شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 356-371
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنائز

صفحات 356-371
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

1129 - ففي الصحيحين عنها أنها قالت: يرحم الله عمر وابنه، ما حدث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ولكن قال: «إن الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه» وقالت: حسبكم القرآن ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] قال ابن أبي مليكة: فما قال ابن عمر شيئا.
1130 - وقالت أيضا: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكن نسي أو أخطأ.
وفي رواية وهم - إنما مر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على يهودية [يبكي عليها] فقال: «إنه ليبكى عليها لتعذب في قبرها» . 1131 - وعن ابن عباس نحو هذا، وقال: والله أضحك وأبكى.
انتهى.
ولا بأس باليسير من الكلام في صفة الميت، إذا كان صدقا، ولم يخرجه مخرج النوح، قال أحمد: إذا ذكرت المرأة مثل ما حكي عن فاطمة، في مثل الدعاء لا يكون مثل النوح.

1132 - والذي «حكي عن فاطمة ما رواه أنس قال: لما ثقل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: واكرب أبتاه، فقال: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه» . رواه البخاري.
«تنبيه» «يقارف» . 1133 - «في مسند أحمد أن رقية لما ماتت، قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يدخل القبر رجل قارف الليلة أهله» فلم يدخل عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - القبر» ، «والوزر» الإثم والذنب المثقل للظهر، والمراد: لا يحمل أحد من المذنبين ذنب أحد، «واللهز» الدفع في الصدر بجميع الكف، والله أعلم.

صنع طعام لأهل الميت

قال: ولا بأس أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم، ولا يصلحون هم طعاما للناس.
ش: أما إباحة ذلك لغير أهل الميت: 1134 - فلما روي «عن عبد الله بن جعفر قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل، قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد أتاهم ما يشغلهم» رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه.
وأما عدم إباحته لهم فلما علل به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، من أنهم في شغل بمصابهم.
1135 - وعن جرير بن عبد الله البجلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة.
رواه أحمد.
وظاهر كلام الخرقي أنه يباح لغير أهل الميت صنيع الطعام، ولا يباح لأهل الميت، وقال غيره: ويسن لغير أهل الميت، ويكره لأهله، والله أعلم.

موت المرأة وفي بطنها جنين

قال: والمرأة إذا ماتت وفي بطنها ولد يتحرك، فلا يشق بطنها، وتسطو القوابل عليه فيخرجنه.
ش: المذهب المنصوص - والذي عليه الأصحاب - أن المرأة إذا ماتت وفي بطنها ولد يتحرك، أن بطنها لا يشق، لأن في الشق هتك حرمة متيقنة لإبقاء حياة موهومة، إذ الغالب

والظاهر أن الولد لا يعيش، واحتج أحمد - في رواية أبي داود - بما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «كسر عظم الميت ككسر عظم الحي» رواه أبو داود، وابن ماجه، ورواه ابن ماجه من رواية أم سلمة، وزاد «في الإثم» وتوقف أحمد عن ذلك في رواية الأثرم، ولم يجزم بحجية [الحديث] بل قال: قيل: كسر عظم الميت ككسر عظم الحي.
وحكى أبو الخطاب في الهداية ومن بعده احتمالا بالشق، إذا غلب على الظن أن الولد يعيش لأن حفظ حرمة الحي أولى، وكما لو خرج بعضه حيا، وتعذر إخراج باقيه من غير شق، [فإنه يشق] . فعلى الأول تسطو عليه القوابل، أي يدخلن أيديهن في فرجها.
فيخرجنه إن غلب على ظنهن حياته، بحركته مع قرب ولادتها، ونحو ذلك.
فإن لم تقدر عليه النساء، أو لم يوجدن فهل يسطو عليه الرجال؟ فيه روايتان (إحداهما) : لا يسطون ويترك حتى يموت، اختاره القاضي،

وصاحب التلخيص، وأبو محمد، وغيرهم، ويحتمله كلام الخرقي، لما فيه من هتك حرمتها مع الرجال، مع بعد احتمال الحياة (والثانية) : - وهي المنصوصة عنه، واختيار أبي بكر، وأبي البركات - يسطون، لأن ذلك يحتمل في حق الأحياء، فالأموات أولى، ولم يقيد أحمد الرجل بالمحرم، وقيده ابن حمدان بذلك، وحيث تعذر إخراجه فإنها تترك حتى يتيقن موته، قال أحمد: ينتظرنها ما دام حيا، والله أعلم.

حضور صلاة الجنازة مع صلاة أخرى

قال: وإذا حضرت الجنازة، وصلاة الفجر، بدئ بالجنازة.
ش: لأنا إذا قدمنا الجنازة فعلناها في غير وقت نهي، أو في وقت اختلف فيه، أما إن أخرناها، فإننا نفعلها في وقت نهي بلا نزاع، فكانت البداءة بها أولى، وكذلك إذا حضرت [الجنازة] وصلاة العصر، بدئ بالجنازة بطريق الأولى، إذ وقت النهي إنما يدخل بفعل الصلاة على المذهب، بخلاف الفجر، فإن وقت النهي فيها يدخل بطلوع الفجر على المذهب، والله أعلم.

قال: وإن حضرت وصلاة المغرب بدئ بالمغرب.
ش: إذا حضرت الجنازة وصلاة المغرب، بدئ بالمغرب، لتأكد المغرب، ولكراهة تأخيرها، ولا محذور في تأخير الجنازة، إذ لا نهي بعد الغروب، وكذا إذا حضرت وصلاة الظهر أو العشاء، بدئ بالعشاء والظهر، لتأكدهما.
والله أعلم.

صلاة الجنازة على مرتكب الكبيرة

قال: ولا يصلي الإمام على الغال، ولا على من قتل نفسه.
ش: الغال هو الذي يكتم الغنيمة أو بعضها، فلا يصلي الإمام عليه، ولا على من قتل نفسه عمدا.
على المنصوص، والمذهب بلا ريب.
1136 - لما روى جابر بن سمرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جاءوه برجل قد قتل نفسه بمشاقص، فلم يصل عليه» . رواه مسلم وغيره.
1137 - وفي السنن عن زيد بن خالد الجهني - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «توفي رجل من جهينة يوم خبير، فذكر ذلك لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «صلوا على صاحبكم» فتغيرت وجوه القوم، فلما رأى ما بهم قال: «إن صاحبكم غل في سبيل الله» ففتشنا متاعه، فوجدنا فيه خرزا من خرز اليهود، ما يساوي درهمين» . رواه الخمسة إلا الترمذي واحتج به أحمد، فامتنع - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الصلاة عليه، وهو الإمام، وأمر غيره بالصلاة عليه، وكذلك روي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - –

فيمن قتل نفسه، قال أحمد وسئل: من قتل نفسه يصلى عليه؟ - قال: - أما الإمام فلا يصلي عليه، وأما الناس فيصلون عليه، «هكذا فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالذي قتل نفسه، لم يصل عليه، وأمرهم أن يصلوا عليه» ، وإذًا يلحق به غيره من الأئمة، إذ ما ثبت في حقه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثبت في حق غيره، ما لم يقم دليل يخصه، وجعل أبو البركات ترك صلاة الإمام استحبابا، من باب الردع والزجر، وعدى ذلك إلى كل معصية ظاهرة، مات عنها صاحبها من غير توبة.
(تنبيه) الإمام هنا هو أمير المؤمنين خاصة، قاله الخلال وغيره، ونقل عنه حرب أن الإمام هو الوالي، وأن إمام كل قرية واليهم، وخطأ الخلال حربا، وقال: إن الذي عليه العمل من قوله هو الأول.
قاله أبو البركات: وهذا تحكم، والصحيح تصويبه، وجعل ذلك رواية.

قال: وإذا حضرت جنازة رجل وامرأة، وصبي، جعل الرجل مما يلي الإمام، والمرأة خلفه، والصبي خلفهما.
ش: لا خلاف في المذهب أن الرجل الحر يلي الإمام، لشرفه بالذكورية، والحرية، والتكليف، ثم بعده هل يقدم الصبي لشرفه بالحرية، وهو اختيار الخلال، أو العبد البالغ، لشرفه بالتكليف، وهو اختيار القاضي في التعليق، وأبي محمد، وظاهر كلام الخرقي؟ فيه روايتان منصوصتان، ثم [من] بعد الصبي المرأة، لشرفه بالذكورية، فيقدم عليها،

نص عليه أحمد في رواية صالح، وأبي الحارث.
1138 - ويشهد له ما «روى عمار مولى بني هاشم، قال: شهدت جنازة صبي وامرأة، فقدم الصبي مما يلي القوم، ووضعت المرأة وراءه، وفي القوم أبو سعيد الخدري، وابن عباس، وأبو قتادة، وأبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فقلنا لهم: فقالوا: السنة» . وقال الخرقي: يؤخر الصبي عن المرأة، لشرف المرأة بالتكليف، وهذا الذي نصبه القاضي في التعليق، ولم يذكر به نصا، والخنثى يقدم على المرأة لاحتمال ذكوريته، والله أعلم.

قال: وإن دفنوا في قبر واحد جعل الرجل مما يلي القبلة، والمرأة خلفه، والصبي خلفهما، ويجعل بين كل اثنين حاجز من تراب.
ش: لا إشكال أن جهة القبلة في الدفن هي الجهة الفاضلة، فيقدم الأفضل ثم الذي يليه إليها، على ما تقدم في تقديمهم إلى الإمام، ويشهد لذلك ما سيأتي إن شاء الله تعالى.

وقد تضمن كلام الخرقي أنه يجوز دفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وهو صحيح، نص عليه أحمد والأصحاب.
1139 - لما روى هشام بن عامر قال: «شكونا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم أحد، فقلنا، يا رسول الله، الحفر علينا لكل إنسان شديد.
فقال: «احفروا، وأعمقوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد» قالوا: فمن نقدم يا رسول الله؟ قال: «قدموا أكثرهم قرآنا» وكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد» . رواه النسائي، والترمذي بنحوه وصححه.
فإن اختلفت أنواعهم - كرجال ونساء - قدم إلى القبلة من [يقدم] إلى الإمام عند الصلاة عليه، هذا كله مع الضرورة، لكثرة الموتى ونحو ذلك، أما مع [عدم] الضرورة فالذي عليه عامة الأصحاب أنه لا يدفن في القبر إلا واحد، لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يدفن كل واحد في قبر» ، وعلى ذلك استمر فعل الصحابة، ومن بعدهم من السلف والخلف، ونقل عنه أبو طالب إذا ماتت امرأة وقد ولدت ولدا ميتا، فدفن معها، جعل بينها وبينه حاجز من تراب، أو يحفر له في ناحية منها، وإن لم يدفن معها فلا بأس، فظاهر هذا جواز

دفن الاثنين في قبر من غير ضرورة بلا كراهة، وهو ظاهر إطلاق الخرقي، ويحتمل أن يختص كلام أحمد [بما] إذا كانا أو أحدهما ممن لا حكم لعورته لصغره، كحالة النص.
وحيث دفن في القبر اثنان فأكثر جعل بين كل اثنين حاجز من تراب، ليجعل كأن كل واحد منهما منفرد بقبر، والله أعلم.

قال وإذا ماتت نصرانية وهي حامل من مسلم، دفنت بين مقبرة المسلمين والنصارى.
ش: لأنها إن دفنت في مقبرة المسلمين تأذوا بعذابها، وإن دفنت في مقبرة النصارى تأذى الولد بعذابهم، فتدفن وحدها، وقد حكى هذا أحمد عن واثلة بن الأسقع.
فإن قيل: فالولد على كل حال يتأذى بعذابها؟ (قيل) : هذا محل ضرورة، وهو أخف من عذاب المجموع.
انتهى، ويجعل ظهرها إلى القبلة، على جنبها الأيسر، لأن الولد إذًا يكون إلى القبلة، على جنبه الأيمن، لأن وجهه إلى ظهرها.
والله أعلم.

قال: ويخلع النعال إذا دخل المقابر.
ش: يستحب خلع النعال في المقبرة، ويكره المشي فيها إذًا.
1140 - لما «روى بشير مولى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[قال: (بينما أنا أماشي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] مر بقبور المشركين، فقال: «لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا» ثلاثا، ثم مر بقبور المسلمين فقال: «لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا» ثم حانت من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نظرة، فإذا رجل يمشي عليه نعلان، فقال له: «يا صاحب السبتيتين ألقهما» فنظر الرجل فلما عرف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خلعهما، فرمى بهما) » . رواه أبو داود، والنسائي، واحتج به أحمد في رواية حنبل وغيره، وقال: هذا أمر من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصححه في رواية محمد بن الحكم، ونقل عنه ما يدل على جواز ذلك من غير كراهة.

ومفهوم كلام الخرقي أنه لا يخلع ما عدا النعال من الخفاف، والتمشكات، وغيرهما، ولذلك قال القاضي: لا تتعدى الكراهة إلى التمشكات، ولا إلى غيرها، قصرا للنص على موضعه، وقيل بتعديه إلى التمشكات، لأنه في معنى النعل، لا إلى الخف؛ لأن في الخلع مشقة، ولهذا كان أحمد يلبس الخفاف في المقابر.
(تنبيه) السبتية نسبة إلى السبت، جلود مدبوغة بالقرض، يتخذ منها النعال، والله أعلم.

زيارة القبور

قال: ولا بأس أن يزور الرجال المقابر.
ش: تستحب للرجال زيارة القبور، على المنصوص، والمشهور عند الأصحاب.
1141 - لما روى بريدة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرا» رواه مسلم وغيره.

وقيل: يباح ولا يستحب، وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لأن في رواية أحمد والنسائي عن بريدة «ونهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هجرا» وهو الغالب في الأمر بعد الحظر، لا سيما وقد قرنه بما هو مباح، وهو ادخار لحوم الأضاحي، والانتباذ في كل سقاء.

قال: ويكره للنساء.
والله أعلم.
ش: هذا إحدى الروايتين عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: لا تخرج المرأة إلى المقابر، ولا [إلى] غيرها.
1142 - وذلك لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعن زوارات القبور» رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي وصححه.
1143 - وروي أيضا من حديث حسان، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -

وهذا النهي خاص بالنساء، وذلك النهي والأمر يحتمل أنهما خاصان بالرجال، ويحتمل أنهما لهما، ويحتمل أن هذا الحديث بعد الإذن في الزيارة، وإذا دار الأمر بين الحظر والإباحة، فأقل الأحوال الكراهة، بل لو قيل بالحظر لم يكن بعيدا، لا سيما والمرأة قليلة الصبر، فالظاهر تهييج حزنها، برؤية قبور أحبتها، فقد يقع منها ما لا ينبغي.
1144 - وقد روي عن عبد الله بن عمرو قال: «بينما نحن نسير مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ بصر بامرأة لا نظن أنه عرفها، فلما توسط الطريق وقف، حتى انتهت إليه، فإذا هي فاطمة بنت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال لها: «ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟» فقالت: أتيت أهل هذا البيت فرحمت إليهم، وعزيتهم بميتهم.
قال: «لعلك بلغت معهم الكدى؟» قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر.
فقال: «لو بلغتها معهم، ما رأيت الجنة، حتى يراها جد أبيك» رواه أحمد، والنسائي، وهذا لفظه، وقد صحح وضعف.
وحسن.

والرواية الثانية: يباح لها ذلك، قال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس، وذلك لعموم حديث بريدة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. 1145 - وعن عبد الله بن أبي مليكة «أن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن.
فقلت لها: أليس كان نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، كان نهى عن زيارة القبور، ثم أمر بزيارتها» . رواه الأثرم في سننه، واحتج به أحمد في رواية إبراهيم بن الحارث، ففهمت دخولهن في العموم.
واعلم أن الخلاف السابق حكاه أبو الخطاب في الهداية، والشيخان وغيرهم في الكراهة، وحكاه صاحب التلخيص في التحريم، ولعله أوفق لنص أحمد، وجمع ابن حمدان الطريقتين، فحكى ثلاث روايات، الإباحة، والكراهة، والتحريم.
وعلى جميع الروايات متى علمت من نفسها أنها متى زارت بدا منها ما لا يجوز، لم تجز لها الزيارة قولا واحدا.

آداب زيارة القبور

«تنبيهان» (أحدهما) يقول الزائر لها، والمار عليها: 1146 - ما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلما كان ليلتها من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخرج من آخر ليلتها إلى البقيع، فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» . 1147 - وعن بريدة قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر وكان قائلهم يقول: «السلام على أهل الديار - وفي لفظ - السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية» رواهما مسلم.
ويخير في السلام بين التنكير والتعريف، للأحياء والأموات؛ لأن السنة وردت بذلك، وقال ابن عقيل: في الأحياء التنكير، وفي الأموات التعريف.
ورد بالسنة، وبأن أحمد نص في رواية أبي طالب في السلام على الأحياء معرفا، ونص في السلام على الأموات على التعريف والتنكير.
(الثاني) : «الهجر» بالفتح الهذيان، وهو النطق بما لا يفهم، «والكدى» جمع كدية وهي الأرض الصلبة، لأن مقابرهم كانت في مواضع صلبة، والله أعلم.

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل