شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 538-577
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 538-577
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وهذه الأحاديث شاملة بمنطوقها لكل طعام، ومفهومها أن غير الطعام ليس كذلك، وهو في معنى مفهوم الصفة، لأنه اسم مشتق، لا اسم جامد كزيد ونحوه.
(والرابعة) : المفتقر من ذلك إلى القبض هو المكيل والموزون، بشرط أن يكون مطعوما، قال في رواية مهنا: كل شيء يباع قبل قبضه، إلا ما كان يكال أو يوزن، مما يؤكل أو يشرب.
(والخامسة) : - وهي ظاهر كلام أبي بكر في التنبيه - المفتقر من ذلك إلى القبض هو المكيل أو الموزون، أخذا من نصه في رواية الأثرم: أن الصبر لا تباع حتى تنقل.
والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أناط الحكم بالمكيل، والموزون والمعدود، وظاهره خلاف هذه الأقوال، فيكون قولا سادسا، ويحتمل أنه أراد ما تعلق به حق توفية، وهو أولى، وفاقا للمذهب المنصوص.
والله أعلم.

واعلم أن أكثر هذه الروايات وأدلتها أخذت من المنع من البيع قبل القبض، أو هو من كون الضمان على البائع، وهو مبني على ما يقوله أكثر الأصحاب، من أن المنع من البيع، ولزوم الضمان للبائع، متلازمان كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

والمذهب عند العامة أن الذي يفتقر إلى القبض هو ما تعلق به حق توفية دون غيره.
إذا عرف هذا فالمفتقر إلى القبض يكون قبله من ضمان البائع، ولا يجوز لمشتريه التصرف فيه كما سيأتي، وما لا يفتقر إلى قبض من ضمان مشتريه، وله التصرف فيه، سواء قدر على القبض أو لم يقدر، لكن متى منعه البائع منه بعد المطالبة، واتساع الوقت للتسليم، ضمن ضمان غصب، لا ضمان عقد، وليس اللزوم من أحكام القبض، على المذهب كما تقدم، ولا الضمان وعدمه مرتبا على اللزوم، وقول السامري: إذا تم العقد بغير خيار، أو بخيار وانقضت مدته من غير فسخ، فإن كان المبيع غير متميز.
إلى آخره، يوهم ترتب الضمان على اللزوم وليس بشيء، وكذلك ليس الملك من أحكام القبض هنا، بل يحصل الملك بمجرد العقد، على المذهب كما تقدم، نص عليه أحمد في رواية محمد بن موسى، في من اشترى قفيزا من طعام من جملة أقفزة، فهو من مال البائع، [فقيل له: أليس قد ملكه المشتري؟ فقال: بلى ولكن هو من ضمان البائع] انتهى، وإذا ما حصل من نماء في يد البائع فهو أمانة في يده للمشتري، إذ النماء تابع للملك.

ومعنى تضمين البائع ما تقدم أنه إن تلف بأمر سماوي بطل العقد فيه، وكان من مال البائع، فيلزمه رد الثمن إن كان قد قبضه، وإلا فلا شيء له، قال القاضي وغيره: على قياس قوله في الثمرة إذا تلفت قبل أخذها بآفة سماوية، وإن تلف بفعل من جهة آدمي، فإن كان المشتري فقد استقر العقد، وتلف من ماله، وإن كان البائع أو أجنبيا خير المشتري بين فسخ العقد والرجوع بالثمن إذا كان قد دفعه، وبين إمضائه ومطالبة متلفه بعوضه، ولأبي محمد في الكافي احتمال بأن تلف البائع يبطل العقد.
وقد يقال: إن ظاهر إطلاق الخرقي بطلان العقد مطلقا، ونص أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، في رجل باع ثوبا من رجل، ثم باعه من آخر قبل التفرق، ولما يسلمه للأول، واستهلكه البائع، أخذ بخلاصه، فإن لم يقدر أن يخلصه فعليه قيمته يوم استهلكه، فإن كان ذلك مما يكال أو يوزن فعليه المثل، وظاهر هذا أن التلف إذا كان من جهة البائع ضمنه، ولم يبطل العقد، ولا يخير المشتري، ويتلخص من هذا أن في تلف البائع ثلاثة أقوال، والقاضي قال: يجب أن يحمل هذا النص على أنه اختار الإمضاء، أما إن اختار

الفسخ فله ذلك، كما إذا ظهر على عيب بعد القبض، فإنه يخير بين الإمضاء وبين الفسخ.
(قلت) : وليس هذا نظير المسألة، إنما نظيرها أن يظهر على عيب بعد التلف، وإذا لا تخيير على المعروف، انتهى.
والعوض مثله إن كان مثليا، أو قيمته إن لم يكن مثليا، كما نص عليه أحمد، وقاله جماعة، ووقع لأبي البركات وجماعة أن الواجب القيمة، فقيل: مرادهم كما تقدم، وأرادوا بالقيمة البدل الشرعي.
وكان شيخنا - رَحِمَهُ اللَّهُ - ورضي عنه - القاضي موفق الدين ينصر أن المراد القيمة على ظاهرها، انتصارا للمجد، إذ هو في كلامه أظهر منه في كلام غيره، ونظرا إلى تحقيقه، ويعلله بما ملخصه: أن الملك هنا استقر على المالية، فلذلك وجبت القيمة، والمثلية

لم يستقر الملك عليها، فلذلك لم تجب، ونص ابن سعيد يقطع النزاع.
والله أعلم.
(تنبيهان) : «أحدهما» : إذا اختلط ما تقدم بغيره ولم يتميز، فإنه يبنى على أن الخلط هل هو بمنزلة الإتلاف أم لا؟ فيه وجهان، ومحل ذلك كتاب الغصب، ولو تلف بعض المبيع بآفة سماوية انفسخ في قدره، وفي الباقي قولا تفريق الصفقة، قال في التلخيص: والذي قطع به الشيخان عدم الفسخ في الباقي، لكن يخير المشتري، لتفريق الصفقة عليه، ثم ظاهر كلام أبي محمد أنه يخير بين قبول كل المبيع ناقصا ولا شيء له، وبين الفسخ والرجوع بكل الثمن، وظاهر كلام غيره أن التخيير في الباقي، وأن التالف يسقط ما قابله من الثمن، وإن كان تلف البعض بفعل المشتري كان ذلك بمنزلة قبضه له، وإن كان بفعل البائع أو أجنبي، خير المشتري بين الفسخ والرجوع بكل الثمن، وبين الإمضاء والرجوع على المتلف بعوض ما أتلف، أما إن تعيب ولم يتلف، فإن كان بفعل البائع أو أجنبي، فالمشتري بالخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن، وبين الإمضاء ومطالبة المتلف بالأرش، وإن كان بغير فعل آدمي، خير بين أخذه ناقصا، ولا شيء له، وبين الفسخ والرجوع بالثمن، قاله أبو محمد، وصاحب التلخيص، فلو كان المبيع دارا فتلف سقفها قبل

القبض، وقلنا: إنها من ضمان البائع، على الرواية الضعيفة، فهل ذلك بمنزلة العيب، كما لو تلفت يد العبد، أو بمنزلة تلف البعض كأحد العبدين؟ فيه وجهان.
(الثاني) : في معنى ما يتعلق به حق توفية - وإن لم يكن هو - المبيع برؤية أو صفة متقدمة، فإنه من ضمان بائعه حتى يقبضه المبتاع، ذكره ابن أبي موسى وغيره، والله أعلم.

قال: ومن اشترى ما يحتاج إلى قبضه لم يجز بيعه حتى يقبضه.
ش: قد تقدم أن جمهور الأصحاب جعلوا المنع من البيع والضمان متلازمين، وأن الافتقار إلى القبض علم عليهما، فكل ما افتقر إلى القبض فضمانه على بائعه، ومشتريه ممنوع من بيعه قبل قبضه، وما لا فلا.

1914 - لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن ربح ما لم يضمن» ، ومنع من بيع أشياء حتى تقبض، والظاهر أن منعه من ذلك حذارا من أن يربح فيما لم يضمن، وإذا إنما يبقى النظر في الممنوع من بيعه قبل قبضه، هل هو كل شيء، كما في حديثي زيد بن ثابت، وحكيم بن حزام، وأحاديث المنع من بيع الطعام بعض أفراد ذلك، أو الممنوع من بيعه قبل قبضه هو الطعام دون غيره، إذ لا ريب أن أحاديثه أثبت، ورواته أكثر، أو الممنوع من بيعه قبل قبضه ما تعلق به حق توفية، فقط ما دل عليه قول ابن عمر تضمنه أن المنع من البيع،

وتضمين البائع متلازمان، ويحتمله حديث عائشة في المتعين؟ انتهى.
وظاهر كلام ابن عقيل في الفصول أن المنع من البيع غير ملازم للضمان، لأنه حكى أن ما تعلق به حق توفية من ضمان البائع، وفي غيره من المتعينات - كالعبد والصبرة ونحوهما - روايتان، ثم قال: إذا ثبت أن المبيع المتعين من ضمان مشتريه، فهل يصح بيعه قبل قبضه؟ نقل الأثرم: لا يجوز بيع الصبرة قبل قبضها.
ونقل ابن القاسم ما يدل على الجواز، ثم حكى الخلاف أيضا في المكيل والموزون إذا لم يكن مطعوما، وفي المطعوم إذا لم يكن مكيلا، وهذا أيضا ظاهر ما حكى السامري عن القاضي، فإنه حكى عنه في الصبرة هل هي من ضمان البائع أو من ضمان المشتري؟ على روايتين [وأنه هل يجوز للمشتري التصرف فيها قبل القبض؟ على روايتين] قال: الأقيس جواز التصرف، لأنه لم يتعلق به حق توفية، ولو تلف قبل القبض كان من مال المشتري، فهو كالعبد، وظاهر كلاميهما أن الخلاف في جواز التصرف على القول بالضمان، والذي يظهر لي من جهة الدليل عدم التلازم، وأن المتعينات من ضمان المبتاع لظاهر حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وقول ابن عمر، وغيرها

من ضمان البائع، لمفهوم قول ابن عمر، وأن جميع الأشياء يمنع من بيعها قبل قبضها، لحديث زيد بن ثابت، وحكيم بن حزام، إذ الذي منع من بيعه قبل قبضه هو الطعام دون غيره، انتهى.
(تنبيهات) : «أحدها» : عموم كلام الخرقي المنع للبائع ولغيره، وهو كذلك انتهى، (الثاني) : حيث جوزنا البيع قبل القبض فباع قبل أن يقبض، فالمشتري الثاني مخير بين أن يطالب به الأول، وبين أن يطالب به الثاني، والثاني يطالب الأول (الثالث) : بيان القبض يأتي إن شاء الله تعالى للخرقي في الرهن، فلنتكلم عليه ثم، والله أعلم.

قال: والشركة فيه والتولية والحوالة به كالبيع.
ش: الشركة في المبيع بيع بعضه بقسطه من الثمن، بأن يقول: أشركتك في نصفه بنصف الثمن، أو في سدسه بسدس الثمن، ونحو ذلك، والتولية فيه بيع جميعه بكل الثمن، وهما نوعان من أنواع البيع، فما ثبت في البيع ثبت فيهما، وقد ثبت المنع من البيع قبل القبض فيما تقدم، فكذلك فيهما، ومثلهما بيع المرابحة، نحو: رأس مالي فيه

مائة، بعتك بها وربح عشرة، والمواضعة، كأن يقول والحال هذه: ووضيعة عشرة.
والصلح بمعنى البيع، كأن يقر له بمائة فيعطيه عنها عرضا، ونحو ذلك، والهبة بثواب، لأن المغلب فيها حكم البيع، على المذهب، والإجارة، لأنها بيع في الحقيقة، ويتصور ذلك في الأواني الموزونة، وفي المبهم في الموزون، كرطل من صنجة حديد، وفي المعين على رواية اعتبار القبض فيه، وعليها التزويج كالإجارة، قاله في التلخيص، والقسمة حيث قيل إنها بيع، والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذكر الشركة والتولية على سبيل التمثيل، أما الحوالة فقد منع الخرقي منها فيحتمل لأنها عنده بيع، ويحتمل وإن قيل: إنها عقد مستقل.
لأنه تصرف في المبيع المفتقر إلى القبض قبل قبضه، فلم يجز كالبيع، ويكون الخرقي قد نبه بهذه الصورة على بقية التصرفات، وهذا أوفق لعبارة القاضي،

وأبي الخطاب وغيرهما، لقولهم: يجوز التصرف في المبيع المتعين قبل قبضه، ولا يجوز فيما لم يتعين قبل قبضه، إلا أن القاضي وأبا الخطاب وقع في أثناء كلامهما استثناء العتق يريدان على القول بأن جميع الأشياء تفتقر إلى القبض، وقد صرح باستثناء العتق أيضا صاحب التلخيص وغيره، وحكى صاحب التلخيص عن القاضي وابن عقيل أنهما ذكرا في موضع أن رهن ما افتقر إلى القبض يصح بعد قبض الثمن، لأن قبضه قد صار مستحقا من غير خلاف، وخرج هو على ذلك الهبة بغير ثواب، وفي هذا التعليل نظر، لأن مقتضاه جواز كل التصرفات في المفتقر إلى القبض بعد قبض ثمنه، لاستحقاق قبضه، والله أعلم.

قال: وليس كذلك الإقالة، لأنها فسخ، وعن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الإقالة بيع.
ش: أي ليست الإقالة كالتولية والشركة ونحوهما، لما علل به من أنها فسخ، والممنوع منه إنما هو البيع وما في معناه، (والرواية الثانية) الإقالة بيع، أي في معناه، فتلحق بالتولية والشركة ونحوهما، وقد فهم من كلام الخرقي وتعليله إناطة الحكم بالبيع وما في معناه، وإذا ظاهره مخالف لما تقدم من قول القاضي وغيره.

(تنبيه) : المشهور من الروايتين - وهو اختيار جمهور الأصحاب، القاضي، وعامة أصحابه، وأبي الحسين، وأبي محمد، وحكاه عن أبي بكر - الذي قدمه الخرقي، لأن الإقالة هي الرفع والإزالة، يقال: أقالك الله عثرتك.
أي أزالها.
1915 - قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أقال نادما أقاله الله عثرته» رواه أبو داود،

والرفع والإزالة غير البيع، إذ هو عقد، وهي رفع له فهما ضدان، ومن ثم لا يحصل أحدهما بلفظ الآخر، وجازت الإقالة في المسلم فيه، مع الاتفاق على أنه لا يجوز بيعه قبل قبضه، (والثانية) وهي اختيار أبي بكر في التنبيه، وعللها بأنها إزالة ملك إلى مالك، ويريد فيه بعوض على وجه التراضي، وإذا هي في معنى البيع، فتلحق به.
وللخلاف فوائد، (منها) أن على الأول يجوز قبل القبض فيما يعتبر له القبض، ولا يحتاج إلى كيل ثان، وحكى أبو محمد عن أبي بكر أنه لا بد فيها من كيل ثان إقامة للفسخ مقام البيع، والذي في التنبيه إيجاب الكيل على القول بأنها بيع، لا على القول بأنها فسخ، (ولا تجوز) إلا بمثل الثمن، (ولا تستحق) بها شفعة، (ولا يحنث) بفعلها فيما إذا حلف لا يبيع فأقال، (ويكون النماء) للبائع، قاله القاضي في الجامع الصغير، وعلى الثانية تنعكس هذه الأحكام إلا بمثل الثمن في أحد الوجهين، أما وجوب الاستبراء على البائع إذا عادت إليه بإقالة فالذي قطع به أبو بكر في التنبيه وجوبه على القول بأن الإقالة بيع، وكذلك الشيرازي قطع بالوجوب، وقاله وبنى المسألة على أن

الإقالة بيع، ومقتضى كلاميهما عدم الوجوب إن لم يقل إنها بيع، والمنصوص عن أحمد في رواية ابن القاسم، وابن بختان، وجوب الاستبراء مطلقا، ولو قبل القبض، وهو مختار القاضي وجماعة من أصحابه، إناطة بالملك، واحتياطا للأبضاع، ونص في رواية أخرى أن الإقالة إن كانت بعد القبض والتصرف وجب الاستبراء، وإلا لم يجب، وكذلك حكى الرواية القاضي، وأبو محمد في الكافي، والمغني، وكأن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - لم ينظر في هذه إلى انتقال الملك، إنما نظر إلى الاحتياط.
والعجب من أبي البركات، حيث لم يذكر: قبل التفرق، مع جودته وتصريح الإمام به، لكنه قيد المسألة بقيد لا بأس به، وهو بناؤها على القول بانتقال الملك، أما لو كانت الإقالة في بيع خيار، وقلنا: ولم ينتقل الملك.
فظاهر كلامه أن الاستبراء لا يجب، وإن وجد القبض، ولم يعتبر أبو البركات أيضا القبض فيما إذا كان المشتري لها امرأة، بل حكى فيها الروايتين وأطلق، وخالف أبا محمد في تصريحه بأن المرأة بعد التفرق كالرجل، ونص أحمد الذي فرق فيه بين التفرق وعدمه وقع في الرجل، والله أعلم.

قال: وإذا اشترى صبرة طعام لم يبعها حتى ينقلها.
ش: وذلك لما تقدم من حديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وغيره، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه» وقال ابن عمر: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه» . وهذا يقال: إنه استفيد مما تقدم، بناء على أن مراد الخرقي بالكيل ما تعلق به حق توفية وغيره، وهو ظاهر ما شرح عليه أبو محمد وغيره، وقد يقال بالمنع هنا، وإن قيل: إنه من ضمان المشتري، اتباعا لإطلاق النص.
(تنبيه) : «الصبرة» قال الأزهري: هي الكومة المجموعة من الطعام.
قال: وسميت صبرة لإفراغ بعضها على بعض.
والله أعلم.

قال: ومن عرف مبلغ شيء لم يبعه صبرة.
ش: هذا منصوص أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وعليه الأصحاب،

حذارا من تغرير المشتري وغشه، إذ البائع لا يفعل ذلك غالبا - والحال هذه - إلا لذلك، والغش حرام.
1916 - قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من غشنا فليس منا» . 1917 - وقد روي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من عرف مبلغ شيء فلا يبعه جزافا حتى يبينه» وهذا نص في المسألة، وعن مالك

  • رَحِمَهُ اللَّهُ - أنه قال: لم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك.
    وعن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - ما يدل على كراهة ذلك وإساءة فاعله، من غير تحريم، إذ المشتري يحتاط لنفسه، فلا يشتري ما يجهله، وإذا اشترى مع الجهل فالتفريط منسوب إليه، وعلى هذه الرواية البيع صحيح لازم، نص عليه، أما على الأولى فهل يفسد البيع لأجل النهي، وبه قطع أبو بكر في التنبيه، وطائفة من الأصحاب، أو لا يفسد، وهو قول القاضي، وكثير من أصحابه، إذ قصاراه أنه تدليس، وهو غير مفسد، بدليل حديث المصراة؟ فيه وجهان، ثم على القول بالصحة إن علم المشتري بعلم البائع فلا خيار له، لدخوله على بصيرة، وإن لم يعلم فله الخيار كالتدليس، ولو انفرد المشتري بالعلم دون البائع فحكمه حكم انفراد البائع بذلك، في أنه ينهى عن الشراء، وإذا اشترى ففي صحة شرائه الخلاف السابق، أما مع علمهما فعموم كلام الخرقي يقتضي المنع من ذلك أيضا، وقد غالى أبو بكر فجزم

بالبطلان فيه، وهو أحد الوجهين على القول بالبطلان مع علم أحدهما، حكاهما في التلخيص، وأما مع جهلهما فيصح البيع بلا تردد، كما فهم ذلك من كلام الخرقي، وقد دل عليه حديث ابن عمر وغيره.
ولا فرق عندنا بين عين الأثمان والمثمنات.
ولا يشترط معرفة باطن الصبرة، دفعا للحرج والمشقة، اعتمادا على تساوي أجزائها غالبا، بخلاف الثوب ونحوه، وشرط أبو بكر في التنبيه لجواز بيع الصبرة تساوي موضعها، فإن لم يتساو لم يجز، إلا أن يكون يسيرا يتغابن بمثله، وعامة الأصحاب لا يشترطون ذلك، وعندهم أنه إن ظهر تحتها ربوة أو فيها حجر ونحو ذلك مما يتغابن بمثله في مثلها، ولم يعلم به المشتري، فله الخيار بين الرد والإمساك، كما لو وجد باطنها رديئا، نص عليه أحمد، ولابن عقيل احتمال أنه يرجع بمثل ما فات، إذا أمكن تحقيق ذلك أو حزره، وإن بان تحتها حفرة تأخذ العين المذكورة أو بان باطنها خيرا من ظاهرها، فلا خيار للمشتري، وللبائع الخيار إن لم يعلم، ولأبي محمد احتمال أنه لا خيار له، إذ الظاهر علمه بذلك، ولابن عقيل احتمال أنه يأخذ منها ما حصل في الانخفاض، حتى يتساوى وجه الأرض، واختار صاحب

التلخيص أن حكم الأولى حكم ما لو باعه أرضا على أنها عشرة أذرع فبانت تسعة، وحكم الثانية حكم ما لو باعه أرضا على أنها عشرة أذرع فبانت أحد عشر، والله أعلم.

قال: وإذا اشترى صبرة على أن كل مكيلة منها بشيء معلوم جاز.
ش: لأن المبيع معلوم بالمشاهدة، وقدر ما يقابل كل جزء من المبيع من الثمن معلوم، فصح للعلم بالعوض.
1918 - «وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنه أجر نفسه كل دلو بتمرة، وجاء إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالتمر فأكل» ، والله أعلم.

باب المصراة وغير ذلك

ش: معنى التصرية عند الفقهاء أن يجمع اللبن في ضرع البقرة أو الشاة ونحوهما اليومين والثلاثة، حتى يعظم، فيظن المشتري أن ذلك لكثرة اللبن، وإذا هي المصراة، والمحفلة أيضا، يقال: ضرع حافل.
أي عظيم، والحفل الجمع العظيم، واختلف في معناها لغة، فقال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: التصرية أن تربط أخلاف الناقة أو الشاة، ويترك حلبها اليومين والثلاثة، حتى يجتمع لبنها، فيزيد المشتري في ثمنها لما يرى من ذلك.
وقال أبو عبيد: المصراة هي الناقة، أو البقرة، أو الشاة يصرى اللبن في ضرعها، أي يجمع ويحبس.
قال: ولو كانت من الربط لقيل فيها: مصرورة.
وإنما جاءت مصراة، وهذا هو المشهور.
وقال الخطابي: قول أبي عبيد حسن، وقول الشافعي صحيح،

والعرب تصر الحلوبات، وتسمي ذلك الرباط صرارا، واستشهد بقول العرب: العبد لا يحسن الكر، وإنما يحسن الحلب والصر.
انتهى.
والتصرية حرام، إذا قصد بها التدليس على المشتري لما سيأتي، ولأنها غش وخديعة، وقد قال: «من غشنا فليس منا» . 1919 - وقوله: «بيع المحفلات خلابة، ولا تحل الخلابة لمسلم» .

وقول الخرقي: وغير ذلك.
أي مما إذا وجد بالمبيع عيبا، لأن ذلك يقع عن تدليس وعن غيره، ومن اختلاف المتبايعين، ومن بيوع منهى عنها، ونحو ذلك مما ستقف عليه، إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

قال: ومن اشترى مصراة وهو لا يعلم، فهو بالخيار بين أن يقبلها، أو يردها وصاعا من تمر.
1920 - ش: الأصل في هذا ما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تصروا - وفي رواية - لا تصر الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين، بعد أن يحلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعا من تمر» متفق عليه.
1921 - وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «من اشترى محفلة فردها فليرد معها صاعا» رواه البخاري، والبرقاني على شرطه وزاد من تمر.
1922 - وروي نحوه من حديث ابن عمر وأنس.

ولا يقال: إن هذا مخالف لقواعد كلية، (منها) أن اللبن مثلي، والتمر ليس بمثل له، والقاعدة ضمان المثلي بمثله لا بغيره، (ومنها) أن الصاع محدود، واللبن ليس بمحدود، فإنه يختلف بالقلة والكثرة، والقاعدة أن الضمان على قدر الذهاب، ثم لما عدل عن المثل إلى غيره فقد يجيء به نحو المتابعة، فهو بيع الطعام بالطعام غير يد بيد، فهو الربا، لأنا نقول: حديث المصراة أصل مستثنى من تلك القواعد، لمعنى يخصه، وبيانه أن اللبن الحادث بعد العقد ملك للمشتري، فيختلط باللبن الموجود حال العقد، وقد يتعذر الوقوف على قدره، فاقتضت حكمة الشرع أن جعل

ذلك مقدرا، لا يزيد ولا ينقص، دفعا للخصام، وقطعا للمنازعة، وإنما خص ذلك - والله أعلم - بالطعام لأنه قوت كاللبن، وجعل تمرا لأنه غالب قوتهم، ولا يحتاج في تقوته إلى كلفة، ومن ثم - والله أعلم - وصفه بقوله: «لا سمراء» دفعا للحرج في تكلف السمراء، لقلتها عندهم، ثم لا نظر للقياس مع وجود النص.
وقد عارض بعضهم حديث المصراة بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الخراج بالضمان» ونشأ له ذلك من جعله التمر في مقابلة اللبن الحادث بعد العقد، وهو ممنوع، وإنما هو في [مقابلة الموجود حال العقد.
1923 - بدليل ما في البخاري وأبي داود في الحديث «من اشترى غنما مصراة فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر» على تقدير تسليم أنه في]

مقابلة الحادث - وإنه لبعيد - فهو عام، وحديث المصراة خاص، ولا معارضة بين العام والخاص انتهى.
وقول الخرقي: مصراة.
يشمل بعمومه الآدميات، والأتان، والفرس، وهو أحد الوجهين، واختيار ابن عقيل، اعتمادا على عموم الحديث، ونظرا إلى أن الثمن يختلف بذلك، (والثاني) : لا يثبت، ويحتمله كلام الخرقي بعد في قوله: وسواء كان المشتري ناقة، أو بقرة، أو شاة.
لاقتصاره على ذلك، وزعم ابن البنا - تبعا لشيخه - أنه قياس المذهب، بناء منهما على أن لبن الآدمية لا يجوز بيعه، وذلك لأن لبن ما ذكر لا يعتاض عنه عادة، ولذلك لا يجب في مقابلته شيء، ولا يقصد قصد بهيمة الأنعام، والخبر ورد فيما يقصد عادة.

وقوله: وهو لا يعلم.
يخرج ما إذا علم التصرية، فإنه لا خيار له، وهو كذلك لعلمه بالعيب.
وقوله: فهو بالخيار، أي إذا علم بالتصرية، إذ ثبوت أمر لشخص يعتمد علمه به.
ثم كلامه يشمل قبل الحلب، ويعلم ذلك ببينة، أو بإقرار من البائع، وإذا له الرد عندنا ولا شيء عليه، بناء على ما تقدم من أن التمر في مقابلة اللبن الموجود حال العقد، ولا وجوب للبدل مع وجود المبدل، وهذه الصورة تستثني من كلام الخرقي.
ويشمل أيضا ما إذا حلب اللبن وأراد رده، فإنه لا يجزئه إلا التمر، وهذا أحد الوجوه، وهو الذي جعله أبو الخطاب وأبو البركات مذهبا، نظرا لإطلاق الحديث، (والثاني) يجزئه رده، ولا شيء عليه وإن تغير، لما تقدم من أن البدل إيحابه منوط بعدم المبدل، والمبدل موجود، وإن حصل نقص فبتدليس البائع، (والثالث) - وهو اختيار القاضي، وأبي محمد - إن كان اللبن بحاله لم يتغير فكالثاني، لما تقدم، وإن تغير فكالأول، دفعا للضرر عن البائع.
ويشمل أيضا ما إذا صار لبنها عادة، ومراده - والله أعلم - بالحكم الذي حكم به صورة واحدة، وهو ما إذا حلبها

ولم يصر لبنها عادة، أما إذا صار لبنها عادة فلا خيار، لزوال العيب الذي لأجله ثبت الرد، وهذه الصورة أيضا مستثناة من كلام الخرقي.
[وقول الخرقي] : بين أن يقبلها.
ظاهره ولا أرش له، وهو المشهور عند الأصحاب، وظاهر الحديث.
1924 - وفي رواية لمسلم «إذا ما اشترى أحدكم لقحة مصراة، أو شاة مصراة فهو بخير النظرين [بعد أن يحلبها] ، إما هي، وإلا فليردها وصاعا من تمر» (وعن أحمد) في رواية ابن هانئ: إن شاء رجع عليه بقدر العيب، وكذا ذكر أبو بكر في التنبيه، وتبعه الشيرازي، وصاحب التلخيص فيه قياسا على بقية العيوب.

وقوله: وصاعا من تمر.
يقتضي أنه لا يجزئه غيره، وهو كذلك اتباعا للنص، وما ورد في الحديث «صاعا من طعام» فالمراد به - والله أعلم - التمر، إذ في رواية أخرى «صاعا من طعام لا سمراء» وما ورد في حديث ابن عمر - وسيأتي إن شاء الله - «فإن ردها رد معها مثل - أو قال - مثلي لبنها قمحا» أشار البخاري إلى تضعيفه، ويؤيد ضعفه أنه لا قائل به، وقال الشيرازي: الواجب أحد شيئين، صاع من تمر، أو صاع من قمح.
1925 - لأن في حديث رواه البيهقي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجل، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من اشترى مصراة فهو بخير النظرين، فإن حلبها ورضيها أمسكها، وإن ردها رد معها صاعا من طعام، أو صاعا من تمر» والطعام إذا

أطلق غالبا يراد به البر، ويجاب أنه بعد تسليم صحته محمول على أنه شك من الراوي، توفيقا بين الأحاديث، ويعين ذلك قوله في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم «صاعا من طعام لا سمراء» . وإطلاق الخرقي يقتضي [وجوب] التمر وإن زادت قيمته على قيمة الشاة، وهو كذلك للخبر، والواجب فيه أن يكون سليما من العيب، لأن الإطلاق يقتضي السلامة.
(تنبيهان) : «أحدهما» : لم يبين الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - مقدار الخيار، وكذلك جماعة، وقال أبو الخطاب في الهداية: عندي أنه إذا تبين له التصرية ثبت له الرد، قبل الثلاث وبعدها، إلحاقا لها بالعيوب.
ويتخرج من قوله قول آخر أن الخيار على الفور، بناء على القول به ثم، وقدره ابن أبي موسى، والقاضي، وأبو البركات، وغيرهم بثلاثة أيام.

1926 - لأن في الحديث في رواية مسلم وغيره «من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام» . 1927 -[وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من باع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام» ، فإن ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحا» رواه أبو داود، ثم اختلف هؤلاء، فقال القاضي - وزعم أبو محمد أنه ظاهر كلام أحمد -: الثلاثة أيام مضروبة لتتبين بها التصرية، إذ في اليوم الأول لبنها لبن التصرية، وفي الثاني والثالث يجوز أن يكون نقص لاختلاف العلف، وتغير المكان، فإذا مضت الثلاثة تحققت التصرية غالبا، فيثبت الخيار إذا على الفور، وقال ابن أبي موسى - على ظاهر كلامه - وأبو البركات: له الخيار في الثلاثة أيام إلى انقضائها.
وهذا هو ظاهر الحديث، وعليه المعتمد، وهو عكس قول القاضي، ثم إن أبا البركات صرح بأن ابتداء المدة بتبين التصرية، وهو ظاهر

قول ابن أبي موسى، قال: هو بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء ردها، وإن شاء أمسكها.
ولا عبرة بما أوهمه كلام أبي محمد في الكافي أن ابتداءها على قول ابن أبي موسى من حين البيع.
(الثاني) : «تصروا» الرواية الصحيحة فيه ضم التاء، وفتح الصاد، وتشديد الراء [المضمومة] ، بعدها واو الجمع، نحو: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: 32] من: صراها يصريها تصرية، كزكاها يزكيها تزكية، وأصل «تصروا» : تصريوا.
استثقلت الضمة على الياء، فنقلت إلى ما قبلها، لأن واو الجمع لا يكون ما قبلها إلا مضموما، فانقلبت الياء واوا، فاجتمع ساكنان فحذفت الواو الأولى وبقيت واو الجمع، «والإبل» نصب على أنه مفعول تصروا، وفيه رواية أخرى «لا تصروا الإبل» بفتح التاء، وضم الصاد،

من: صريصر.
«والغنم» على هذا أيضا منصوبة الميم، وروي ثالثة: «لا تصر الإبل» بضم التاء بغير واو بعد الراء، وبرفع الإبل على ما لم يسم فاعله، من الصر أيضا وهو الربط، وهاتان الروايتان يجيئان على تفسير الشافعي، والأولى على تفسير أبي عبيد «والمحفلة» قد تقدم تفسيرها، «والسمراء» حنطة الشام، والبيضاء حنطة مصر، وقيل: السمراء الحنطة مطلقا، والبيضاء الشعير.
«واللقحة» بفتح اللام وكسرها - وهو أفصح - الناقة القريبة العهد بالولادة، بنحو الشهرين والثلاثة، والله أعلم.

قال: فإن لم يقدر على التمر فقيمته.
ش: من وجب عليه شيء فعجز عنه رجع إلى بدله، وبدل المثلي عند إعوازه هو القيمة، كما هو مقرر في موضعه، وتجب قيمته في الموضع الذي وقع عليه العقد، والله أعلم.

قال: وسواء كان المشتري ناقة، أو بقرة، أو شاة.
ش: لا نزاع عندنا نعلمه في ذلك، لورود النص به في الإبل والغنم، ولبن البقر أغزر، فيثبت الحكم فيه بطريق التنبيه، ثم عموم «مصراة» يشمل الجميع، والله أعلم.

قال: وإذا اشترى أمة ثيبا فأصابها أو استغلها ثم ظهر على عيب كان مخيرا بين أن يردها ويأخذ الثمن كاملا، لأن الخراج بالضمان، والوطء كالخدمة، وبين أن يأخذ ما بين الصحة والعيب.
ش: هذا يبنى على قواعد، فنشير إليها، ثم نتعرض للفظ المصنف.
(منها) : أن المذهب المشهور - حتى إن أبا محمد لم يذكر فيه خلافا - أن من اشترى معيبا لم يعلم عيبه ثم علم ذلك فإنه يخير بين الرد وبين الإمساك وأخذ الأرش.
أما الرد فلا نزاع فيه نعلمه، دفعا للضرر عن المشتري، إذ إلزامه بالعقد والحال هذه ضرر عليه، والضرر منفي شرعا.
1928 - وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أن رجلا اشترى غلاما في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وفيه عيب لم يعلم به، فاستغله، ثم علم العيب

فرده، فخاصمه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: يا رسول الله، إنه استغله منذ زمن.
فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الغلة بالضمان» رواه أبو داود وغيره، وهذا يدل على أن العيب سبب للرد.
1929 - «وعن العداء بن خالد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: كتب لي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوزة من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، اشترى منه عبدا أو أمة، لا داء، ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم للمسلم» رواه الترمذي وابن ماجه، وهذا يدل على أن بيع المسلم هذا حاله، وأيضا ما ثبت من أحاديث المصراة المتقدمة.

وأما الإمساك وأخذ الأرش فلأن البائع والمشتري تراضيا على أن العوض في مقابلة المعوض، فكل جزء من العوض يقابله جزء من المعوض، ومع وجود العيب قد فات جزء من المعوض، فيرجع ببدله وهو الأرش.
(وعن أحمد) رواية أخرى - اختارها أبو العباس - وهي أصح نظرا -: لا أرش لممسك له الرد، حذارا من أن يلزم البائع ما لم يرض به، فإنه لم يرض بإخراج ملكه إلا بهذا العوض، فإلزامه بالأرش إلزام له بشيء لم يلتزمه، ويوضح هذا ويحققه المصراة، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يجعل فيها أرشا، ودعوى أن التصرية ليست عيبا ممنوع، انتهى.
والأرش ما بين قيمة الصحيح والمعيب منسوبا إلى الثمن، وبيانه أن يقال مثلا فيما اشترى بمائة وخمسين: كما يساوي هذا وهو صحيح؟ فإذا قيل: مائة.
قيل: وكم يساوي وهو معيب؟ فإذا قيل: تسعين.
فما بين القيمتين هو العشر، فإذا نسبت ذلك إلى الثمن وجدته - والحال هذه - خمسة عشر درهما، فهو الواجب للمشتري، ولو كان الثمن خمسين درهما لكان عشره خمسة دراهم، فهو الواجب له، وإنما نسب إلى الثمن، ولم يجعل ما بين القيمتين من غير نسبة، لئلا يجتمع للمشتري العوض والمعوض، [كما لو

اشترى شيئا بمائة، ثم وجد به عيبا، وكانت قيمته وهو صحيح مائتين، وقيمته وهو معيب مائة، فما بينهما مائة، فلو أوجبت المائة للمشتري لاجتمع له العوض والمعوض] وعلى ما تقدم لا يلزم ذلك، إذ يجب له والحال هذه نصف الثمن، ولا فرق فيما تقدم بين علم البائع بالعيب وعدمه.
(تنبيه) : هل يملك المشتري أخذ الأرش من عين الثمن أو لا يملكه؟ فيه احتمالان ذكرهما في التلخيص.
(القاعدة الثانية) أن المبيع المعيب تعيبه عند المشتري هل يمنع من رده؟ فيه نزاع يأتي إن شاء الله تعالى، واختلف في وطء الثيب هل هو عيب، لأنه نقص في الجملة، أو ليس بعيب، وهو اختيار العامة، لأنه لم يحصل به نقص جزء

ولا صفة، وكما لو كانت مزوجة فوطئها الزوج؟ على روايتين، وعلى الأولى فإن لم يمنع العيب الرد فالأرش هنا هو مهر المثل.
(القاعدة الثالثة) : أن المبيع إذا زاد وأراد المشتري رده بعيب وجده، فهل يلزمه رد الزيادة؟ لا يخلو إما أن تكون متصلة كالسمن وتعلم صنعة، أو منفصلة كالولد والكسب، فإن كانت متصلة فلا يتصور مع الرد إلا ردها، لكن هل يكون له قيمتها لحدوثها على ملكه، وتعذر فصلها، أو لا قيمة لها، لئلا يلزم البائع معاوضة لم يلتزمها، وهو قول عامة الأصحاب؟ على قولين، وعن ابن عقيل: القياس أن له القيمة، بناء على قولهم في الصداق، إذا زاد زيادة متصلة، ثم وجد ما يقتضي سقوطه أو تنصفه، فإن المرأة لها أن تمسك ذلك وترد القيمة أو نصفها، قلت: وفي هذا القياس نظر، وإنما قياس الصداق أن المشتري يمسك

ويرد قيمة العين، نعم ما يحكى عن ابن عقيل سيأتي أنه رواية منصوصة أو ظاهرة.
وإن كانت الزيادة منفصلة فلا يخلو إما أن تكون حدثت من عين المبيع، كالولد والثمرة، أو لم تكن، كالأجرة والهبة، ونحو ذلك، (فالثاني) فيما نعلمه لا نزاع أن للمشتري إمساكه، ورد المبيع دونه، ولا عبرة بما أوهمه كلام أبي محمد في الكافي، من أن فيه الخلاف الآتي، فإنه في المغني لم يذكر فيه عن أحد خلافا، أما (الأول) - وهو ما إذا كانت الزيادة من عين المبيع -، فالمنصوص، والمعمول عليه عند الأصحاب - حتى إن أبا محمد في المغني جزم به - أن الحكم كذلك، الزيادة للمشتري فيرد المبيع دونها.

1930 - لحديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، قالت: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الخراج بالضمان» وفي رواية: «قضى أن الخراج بالضمان» . رواه أبو داود وغيره، وقد ورد في المسند وسنن أبي داود، وابن ماجه، أن الحديث ورد على مثل هذا، فعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن رجلا اشترى غلاما في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبه عيب لم يعلم به، فاستغله ثم علم العيب، فخاصمه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: يا رسول الله، إنه استغله منذ زمان، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الغلة بالضمان» وقضية السبب داخلة في العموم قطعا.
وحكى القاضي وجماعة من أصحابه، والشيرازي، والشيخان، وغير واحد، عن أحمد رواية أخرى، أنه يلزم البائع رد النماء مع الأصل، جعلا للنماء كالجزء من الأصل، ونظرا إلى أن الفسخ رفع للعقد من أصله حكما، ويرد عليه الكسب ونحوه، وهذه الرواية، قال أبو العباس: إن القاضي وأصحابه أخذوها من نص أحمد في رواية ابن منصور، في من اشترى سلعة فنمت عنده، فبان بها داء، فإن شاء المشتري حبسها ورجع بقدر الداء، وإن شاء ردها

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل