كتاب الأيمان والنذور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
حقيقة، وكذلك معناه، إذ ليس فيه التزام حتى يشبه اليمين، كما في نذر اللجاج: إن فعلت كذا فلله علي عتق عبيدي، ونحو ذلك، وإنما عتق عليه عبيده وإماؤه لأن ملكه عليهم تام بلا ريب، وإنما عتق مكاتبوه ومدبروه وأمهات أولاده لبقاء ملكه عليهم، فيدخلون فيما يملك، وكذلك أيضا عتق الشقص الذي يملكه، لدخوله فيما يملكه، (وقيل عن أحمد) رواية أخرى لا يعتق الشقص إلا أن ينويه، لأن ذلك لا يخطر ببال الحالف غالبا، فلا يتعلق به اليمين، والله أعلم.
كفارة اليمين قبل الحنث أم بعده
قال: ومن حلف فهو مخير في الكفارة قبل الحنث أو بعده، وسواء كانت الكفارة صوما أو غيره، إلا في الظهار والحرام، فعليه الكفارة قبل الحنث.
ش: قد تقدم أن مذهب الخرقي أن الحرام ظهار، فحكمه حكمه، وإنما عطفه عليه لتغاير لفظيهما كما في قوله:
فألفيت قولها كذبا ومينا.
وقد تقدم أيضا أن كفارة الظهار يجب إخراجها قبل الحنث، فلا حاجة إلى إعادة ذلك، والكلام الآن في كفارة اليمن، ومذهبنا ومذهب جمهور السلف أن الحالف إذا أراد الحنث في الجملة فهو مخير إن شاء أخرج الكفارة قبل الحنث، وإن شاء بعده.
3700 - لما روي «عن عبد الرحمن بن سمرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال لي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك.
وائت الذي هو خير» . متفق عليه.
وهذا أمر، وأقل أحواله الجواز، وللبخاري «فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك» ، وفي لفظ «إذا حلفت علي يمن، فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير» رواه أبو داود، والنسائي، وهذا أصرح من الذي قبله.
3701 - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير» رواه مسلم وغيره.
3702 - وعن أبي موسى الأشعري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير» ، أو قال: «أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني» هذا لفظ أبي داود، وعند النسائي في رواية «إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير» وهو في الصحيحين بنحو ذلك أيضا.
وظاهر كلام الخرقي أن التكفير قبل الحنث وبعده سواء في الفضيلة، لا ترجيح لأحدهما على الآخر، وهو اختيار أبي محمد، لورود الأحاديث بهذا تارة، وبهذا أخرى، فدل على استواء الأمرين، وقال ابن أبي موسى: بعده أفضل عند أحمد، للخروج من الخلاف، وإذا ينبغي براءة الذمة، إذ عند الحنفي لا يجزئ الإخراج إلا بعد الحنث، وكذلك عند الشافعي في الصوم فقط، وهذا المقتضي لتنصيص الخرقي على التسوية بين الصوم وغيره، وعورض الخروج من الخلاف بتعجيل النفع للفقراء.
وظاهر كلام الخرقي أن التخيير جار وإن كان الحنث محظورا، وهو أحد الوجهين، إناطة بوجود السبب، (والوجه الثاني) : لا يجزئه، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا حلف على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير» والإتيان هنا ليس بخير، فلا يتناوله الأمر بالتقديم، على أن الملحوظ في التقديم الرخصة، والرخص لا تباح بالمعاصي.
(تنبيه) : الكفارة قبل الحنث محللة لليمين، قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] وبعد الحنث مكفرة، قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89] قال بعضهم: أي فحنثتم.
الاستثناء في اليمين
قال: وإذا حلف بيمين فقال: إن شاء الله، فإن شاء فعل، وإن شاء ترك، ولا كفارة عليه إذا لم يكن بين الاستثناء واليمين كلام.
ش: إذا حلف فقال مثلا: والله لأدخلن الدار إن شاء الله.
فهو مخير في الجملة بين الفعل والترك، فإن ترك لم يحنث إجماعا.
3703 - وقد شهد له ما روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أن رسول
الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه» رواه الخمسة، وحسنه الترمذي.
3704 - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث» رواه الترمذي والنسائي.
3705 - وفي الصحيحين أيضا من حديثه «قال سليمان بن داود - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: لأطوفن الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله.
فقال له الملك، قل: إن شاء الله، فلم يقل ونسي، وطاف بهن ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان» قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لو قال إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركا لحاجته» .
إذا تقرر هذا فشرط صحة الاستثناء الاتصال المعتاد على
المذهب المعروف، فلو سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه، أو تكلم بكلام أجنبي، ونحو ذلك بطل استثناؤه، ولا يضر السكوت لعارض من تنفس أو عطاس، ونحو ذلك، إذ الاستثناء أحد المخصصات، فاعتبر اتصاله كبقية المخصصات، من الشرط والصفة وغيرهما.
3706 - وفي حديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - من رواية أبي داود وغيره «من حلف علي يمين فاستثنى» فظاهره أن الاستثناء يكون عقب الحلف، وقال أحمد: حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعبد الرحمن بن سمرة «إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك» ولم يقل: واستثن.
قلت: والظاهر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما حكم على اليمين التي يحنث بتركها، ولهذا لم يقل له ولم يستثن، (وعن أحمد) رواية أخرى: لا يضر الفصل اليسير، بشرط أن لا يخلط كلامه بغيره.
3707 - لما روي عن عكرمة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال يوما: «والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا» ثم قال: «إن شاء الله» » ، وفي رواية عن عكرمة، عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفي رواية عن عكرمة يرفعه أنه قال: «والله لأغزون قريشا ثم قال: إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال: إن شاء الله» زاد فيه بعض الرواة: ثم لم يغزهم.
رواه
أبو داود، واحتج به أحمد، فقال: حديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «والله لأغزون قريشا» ثم سكت ثم قال: إنما هو استثناء بالقرب، ولم يخلط كلامه بغيره، اهـ. 3708 - وفي الصحيحين «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في مكة: لا يختلى خلاها الحديث، فقال له العباس: يا رسول الله إلا الإذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: إلا الإذخر» فأثر الاستثناء وهو منفصل.
3709 - وفي حديث سليمان - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أن الملك قال له: قل إن شاء الله، فلم يقل، وظاهره أنه قال له ذلك بعد الفراغ من اليمين.
وقد قال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لو قال: إن شاء الله - يعني وقت قال له الملك - لم يحنث» (وحكى ابن أبي موسى) عن بعض الأصحاب أن المشترط المجلس، لأن حالة المجلس كحالة الكلام، وينبغي أن يقيد هذا أيضا بما قيد به الذي قبله، من أنه لا يخلط كلامه بغيره، وكلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - محتمل للقولين الأولين، (واشترط) القاضي، وأبو البركات وغيرهما مع ما تقدم أن ينوي الاستثناء قبل تمام المستثنى منه، لأن المخرج بالاستثناء غير مراد بالحكم عليه، وإلا لزم أن يكون مرادا غير مراد، وهو متناقض، فيلزم منه رفع ما أوقعه، وظاهر بحث أبي محمد أن المشترط قصد الاستثناء فقط، حتى لو نوى عند تمام يمينه صح استثناؤه، وفيه نظر، وظاهر إطلاق الخرقي عدم الاشتراط أصلا، وهو وجه حكاه ابن البنا، وبناه على أن لغو اليمين عندنا صحيح، وهي ما كان على الماضي، وإن لم يقصده، وهو ظاهر حديث الإذخر وحديث سليمان.
وقول الخرقي: وإذا حلف، يشمل كل حلف، وكذلك ظاهر الحديث، وقد استثنى من ذلك الطلاق والعتاق كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وإذا يصير ملخص الأمر أن كل يمين تدخلها الكفارة، كاليمين بالله تعالى، والنذر والظهار يدخلها الاستثناء، وقد نص أحمد على ذلك.
وقوله: فقال.
ظاهره أنه لا ينفعه الاستثناء بقلبه، وهو كذلك لظاهر الحديث، ولأن الاستثناء كالجزء من اليمين، واليمين لا تنعقد بالنية، فكذلك الاستثناء، وعن أحمد في المظلوم يستثنى في نفسه: أرجو أن يجوز إذا خاف على نفسه، وكأنه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نظر إلى أن ذلك تأويل، والمظلوم ينفعه تأويله.
الاستثناء في العتق والطلاق
قال: وإذا استثنى في الطلاق والعتاق فأكثر الروايات عن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنه توقف عن الجواب، وقد قطع في موضع أنه لا ينفعه الاستثناء.
ش: وذلك كأن قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله.
أو لعبده: أنت حر إن شاء الله.
وتوقف أحمد عن الجواب في ذلك، لاختلاف الناس فيه، مع عدم نص قاطع في ذلك، وحظر ذلك، وهو الحكم بحل فرج أو تحريمه، والذي استقر عليه قوله أنه لا ينفعه الاستثناء، معللا ذلك في رواية حنبل بأنهما ليسا من الأيمان، وإذا لم يكونا من الأيمان فلا يدخلان في قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث» ، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في أول الباب، وأن المغلب فيهما التعليق على شرط، وإذا هذا الشرط الذي قد علق عليه الطلاق - وهو مشيئة الله تعالى - أمر لا سبيل إلى علمه، فهو كالتعليق على مستحيل، أو أمر يفضي
اعتباره إلى رفع الطلاق بالكلية، أشبه ما لو قال: أنت طالق طلقة لا تلزمك.
ونحو ذلك.
3710 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله.
هي طالق.
رواه أبو حفص بسنده، وعن أبي بردة نحوه.
3711 - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وأبي سعيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قالوا: كنا معاشر أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نرى الاستثناء جائزا في كل شيء إلا في العتاق والطلاق.
ذكره أبو
الخطاب (وحكى أبو محمد رواية أخرى) عن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بصحة الاستثناء في الطلاق والعتاق، بناء على أنهما من الأيمان، فيدخلان في عموم من حلف على يمين إذ ذلك نكرة في سياق الشرط، فتشمل كل يمين، ونظرا إلى أن التعليق يحصل على مشيئة لم يعلم وجودها، أشبه ما لو علقه على مشيئة زيد، وأجيب بأن مشيئة الله تعالى قد علمت بمباشرة الآدمي سبب ذلك، وهو النطق بالطلاق، ونقل الشيخ أبو حامد الاسفرائيني ومن تبعه عن إمامنا رواية بالتفرقة بين الطلاق العتاق، وقطع أبو البركات وغيره بأن ذلك غلط على الإمام، وسبب الغلط - والله أعلم - أن أحمد قال فيمن قال: إن ملكت فلانا فهو حر إن شاء الله، فملكه صار حرا، وقال فيمن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق إن شاء الله، فتزوجها لم تطلق، ففرق بين التعليقين،
وذلك أن من أصله أن العتق يصح أن يعلق بالملك، بخلاف الطلاق كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ففرق أحمد لأجل هذا، لا لأجل الاستثناء بالمشيئة، وللمسألة فروع أخر ليس هذا موضعها، والله أعلم.
حكم تعليق العتق والطلاق على شرط
قال: وإن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، لم تطلق إن تزوج بها، وإن قال: إن ملكت فلانا فهو حر، فملكه صار حرا.
ش: اختلفت الرواية عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في هاتين المسألتين على ثلاث روايات: (إحداهن) صحة التعليق فيهما، فيقع العتق والطلاق، (والثانية) عدم الصحة فيهما فلا يقعان، وهي اختيار أبي محمد، وأبي الخطاب.
3712 - ومدركهما أن قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك» . رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده.
3713 - وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك»
رواه ابن ماجه من رواية المسور بن مخرمة، هل هذا الطلاق والعتاق وقعا قبل ملك، أو لم يقعا إلا في ملك، وأصل هذا فيما قيل إن الشرط هل منع انعقاد السبب، أو إنما منع ترتب حكمه عليه، فمن نظر إلى الأول قال بوقوع الطلاق والعتاق، لوجود سببهما في الملك، ومن نظر إلى الثاني قال بعدم وقوعهما، لوجود السبب قبل الملك، والمشهور عن أحمد - وهو المختار لعامة أصحابه، حتى إن بعضهم لا يثبت ما يخالف ذلك - التفرقة بين الطلاق والعتاق، كما قاله الخرقي، فيقع العتق دون الطلاق، نظرا إلى أن العتق قربة وطاعة، فصح تعليقه على الملك كالنذر، وقد دل على الأصل قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: 75] الآية.
وهذا بخلاف الطلاق، فإنه ليس بقربة من حيث
هو، بل عدمه هو القربة، والأصل أن الإنسان لا ينفذ له تصرف إلا فيما يملك، وأيضا الملك قد يقصد للعتق، كما في شراء من يعتق عليه برحم أو بشرط، والنكاح لا يقصد للطلاق، بل قد تذهب فائدته، اهـ.
والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - صور المسألة فيما إذا علق طلاق معينة على تزوجها، وكذلك الحكم في غير المعينة، كما إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق.
وكلامه في تعليق العتق يشمل ما إذا كان المكلف حرا أو عبدا، والصحيح عندهم أن العبد لا يصح تعليقه، وإن صح تعليق الحر، لعدم ملكه حين التعليق.
ما تحمل عليه ألفاظ اليمين
قال: ولو حلف أن لا ينكح فلانة، أو لا اشتريت فلانة، فنكحها نكاحا فاسدا، أو اشتراها شراء فاسدا لم يحنث.
ش: هذا هو المشهور والمختار من الأوجه، حملا لذلك على النكاح الشرعي والشراء الشرعي، ولا ريب أنهما الصحيحان، إذ كلام المكلف محمول على المراد من كلام الشارع، وكلام الشارع المراد به الصحيح، فكذلك كلام المكلف، (وقيل بحنثه) مطلقا، نظرا لإطلاق اللفظ الشامل للشرعي واللغوي، وملخصه أن الأول غلب الحقيقة الشرعية، والثاني غلب الحقيقة اللغوية (وفي المذهب وجه ثالث) اختاره ابن أبي موسى ولا بأس به أنه يحنث بالنكاح
أو الشراء المختلف فيه، لعدم الجزم بكونه ليس بشرعي، مع تيقن دخوله في الحقيقة اللغوية، دون النكاح أو الشراء المتفق على بطلانهما، لتيقن كونه ليس بشرعي، مع أن المغلب في الإطلاق هو الشرعي، والله أعلم.
قال: ولو حلف أن لا يشتري فلانا، أو لا يضربه، فوكل في الشراء أو الضرب حنث ما لم تكن له نية.
ش: لأن فعل الوكيل قائم مقام فعل الموكل، فكأنه هو، والدليل على أن الفعل يضاف إلى الموكل، قال الله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: 27] وقال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللهم ارحم المحلقين» ولا ريب في تناول ذلك لمن حلق رأسه بأمره، ولو حلف لا يدخل دارا، فأمر من حمله وأدخله إليها حنث، والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذكر الصورتين على سبيل المثال، ولينبه بهما على مذهب المخالف، والحكم منوط بما إذا حلف لا يفعل شيئا، وإنما ذكر هاتين الصورتين على سبيل المثال، إذ الشافعي يخالف فيهما في الجملة، والنعمان يخالف في صورة البيع دون الضرب،
ثم محل هذه المسألة إذا لم يكن ثم نية أو ما يقوم مقامها من قرينة حال ونحو ذلك، أما مع النية أو بدلها فإن الحكم يناط بها ويعتمد عليها، والله أعلم.
حكم فعل المحلوف عليه ناسيا
قال: وإذا حلف بعتق أو طلاق أو لا يفعل شيئا ففعله ناسيا حنث.
ش: قد تقدمت هذه المسألة في قوله: وإن فعله ناسيا فلا شيء عليه إذا كانت اليمين بغير الطلاق والعتاق، والخلاف فيها فلا حاجة إلى إعادتها، والله أعلم.
حكم التأويل في اليمين
قال: ومن حلف فتأول في يمينه فله تأويله إذا كان مظلوما، فإن كان ظالما لم ينفعه تأويله، لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» . ش: التأويل أن يقصد بلفظه ما يخالف ظاهره مع احتمال اللفظ له، كأن يحلف أنه أخي وينوي بذلك أخوة الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] أو المشابهة استعارة، أو يحلف أنه كان تحت سقف، وينوي به السماء، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32] أو يحلف أنه كان على فراش أو بساط، مريدا بذلك الأرض، قال سبحانه: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾ [الذاريات: 48] وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: 19] أو يحلف ما لفلان عندي
وديعة، مريدا بـ «ما» الذي، أو ما فلان ها هنا، ويريد موضعا معينا، ونحو ذلك مما هو سائغ في اللغة، مع أن السابق إلى فهم السامع خلافه.
ولا يخلو المتأول من ثلاثة أحوال: (أحدها) أن يكون الحالف مظلوما، كأن يستحلفه ظالم على شيء لو صدقه لناله أو مسلما أو ذميا ضرر، فهذا له تأويله بلا ريب.
3714 - لما «روى سويد بن حنظلة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: خرجنا نريد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومعنا وائل بن حجر، فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا، وحلفت أنا أنه أخي، فخلي عنه، فأتينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكرت ذلك له، فقال: «أنت كنت أبرهم وأصدقهم، صدقت، المسلم أخو المسلم» رواه أحمد وابن ماجه.
3715 - وفي حديث الإسراء المتفق عليه: «مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح» .
3716 - وقال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» ، (الحال الثانية) : أن يكون ظالما، كالذي يستحلف على حق عنده، فهذا لا ينفعه التأويل، وتنصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي يقصده المستحلف بلا ريب أيضا.
3717 - لما استدل به الشيخ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وهو حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» وفي لفظ: يصدقك عليه صاحبك وعنه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أيضا، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اليمين على نية المستحلف» رواهما مسلم وغيره، ولأنه لو ساغ التأويل والحال ما تقدم
لاتخذ ذلك وسيلة إلى جحود الحق، وبطل المعنى المقصود باليمين، وهو تخويف الحالف من عاقبة اليمين، ولا ريب أن الشريعة تأبى مثل ذلك، والشيخ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعتمد في الاستدلال على اللفظ الأول، وكذلك غيره من الأئمة من أصحابنا وغيرهم، وبعض العلماء اعتمد في الاستدلال على الثاني، وقال: إن معنى الأول أن يمينك التي يجوز لك أن تحلفها هي التي تكون صادقة في نفسها، بحيث لو اطلع عليها صاحبك لعلم أنها حق وصدق، وأن ظاهرها كباطنها، فيصدقك على ما حلفت عليه، وإذا فائدة هذا الحديث أن الحالف يعرض على نفسه اليمين، فإن وجدها كما تقدم حلف إن شاء، وإلا أمسك.
(الحال الثالثة) إذا كان المتأول لا ظالما ولا مظلوما، وهذه الحالة لم يتعرض الخرقي لها بنفي ولا إثبات، وفيها قولان حكاهما أبو العباس، وقال: إن ظاهر كلام أحمد المنع في اليمين، اهـ.
وظاهر كلام الشيخين الجواز، واعتمد أبو محمد على ما روي أن مهنا كان عنده هو والمروذي وجماعة،
فجاء رجل يطلب المروذي ولم يرد المروذي أن يكلمه، فوضع مهنا إصبعه في كفه، فقال: ليس المروذي ها هنا، وما يصنع المروذي ها هنا، يريد ليس في كفه، ولم ينكر ذلك الإمام أحمد.
3718 - واستدل بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يمزح ولا يقول إلا حقا، والمزح أن يوهم السامع بكلامه غير ما يفهم من ظاهره، كما قال لتلك العجوز: «لا يدخل الجنة عجوز» يعني أن الله ينشئهن أبكارا، عربا أترابا.
3719 - وعن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن رجلا جاء إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله احملني.
فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنا حاملوك على ولد ناقة» فقال: وما أصنع بولد الناقة.
قال: «وهل تلد الإبل إلا النوق» رواه أبو داود.
3720 - «وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لرجل احتضنه من ورائه: «من يشتري العبد» فقال: يا رسول الله، تجدني إذا كاسدا.
قال: «لكنك عند الله لست بكاسد» ، وهذا كله من التأويل الحق الجائز، فإن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يقول إلا حقا، (قلت) : وهذا كله ورد في غير اليمين وهو واضح، أما اليمين فلها حرمة، فقد يقال: لا حاجة إلى ارتكابها والتعريض فيها، لا سيما وقد عضد هذا قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اليمين على نية المستحلف» خرج منه المظلوم لما تقدم، وللاتفاق أيضا فيما أظن، فيبقى ما عداه على مقتضى العموم، والله أعلم.