شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 378-417
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 378-417
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ش: البيوع جمع بيع، مصدر: باع يبيع.
بمعنى: ملك، وبمعنى: اشترى، وكذلك شرى، يكون بالمعنيين، وعن أبي عبيدة وغيره: أباع بمعنى باع، وهو (في اللغة) قيل: أن يدفع عوضا ويأخذ معوضا منه.
وقال أبو عبد الله السامري: إنه الإيجاب والقبول إذا تناول عينين، أو عينا بثمن.
(وفي الشرع) قال القاضي وابن الزاغوني وغيرهما: إنه عبارة عن الإيجاب والقبول، إذا تضمن عينين للتمليك، وأبدل السامري: عينين.
بمالين، ليحترز عما ليس بمال، فلا يطرد لدخول الربا، وقد يدخل القرض على الثاني، فلا ينعكس، لخروج بيع المعاطاة، على رواية مختارة، وخروج المنافع كممر الدار ونحوه، والبيع في الذمة.
وقال أبو محمد:

مبادلة المال بالمال لغرض التمليك، فدخلت المعاطاة، وقد يدخل القرض، إلا أنه وإن قصد فيه التملك لكن المقصود الأعظم فيه الإرفاق، لكنه يدخل عليه الربا.
وحده بعض المتأخرين بأنه: تمليك عين مالية، أو منفعة مباحة، على التأبيد، بعوض مالي على التأبيد، ويدخل عليه أيضا القرض والربا، وبالجملة الحدود قل ما يسلم منها، انتهى.
واشتقاقه قال أبو محمد وكثير من الفقهاء: إنه مشتق من الباع، لأن كل واحد منهما يمد باعه للأخذ.
ورد (من جهة الصناعة) بأنه مصدر، والمصدر على رأي البصريين منبع

الاشتقاق، فهو مشتق منه، لا أنه مشتق، فإن أجيب بالتزام مذهب الكوفيين بأن الأصل والاشتقاق للفعل رد بأنه الفعل الذي منه المصدر، لا فعل مقدر آخر، لأن الباع عينه واو، إذ هو من: بوع.
والبيع عينه ياء، من: بيع.
وشرط الاشتقاق موافقة الأصل والفرع في الحروف الأصول، وقد يجاب عن هذا وعن كثير من اشتقاقات الفقهاء بأن هذا من الاشتقاق الأكبر، الذي يلحظ فيه المعنى، دون الموافقة في الحروف، ولا ريب أن بين البيع والباع مناسبة ما كما تقدم، على أن بعض البيانيين لم يشترط الموافقة على المعنى [أيضا] فقال في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ [الشعراء: 168] : إنه من الاشتقاق الكبير، المشبه للاشتقاق الصغير، مع أن قال

من القول، (والقالين) من القلي، وهو البغض، فالحروف لم تتفق، والمعنى لم يتحد.
(ومن جهة المعنى) بالبيع في الذمة ونحوه، لانتفاء مد الباع فيه.
وقيل: إنه مشتق من البيعة، وفيه نظر، إذ المصدر لا يشتق من المصدر، ثم معنى البيع غير معنى المبايعة.
انتهى.
وهو مما علم جوازه من دين الله سبحانه بالضرورة، وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على ذلك، قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] ، وقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] ، إن قيل: إن الألف واللام فيه للاستغراق أو للعهد، بناء على أنه منقول شرعي، أما إن قيل: إنه مجمل، فلا، وأما السنة فما لا يحصى كثرة، وسيأتي جملة منه إن شاء الله، وأما الإجماع فبنقل الأثبات، ثم الحكمة تقتضيه، إذ الإنسان قد يحتاج إلى ما في يد

صاحبه من مأكول، وملبوس، وغير ذلك، وليس كل أحد يسمح أن يبذل ماله مجانا، فاقتضت الحكمة جواز ذلك، تحصيلا للمصلحة من الطرفين.
واعلم أن ماهية البيع مركبة من ثلاثة أشياء، عاقد، ومعقود عليه، ومعقود به (أما العاقد) فيشترط له أهلية التصرف، وهو أن يكون بالغا، عاقلا، مأذونا له، مختارا، غير محجور عليه، (وأما المعقود به) فهو كل ما دل على الرضا، ولا يتعين: بعت واشتريت.
على أشهر الروايتين، وهل يتعين [اللفظ] فلا يصح بيع المعاطاة، أو لا يتعين، فيصح، أو يتعين فيما له خطر دون المحقرات؟ على ثلاثة أقوال، وفصل الخطاب في ذلك أن قوله سبحانه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] ، هل المعتبر حقيقة الرضى، فلا بد من صريح القول، أو ما يدل عليه، فيكتفى بما يدل على ذلك؟ فيه قولان للعلماء.
ثم رتبة الإيجاب التقدم، ورتبة القبول التعاقب له، فإن تقدم القبول الإيجاب بلفظ الطلب نحو: بعني.
فروايتان منصوصتان، وخرجهما أبو الخطاب وجماعة فيما إذا تقدم بلفظ الماضي، نحو: ابتعت منك.
وظاهر كلام أبي محمد في الكافي منع ذلك، والجزم بالصحة، أما الاستفهام نحو:

أتبيعني؟ فليس بقبول، وإذا لا مدخل له في التقسيم، وإن تراخى القبول عن الإيجاب صح ما داما في مجلس العقد، ولم يتشاغلا بما يقطعه.
وأما المعقود [عليه] فيشترط له شروط: (أحدها) كونه مما فيه منفعة مباحة لغير حاجة.
(الثاني) : كونه مأذونا للعاقد في بيعه، بملك أو إذن.
(الثالث) : كونه معلوما للمتعاقدين برؤية حال العقد بلا ريب، وكذلك على المذهب بصفة ضابطة لما يختلف به الثمن غالبا، أو برؤية متقدمة بشرط عدم تغير المبيع غالبا.
(الرابع) كونه مقدورا على تسليمه، ثم مع [جميع] ذلك لا بد من انتفاء مانعه، وهو مقارنة نهي من الشارع، وتحقيق ذلك يحتاج إلى بسط طويل، لا يليق بهذا الكتاب، والله أعلم.

باب خيار المتبايعين

قال: باب خيار المتبايعين ش: الخيار اسم مصدر من: اختار يختار اختيارا.
وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه، والله أعلم.

قال: والمتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما.
1821 - ش: الأصل في ذلك ما روى عبد الله بن عمر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعا، أو يخير أحدهما الآخر، فإن تبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع» . متفق عليه.
1822 - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله» . رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وحسنه الترمذي، وللدارقطني فيه: «حتى يتفرقا من مكانهما» . وهذا نص في أن التفرق بالأبدان لا بالأقوال، ويقرب منه حديث ابن عمر لقوله: «وإن تفرقا بعد أن تبايعا» . وحقيقة ذلك بعد صدور البيع، ثم يعين ذلك فعل راويه المشافه لقائله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

1823 - ففي مسلم عن نافع، أن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان إذا بايع رجلا فأراد أن لا يقيله مشى هنية ثم رجع، وراوي الحديث إذا فسره بما يقتضي ظاهره أكد ذلك الظاهر، ومنع تأويله عند العامة، [ثم يرجح ذلك أن البائع اسم مشتق من البيع، وحقيقته بعد البيع] . واعتراض المالكي بعمل أهل المدينة مردود بمخالفة سعيد بن المسيب، والزهري، وابن أبي ذئب، ولقد بالغ ابن أبي ذئب في الإنكار على من خالف الحديث.

واعتراض الحنفي بكونه خبر آحاد فيما تعم به البلوى مردود باستفاضة الحديث.
1824 - فقد رواه الجماعة من حديث عبد الله بن عمر، وحكيم بن حزام، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص؛ والترمذي وأبو داود من حديث أبي هريرة، والنسائي من حديث سمرة بن جندب، وأبو داود من حديث أبي برزة، والترمذي من حديث جابر.
ثم قد عمل الصحابة

عليه، على أنا لا نسلم الأصل، بل نقول بخبر الواحد والحال ما تقدم.
وقول الخرقي: والمتبايعان.
يدخل فيه جميع أنواع البيع، من التولية، والمرابحة، والشركة، والمواضعة، وكذلك (الصلح) بمعنى البيع، كما إذا أقر له بدين أو بعين، ثم صالحه عنه بعوض، (والإجارة) لأنها بيع منافع، وفي الكافي وجه بالمنع إذا كانت الإجارة على مدة تلي العقد، ويدخل أيضا الصرف، والسلم، لأنهما بيع حقيقة، وعنه: لا خيار فيهما، وخص القاضي في روايتيه الخلاف بالصرف، وتردد في السلم هل يلحق بالصرف أو ببقية البياعات؟ على احتمالين، ويدخل أيضا (الهبة بعوض) ، إذ المغلب إذا حكم البيع على المشهور، والإقالة، والقسمة، حيث قيل:

إنهما بيع، ويدخل أيضا (الحوالة) إن قيل: إنها بيع.
لا إن قيل: إنها إسقاط، أو عقد مستقل، لوجود البيع في جميع ما تقدم.
ويستثنى من عموم كلامه إذا اشترى من يعتق عليه، فإنه لا خيار له، كما لو باشر عتقه، وسيأتي إن شاء الله تعالى، وفي سقوط حق صاحبه وجهان.
ويخرج من كلامه كل ما ليس ببيع، كالنكاح، والخلع، والقرض والكتابة، وغير ذلك، وكذلك المساقاة، والمزارعة، والسبق، والشفعة، إذا أخذ بها، وفي الأربعة إن قيل بلزومها وجه.
وقد يخرج من كلامه ما إذا اتحد العاقد، كما إذا اشترى لنفسه من مال ابنه الصغير، ونحو ذلك، إذ لا متبايعان، وقد يدخل لأنه في حكم متبايعين، وبالجملة في ثبوت الخيار لمن هذه حالته قولان، المجزوم به منهما - لصاحب [التلخيص] وابن حمدان في الصغرى، وأورده أبو محمد مذهبا - عدم الثبوت، وعلى القول بالثبوت هل يعتبر مفارقة المجلس، أو لا بد من اختيار اللزوم؟ قولان أيضا.

وقوله: ما لم يتفرقا بأبدانهما.
يقتضي أن الخيار لهما ولو طال المجلس بنوم، أو بناء حاجز، أو مشي منهما، ونحو ذلك، وهو كذلك، لظاهر الحديث.
1825 - وكذا فهم أبو برزة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أحد رواة الحديث، وكلامه (شامل) لما إذا مات أحدهما، لعدم التفرق بالأبدان، وهو أحد الوجهين.
(والثاني) - وبه جزم ابن حمدان، وصاحب التلخيص، ويحتمله كلام الخرقي كما سيأتي - أن الخيار والحال هذه يبطل، إذ الموت أعظم الفرقتين، (وشامل) أيضا لما إذا تبايعا على أن لا خيار

بينهما، وهو إحدى الروايتين، واختيار القاضي في تعليقه، وأبي الخطاب في خلافه الصغير، وأبي الحسين، وابن عقيل في الفصول، لأن أكثر الأحاديث: «البيعان بالخيار» ، من غير زيادة، ولأنه إسقاط للحق قبل وجوبه.
(والثانية) - وهي اختيار ابن أبي موسى، والقاضي في روايتيه، والشيرازي، وأبي محمد - يبطل الخيار والحال هذه، لما تقدم في حديث ابن عمر: «أو يخير أحدهما الآخر، فإن تبايعا على ذلك فقد وجب البيع» ، والأخذ بالزائد أولى، والتبايع على ذلك يمنع انعقاد السبب مؤقتا.
(فعلى الأولى) في فساد العقد باشتراط ذلك قولان، أظهرهما - وهو ظاهر كلام الخرقي - عدم الفساد.
ومفهوم كلامه أنه متى حصل تفرقهما بطل خيارهما، ويدخل في ذلك ما لو حصلت الفرقة بهرب، أو من غير قصد، أو جهلا، أو بإكراه، وهو كذلك، نعم في الإكراه (وجه آخر) ، يحكى عن القاضي، وأورده في التلخيص مذهبا: أن خيار المكره لا ينقطع، وإذا يكون له الخيار في

المجلس الذي زال عنه الإكراه فيه دون صاحبه، (وقول ثالث) : إن كان المكره قادرا على كلام يقطع به خياره انقطع، وإلا فلا، ثم إن أبا محمد في المغني خص الخلاف بما إذا أكره أحدهما، أما إن أكرها فقال: ينقطع خيارهما، لأن كل واحد منهما ينقطع خياره بفرقة الآخر، فأشبه ما لو أكره صاحبه دونه، وصرح في الكافي بالخلاف في الصورتين، [وهو أجود] وقد قطع ابن عقيل في الفصول ببقاء خيارهما مع إكراههما، وجعل من صور ذلك إذا رأيا سبعا، أو ظالما يؤذيهما، أو احتملهما السيل أو أحدهما، أو حملت الريح أحدهما، وجعل في جميع ذلك الخيار لهما في موضع زوال المانع، ويتلخص من ذلك - على ما قطع به ابن عقيل، وأورده في المغني مذهبا، فيما إذا أكرها أو أحدهما - ثلاثة أقوال، يبطل الخيار في الصورتين، لا يبطل فيهما، يبطل فيما إذا أكرها، ولا يبطل فيما إذا أكره أحدهما، بل يكون الخيار له دون صاحبه.
ثم هل له الخيار مطلقا، أو بشرط عدم قدرته على كلام يقطع به خياره؟ فيه قولان.

(تنبيهان) : «أحدهما» المرجع في التفرق إلى العرف لعدم نص من الشارع ببيانه، وقد ضبط ذلك بأنهما إن كانا في رحب واسع فبأن يمشي أحدهما مستدبرا لصاحبه خطوات، على ما قطع به ابن عقيل، وأورده في المغني مذهبا، اتباعا لفعل ابن عمر المتقدم، وقيل - وقطع به في الكافي -: [بل] يبعد منه، بحيث لا يسمع كلامه عادة، وإن كانا في دار كبيرة فمن بيت إلى آخر، أو إلى مجلس أو صفة، بحيث يعد مفارقا له، وفي صغيرة يصعد أحدهما سطحها، أو يخرج منها، وفي سفينة صغيرة يخرج أحدهما ويمشي، وفي كبيرة يصعد أحدهما أعلاها وينزل الآخر أسفلها، ونحو ذلك.
(الثاني) : قول الخرقي: ما لم يتفرقا - وكذلك في الحديث - قال الأزهري: سئل أحمد بن يحيى - ثعلب - عن الفرق بين التفرق والافتراق، فقال: أخبرني ابن الأعرابي عن المفضل قال: يقال: فرقت بين الكلامين - مخففا - فافترقا، وفرقت

بين اثنين - مشددا - فتفرقا، فجعل الافتراق في الأقوال، والتفرق في الأبدان وهو يؤيد ما ذهبنا إليه.
وقوله في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص «إلا أن يكون صفقة خيار» أصل الصفقة ضرب اليد [على اليد] في البيع، ثم جعل عبارة عن العقد، أي إلا أن يكون عقد خيار، ثم يحتمل أن المراد عقد شرط فيه الخيار، ويكون مستثنى مما بعد الغاية، ويحتمل أنه عقد نفي فيه الخيار، فيكون مستثنى من المنطوق، ولعله أظهر وقول نافع: مشى هنيهة.
تصغير «هنة» وهي كلمة يعبر بها عن كل شيء قليل، والله أعلم.

قال: فإن تلفت السلعة، أو كان عبدا فأعتقه المشتري أو مات، بطل الخيار.
ش: إذا تلفت السلعة في مدة الخيار بطل في إحدى الروايتين عن أحمد، اختارها الخرقي وأبو بكر، نظرا إلى أن التالف لا يتأتى عليه الفسخ (والثانية) - وهي أنصهما، واختارها الشريف، وابن عقيل، وحكاها في موضع من

الفصول عن الأصحاب - يبطل خيار المشتري، لحصول التلف في ملكه، ولا يبطل خيار البائع، بل له الفسخ، والرجوع إلى البدل، لتعذر الرجوع في العين، نظرا إلى أن الفسخ للعقد، وإنما ورد على موجود، ولعموم «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» وكأن محل التردد هل النظر إلى حال العقد أو إلى الحال الراهنة، وحكم عتق المشتري للعبد [المبيع] حكم تلفه، لأنه تلف معنوي، لانتفاء المالية منه، ولما كان التلف المعنوي قد يتوهم أنه يخالف التلف الحسي نبه الخرقي عليه، مع زيادة فائدة يأتي بيانها إن شاء الله تعالى، ثم لما فصل العبد من بقية السلع، ذاكرا لحكم عتقه، ربما أوهم أن تلفه ليس كذلك، فأزال ذلك الوهم فقال: أو مات.
ويحتمل أن يعود الضمير - لعله أظهر - في: أو مات.
إلى المشتري، فيفيد أن المشتري إذا مات [في] مدة خيار المجلس يبطل الخيار، لما تقدم من أن الموت أعظم الفرقتين.
والفائدة التي أشرنا إليها ثم في كلام الخرقي هي أن عتق المشتري يصح، وهو مبني على انتقال الملك إليه بمجرد العقد، كما هو المشهور والمختار من الروايتين، وعلى

الرواية التي تقول لا ينتقل الملك إليه إلا بانقضاء الخيار لا ينفذ عتقه، بل عتق البائع، إناطة بالملك.
واعلم أنه لا يصح تصرف المشتري فيما صار إليه، ولا تصرف البائع فيما بذل له، بشيء في مدة الخيار، على المشهور من الروايتين، حذارا من إبطال حق الغير من الخيار أو التصرف في غير ملك، (والثانية) يقع التصرف موقوفا على انقضاء الخيار، [ولا يبطل حق من لم يتصرف من الخيار] فإن انقضى ولا فسخ صح التصرف، وإن فسخ من لم يتصرف، بطل التصرف، ويستثنى من ذلك العتق، فإنه يصح ممن له الملك بلا نزاع نعلمه عندنا.
1826 - اعتمادا على عموم مفهوم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا عتق لابن آدم فيما لا يملك» [ولبنائه على التغليب والسراية] ولتشوف الشارع إليه، [ولهذا يسري في ملك الغير] وفي إلحاق الوقف به

خلاف، الأصح: لا، واستثنى أبو الخطاب في الانتصار والشيخان تصرف المشتري والخيار له وحده، وزاد أبو البركات بتصرفه مع البائع، ونبه بذلك على [تصرفه بإذن البائع، أو تصرف البائع، بوكالة المشتري أنه يصح بطريق الأولى، كما صرح به أبو محمد، وله في تصرف البائع بإذن المشتري احتمالان، ولصاحب التلخيص احتمال بعدم] صحة تصرف المشتري، والخيار له وحده، وبناه على القول بأن الملك إنما يحصل له بالعقد واللزوم، على الرواية الضعيفة، وقد عرف من هذا أن الشيخين فرعا على الرواية المشهورة، من حصول الملك له بالعقد، وأن إيراد ابن حمدان المذهب بمنع التصرف مطلقا إلا في العتق - تبعا لإطلاق بعض الأصحاب المنع - ليس بشيء.
(تنبيه) : كلام الخرقي ومن حذا حذوه - والله أعلم - في التلف إنما هو فيما كان من ضمان المشتري، أما ما كان من ضمان البائع فسيأتي أنه تارة ينفسخ العقد فيه بمجرد التلف، وتارة يخير المشتري بين الفسخ والإمضاء، ومطالبة المتلف بالبدل، وكلامهم يشمل ما إذا كان في مدة الخيارة أو بعدها، وقد نبه على ذلك أبو محمد، وإن كان في كلامه

تجوز، فإنه قال: إن التلف إن كان قبل القبض وكان مكيلا أو موزونا انفسخ العقد، وكان من مال البائع، قال: ولا أعلم فيه خلافا، إلا أن يتلفه المشتري، فيكون من ضمانه، ويبطل خياره، وفي خيار البائع روايتان، فأطلق - والحال ما تقدم - أن العقد ينفسخ، وهو ممنوع لأنه إذا أتلفه أجنبي لم ينفسخ العقد كما سيأتي، بل يخير المشتري بين الفسخ ومطالبة متلفه ببدله، وقد وقع لابن عقيل أيضا نحو قوله، والله أعلم.

قال: وإن تفرقا من غير فسخ لم يكن لواحد منهما الرد إلا بعيب أو خيار.
ش: إذا تفرق المتبايعان من غير فسخ لم يكن لواحد منهما الرد في الجملة، لما تقدم من قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» وفي رواية حتى يتفرقا» غياه إلى غاية هي التفرق فمفهومه أنه لا خيار لهما بعد التفرق، وأصرح من ذلك قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع» أي ثبت واستقر.

وعموم كلام الخرقي يدخل فيه ما يفتقر إلى القبض، وهو المذهب بلا ريب، لظواهر الأحاديث وعن القاضي في [موضع] أن ما يفتقر إلى القبض لا يلزم إلا بقبضه.
واستثنى الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - شيئين (أحدهما) أن من اطلع منهما على عيب فإن له الرد، وهو كذلك في الجملة، وقيل: إنه لم يصح فيه حديث، ولكنه إجماع، وفي معنى العيب إذا أخبره في المرابحة بثمن، فبان أنه أقل، أو أخبره أن الثمن حال، فبان مؤجلا، ونحو ذلك، والتدليس بما يختلف به الثمن، ويقرب منه اشتراط صفة تقصد فلم توجد.
(الثاني) : إذا اشترطا أو أحدهما خيار اليوم أو الشهر، فإن له الرد بذلك.

1827 - لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المؤمنون عند شروطهم» الحديث، ولما تقدم في حديث عبد الله بن عمرو «إلا أن تكون صفقة خيار» على أحد الاحتمالين فيه، ولأنها مدة ملحقة

بالعقد، فصحت كالأجل، مع أن أبا محمد قد حكى ذلك في الكافي إجماعا، لكنه معترض، نعم هو قول العامة، وهذا يلقب بخيار الشرط، والأول بخيار المجلس.
وقوله: بعيب أو خيار.
الباء للسببية، أي بسبب عيب، أو بسبب خيار، فيحتمل أن يريد ما تقدم من شروط الخيار، وهو أظهر لما سيأتي، ويحتمل أن يريد حيث ثبت لواحد منهما خيار، فيدخل في ذلك خيار تلقي الركبان والنجش، ويأتيان إن شاء الله تعالى، وخيار المسترسل، وهو الجاهل بقيمة المبيع، كفقير يشتري جوهرة، ونحو ذلك، والمذهب صحة معاوضة من هذه حاله، والمذهب أيضا على صحة البيع ثبوت الخيار له إذا غبن، والمذهب المنصوص أيضا عدم تحديد الغبن، وإناطته بما لا يتغابن بمثله، أما إن كان عالما بالقيمة فإنه لا خيار له وإن غبن، قاله القاضي وغيره، ولأن ذلك الغبن حصل بعجلته، وعدم تأمله عادة وقدره أبو بكر، وابن أبي موسى بالثلث، وبعض الأصحاب بالسدس، ويدخل أيضا خيار الخلف في الصفة حيث صح البيع بها، أو برؤية

متقدمة، وخيار الرؤية على المشهور من الروايتين، حيث صح البيع بلا رؤية مطلقا ولا صفة، كما هو رواية مرجوحة، والله أعلم.

قال: والخيار يجوز أكثر من ثلاث.
ش: الألف واللام لمعهود تقدم، هو خيار الشرط، وقوله: أكثر من ثلاث أي ثلاث ليال بأيامها، إذ التاريخ يغلب فيه الليالي، وكأن الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - تبع لفظ الحديث.
1828 - وهو ما «روي عن [محمد بن] يحيى بن حبان قال: هو جدي منقذ بن عمرو كان رجلا قد أصابته آمة في رأسه فكسرت لسانه، وكان لا يدع على ذلك التجارة، فكان لا يزال يغبن، فأتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكر ذلك له، فقال: «إذا أنت بايعت فقل: لا خلابة، ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال، إن رضيت فأمسك، وإن سخطت فارددها» رواه البخاري في تأريخه، وابن ماجه والدارقطني.

1829 - وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر «أن رجلا ذكر لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يخدع في البيوع، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من بايعت فقل: لا خلابة» فكان إذا بايع قال: لا خلابة» . رواه البخاري ورواية مسلم قال: لا خيابة.
إذا عرف هذا فالأصل في جواز الخيار أكثر من ثلاث قوله سبحانه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «المسلمون عند شروطهم» ولأنها مدة ملحقة بالعقد، فجاز ما اتفقا عليه كالأجل، ولا يرد خبر منقذ، لأنه خاص به.

1830 - بدليل أنه عاش إلى زمن عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وكان يبايع ويغبن، ويرد السلع على التجار، ويقول: الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل لي الخيار ثلاثا، فيمر الرجل من أصحاب الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيقول: ويحك صدقك، إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل له الخيار ثلاثا.
ويدخل في عموم كلام الخرقي إذا كان المبيع لا يبقى في المدة المشترطة كطعام رطب [ونحوه] ، وصرح بذلك القاضي في أثناء مسألة اشتراط الخيار [في الإجارة] ، وأورد عليه فقال: يصح ويباع، ويحفظ ثمنه إلى المدة، قلت: وهذا قياس ما قالوه في الرهن إذا كان لا يبقى إلى المدة، قال أبو العباس: ويتوجه عدم الصحة من وجه في الإجارة، أي من وجه عدم صحة اشتراط الخيار في إجارة تلي العقد، ومن أن تلف المبيع يبطل الخيار.
(تنبيهان) : (أحدهما) : من شرط الخيار أن يكون معلوما، فلا يصح مجهولا على المشهور المعمول عليه من

الروايتين، (والثانية) يصح وينقطع بانقطاع من له الخيار أو انقطاع مدته (ثم محل الخيار البيع) وما في معناه، إلا بيع بشرط القبض، كالصرف، والسلم، (وفي الإجارة) ، لأنها بيع في الحقيقة، لا إجارة تلي العقد في وجه، (الثاني) قد تقدم عن يحيى بن حبان أن الذي كان يغبن هو جده منقذ بن عمرو، وقال جماعة: إنه والده حبان، وهو بفتح الحاء وبالموحدة «والآمة» [هي التي تصل إلى جلدة الدماغ كما] سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى، ولا خلابة بكسر الخاء، أي لا خديعة، ومنه قولهم: «إذا لم تغلب فاخلب» وقوله: لا خيابة لأنه كان ألثغ، يبدل اللام ياء ورواه بعضهم: لا خيانة.
بالنون وهو تصحيف، والله أعلم.

باب الربا والصرف وغير ذلك

قال - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: باب الربا والصرف وغير ذلك ش: الربا مقصور، وأصله الزيادة، والمادة حيث تصرفت لذلك، قال الله سبحانه: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: 5] أي علت وارتفعت، وقال تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: 92] أي أكثر عددا، وقال تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: 265] أي بمكان عال، وهو في الشرع: زيادة في شيء مخصوص.
والصرف بيع أحد النقدين بالآخر قيل: سمي بذلك من صريفهما وهو تصويتهما في الميزان، وقيل: لانصرافهما عن مقتضى البياعات، من عدم جواز التفرق قبل القبض والبيع نساء.
«وغير ذلك» أي من حكم العيب إذا وجد في الصرف، وبيان العرايا، والربا نوعان -، قد شملهما كلام الخرقي - ربا

الفضل، وربا النسيئة، وكلاهما محرم، وممنوع منه في الجملة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] إن لم نقل: إنها مجملة كما تقدم.
1831 - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» متفق عليه.
1832 - وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لعن آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه» ، رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وأجمع المسلمون على تحريم ربا النسيئة تحريما لا ريب فيه، وعامتهم على تحريم ربا الفضل.

1833 - ووقع خلاف في الصدر الأول عن أسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، وابن الزبير، وابن عباس وعنه اشتهر.

1834 - لما روى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا ربا إلا في النسيئة» رواه البخاري وقد أقر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لأبي سعيد أنه سمع ذلك من أسامة.
1835 - وحديث أسامة في الصحيحين «الربا في النسيئة» وفي رواية «إنما الربا في النسيئة» وفي أخرى «لا ربا فيما كان يدا بيد» وهذه أصرحها، ثم قد صار إجماعا، ورجع من تقدم إلى قول الجماعة، واختلف في رجوع ابن عباس، وبالجملة

يشهد لقول العامة إطلاق ما تقدم.
1836 - وعن عبادة بن الصامت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد» رواه أحمد، ومسلم، وغيرهما.

1837 - وعن أبي سعيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز» متفق عليه وفي رواية لأحمد والبخاري «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» . 1838 - وفي الصحيح أيضا هذا المعنى من حديث فضالة بن عبيد، وأبي بكرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وحديث أسامة لا يقاوم هذه، لكثرة رواتها، وصراحة دلالتها، إذ هي دلالة منطوق بلا ريب،

ثم يحمل على أنه وقع جوابا لسؤال عن الجنسين من أموال الربا، أو مطلقا، فقال: «لا ربا إلا في النسيئة» أي في المسئول عنه وهو الجنسان، أو أن المراد نفي الربا الأغلظ الذي ورد نص القرآن في تحريمه بلا ريب، وهو الذي كانت العرب تعرفه، تقول للغريم إذا حل الدين: إما أن تقضي، وإما أن تربي في الدين، أي تزيد.

1839 - وهو الذي نسخه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم عرفة، وقال عنه: «ألا إن كل ربا موضوع، وإن أول ربا أضعه ربا عباس» وهذا كما يقال: إنما المال الإبل، وإنما الشجاع علي، ونحو ذلك، ثم لو قدر التعارض من كل وجه، فقد يقال: نسخ حديث أسامة أولى، لورود النسخ إذا على مباح الأصل، لأن الشارع إنما منع من النساء، وبقي التفاضل على ما كان عليه.
(تنبيه) : «لا تشفوا بعضها على بعض» أي لا يكون لأحدهما شفوف على الآخر، أي زيادة، و «الناجز» المعجل الحاضر، والله أعلم.

قال: وكل ما كيل أو وزن من سائر الأشياء فلا يجوز

التفاضل فيه إذا كان جنسا واحدا.
ش: قد تقدم أن الإجماع قد انعقد على تحريم ربا الفضل في الجملة، وإن كان قد وقع في الصدر الأول خلاف، وأجمعوا على ذلك في الأعيان الستة المذكورة في حديث عبادة، ثم اختلفوا هل جرى الربا فيها لأعيانها أو لمعان فيها؟ فقال داود ومتابعوه: لأعيانها، فلا يتعدى الحكم إلى غيرها، وقال العامة: لمعان فيها، ثم اختلفوا هل عرف ذلك المعنى أم لا؟ فعن ابن عقيل في العمد أنه تردد في المعنى، ولم يتعد الستة، لتعارض الأدلة عنده في المعنى وتكافئها، ويحتمل هذا قول طاوس وقتادة، فإنه حكي عنهما القصر على الستة، ويحتمل أن قولهما كقول داود، وأن عندهما أن ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] عام، خرج منه الأعيان الستة، بقي ما عداها على مقتضى العموم، ولا يريان تخصيص العام بالقياس.

وجمهور أهل العلم على معرفة العلة، وتعديها إلى غير الستة، ثم اختلفوا فيها على سبعة أقوال، وعن إمامنا - رَحِمَهُ اللَّهُ - من ذلك ثلاثة أقوال.
(أحدها) : - وهو الأشهر عنه، ومختار عامة أصحابه، قال القاضي: اختارها الخرقي وشيوخ أصحابنا - أن العلة في الذهب والفضة كونهما موزوني جنس، والعلة في الأربعة الباقية كونهن مكيلات جنس، فيتعدى الحكم إلى كل موزون، ومكيل بيع بحبسه، كالحديد، والنحاس، والحبوب، والأبازير، وغير ذلك، دون ما لا يكال ولا يوزن من مطعوم وغيره.
1840 - لما روي عن أبي سعيد، وأبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استعمل رجلا على خيبر، فجاء بتمر جنيب، فقال: «أكل تمر خيبر هكذا؟» فقال: لا يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا» وقال في الميزان مثل ذلك، ولمسلم «وكذلك الميزان» متفق عليه فقوله: في الميزان أي في الموزون،

وإلا فنفس الميزان ليس من أموال الربا.
1841 - وقال الإمام إسحاق بن راهويه: أخبرنا روح بن عبادة، حدثنا حيان بن عبيد الله، وكان رجلا صدوقا - عن أبي مجلز، عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «التمر بالتمر» وذكر الحديث، إلى قوله: «فما زاد فهو ربا» قال: «وكذلك ما يكال وما يوزن» وهو نص، إلا أن ابن حزم زعم أن «وما يكال وما يوزن» من قول أبي سعيد، قال: دل على ذلك قوله: قال: وكذلك ما يكال وما يوزن.
وليس في هذا دليل، لاحتمال عود الضمير إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،

وهو الأصل، ويؤيده رواية البخاري السابقة: وقال في الميزان مثل ذلك.
1842 - وعن الحسن عن أنس وعبادة، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما وزن مثلا بمثل، إذا كان نوعا واحدا، وما كيل فمثل ذلك» رواه الدارقطني.
1843 - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرماء» وهو الربا، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل؟ فقال: «لا بأس إذا كان يدا بيد» رواه أحمد.
(والقول الثاني) : أن العلة في الذهب والفضة الثمنية، فلا يتعدى إلى غيرهما، والعلة في الأربعة الباقية كونهن مطعوم جنس.
1844 - لما روى معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامه بصاع قمح، فقال: بعه ثم اشتر به شعيرا، فذهب الغلام فأخذ صاعا زيادة بعض

الصاع، فلما جاء معمرا أخبره بذلك، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ انطلق به فرده، وقال: لا تأخذ إلا مثلا بمثل، فإني كنت أسمع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «الطعام بالطعام مثلا بمثل» وكان طعامنا يومئذ الشعير، قيل له: فإنه ليس بمثله، قال: إني أخاف أن يضارع، رواه مسلم والطعام يشمل كل مطعوم، ولأن الطعم وصف شريف، إذ به قوام الأبدان، وكذلك الثمنية، إذ بها قوام الأموال، فاقتضت الحكمة التعليل بهما.
(والقول الثالث) : العلة في النقدين الثمنية، والعلة في الأربعة الباقية الطعم والتقدير في الجنس، فإن الأربعة مكيلة، غير أن المؤثر إنما هو التقدير المنضبط، فيدخل فيه الوزن، فيتعدى ذلك إلى كل مطعوم مقدر بكيل أو وزن بيع بجنسه، وهذا اختيار أبي محمد، نظرا إلى ما ذكرناه من أن هذه الأربعة مطعومة، والمماثلة إنما تعتبر بالمعيار الشرعي، وهو الكيل والوزن، وجمعا بين الأحاديث، فنهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل، يحمل على ما فيه معيار شرعي، وهو الكيل أو الوزن ونهيه عن بيع الصاع بالصاعين [ونحوه]

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل