شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 372-412
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الزكاة

صفحات 372-412
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ش: الزكاة في اللغة النماء، والزيادة، والتطهير، قال الواحدي: الأظهر أنها مشتقة من: زكى الزرع يزكو زكاء بالمد إذا زاد.
قال: والزكاة أيضا الصلاح يقال: رجل زكي - أي زائد الخير - من قوم أزكياء: وزكى القاضي الشهود.
إذا بين زيادتهم في الخير، فسمي المال المخرج زكاة؛ لأنه يزيد في المخرج منه، ويقيه الآفات.
وفي عرف الشرع اسم لإخراج شيء مخصوص، من مال مخصوص، على وجه مخصوص.
وهي مما علم وجوبها من دين الله بالضرورة، وقد قال عز من قائل ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] . 1148 - وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن «أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم» مختصر متفق عليه.

[في آي وأخبار سوى هذين] ، وأجمع الصحابة على وجوبها، وعلى قتال مانعيها، والله أعلم.

زكاة الإبل

قال: وليس فيما دون خمس من الإبل سائمة صدقة.
ش: اعلم أن الذي تجب فيه الزكاة في الجملة أربعة أنواع (بهيمة الأنعام) ، وهي الإبل والبقر، والغنم (والخارج) من الأرض، (والأثمان) ، (وعروض التجارة) ، وأكثر هذه، وأعمها عند العرب، بهيمة الأنعام، وأنفس بهيمة الأنعام عندهم الإبل، فلذلك بدأ بها الخرقي، وقد انعقد الإجماع على وجوب الزكاة في الإبل في الجملة، وأن أقل نصاب الإبل خمس، فما دون الخمس لا شيء فيها، وقد جاءت السنة مصرحة بذلك.
1149 - ففي الصحيحين أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة» مع ما يأتي إن شاء الله تعالى، والذود: ما بين الثلاث إلى العشر من الإبل، وقيل: ما بين الثنتين إلى التسع، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، والله أعلم.

قال: فإذا ملك خمسا من الإبل، فأسامها أكثر السنة ففيها شاة، وفي العشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه.
ش: هذا أيضا مجمع عليه بحمد الله تعالى.

1150 - والأصل في الباب ما «روى أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، [أن أبا بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] لما استخلف كتب له، حين وجهه إلى البحرين هذا الكتاب، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر «محمد» سطر، «ورسول» سطر، «والله» سطر، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذه فريضة الصدقة، التي فرضها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط، في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم، في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسا وعشرين، إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض، فإن لم يكن بنت مخاض فابن لبون، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان، طروقتا الفحل، فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن عنده إلا أربع من الإبل فليست فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة، وصدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين، إلى عشرين ومائة شاة شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاث مائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان

بينهما بالسوية، ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدق، وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليس عنده جذعة، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده إلا ابنة لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون ويعطي شاتين، أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته بنت لبون، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت لبون، وليست عنده، وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه بنت مخاض، ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت مخاض، وليست عنده، وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين [درهما] أو شاتين فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن البون فإنه يقبل منه وليس معه شيء، وفي رواية «ابن لبون ذكر» رواه البخاري.
قال الحميدي: في عشرة مواضع من كتابه، بإسناد واحد مقطعا، والنسائي، وأبو داود، وأحمد، وقال في رواية ابن مشيش - وسئل أي الأحاديث أثبت عندك في الصدقات؟ فقال -: ما أصح حديث ثمامة بن أنس يرويه حماد بن سلمة وقال في رواية الميموني: لا أعلم في الصدقة أحسن

منه.
انتهى، وهو أصل عظيم يعتمد، وقد قال فيه: «إن في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم، في كل خمس شاة» . «تنبيه» وهذا الشاة.
. وقول الخرقي: فأسامها.
نص في أن من شرط وجوب الزكاة في الإبل أن تكون سائمة، فلا تجب الزكاة في المعلوفة، وهو صحيح، لا إشكال فيه، لأن في الحديث السابق «وصدقة الغنم في سائمتها» أي يجب في سائمتها، أو الواجب في سائمتها، فجعل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الوجوب مختصا بالسائمة، والإبل في معنى الغنم.
1151 - مع أن في السنن عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «في كل سائمة إبل في كل أربعين بنت لبون» ولأن المعلوفة مال غير معد للنماء، أشبه ثياب البذلة،

والمشترط السوم في أكثر السنة، إقامة للأكثر مقام الكل، إذ اعتباره في جميع الحول يمنع الوجوب إلا نادرا.
ويستثنى من كلام الخرقي العوامل، فإن الزكاة لا تجب فيهن وإن كن سائمة، نص عليه أحمد في رواية جماعة، وقال: أهل المدينة يرون فيها الصدقة، وليس عندهم في هذا أصل.
1152 - وقد روى الحارث الأعور عن علي، قال زهير - وهو ابن

معاوية -: أحسبه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكر حديثا وفيه «وليس على العوامل شيء» رواه أبو داود، لكن الحارث فيه كلام.

1153 - وقد روي أيضا من حديث ابن عباس، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، رواهما الدارقطني.
والمعنى في ذلك أن القصد منها الانتفاع بظهرها، لا الدر والنسل، أشبهت البغال والحمير.
وقوله: فأسامها.
ظاهره أنه وجد منه فعل السوم، فيكون من مذهبه اشتراط نية السوم، وهو أحد الوجهين، والوجه الآخر: لا يشترط، فلو سامت بنفسها، أو أسامها غاصب، وقلنا بوجوب الزكاة في المغصوب، وجبت الزكاة.
«تنبيه» السائمة عبارة عمن رعت المباح، والله أعلم.

قال: فإذا صارت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض، إلى خمس وثلاثين، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستا وثلاثين، ففيها ابنة لبون، إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستا وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل، إلى ستين، [فإذا

بلغت إحدى وستين ففيها جذعة، إلى خمس وسبعين، فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون، إلى تسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين] ففيها حقتان، طروقتا الفحل، إلى عشرين ومائة.
ش: هذا كله مجمع عليه بحمد الله، وما تقدم من كتاب أبي بكر نص فيه.
وقول الخرقي: فإن لم يكن فيها بنت مخاض - يعني في إبله - فابن لبون.
يعني إن وجده في إبله، فشرط إجزاء ابن اللبون عدم بنت المخاض في إبله، ووجود ابن اللبون، أما إن عدمه فإنه يلزمه شراء بنت مخاض، وهذا ظاهر ما تقدم «فإن لم تكن عنده بنت مخاض على وجهها، وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه» ولأن العدول عن بنت المخاض كان للرفق به، ومع الشراء قد زال الرفق، فيرجع إلى الأصل، وحكم وجودها معيبة في إبله حكم ما لو عدمها، إذ الممنوع منه شرعا كالمعدوم حسا، ولهذا قال في الحديث «على وجهها» أي على الوجه الشرعي، أما إن وجدها أعلى من الواجب عليه، فإنه لا يجزئه إخراج ابن اللبون، بل يخير بين إخراجها، وبين شراء بنت مخاض، على صفة الواجب، كما هو ظاهر الخبر وكلام الخرقي.

«تنبيه» : بنت المخاض من الإبل وابن المخاض ما استكمل سنة، ثم هو كذلك إلى آخر الثانية، سمي بذلك لأن أمه من المخاض أي الحوامل، والمخاض اسم الحوامل، لا واحد له من لفظه، وليس [كون] أمها من المخاض شرطا فيها، وإنما ذكر ذلك اعتبارا بغالب حالها، وكذلك بنت اللبون، إذ الغالب أن من بلغت سنة تكون أمها حاملا، ومن بلغت سنتين تكون أمها ذات لبن.
«وبنت اللبون» وابن اللبون ما استكمل الثانية، ثم هو كذلك إلى تمام الثالثة سمي بذلك لأن أمه ذات لبن.
«والحقة» والحق ما استكمل الثالثة، ثم هو كذلك إلى آخر الرابعة، سمي بذلك لاستحقاقه أن يحمل، أو يركبه الفحل، ولهذا قال: «طروقة الفحل» أي يطرقها ويركبها «والجذعة» والجذع ما استكمل الرابعة، ثم هو كذلك إلى آخر الخامسة، سمي بذلك لأنه يجذع إذا سقط سنه.
وقول الخرقي: فابن لبون ذكر.
تبع فيه لفظ الحديث، وإلا فابن لبون هو ذكر، وهو تأكيد، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196] . 1154 - وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان»

وهو كثير، وتنبيه لرب المال والمصدق، ليطيب رب المال نفسا بالزيادة المأخوذة منه، إذا علم أنه كان قد أسقط عنه ما كان بإزائه من فضل الأنوثة، وليعلم المصدق أن هذا مقبول من رب المال.
والله أعلم.

قال: فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
ش: ظاهر هذا أنها إذا زادت واحدة على العشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون، وهو المشهور من الروايتين، والمختار للأصحاب، لظاهر كتاب أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون» وبالواحدة قد حصلت الزيادة.
1155 - وفي كتاب الصدقات الذي كتبه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكان عند آل عمر وفيه «فإذا زادت واحدة - أي على التسعين - ففيها حقتان، إلى عشرين ومائة، فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون» رواه أبو داود، والترمذي وحسنه، ورواه أبو داود عن سالم [مرسلا] ،

وفيه «فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون» . (والرواية الثانية) : لا يتغير الفرض إلى مائة وثلاثين، فيجب حقة وبنتا لبون.
نقلها عنه القاضي البرثي، واحتج له بحديث ثمامة بن أنس.

1156 - وبحديث عمرو بن حزم، وقال: هو عن كتاب وهو صحيح، وفي هذا النقل عنه نظر، لأن حديث أنس المشهور ليس فيه ذلك، بل أحمد قد احتج به في رواية النيسابوري على الرواية الأولى، وأما حديث عمرو بن حزم فلعل فيه ذلك، لكن لم أرهم نقلوا ذلك، وقد يستدل لهذه الرواية

بأن في بعض ألفاظ حديث ابن عمر رواه أحمد «فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون» والواحدة لا تكثر بها الإبل.
1157 - وفي سنن ابن بطة عن الزهري قال: هذه نسخة كتاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التي كتب في الصدقة، وهي عند آل عمر وقال فيه: «فإذا كانت إحدى وتسعين ففيها حقتان، طروقتا الفحل، حتى تبلغ عشرين ومائة، فإذا كانت ثلاثين ومائة، ففيها حقة وبنتا لبون» ويجاب بأن هاتين الروايتين فيهما إجمال وما تقدم يفسرهما.
وعلى كلتا الروايتين متى بلغت الفريضة مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة وثمانين حقتان وبنتا لبون، وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون، وفي مائتين أربع حقاق، أو خمس بنات لبون، لأن المائتين أربع خمسينات، وخمس أربعينات هذا ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي بكر، وابن حامد، وأبي محمد، والقاضي، قال في الروايتين: [إنه] الأشبه.
وقال الآمدي: إنه ظاهر المذهب.
ويحتمله كلام أحمد في

رواية صالح وابن منصور وذلك لظاهر حديث أبي بكر، إذ فيه «في كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة» وعن الزهري قال: نسخة كتاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذي كتبه في الصدقة، أقرأنيه سالم بن عبد الله بن عمر.
وفيه «فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق، أو خمس بنات لبون، أي السنين وجدت أخذت» . ونقل علي بن سعيد عن أحمد: يأخذ من المائتين أربع حقاق.
فمن الأصحاب من فسر ذلك بأن فيها أربع حقاق بصفة التخيير، ويكون القصد أن تسعين ومائة [فيها] ثلاث حقاق وبنت لبون، فإذا بلغت مائتين ففيها أربع حقاق، ومنهم من أقره على ظاهره، وقال: تتعين الحقاق، إلا أن لا يكون فيها إلا بنات لبون فتجزئ بنات اللبون وهذا قول ابن عقيل.
وظاهر كلام أحمد تتعين الحقاق مطلقا، نظرا لحظ الفقراء، إذ هي أنفع لهم، لكثرة درها ونسلها.
هذا كله إذا لم يكن المال ليتيم، فإن كان ليتيم أو مجنون تعين على الولي إخراج الأدون المجزئ من الفرضين اعتمادا

على أن ذلك هو الأحظ، وإنما يتصرف في ماله بذلك، والله أعلم.

قال: ومن وجبت عليه حقة وليست عنده، وعنده ابنة لبون أخذت منه ومعها شاتان أو عشرون درهما، ومن وجبت عليه ابنة لبون، وليست عنده، وعنده حقة، أخذت منه وأعطي الجبر من شاتين أو عشرين درهما والله أعلم.
ش: قد تقدم هذا مصرحا به في حديث أبي بكر [الصديق]- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وكذلك إذا وجبت عليه ابنة مخاض، فعدمها ووجد ابنة لبون، [فإنه] يدفعها ويأخذ شاتين أو عشرين درهما، [وكذلك إن وجب عليه حقة وليست عنده، وعنده جذعة، فإنها تؤخذ منه ومعها شاتان أو عشرون درهما] ، وكل هذا في حديث أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وليس له أن ينزل عن بنت مخاض أصلا، إذا هي أدنى أسنان الإبل المجزئة في الزكاة، وللمالك أن يصعد إلى [الثنية] بلا جبران؛ لأنها أعلى.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجبر بشاة وعشرة دراهم، وهو أحد الوجهين

حذارا من تخيير ثالث، والثاني يجوز؛ لأن الشارع جعل العشرة في مقابلة الشاة.
وقد يقال: إن ظاهر كلامه أيضًا أنه إذا عدم السن التي تلي الواجب أنه ليس له أن ينتقل إلى ما هو أدنى منها، أو إلى ما هو أعلى منها، وذلك كما لو وجبت عليه ابنة لبون، فعدمها وعدم الحقة، فليس له أن ينتقل إلى الجذعة، ويأخذ أربع شياه، أو أربعين درهما، [أو وجبت عليه حقة فعدمها، وعدم بنت اللبون، لم يخرج بنت مخاض، ويدفع أربع شياه، أو أربعين درهما] ، إذ النص لم يرد به، والزكاة فيها شائبة التعبد، وهذا اختيار أبي الخطاب، وابن عقيل، وقال صاحب النهاية فيها: إنه ظاهر المذهب.
وأومأ أحمد إلى جواز ذلك، وهو اختيار القاضي، وأورده الشيخان مذهبا، لأن الشارع جوز الانتقال إلى الذي يليه مع الجبران، [وجوز العدول عن ذلك أيضا إذا عدم مع الجبران] ، إذا كان هو الفرض، فهاهنا لو كان موجودا أجزأ، فإذا عدمه جاز العدول عنه إلى ما يليه كما لو كان هو الفرض، والله أعلم.

باب زكاة البقر

1158 - ش: الأصل في وجوب زكاة البقر ما في الصحيح عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «ما من صاحب إبل، ولا بقر، ولا غنم، لا يؤدي حقها إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر، تطؤه ذات الظلف بظلفها، وتنطحه ذات القرن بقرنها، ليس فيها جماء ولا مكسورة القرن» قلنا: يا رسول الله وما حقها؟ قال: «إطراق فحلها، وإعارة دلوها، ومنحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله» مختصر، رواه مسلم، والنسائي، وإذا ثبت هذا الوعيد العظيم في هذا الحق، فالزكاة أولى، ونسخ الأصل لا يلزم منه نسخ الفحوى على الأشهر.
1159 - وعن مسروق «عن معاذ بن جبل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: بعثه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم دينارا، أو عدله معافر» . رواه أحمد وهذا لفظه، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وإنما لم يذكر زكاة البقر في حديث أبي بكر الصديق، وفي

الكتاب الذي كان عند آل عمر لقلة البقر في الحجاز، إذ يندر ملك نصاب منه، بل لا يوجد، فلما بعث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - –

معاذا إلى اليمن، ذكر له حكم البقر، لوجودها عندهم، مع أن وجوب الزكاة في البقر قد حكي إجماعا.
«تنبيه» «القاع» [المكان] المستوي من الأرض الواسع، وجمعه قيعة وقيعان، كجيرة وجيران، و «قرقر» بفتح القافين الأملس، قاله أبو السعادات، «والظلف» للبقر، والغنم، والظباء، «والقدم» للآدمي «والحافر» للفرس، والبغل، والحمار «وتنطحه» بفتح الطاء وكسرها وهو أفصح «والجماء» الشاة التي لا قرن لها، «وإطراق الفحل» إعارته للضراب: طرق الفحل الناقة.
إذا ضربها «والمنحة» العطية، والمنيحة الشاة أو الناقة تعار لينتفع بلبنها ثم ترد، «وحلبها على الماء» بفتح اللام، لا بسكونها على الأشهر، وهذا كان - والله أعلم - قبل وجوب الزكاة، أو في موضع تتعين فيه المواساة، «والحالم» البالغ، «وعدل الشيء» بفتح العين - مثله في القيمة، وهو المراد هنا، وبكسرها مثله في الصورة «والمعافري» منسوب إلى ثياب باليمن، ينسب إلى معافر، حي من همدان، لا ينصرف كدراهم والله أعلم.

قال: وليس فيما دون ثلاثين من البقر سائمة صدقة.
ش: أقل نصاب البقر ثلاثون، لحديث معاذ، «فإنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أوجب في الثلاثين» ، والأصل عدم الوجوب فيما دون ذلك، فليس فيما دون ثلاثين شيء.

قال: فإذا ملك ثلاثين من البقر فأسامها أكثر السنة ففيها تبيع أو تبيعة، إلى تسع وثلاثين، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة، إلى تسع وخمسين، فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان، إلى تسع وستين، فإذا بلغت سبعين ففيها تبيع ومسنة، فإذا زادت ففي كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة.
ش: [الأصل في هذا كله خبر معاذ، فإنه جعل في كل ثلاثين تبيعا، وفي كل أربعين مسنة] ، واعتبار السوم فيها قياسا على الإبل والغنم، وإذا بلغت مائة وعشرين اتفق الفرضان، فإن شاء أخرج ثلاث مسنات أو أربع تبائع، وقد تقدم منصوص أحمد على ذلك.
والله أعلم.

قال: والجواميس كغيرها من البقر والله أعلم.
ش: الجواميس أحد نوعي البقر فحكمها حكمها.
والله أعلم.

باب صدقة الغنم

ش: الأصل في وجوبها الإجماع، وسنده ما تقدم من حديث أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وغيره، والله أعلم.

قال: وليس فيما دون أربعين من الغنم سائمة صدقة.
ش: أقل نصاب الغنم أربعون، فليس فيما دونها صدقة، لحديث أبي بكر: «فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة، فلا شيء فيها، إلا أن يشاء ربها» والله أعلم.

قال: فإذا ملك أربعين من الغنم فأسامها أكثر السنة ففيها شاة، إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان، إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة.
ش: الأصل في هذه الجملة ما تقدم من حديث أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وهو نص في ذلك، والله أعلم.

قال: فإذا زادت ففي كل مائة شاة شاة.
ش: ظاهر هذا أنه بعد الثلاثمائة يستأنف الفريضة، فيجب في كل مائة شاة شاة، فعلى هذا لا يجب شيء إلى أربع مائة، فيجب أربع شياه، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار القاضي وجمهور الأصحاب، لما تقدم من حديث أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وفي الكتاب الذي كان عند آل عمر نحو ذلك.

(والرواية الثانية) : في ثلاثمائة وواحدة أربع شياه، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ خمسمائة، فتكون خمس شياه، اختارها أبو بكر، كذا حكى الرواية أبو محمد، وأبو العباس، وغيرهما، وقال القاضي في الروايتين بعد أن حكى الرواية الأولى: ونقل حرب: لا شيء في زيادتها حتى تبلغ ثلاثمائة، فإذا زادت عليها شاة ففيها أربع شياه، وعلى هذا كلما زادت على مائة شاة ففيها شاة، قال: وهو اختيار أبي بكر.
وظاهر هذا أن في أربع مائة وواحدة خمس شياه، وفي خمس مائة وواحدة ست شياه، وعلى هذا، وحكى ابن حمدان هذا رواية ثالثة.
والله أعلم.

قال: ولا يؤخذ في الصدقة تيس، ولا هرمة، ولا ذات عوار، ولا الربى، ولا الماخض، ولا الأكولة.

ش: قد جمع الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في هذا بين (ما لا يؤخذ) لدناءته وهو التيس، والهرمة وذات العوار، وذلك لما تقدم من حديث أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، إذ فيه «لا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس، إلا أن يشاء المصدق» وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] (وما لا يؤخذ) لشرفه وهو الربى، والماخض والأكولة، وذلك لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث معاذ المتفق عليه «وإياك وكرائم أموالهم» . 1160 - وفي حديث لأبي داود فيه طول، عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[أنه] قال: «ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره» . 1161 - وعن سفيان بن عبد الله أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بعثه مصدقا، فكان يعد على الناس بالسخل، فقالوا: أتعد علينا بالسخل ولا تأخذ منه؟ فلما قدم على عمر بن الخطاب ذكر ذلك له فقال: نعم تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعي، ولا تأخذها ولا تأخذ الأكولة، ولا الربى، ولا الماخض، ولا فحل

الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية، وذلك عدل بين غذاء المال وخياره، رواه مالك في الموطأ.
«تنبيهان» (أحدهما) ما لا يؤخذ لدناءته لا يدفع في الزكاة مطلقا، وما لا يؤخذ لشرفه إن رضي رب المال بإخراجه جاز، لأن الحق له، وإلا فلا.
(الثاني) : (الهرمة) الكبيرة الطاعنة في السن، (والعوار) بفتح العين على الأفصح العيب، ويجوز الضم، (والمصدق) بتخفيف الصاد، وتشديد الدال - عامل الصدقة، وهو الساعي أيضا، وكان أبو عبيد يرويه «المصدق» بفتح الدال، يريد صاحب الماشية، وخالفه عامة الرواة، فقالوا: بكسرها.
يريدون العامل فعلى قول أبي عبيد المراد بالتيس فحل الغنم، فهو من كرائم الأموال، فلا يؤخذ إلا أن يشاء رب المال، فالاستثناء راجع إليه فقط.
وعلى قول الجمهور التيس هو الكبير، فلا يؤخذ لدناءته، وهذا هو المشهور عند أصحابنا

فيما أظن، وعلى هذا يخير الساعي.
قيل: إما لأن الجميع على صفته، فله أخذ ذلك، لأن الجميع على صفة النقص، وفيه نظر؛ لأن الساعي يجب عليه إذًا الأخذ من غير تخيير.
وقيل: لأنه اجتمع فيه صفتان، صفة الإطراق، وهي صفة شرف، وصفة الكبر وهي صفة دنيئة، فخير الساعي، لأنه إنما يختار الأصلح، فمهما ترجح عنده فعله، وهذا أجود من الذي قبله.
والاستثناء أيضا راجع إلى التيس فقط، وجوز كثير من العلماء رجوع الاستثناء إلى الثلاثة، ويخير الساعي، فإن رأى الخير للفقراء أخذ، وإلا فلا.
«والكرائم» جمع كريمة وهي النفيسة.
«والأكولة» المعدة للأكل، أو التي تأكل كثيرا فتكون سمينة، «والربى» قال أحمد: التي وضعت وهي تربي ولدها، وقيل: هي التي في البيت لأجل اللبن.
«وغذاء المال» جمع غذي وهو الحمل أو الجدي.
أي لا يأخذ الساعي خيار المال ولا رديئه، وإنما يأخذ عدلا بين الكبير والصغير، [والله أعلم] .

قال: وتعد عليهم السخلة، ولا تؤخذ منهم.
ش: يعني أن النصاب إذا نتج في أثناء الحول فإن حوله حول الأمهات، وإذًا يعد الساعي السخال [فيأخذ عن الجميع] ، لكن لا يأخذ من السخال، وكذا قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وظاهر كلام الخرقي أن هذا إنما هو في نصاب فيه صغار

وكبار، أما لو كان النصاب كله صغارا كما لو أبدل الكبار بصغار في أثناء الحول، أو ماتت الأمهات وقد كانت نتجت نصابا فحال الحول عليها وهي صغار، فإن المنصوص والمختار عند القاضي وأصحابه، والشيخين جواز أخذ الصغيرة.
1162 - لقول الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لقاتلتهم عليه.
وبالإجماع لا تؤخذ العناق في الكبار، فيتعين حمله على كون النصاب كله عناقا، ولأن الزكاة مواساة، والمواساة، إنما تكون مما أنعم الله عليه.
وقال أبو بكر في الخلاف: لا يؤخذ [من] المراض مريضة، ولا يؤخذ إلا ما يجوز في الأضاحي، [معتمدا على قول أحمد في رواية أحمد بن سعيد: لا يأخذ إلا ما يجوز في الأضاحي] قال القاضي: ويجيء على قوله لا يؤخذ من الصغار صغيرة.
فعلى قوله تجب كبيرة صحيحة على قدر المال.

«تنبيه» : (السخلة) من ولد المعز بفتح السين على الأشهر، ويجوز كسرها.
(والعناق) الجذعة من المعز التي قاربت الحمل، وقيل: [هي] ما لم يتم سنة من الإناث خاصة، وقيل: ليس المراد في الحديث حقيقة العناق، إنما المراد بالتنكير التقليل، أي: لو منعوني شيئا ما من الزكاة بدليل أن في الرواية الأخرى: لو منعوني عقالا.
والعقال على أحد الأقوال الحبل الذي يعقل به البعير، وهو غير واجب في الزكاة على قول، [والله أعلم] .

قال: ويؤخذ من المعز الثني، ومن الضأن الجذع.
ش: يعني إذا كان النصاب كله كبارا، أو فيه كبار وصغار، والأصل في هذا ما تقدم من قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. 1163 - «وعن سعر بن ديسم قال: جاءنا رجلان على بعير، فقالا: إنا رسولا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إليك، لتؤدي صدقة غنمك.
فقلت: ما علي فيها؟ قالا: شاة.
فأعمد إلى شاة قد عرفت مكانها، ممتلئة مخضا وشحما، فأخرجتها إليهما، فقالا: هذه شاة الشافع.
وقد نهانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نأخذ شافعا، فقلت: فأي شيء تأخذان؟ قالا: عناقا جذعة أو ثنية» . مختصر، رواه أبو داود، والنسائي.

«تنبيه» : «الجزع» من الضأن ما له ستة أشهر، «والثني» من المعز ما له سنة، قاله أصحابنا، وقال ابن الأثير: الجذع من المعز ما له سنة، والثني منه ما له سنتان، ولنا وجه آخر أن الجذع من الضأن ما له ثمانية أشهر.
انتهى.
«والمخض»

اللبن، أي ممتلئة لبنا وشحما.
(والشافع) قال ابن الأثير: التي معها ولدها.
وفي رواية لأبي داود: التي في بطنها ولدها.
وشاة الشافع من إضافة الموصوف إلى الصفة، كصلاة الأولى، والله أعلم.

قال: فإن كانت عشرين ضأنا، وعشرين معزا أخذ من أحدهما ما يكون قيمته نصف شاة ضأن، ونصف [شاة] معز.
ش: قوله أخذ.
أي الساعي، وذلك لأنه يأخذ الوسط، وهذا هو الوسط، وقال أبو بكر: لا تعتبر القيمة كما لو كانا نوعا واحدا، فإنه لا تعتبر القيمة، كذلك هنا، فعلى هذا يخرج وسطا من أيهما شاء، وعلى الأول [ينظر] فإذا كانت الشاة الوسط من الضأن تساوي عشرين درهما، والشاة الوسط من المعز تساوي عشرة دراهم، أخرج من أحدهما ما قيمته خمسة عشر درهما، وكذلك الحكم في البقر والإبل.
وقد تضمن كلام الخرقي أنه يضم نوعا الغنم بعضه إلى بعض في إكمال النصاب، وقد حكاه ابن المنذر إجماعا، وتضمن أيضا أنه

يخرج من أيهما شاء، وأنه لا يخرج من كل [واحد، ولكل] ما لحقه، والله أعلم.

زكاة الخليطين

قال: وإن اختلط جماعة في خمس من الإبل أو ثلاثين من البقر، أو أربعين من الغنم، وكان مرعاهم، ومسرحهم، ومبيتهم، ومحلبهم، وفحلهم واحدا أخذت منهم الصدقة، وتراجعوا فيما بينهم بالحصص.
ش: الخلطة تؤثر في بهيمة الأنعام، وهي الإبل، والبقر، والغنم، فتجعل المالين كالمال الواحد في الزكاة، وفي أخذ الساعي الفرض من مال أي الخليطين شاء، والأصل في ذلك ما تقدم في حديث أبي بكر [الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» . وعن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر، قال: كتب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: [كتاب الصدقة] فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض، فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حتى قبض، ثم عمل به عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حتى قبض، فذكره وفيه «ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع ين متفرق، مخافة الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية» رواه أبو داود وابن ماجه، والترمذي وحسنه، وقال البخاري: أرجو أن يكون محفوظا.

(وفيه دليلان) أحدهما: - قوله «ولا يجمع بين متفرق» أي لا يجمع الرجلان النصابين من الغنم، ليجب عليهما في الثمانين شاة واحدة، ولا يجمع الساعي مالي الرجلين ليوجب عليهما الزكاة، كما إذا كان لكل واحد عشرون من الغنم، وقوله: «ولا يفرق بين مجتمع» أي لا يفرق الرجلان ماليهما، لتقل عليهما الزكاة، كما إذا كان لكل واحد [منهما مثلا] مائة [و] شاة، وخلطه فإنه يجب عليهما ثلاث شياه، فإذا فرقاه وجب على كل واحد [منهما] شاة، أو لا يفرق الساعي الثمانين مثلا ليوجب على كل واحد شاة.
ومقتضى هذا كله أن للخلطة تأثيرا.
(الدليل الثاني) : - قوله: «وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان [فيما] بينهما بالسوية» والتراجع إنما هو في خلطة الأوصاف.
إذا تقرر هذا، فقول الخرقي: وإن اختلط جماعة.
أراد بالجماعة الاثنين فصاعدا، من الجمع وهو الضم.

وشرط الخليطين أن يكونا من أهل الزكاة، [فلو كان أحدهما من غير أهل الزكاة] فوجوده كعدمه.
وقوله: [في] خمس من الإبل، أو ثلاثين من البقر، أو أربعين من الغنم إشارة إلى أن الخلطة [إنما تؤثر في نصاب، وهو واضح، وتنبيه على مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - ومن وافقه، من أن الخلطة إنما] تؤثر إذا كان لكل واحد نصابا، وعندنا لا يشترط، بل كما يؤثر إذا كان لكل واحد نصابا، يؤثر فيما دونه.
وقوله: وكان مرعاهم، ومسرحهم، ومبيتهم، ومحلبهم، وفحلهم واحدا.
تنصيص على شروط الخلطة، وأنها إنما تصير المالين بمنزلة المال الواحد بهذه الشروط.
1164 - والأصل في هذه الشروط ما روي عن سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[يقول] : «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، والخليطان ما اجتمعا في الحوض، والفحل، والراعي» . رواه الدراقطني.

وبقية الشروط في معنى هذه الثلاثة، ولأن هذه الشروط تؤثر في الرفق بالخلطاء، فوجب اعتبارها، كالراعي، والفحل، (والمرعي) معروف: الشيء الذي يرعى ويلزم من اتحاده اتحاد موضعه، (والمسرح) فسره أبو محمد بالموضع الذي ترعى فيه الماشية، ويلزم من اتحاده اتحاد المرعى، فلذلك قال أبو محمد وسبقه إلى ذلك ابن حامد: إنهما شيء واحد، وفسره صاحب التلخيص بموضع جمعها عند خروجها للمرعى وهذا أولى، دفعا للتكرار.
«والمبيت» موضع مبيتها، «والمحلب» - بفتح الميم -[الموضع] الذي تحلب فيه، قال صاحب التلخيص: مع تمييز [لبن] كل واحد منهما، فإن الشركة فيه ربا، «والفحل» معروف، ومعنى اتحاده أن لا يكون فحولة أحد المالين لا تطرق الآخر.
وهذه الشروط لا نزاع في المذهب في اشتراطها فيما أعلمه، وعليها اقتصر أبو البركات، وزاد أبو الخطاب، وصاحب التلخيص، وأبو محمد، وغيرهم: اتحاد المشرب، يعني أن يكون موضع مشربها واحدا وزاد أبو الخطاب، وأبو محمد

وغيرهما: اتحاد الراعي، «وهو منصوص أحمد والحديث.
قال أبو محمد: ويحتمل أن يفسر المرعى] في كلام الخرقي بذلك، ليوافق للنص، ويندفع [به] التكرار.
ثم بعد هذا هل يشترط فيه الخلطة؟ فيه وجهان مشهوران.
وقوله: أخذت منهم الصدقة، وتراجعوا فيما بينهم بالحصص.
يقتضي بعمومه أن للساعي أن يأخذ من مال [أي] الخليطين شاء، مع الحاجة [وعدمها] وهو صحيح، نص عليه أحمد والأصحاب، وإطلاق الحديث يقتضيه، فعلى هذا لو اختلط من له ثلاثون تبيعا، مع شخص له أربعون مسنة، فأخذ الساعي مسنة من الثلاثين وتبيعا من الأربعين، فإن له ذلك، ويرجع صاحب الثلاثين على صاحب الأربعين [بقيمة أربعة أسباع مسنة، وصاحب الأربعين على صاحب الثلاثين] بقيمة ثلاثة أسباع مسنة.
وقوله: أخذت منهم الصدقة، وتراجعوا فيما بينهم بالحصص.
يعني [في] الصدقة المأخوذة، وقد تقدم مثاله، فلو أخذ الساعي شيئا ظلما لم يرجع المأخوذ منه على خليطه بحصته، إذ من ظلم لا يظلم غيره، نعم لو أخذ غير الفرض بتأويل - كما لو أخذ القيمة، أو أخذ

الصحاح، أو الكبار عن المراض أو الصغار - فإنه يرجع على خليطه بحصته، لأن الساعي فعل ما له فعله، إذ مستنده الاجتهاد، أو تقليد من يسوغ تقليده، وإذًا يصير المأخوذ هو الواجب.
واعلم أن الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - نبه بالتأثير في خلطة الأوصاف - وهو أن يكون مال كل واحد [منهما] متميزا بصفة، فخلطاه واشتركا فيما تقدم - على التأثير في خلطة الأعيان، وهو أن يكون أعيان أموالهما مختلطة، كأن ورثا نصاب، أو اشترياه ونحو ذلك بطريق الأولى، نعم الشروط المذكورة مختصة بشركة الأوصاف، والله أعلم.

قال: فإن اختلطوا في غير هذا أخذ من كل واحد [منهم] على انفراده، إذا كان ما يخصه [تجب] فيه الزكاة.
ش: يعني [أن] الخلطة لا تؤثر في غير بهيمة الأنعام وإذا لم تؤثر فإن الساعي يأخذ من كل واحد منهم على انفراده، بشرط أن يكون ما يخص كل واحد منهم نصابا، وهذا هو المشهور، والمختار للأصحاب من الروايتين، لقوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع، مخافة الصدقة» وأرباب الأموال مرادون منه بلا نزاع، وإنما يفرقون أو يجمعون حذارا [من الصدقة] في الماشية، إذ غيرها لا وقص فيه.
ثم ما روي من قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد «والخليطان ما اجتمعا في الحوض، والفحل، والراعي» ظاهره حصر الخليطين فيمن هذه صفتهم، وأيضا فالخلطة في الماشية تارة يحصل الرفق فيها لأرباب الأموال، كرجلين لكل واحد منهما أربعون فخلطاها، وتارة للفقراء [كرجلين لكل واحد منهما عشرون، أما غير الماشية فتأثير الخلطة نفع للفقراء] دائما، وضرر على أرباب الأموال، والضرر منفي شرعا، ولهذا قلنا: لا تخرج الصحيحة عن المراض.
(والرواية الثانية) تؤثر الخلطة.
قال أبو الخطاب في خلافه الصغير: وهو أقيس.
1165 - لمفهوم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» مفهومه أنه إذا بلغهما [أن] فيه صدقة، ولم يفرق بين أن يكون المال لواحد أو لاثنين.
وقد يستدل له بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يجمع بين متفرق» بناء على أن الخطاب للساعي أيضا، فلا يجمع مائة ومائة ليأخذ زكاتهما، وعلى هذه تؤثر [الخلطة] في شركة الأعيان.
وهل تؤثر في شركة الأوصاف؟ فيه وجهان، حكاهما ابن عبدوس وغيره (أحدهما) : لا، اختاره أبو محمد، وابن حمدان (والثاني) : نعم، وهو ظاهر كلام الأكثرين، لإطلاقهم الرواية، وعليه:

يشترط في الدراهم ونحوها اتحاد الخازن والمخزن، وفي الزروع والشجر اتحاد المشرب والفلاح، والله أعلم.

شروط وجوب الزكاة

قال: والزكاة لا تجب إلا على الأحرار المسلمين.
ش: من شرط وجوب] الزكاة الحرية، فلا تجب الزكاة على عبد، على المذهب المعروف المقطوع به، لأنه لا يملك، وإن قلنا يملك فملكه غير تام، أشبه المكاتب، ودليل الأصل يأتي إن شاء الله تعالى.
(وعنه) تجب عليه، لدخوله في عموم الخطاب، (وعنه) : بإذن السيد، ونظير هذا الخلاف في وجوب الجمعة عليه، وهو ثم أشهر.
ومن شرط الوجوب الإسلام أيضا، بلا نزاع أي وجوب الأداء، إذ الزكاة قربة وطاعة، والكافر ليس من أهلها، ولافتقارها إلى نية، وهي ممتنعة من الكافر، أما الوجوب في الذمة بمعنى العقاب في الآخرة فنعم، بناء على أن الكافر مخاطب بالفروع ويسقط عنه ذلك بإسلامه.

1166 - لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الإسلام يجب ما قبله» (وعنه) لا تسقط عن المرتد، لالتزامه ذلك بإسلامه] نعم إن زال ملكه بردته سقطت لذلك، والله أعلم.

قال: والصبي والمجنون يخرج عنهما وليهما.
ش: قد تضمن هذا أن الزكاة تجب في ماليهما، وعموم المسألة السابقة يقتضيه.
1167 - والأصل في ذلك ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خطب الناس فقال: «من ولي يتيما له مال فليتجر فيه، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة» رواه الترمذي مرفوعا وموقوفا على عمر، ورواه الدراقطني عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من طرق لكنها ضعيفة، قال أحمد في رواية مهنا وسئل عن هذا

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل