجوب، فلو سلم ولم يقض بطلت صلاته، قياسا على بقية الصلوات، إذ التكبيرات بمنزلة الركعات، ولعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا» .

كيفية دفن الميت

قال: ويدخل القبر من عند رجليه، إن كان أسهل عليهم.
1062 - ش: لما روى أبو إسحاق قال: أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه، ثم أدخله القبر من عند رجلي القبر، وقال: هذا من السنة.
رواه أبو داود.
1063 - وعن أنس أنه كان في جنازة، فأمر بالميت فسل من عند رجلي القبر، رواه أحمد.
1064 - وعنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « «يدخل [الميت] من قبل رجليه ويسل سلا» رواه ابن شاهين.

وقوله: إن سهل عليهم.
احترازا مما إذا شق ذلك، فإنه يفعل ما هو الأسهل إذ المقصود الرفق بالميت.
والله أعلم.

قال: والمرأة يخمر قبرها بثوب.
ش: التخمير التغطية، أي: يغطى قبرها بثوب.
1065 - لأن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كان يغطي قبر المرأة.
1066 - وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه مر بقوم قد دفنوا ميتا، وبسطوا على قبره الثوب، فجذبه وقال: إنما يصنع هذا بالنساء، ولأنها عورة، فربما ظهر منها شيء.
وخرج من كلام الرجل، لما تقدم، وليخرج عن مشابهة النساء.

قال: ويدخلها محرمها.
ش: يدخل المرأة القبر محرمها، وهو من كان يحل له النظر إليها، والسفر بها، وهذا مما لا خلاف فيه والحمد لله، ولأن امرأة عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما توفيت قال لأهلها: أنتم أحق بها.
وظاهر كلام الخرقي [أن] المحرم يقدم على الزوج، وهو بناء على قاعدته في تقديمه عليه في الصلاة، وإذا قلنا ثم: إن الزوج يقدم، قدم هنا.
والله أعلم.

قال: فإن لم يكن فالنساء.
ش: إذا عدمت المحارم فإن النساء يدخلنها القبر، لأنهن أحق بغسلها، ولهن النظر إليها، فكن أحق من غيرهن، وعلى هذا يقدم الأقرب منهن فالأقرب، وحملها أبو البركات على ما إذا لم يكن في دفنهن محذور، من اتباع الجنازة، أو التكشف بحضرة الرجال، لأن منصوص أحمد كذلك، قال حرب: قيل لأحمد: امرأة ماتت في طريق مكة، فغسلها النساء، وليس معها إلا محرم واحد، يدفنها الرجال؟ قال: إن دفنها النساء أعجب إلي، وإن اضطروا إلى ذلك دفنوها.
وعن أحمد: النساء لا يستطعن أن يدخلن القبر، ولا يدفن.
قال أبو محمد: وهذا أصح وأحسن.
1067 - لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين ماتت ابنته أمر أبا طلحة فنزل في قبرها» . 1068 - «ورأى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نسوة في جنازة فقال: «هل تحملن؟» قلن: لا.
قال: «هل تدلين فيمن يدلي؟» قلن: لا.
قال: «فارجعن مأزورات غير مأجورات» رواه ابن ماجه.
وهو استفهام إنكار،

فيدل على أنه غير مشروع لهن بحال، وعلى كلا الروايتين لا يكره للرجال دفنها، وإن كان محرمها حاضرا، والله أعلم.

قال: فإن لم يكن فالمشايخ.
ش: إذا لم يكن محارم ولا نساء، فالمشايخ والخصيان، لأنهم أقل شهوة، وأبعد من الفتنة، وكذلك يليهم أهل الستر والصلاح.

«تنبيه» أولى الناس بدفن الرجل أولاهم بالصلاة عليه من أقاربه.

قال: ولا يشق الكفن في القبر، وتحل العقد حلا.
ش: لا يجوز شق الكفن [في القبر] لأنه إتلاف مستغنى عنه، ولم يرد الشرع به.
1069 - بل ورد بتحسين الكفن، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه» وتخريفه يذهب بحسنه، ويستحب حل العقد [إذ عقده كان] للخوف من انتشاره، وقد أمن ذلك بدفنه.

قال: ولا يدخل القبر آجرا، ولا خشبا، ولا شيئا مسته النار.
ش: لا يدخل القبر شيئا مسته النار، تفاؤلا بأن لا تمسه النار.
1070 - وقد روي عن أبي بردة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «أوصى أبو موسى حين حضره الموت فقال: لا تتبعوني بجمر.
فقالوا له: أوسمعت فيه شيئا؟ قال: نعم من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رواه ابن ماجه، ولا آجرا، لأنه مما مسته النار.
1071 - وعن النخعي: أنهم كانوا يكرهون الآجر، والبناء بالآجر.
رواه الأثرم.
1072 - وعن زيد بن ثابت أنه منع منه، وهذان الأثران - والله أعلم -[هما] اللذان حديا الخرقي على ذكر الآجر، وإلا فهو مما مسته النار.
ولا يدخله خشبا، لأنه معد لمس النار.
1073 - وعن عمرو بن العاص: لا تجعلوا في قبري خشبا ولا حجرا.
رواه أحمد.
ويستحب أن ينصب على اللحد اللبن.
1074 - قال سعد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الحدوا لي لحدا، وانصبوا عليه اللبن

نصبا، كما صنع برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رواه أحمد، ومسلم، والنسائي، ويلحق باللبن القصب، واختلف عن أحمد أيهما أفضل، قال الخلال: كان أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - يميل إلى اللبن، ثم مال إلى القصب، وهذا اختيار أبي بكر، والأول اختيار أبي البركات، والله أعلم.

حكم من فاتته صلاة الجنازة

قال: ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر.
1075 - ش: في الصحيحين عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى على قبر بعد ما دفن، فكبر عليه أربعا» . 1076 - وفي الصحيح أيضا عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شابا، ففقدها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات.
فقال: «أفلا كنتم آذنتموني؟» قال: فكأنهم صغروا أمرها أو أمره، فقال: «دلوني على قبره» فدلوه فصلى عليه، ثم قال: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليها» . 1077 - وقال أحمد: يروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من ستة أوجه، أنه صلى على قبر [بعد] ما دفن.

وقد دل كلام الخرقي على أن الميت وإن صلي عليه، يجوز لمن لم يصل عليه أن يصلي عليه، وهو كذلك، لما تقدم، بل قد قال ابن حامد - واختاره أبو البركات -: إن من صلى عليه أيضا [يجوز] أن يصلي عليه تبعا لمن لم يصل عليه، كما في إعادة الجماعة تعاد مع الغير، ولا تستحب ابتداء، والمنصوص - وعليه الأكثرون - أن من صلى عليه مرة لا يصلي عليه مرة أخرى، كما أن من سلم مرة، لا يسلم ثانية، نعم الأفضل أنها إذا صلى عليها ورفعت لا توضع لأحد، ويصلي من فاتته على القبر، طلبا للمبادرة إلى دفنه، وإن وضعت وصلى عليها ولم يطل الزمان جاز، والله أعلم.

قال: وإن كبر الإمام خمسا كبر بتكبيره.
ش: نص كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن الإمام إذا كبر خمسا تابعه المأمون في الخامسة، وظاهر كلامه أنه لا يتابعه فيما زاد على ذلك، وهذا إحدى الروايات عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - بل أشهرها.
1078 - لما «روى عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: [كان] زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا، وأنه كبر على جنازة خمسا، فسألته فقال: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يكبرها» ، رواه الجماعة إلا البخاري.

1079 - وعن حذيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى على جنازة فكبر خمسا» . مختصر رواه أحمد.
(والرواية الثانية) : يتابع [يعني] إلى سبع ولا يزيد على ذلك، اختارها عامة الأصحاب، الخلال، وصاحبه أبو بكر وابن بطة وصاحبه أبو حفص، والقاضي، وجمهور أصحابه، الشريف، وأبو الخطاب، وولده أبو الحسين، وأبو البركات.
1080 - لما روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه كبر على [سهل بن حنيف يعني ستا رواه البخاري.

1081 - وعنه أيضا أنه كبر على] أبي قتادة سبعا، وقال: إنه شهد بدرا.
ذكره أحمد محتجا به.
1082 - وعن الحكم بن عتيبة أنه قال: كانوا يكبرون على أهل بدر خمسا، وستا، وسبعا.
رواه سعيد في سننه.
واعتمد أحمد على عموم قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنما جعل الإمام ليؤتم به» . 1083 - وعلى قول ابن مسعود: كبروا ما كبر إمامكم.
هذا اللفظ رواه

سعيد والأثرم وفيه: لا وقت، ولا عدد، (والرواية الثالثة) : لا يتابع في الزيادة على أربع.
اختارها ابن عقيل، لأن هذا هو الأكثر من فعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فالظاهر أنه آخر الأمرين.
1084 - يؤيده ما روى الأثرم بسنده عن ابن عباس قال: «آخر جنازة صلى عليها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كبر أربعا» . 1085 - وعن جابر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «صلوا على الميت أربع تكبيرات بالليل والنهار سواء» رواه أحمد.
وهذا أمر فيتعين، إلا أن في السند ابن لهيعة وفيه ضعف.
وعلى جميع الروايات فالمختار أربع، نص عليه أحمد في رواية الأثرم لأنه الغالب على فعله، ولهذا اتفق الشيخان على إخراجه، والزائد فعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليبين الجواز، وقصة زيد بن أرقم

تدل على ذلك، ولا خلاف أنه لا يتابع في الزائد على سبع، قال أحمد: هو أكثر ما جاء فيه، فلا يزاد عليه.

«تنبيه» كل تكبيرة قلنا: يتابع الإمام فيها.
فله وللمنفرد فعلها، وهل يدعو فيها؟ قولان، وكل تكبيرة قلنا: لا يتابع فيها [الإمام] . فليس له ولا للمنفرد فعلها، ومن خالف فزادها عمدا بطلت صلاته على وجه، إذ التكبيرة هنا بمنزلة الركعة، ولم تبطل على المنصوص، لأنه ذكر مشروع، أشبه تكرار الفاتحة، وعلى هذا فالمأموم لا يسلم قبله، بل ينتظره حتى يسلم معه، نص عليه والله أعلم.

موقف الإمام في صلاة الجنازة

قال: والإمام يقوم عند صدر الرجل، وعند وسط المرأة.
ش: نص أحمد على هذا في رواية عشرة من أصحابه، وعليه عامة أصحابه، حتى أن أبا محمد في المغني قال: لا يختلف المذهب أنه يقف عند صدر الرجل أو عند منكبيه.
1086 - لما «روي عن أبي غالب الخياط - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: شهدت أنس بن مالك صلى على جنازة رجل، فقام عند رأسه، فلما رفعت أتي بجنازة امرأة فصلى عليها، فقام وسطها، وفينا العلاء بن زياد العدوي، فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة فقال: يا أبا حمزة هكذا كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقوم من الرجل حيث قمت، ومن المرأة حيث قمت؟ قال: نعم» . رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وفي لفظ

رواه أحمد: قال أبو غالب: صليت خلف أنس على جنازة، فقام حيال صدره.
وذكر الحديث.
1087 - «- وفي الصحيحين عن سمرة بن جندب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - – صلى على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها» . ونقل عنه حرب: رأيته قام عند صدر المرأة.
إلا أن الخلال قال: سهى فيما حكى عنه.
والعمل على ما رواه الجماعة، وروي عنه أنه يقف عند رأس الرجل، وهو الذي قاله أبو محمد في المقنع، والكافي، وهو المشهور في حديث أنس، قال أبو البركات: والقولان متقاربان، فإن الواقف عند أحدهما يمكن أن يكون عند الآخر لتقاربهما، فالظاهر أنه وقف بينهما، وقد قال أحمد في رواية الأثرم وذكر الحديث: يقف من الرجل عند منكبيه، ونحو هذا قال أبو محمد في المغني.

وظاهر كلام الخرقي [أنهما] إذا اجتمعا وقف منهما كذلك، وهو إحدى الروايات عنه، واختيار أبي الخطاب في خلافه، والشيرازي قياسا على حال الانفراد.
(والثانية) : - وهي المنصوصة عنه، وبها قطع القاضي في التعليق، وفي الجامع، والشريف أبو جعفر - يسوى بين رأسيهما، ويقف حذاء صدريهما.
1088 - لما روي عن الشعبي أن أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر توفيا جميعا، فأخرجنا جنازتهما، فصلى عليهما أمير المؤمنين، فسوى بين رؤوسهما وأرجلهما حين صلى عليهما.
رواه سعيد في سننه، وقيل: إن هذه الجنازة حضرها ثمانون صحابيا، وفعله ابن عمر، وعليه اعتمد أحمد.
(والثالثة) : التخيير، مع اختيار التسوية.
والله أعلم.

قال: ولا يصلى على القبر بعد شهر.
ش: هذا هو المشهور في المذهب، لأنه لا يعلم بقاء الميت أكثر من ذلك، والذي ورد في الصحيح كان قرب

الدفن، وجعل أبو محمد ما قارب الشهر في حكم الشهر، وكذلك قال القاضي، وحده باليوم واليومين.
1089 - لما «روى سعيد بن المسيب أن أم سعد ماتت والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غائب، فلما قدم صلى عليها، وقد مضى لذلك شهر» ، رواه الترمذي واحتج به أحمد.
1090 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى على قبر بعد شهر» ، رواه الدارقطني، وأول أبو بكر هذا على الشهر، قال: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: 88] يريد حينا.
وقيل: يجوز ما لم يبل الميت.
وعن ابن عقيل الجواز مطلقا، لقيام الدليل على الجواز، وما وقع من الشهر فاتفاق.
1091 - ويؤيده أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين، رواه البخاري وغيره.
وابتداء الشهر من الدفن على المشهور، لأنه إذا يصير مقبورا، وقال ابن عقيل: من الموت.
وهو ظاهر حديث أم سعد.
والله أعلم.

قال: وإن تشاح الورثة في الكفن جعل بثلاثين درهما، فإن كان موسرا.
فبخمسين.
ش: - الكفن معتبر بحال الميت، فإن كان موسرا كان كفنه رفيعا حسنا، على حسب ما يلبس في الحياة، وإن لم يكن موسرا [فعلى حسب حاله] قال أبو محمد: وقول الخرقي ليس على سبيل التحديد، إذ لا نص في ذلك ولا إجماع، ولعل الجيد والمتوسط كان يحصل في زمنه بما ذكره، والكفن يجب في رأس المال، مقدما على الدين وغيره.
ولم يتعرض الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - هل الواجب ثوب واحد أو أكثر من ذلك؟ والمشهور أن الواجب [ثوب] ساتر لجميع الميت، رجلا كان أو امرأة، اختاره ابن عقيل، وأبو محمد، وقيل - وعزي إلى القاضي -: يجب في حقهما ثلاثة، وجعل صاحب التلخيص محل الوجهين في نفوذ وصية الميت بإسقاط الثوبين، قال: وعلى كليهما لا يملك الغرماء ولا الورثة المضايقة فيهما، وقيل: تجب الثلاثة: إلا مع الدين المستغرق، وهذا اختيار أبي البركات في الشرح، وقيل: بل ثلاثة في حق الرجل، وخمسة في حق المرأة، ويتلخص

خمسة أوجه، واعلم أن أبا البركات جوز وصية الميت بالثوب الواحد بالإجماع، والله أعلم.

الصلاة على السقط

قال: والسقط إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلي عليه.
ش: لأنه ميت فيه روح، أشبه المولود، ودليل الوصف يأتي إن شاء الله تعالى.
1092 - وقد روى المغيرة بن شعبة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الراكب يمشي خلف الجنازة، والماشي كيف شاء منها، والسقط يصلى عليه» رواه أحمد، والنسائي، والترمذي وصححه [وكذلك أحمد في رواية أحمد بن أبي عبدة] . وشرط الخرقي الموت بعد أربعة أشهر، وهو منصوص أحمد في رواية حرب وصالح، وعليه الشيخان وغيرهما، لأن من لم يستكملها فليس بميت، [لعدم نفخ الروح فيه، والغسل والصلاة إنما شرعا لميت] .

1093 - والدليل على ذلك قول ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: حدثنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وهو] الصادق المصدوق «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات، يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح» متفق عليه، وعليه اعتمد أحمد، وظاهر كلام أحمد - في رواية صالح، في موضع آخر - تعليق الحكم بكونه تبين فيه خلق الإنسان، من غير نظر إلى الأربعة أشهر، وكذلك ذكره ابن أبي موسى، وأبو بكر في التنبيه، وأبو الخطاب في الهداية، وابن حمدان، والله أعلم.

قال: وإن لم يتبين أذكر هو أم أثنى سمي اسما يصلح للذكر والأنثى.
ش: يستحب تسمية السقط باسم الذكر إن تبين أنه ذكر، وباسم الأنثى إن تبين [أنه أنثى، وبما يصلح لهما - كقتادة، وطلحة، ونحوهما - إن لم يتبين] حاله.
1094 - لأنه يروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[أنه] قال: «سموا أسقاطكم فإنهم أفراطكم» رواه أبو بكر، وقيل: الحكمة في ذلك ليدعوا بأسمائهم يوم القيامة.

تغسيل أحد الزوجين للآخر

قال: وتغسل المرأة زوجها.
ش: هذا هو المشهور المنصوص، الذي قطع به جمهور الأصحاب، وقد حكاه الإمام أحمد، وابن المنذر، وابن عبد البر إجماعا.
1095 - ويشهد له قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا نساؤه.
رواه أحمد وأبو داود، وابن ماجه.
1096 - وأوصى الصديق أن تغسله زوجته أسماء فغسلته، وحكى أبو

الخطاب في الهادية - وتبعه صاحب التلخيص فيه، وأبو محمد في المقنع - رواية بالمنع، إذ البينونة حصلت بالموت، فتزول عصمة النكاح، المبيحة للنظر واللمس، وإذا لا يجوز لها غسله كالأجنبية، وقد حكى أبو البركات أن الرواية أثبتها ابن حامد وغيره، آخذين لها من رواية صالح الآتية وغيرها، ولم يثبتها هو رواية، [قال] : لأن منطوق أحمد لا يدل على المنع، ومفهومه كما يحتمل التحريم يحتمل الكراهة، فيحمل عليه، موافقة للإجماع.
وقول الخرقي: وتغسل المرأة زوجها.
يدخل فيه وإن لم تكن في عدة حال غسله، كما إذا وضعت عقب موته، وهو كذلك، ويدخل فيه [أيضا] المطلقة الرجعية، لأنها امرأته، وخرج المنع، بناء على تحريمها، ويخرج من كلامه المبتوتة في مرض موته، لا تغسله، لأنها ليست زوجته، وفيه احتمال، بناء على الإرث.

قال: وإن دعت الضرورة إلى أن يغسل الرجل زوجته فلا بأس.
ش: كذلك قال ابن أبي موسى، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية صالح، وقد سئل: هل يغسل الرجل زوجته، والمرأة زوجها؟ قال: كلاهما واحد، إذا لم يكن من يغسلها، فأرجو

أن لا يكون به بأس.
وذلك لما تقدم من أن البينونة حصلت بالموت، وإنما جاز مع الضرورة، لأن الضرورات تبيح المحظورات، ولأنه ورد فيه نوع رخصة [فحمل على الضرورة، جمعا بين الأدلة، والفرق بين المرأة تغسل زوجها، والرجل لا يغسل زوجته إلا عند الضرورة، أن المرأة لها نوع رخصة] في النظر للأجنبي، بخلاف الرجل، إذ محذور الشهوة فيها أخف من الرجل، (وعنه) [يجوز مطلقا] وهو المشهور عند الأصحاب، حتى أن القاضي في الجامع الصغير، والشريف، وأبا الخطاب، في خلافيهما، [والشيرازي] لم يذكروا خلافا، قياسا له عليها.
1097 - «وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: رجع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صداعا في رأسي، وأقول: وارأساه.
فقال: «بل أنا وارأساه، ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك، وكفنتك، ثم صليت عليك ودفنتك» رواه أحمد، وابن ماجه.
1098 - وعن علي أنه غسل فاطمة، إلا أن أحمد قال: ليس له إسناد.

ومرة قال: روي من طريق ضعيف.
واحتج به في رواية حنبل.
1099 - وقال في قول ابن عباس: الرجل أحق بغسل امرأته: إنه منكر.
وقيل عنه رواية بالمنع مطلقا، وتلخص أن في المسألة ثلاث روايات، الجواز مطلقا وهو المشهور، والمنع مطلقا والجواز عند الضرورة، واعلم أن أبا محمد قد نفى هذا القول، وحمل كلام الخرقي على التنزيه، وحمله ابن حامد والقاضي على ظاهره، وهو أوفق لنص أحمد.
والله أعلم.

تغسيل الشهيد والصلاة عليه

قال: والشهيد إذا مات في موضعه لم يغسل، ولم يصل عليه، ودفن في ثيابه.
ش: أما كون الشهيد لا يغسل: 1100 - فلما روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثواب الواحد، ثم يقول: «أيهم أكثر أخذا للقرآن» ؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم» ، رواه البخاري، والنسائي، والترمذي وصححه.

1101 - ولأحمد «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في قتلى أحد «لا تغسلوهم، فإن كل جرح، أو كل دم، يفوح مسكا يوم القيامة» ولم يصل عليهم» . وقول الخرقي: لا يغسل.
[يعني] للموت، فلو كان به ما يقتضي الغسل من جنابة أو غير ذلك، فإنه يغسل.
1102 - لما روى ابن إسحاق في المغازي، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن صاحبكم لتغسله الملائكة» يعني حنظلة «فاسألوا أهله ما شأنه؟» فسئلت صاحبته [عنه] فقالت: خرج وهو جنب، حين سمع الهائعة.
فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لذلك غسلته الملائكة» » .

وأما كونه لا يصلى عليه - وهو المشهور من الروايات، واختيار القاضي، وعامة أصحابه - فلما تقدم.
1103 - وعن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن شهداء أحد لم يغسلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يصل عليهم، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي.
والرواية الثانية: يصلى عليهم.
اختارها الخلال، وعبد العزيز في التنبيه، وأبو الخطاب.
1104 - لما روى عقبة بن عامر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج يوما فصلى على قتلى أحد، صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: «إني فرطكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض - أو مفاتيح الأرض - وإني والله لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها» متفق عليه واللفظ للبخاري.
1105 - وله أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى على قتلى أحد، بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات.
1106 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى على قتلى أحد» . 1107 - «وعنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه صلى على حمزة» ، وقد ضعف حديث ابن عباس من قبل رواته، وأنكر أحمد قضية حمزة، في رواية مهنا، وقال: ليس له إسناد.
وأما حديث عقبة

فقيل: خاص بقتلى أحد، توديعا للأحياء والأموات، وفيه شيء، فإن الذي ورد أنه لم يصل عليهم هم قتلى أحد، فإما أن يكون آخر الأمرين من فعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو الصلاة، أو فعل ذلك ليبين الجواز، وهذا هو (الرواية الثالثة) : أنه يخير في الصلاة وتركها، لورود الأمرين بهما، لكن الفعل أفضل، وعنه: الترك أفضل.
وأما كونه يدفن في ثيابه التي استشهد فيها - أي يكفن فيها - فلما تقدم.
1108 - وعن عبد الله بن ثعلبة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «زملوهم بدمائهم، فإنه ليس أحد يكلم في سبيل الله إلا أتى يوم القيامة جرحه يدمأ، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك» رواه النسائي، وأحمد ولفظه «زملوهم في ثيابهم» . وظاهر كلام الخرقي أن هذا على سبيل الوجوب، وهو المنصوص، وعليه جمهور الأصحاب، منهم القاضي في الخلاف، وشذ في المجرد، فجعل ذلك مستحبا، وتبعه على ذلك أبو محمد.

1109 - محتجا «بأن صفية أرسلت إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثوبين، ليكفن فيهما حمزة، فكفنه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أحدهما، وكفن في الآخر رجلا» . قال يعقوب بن شيبة: هو صالح الإسناد.
وأجاب القاضي في الخلاف بأنه يحتمل أن ثيابه سلبت، أو أنهما ضما إلى ما كان عليه.
1110 - قلت: وقد روي في المسند ما يدل على ذلك.
(تنبيهان) (أحدهما) : المراد بالشهيد هنا الذي قتل بأيدي الكفار، في معركتهم، أما المقتول ظلما - كقتيل اللصوص

ونحوه - فهل يلحق بالشهيد، فلا يغسل، ولا يصلى عليه، وهو اختيار القاضي وعامة أصحابه، لأنه شهيد، أشبه شهيد المعركة، أو لا يحلق به، فيغسل، ويصلى عليه، وهو اختيار الخلال، لأن عمر، وعليا، والحسين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قتلوا ظلما، وغسلوا، وصلي عليهم؟ فيه روايتان.
واختلف في العادل إذا قتله الباغي، فقيل: حكمه حكم قتيل اللصوص، وهو اختيار أبي بكر، والقاضي، وقيل: بل حكم قتيل الكفار، وهو المنصوص، واختيار الشيخين.
1111 - لأن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لم يغسل من قتل معه، وعمار أوصى أن لا يغسل.
أما الشهيد غير القتيل، كالمبطون، والمطعون، والنفساء، ونحوهم، فحكمهم حكم بقية الموتى بلا نزاع، «وفي الصحيحين أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها» . (الثاني) : عدم غسل الشهيد قيل: دفعا للحرج والمشقة، لكثرة الشهداء في المعترك، وقيل: لأنه لما لم يصل عليه لم يغسل، وقيل - وهو الصحيح -: لئلا يزول أثر العبادة المطلوب بقاؤها، كما دل عليه حديث عبد الله بن ثعلبة، وعدم الصلاة عليه قيل: لأنهم أحياء عند ربهم، والصلاة إنما شرعت على الأموات، وقيل: لغناهم عن الشفاعة.

1112 - فإن الشهيد شفيع في سبعين من أهله.
(وفرط القوم) المتقدم عليهم في السير، السابق إلى الماء، أي أني متقدم بين أيديكم، فإذا قدمتم علي تروني وتجدوني لكم منتظرا (والمنافسة) المغالبة على تحصيل الشيء، والانفراد به، «وزملوهم» لفوهم.
والله أعلم.

قال: وإن كان عليه شيء من الجلود أو السلاح [نحي عنه.
ش: قد تقدم أن الشهيد يدفن في ثيابه، فلو كان عليه شيء من الجلود والسلاح] فإنه يزال عنه.
1113 - لما روى عبد الله بن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم أحد بالشهداء أن تنزع عنهم الحديد، والجلود، وقال: «ادفنوهم بدمائهم وثيابهم» رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه.

قال: وإن حمل وبه رمق غسل وصلي عليه.
ش: هذا الذي احترز عنه الخرقي في قوله: الشهيد إذا مات في موضعه.
فلو حمل وبه رمق، أي حياة مستقرة، ثم مات، فإنه يغسل، ويصلى عليه.
1114 - «لأن سعد بن معاذ أصابه سهم يوم الخندق، فحمل إلى المسجد، ثم مات بعد ذلك، فغسله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصلى عليه» . وظاهر كلام الخرقي [أنه] لا يشترط لغسله والصلاة عليه طول الفصل، بل [لو] مات عقب الحمل، وقد كانت فيه حياة مستقرة، فإنه يغسل، ويصلى عليه، وهو الذي أورده أبو البركات مذهبا.
وقيل: يشترط طول الفصل، وهو مختار أبي محمد، فلو لم يطل الفصل لم يغسل، والله أعلم.

تغسيل المحرم وتكفينه

قال: والمحرم يغسل بماء وسدر، ولا يقرب طيبا، ويكفن في ثوبيه، ولا يغطى رأسه ولا رجلاه.
1115 - ش: في الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: «بينما رجل واقف مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ وقع عن راحلته فأوقصته، وفي لفظ - فوقصته، فذكر ذلك لرسول الله - - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا» وفي رواية «في ثوبيه» وفي أخرى «لا تغطوا وجهه، ولا تقربوه طيبا» » وفي رواية لأبي داود: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «اغسلوا المحرم في ثوبيه اللذين أحرم فيهما، واغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه طيبا، [ولا تخمروا رأسه] فإنه يبعث يوم القيامة محرما» » وهذا يبين أن المراد ليس ذلك المحرم بعينه، وأن حكم الإحرام باق بعد موته.
وقول الخرقي: لا تغطى رجلاه.
هو رواية حنبل عن أحمد، [وقد] أنكره الخلال، وقال: لا أعرف هذا في الأحاديث، ولا رواه أحمد عن أبي عبد الله غير حنبل.
قال: وهو عندي وهم من حنبل، والعمل على أن يغطى جميع المحرم، إلا رأسه، لأن الإحرام لا يتعلق بالرجلين، ولهذا لا يمنع من تغطيتهما في حياته، فكذلك بعد مماته.
قلت: قد يقال: كلام الخرقي وأحمد خرج على المعتاد، إذ في الحديث أنه يكفن في ثوبيه، أي الرداء، والإزار [والإزار] العادة أنه لا يغطى من سرته إلى رجليه، فخرج كلامهما على ذلك.
وظاهر كلام الخرقي أنه يغطى وجهه.
وهو المشهور من الروايتين بناء على المشهور [من] أنه يجوز تغطيته في حال

الحياة، ونظرا إلى أن الأكثر والأشهر في الروايات ذكر الرأس فقط، وهذا إذا كان المحرم رجلا، أما إن كان امرأة فحكمها بعد الموت حكمها في الحياة، لا تمنع من لبس المخيط، وتغطي رأسها لا وجهها، والله أعلم.

قال: وإن سقط من الميت شيء غسل وجعل معه في أكفانه.
ش: إذا سقط من الميت شيء أو كان ساقطا - كبعض أعضائه - فإنه يغسل، ويجعل في أكفانه، لأن بعضه جزء من أجزائه، [فأعطي حكم كله، ولما فيه من جمع أجزاء الميت] في موضع واحد، وأنه أولى، والله أعلم.

قال: وإن كان شاربه طويلا أخذ وجعل معه في أكفانه.
ش: أما أخذه فلأن ذلك يراد للتنظيف، ويسن في حياته، من غير ضرر فيه، فكذلك بعد وفاته، وأما جعله معه فلما تقدم، وفي معنى أخذ الشارب قلم الظفر، لأنه في معناه، وعنه يكره قلم الظفر، لأنه من الجملة، ولهذا ينجس بالموت، بخلاف الشعر.
واقتصار الخرقي على ذكر أخذ الشارب يقتضي أنه لا يختن، ونص عليه أحمد، وحذارا من إزالة بعض أعضائه، ولأن المقصود من الختان التطهير من النجاسة، وقد زال ذلك، والجنة لا بول فيها ولا تغوط.

ويقتضي كلامه أيضا أن عانته لا تؤخذ، وهي اختيار أبي محمد، حذارا من كشف العورة ومسها، وهتك حرمة الميت، ونص أحمد - في رواية صالح - على أخذها.
1116 - محتجا بأن سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - غسل ميتا، فدعى بموسى.
ولأنه من الفطرة، أشبه قلم الظفر، وهذا مختار الجمهور، والقاضي في التعليق، وأبي الخطاب وصاحب التلخيص، وغيرهم، ثم قال القاضي في شرح المذهب: تزال بنورة، نظرا إلى الأسهل، وحذارا من المس، وقال أحمد: تأخذ بموسى أو بمقراض، نظرا لقصة سعد، والنورة ربما أتلفت الجسد، وخير أبو الخطاب في الهداية بينهما.
والله أعلم.

حكم التعزية

قال: ويستحب تعزية أهل الميت.
1117 - ش: عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من عزى مصابا فله مثل أجره» . 1118 - وعن أبي برزة، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من عزى ثكلى كسي بردافي الجنة» رواهما الترمذي.

«تنبيه» «ثكلى» المرأة تفقد ولدها ومن يعز عليها، والله أعلم.

البكاء على الميت

قال: والبكاء عليه] غير مكروه، إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة.
ش: إذا تجرد البكاء عن الندب والنياحة لم يكره.
1119 - لما «روى أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: شهدنا بنت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: «هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟» فقال أبو طلحة: أنا.
فقال: «انزل في قبرها» رواه البخاري.

1120 - «وعن ابن عمر قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى، فأتاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعوده، مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، فلما دخلوا عليه، وجده في غشية، فقال: «قد قضى؟» فقالوا: لا يا رسول الله.
فبكى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما رأى القوم بكاءه بكوا، فقال: «ألا تسمعون، إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم» . 1121 - «وعن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: أصيب أبي يوم أحد، فجعلت أبكي، فجعلوا ينهوني ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا ينهاني، فجعلت عمتي فاطمة تبكي، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تبكين أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه» متفق عليهما.
1122 - «وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، أن سعد بن معاذ لما مات، حضره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبو بكر وعمر، قالت: فوالذي نفسي بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر، من بكاء عمر، وأنا في حجرتي» رواه أحمد.
أما إن كان مع البكاء ندب - وهو تعداد محاسن الميت،

نحو: واسيداه، وارجلاه، ونحو ذلك، أو نوح - فإنه يحرم، لما اشتمل عليه من ذلك.
1123 - ففي الترمذي وغيره عن أبي موسى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول: واجبلاه، واسيداه، إلا وكل الله به ملكين يلهزانه، ويقولان: أهكذا كنت؟» . 1124 - «وعن أم عطية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: أخذ علينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع البيعة أن لا ننوح» . مختصر، متفق عليه.
1125 - وعن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «لعن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النائحة، والمستمعة» . رواه أبو داود، وقال أحمد - في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: 12] إنه النياحة، وقد ورد ذلك مرفوعا.
1126 - «فعن أسماء بنت يزيد قالت: قالت امرأة من النسوة: ما هذا المعروف الذي لا ينبغي لنا أن نعصيك فيه؟ قال: «لا تنحن» مختصر، رواه الترمذي.

وقيل: إذا تجرد الندب والنياحة عن اللطم، ونتف الشعر، وذكر الميت بما ليس فيه، ونحو ذلك، كره ولم يحرم، وهو ظاهر كلام الخرقي، وقيل عن أحمد ما يحتمل الإباحة، واختاره الخلال وصاحبه.
1127 - لأنه روي عن واثلة بن الأسقع، وأبي وائل أنهما كانا يستمعان النوح ويبكيان، رواه حرب، والمذهب الأول.
1128 - وعليه حمل أبو محمد ما في الصحيح عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» وفي رواية «ليعذب ببكاء الحي عليه» وفي رواية «بما نيح عليه» فحمله على بكاء معه ندب أو نياحة، وقيل: بل ما ورد محمول على من أوصى

بذلك، وهو قول الخطابي، وابن حامد من أصحابنا كقول طرفة: إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد وقيل: بل يحمل على من أوصى بذلك، وقيل: محمول على من عادتهم وسنتهم النوح، ولم يوصهم بترك ذلك.
اختاره أبو البركات [لتفريطه، أما مع الوصية باجتناب ذلك فلا، وهذا قول صاحب التلخيص] وقد حمل ذلك على ظاهره راويا الحديث عمر وابنه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وأنكرت ذلك عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -.

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل