شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 413-452
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الزكاة

صفحات 413-452
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الحديث فقال: ليس بصحيح، يرويه المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال له: فرواه غير المثنى؟ قال: نعم.
ابن جريج يقول: قال عمرو بن شعيب.
مرسلا كذا، ولم يسمعه من عمرو بن شعيب.
انتهى.
وهذا لا يقدح على قاعدة أحمد، إذ المرسل عنده حجة.

واعتمد أحمد على أقوال الصحابة، فقال في رواية الأثرم: خمسة من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يزكون مال اليتيم.
1168 - وفي الموطأ: بلغه أن عمر بن الخطاب قال: اتجروا في مال اليتيم لا تأكله الصدقة.
1169 - وفيه أيضا عن القاسم بن محمد قال: كانت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - تليني أنا وأخا لي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة.
1170 - وروى الأثرم نحو ذلك عن علي، وابن عمر، وجابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة.

1171 - إلا رواية عن ابن عباس، وهي معارضة بروايته الأخرى، ولأن الزكاة من حقوق المال، فوجبت على الصبي والمجنون، كنفقة قريبهما وزوجتيهما، وبهذا فارقت الصلاة والحج، لتعلقهما بالبدن، ونية الصبي تضعف عنها.
1172 - «ورفع القلم عن ثلاثة» لا يرد، إذ المخاطب بالإخراج الولي، وتعلق الوجوب [إن قيل] بالعين فلا كلام، وإن قيل بالذمة فكثبوت الصلاة في ذمة النائم.
إذا ثبت هذا فالمخاطب هو الولي، لأنه المخاطب بالحقوق [المتعلقة] بهما، بدليل أنه ينفق على قريبهما وزوجتيهما، ويؤدي ما لزمهما من إتلاف ونحو ذلك، والله أعلم.

قال: والسيد يزكي عما في يد عبده، لأنه مالكه.
ش: قد تضمن كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن العبد لا يملك، وأن ما في يد العبد ملك للسيد، فإذا كان ملكا له وجبت عليه الزكاة، لدخوله في العمومات المقتضية لذلك، أما إن قلنا [أن] العبد يملك فإن الزكاة لا تجب على السيد، لانتفاء الملك، ولا على العبد لضعف الملك، وقد تقدم ذلك، [والله أعلم] .

قال: ولا زكاة على مكاتب.
ش: [هذا المذهب بلا ريب] . 1173 - لما روي عن أبي الزبير، عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق» رواه الدارقطني، ورواه أبو بكر موقوفا على جابر.
1174 - وعن ابن عمر: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وليس في ماله زكاة.
(وعنه) يزكي بإذن سيده.

وقد دخل في كلام الخرقي.
وجوب العشر عليه، وصرح [به] الأصحاب، لأنه عندنا زكاة، فيدخل فيما تقدم.

قال: فإن عجز استقبل سيده بما في يده من المال حولا وزكاه إن كان نصابا] . ش: إذا عجز المكاتب فقد استقر ملك سيده على ما في يده، فيستقبل به حولا [كالذي] ورثه، أو اتهبه، ونحو ذلك والله أعلم.

قال: وإن أدى وبقي في يده منصب للزكاة استقبل به حولا.
ش: إذا أدى المكاتب فقد عتق، فإن فضل في يده نصاب فإن الحول ينعقد عليه حينئذ، لاستقرار ملكه عليه، والله أعلم.

قال: ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول.
1175 - ش: روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» رواه ابن ماجه.
1176 - وعن الحارث عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، وليس عليك في الذهب شيء حتى يكون لك عشرون دينارا، فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك» قال الحارث: فلا أدري أعلي يقول ذلك أو رفعه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ «وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول» رواه أبو داود.

1177 - وعن القاسم أن أبا بكر [الصديق]- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لم يكن [يأخذ] من مال زكاة حتى يحول عليه الحول.
مختصر رواه مالك في الموطأ.
واعلم أن كلام الخرقي عام في جميع الأموال، وكذلك الحديث، ويستثنى من ذلك الخارج من الأرض، وما في معناه من حب، وثمر، ومعدن، وركاز، وعسل، أما في الحب والثمر فلقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] وإيجاب

الحق يوم الحصاد ينافي اشتراط الحول، ولأن نماءه يتناهى بجعله في الجرين، فوجب أن تستقر الزكاة إذًا، إذ الحكمة في اشتراط الحول [تكامل النماء، وهذا قد تكامل نماؤه، ولهذا قلنا: لا يشترط الحول] للمعدن، والركاز، والعسل؛ لأن بوجودها حصل النماء.
وقد نص الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - من ذلك على المعدن، والبقية كلامه فيه محتمل.
ويستثنى أيضا نتاج السائمة، وربح التجارة، فإن حولهما حول أصلهما إن كان نصابا، وإلا فمن كمال النصاب، وقد نبه الخرقي على النتاج بقوله: وتعد عليهم السخلة.
وقد تقدم ذلك، والدليل عليه، ولأن الماشية تختلف وقت ولادتها فإفراد كل واحدة بحول يؤدي إلى حرج ومشقة [وهما منتفيان شرعا، وربح التجارة في معنى النتاج، لعدم ضبط حولها] ، وقد نص عليه الخرقي فيما بعد، وشرط النتاج السوم في بقية السنة، فإن كان بشرب اللبن فوجهان.
وقد دخل في كلام الخرقي المستفاد بإرث أو عقد، في اشتراط الحول له، [من غير ضم إلى ما معه] وهو صحيح، لعموم ما تقدم.

1178 - وفي الترمذي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من استفاد مالا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول» زاد في رواية «عند ربه» . قال الترمذي: وقد روي موقوفا على ابن عمر.
وقال أحمد - في رواية أبي طالب: - الحديث «ليس على مال [استفيد] زكاة حتى يحول [عليه الحول] » فإن قيل: «اللام للعهد» ، أي حول المال الذي كان معه.
قيل: [بل] للعهد العام الذي هو اثنا عشر شهرا.
«تنبيه» : قد يقال: [ظاهر] كلام الخرقي أن مضي الحول على جميع النصاب شرط [فلو نقص] الحول نقصا يسيرا أثر، وهذا ظاهر كلام القاضي، لكنه ذكر ذلك فيما إذا وجد النقص في أثناء الحول، وقال أبو بكر: ثبت أن نقص الحول ساعة أو ساعتين معفو عنه، وكذلك قال أبو البركات: لا يؤثر نقصه دون اليوم.
قال أبو محمد: ويحتمل أن أبا بكر أراد النقص في طرف الحول، والقاضي قال ذلك في أثنائه، فيرتفع الخلاف، والله أعلم.

تعجيل الزكاة

قال: ويجوز تقدمة الزكاة.
ش: يجوز تقدمة الزكاة في الجملة.

1179 - لما روى حجية عن علي «أن العباس سأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك» ، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي.
وفي رواية أخرى للترمذي أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعمر: «إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام» لكن حجية قال أبو حاتم: شيخ لا يحتج بحديثه شبيه بالمجهول.
وقال البيهقي: اختلف في هذا الحديث، والمرسل فيه أصح، واختلف عن أحمد فيه، فضعفه في رواية الأثرم، وإبراهيم بن الحارث، ونقل عنه أيضا إبراهيم بن الحارث، أنه احتج به، وهو يدل على أن الضعف الذي فيه لم يزل الاحتجاج به.

1180 - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «بعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عمر بن الخطاب على الصدقة، فمنع ابن جميل، وخالد بن الوليد، والعباس عم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله، وأما خالد بن الوليد فإنكم تظلمون خالدا، وقد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، وأما العباس عم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فهي علي ومثلها» ثم قال: «يا عمر، أما شعرت أن [عم] الرجل صنو أبيه؟» رواه الشيخان وغيرهما.
والحجة في قوله: «فهي علي ومثلها معها» وهذا لفظ مسلم وأبي داود، ومعناه أنه قد تسلف منه صدقة سنتين، فصارت دينا عليه، وقيل: قبض منه صدقة عامين،

العام الذي شكا فيه العامل، وتعجيل صدقة عام ثان، وقيل: بل ضمن أداءها - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عنه سنتين، وعلى هذا لا حجة فيه.
ولفظ البخاري والنسائي في هذا الحديث: «هي عليه صدقة له ومثلها معها» قال البيهقي: يبعد أن يكون محفوظا، لأن العباس هاشمي، تحرم عليه الصدقة.
وقال غيره: إلا أن يكون [قبل] تحريم الصدقة عليهم، ورأى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إسقاط الزكاة عنه عامين.
وقال أبو عبيد: أرى والله أعلم أنه أخر عنه الصدقة عامين لحاجة عرضت للعباس.
إذا تقرر هذا فشرط تقدمة الزكاة عن الحول تمام النصاب، ليوجد سبب الزكاة فتصير في سلك تقديم الحكم بعد وجود سببه، وقبل وجود شرطه،

كالكفارة تقدم بعد اليمين، وقبل الحنث، وكفارة القتل، تقدم بعد الجرح وقبل الزهوق، وفدية الأذى تقدم بعد الأذى وقبل الحلق، ونحو ذلك.
ويشترط أيضا وجود الحرية والإسلام.
والفرق على ما قاله القاضي وغيره أن الحرية والإسلام لا يختصان بالزكاة، بل هما شرطان للحج وغيره، أما الحول فيختص بها، ويرد على هذا الفرق السوم في الماشية، فإن وجوده شرط للإخراج، وهو مختص بالزكاة.
وقد يقال: [في الفرق] بين الحول وهذه الشروط: أن الأصل بقاء الحياة، والظاهر مضي الحول، فأقمنا الظاهر مقام الحقيقة أما في هذه الشروط فإن الأصل عدمها، فبقينا على الأصل، ومن جهة النص أن الشارع إنما رخص في هذا الشرط، ولم يرد الترخيص في غيره.
ثم اعلم أنه يجوز تقدمة زكاة عام واحد، بلا خلاف عندنا، وفي تعجيلها لأكثر من ذلك روايتان، كذا في كتب أبي محمد، تبعا لأبي الخطاب في الهداية، وقيدهما أبو البركات، وابن الزاغوني [بعامين] ونص أحمد ورد على ذلك، والله أعلم.

«تنبيه» : نقم ينقم، ونقم ينقم، «وأعتده» جمع «عتد» بفتح العين والتاء القوس الصلب، وقيل: المعد للركوب، وقيل: السريع الوثب ورواه جماعة «وأعبده» بالباء الموحدة جمع قلة للعبد، وروى «عقاره» بالقاف والعقار الأرض، والضياع والنخل، ومتاع البيت، وروي «أعتاده» والعتاد ما أعد من سلاح وآلة ومركوب للجهاد «والصنو» المثل أي مثل أبيه، وأن أصله وأصل أبيه واحد، وأصل الصنو [أن] تطلع النخلتان والثلاث من عرق واحد، والله أعلم.

قال: ومن قدم زكاة ماله، فأعطاها لمستحقيها فمات المعطى قبل الحول أو بلغ الحول وهو غني منها أو من غيرها، أجزأت [عنه] . ش: المعتبر عندنا حال الإخراج، فإذا دفع الزكاة المعجلة إلى مستحقها فمات قبل الحول أو ارتد، أو وصل الحول وهو غني، أجزأت عنه، ولو دفعها إلى غني أو عبد، فصار عند الحول فقيرا أو حرا لم تجزئه، كما اقتضاه مفهوم

[كلام] الخرقي، وصرح به غيره، لأن الله سبحانه جعل الصدقة للأصناف المذكورة، فمن دفعها إليهم فقد خرج عن العهدة لظاهر الآية، ومن دفعها إلى غيرهم لم يخرج عن العهدة، إذ المدفوع لم يخرج عن كونه صدقة، ولأن ما جاز تقديمه على وقت وجوبه فالمراعى فيه حال التعجيل، دون حال الوجوب، أصله الرقبة في الكفارة، إذا أعتقها قبل الموت، أو قبل الحنث، ثم عمي العبد، أو حدث به ما يمنع الإجزاء، فإنه لا يؤثر، كذلك [ها] هنا، [والله أعلم] .

اشتراط النية في الزكاة

قال: ولا يجزئ إخراج الزكاة إلا بنية، إلا أن يأخذها الإمام منه قهرا.
ش: الزكاة عبادة، فلا بد لها من النية كالصلاة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» . وقال: «لا عمل إلا بنية» ولا نزاع عندنا في هذا إذا كان المخرج هو المالك، أو النائب عنه، كولي الصبي والمجنون، أما إن أخذها الإمام من غير نية رب المال فإنها

تجزئه في الظاهر بلا نزاع، بمعنى أنه لا يؤمر بأدائها ثانيا.
وهل تجزئه في الباطن؟ فيه ثلاثة أوجه: (أحدها) : تجزئه مطلقا، وهو قول القاضي أظنه في المجرد، لأن للإمام ولاية عامة، ولذلك يأخذها من الممتنع، فأشبه ولي الصبي والمجنون، ولأن أخذه يجري مجرى القسم بين الشركاء.
(والثاني) : لا تجزئه مطلقا، وهو اختيار أبي الخطاب، وابن عقيل، وأبي العباس في فتاويه إذ الزكاة عبادة، فلا تجزئ بغير نية من وجبت عليه كالصلاة.
(والثالث) : يجتزئ بنية الإمام إن أخذها قهرا، لأن له [إذًا] ولاية على الممتنع، فقامت نيته مقام نيته، كولي الصبي والمجنون، ولا يجتزئ بنيته إن أخذها طوعا، لعدم ولايته، وهذا اختيار الخرقي، والله أعلم.

من لا يجوز إعطاؤه من الزكاة

قال: ولا يعطي الصدقة المفروضة للوالدين وإن علوا، ولا للولد وإن سفل.
ش: لا يعطي من الصدقة المفروضة للوالدين وإن علت درجتهم، وكانوا من ذوي الأرحام، كأبي أبي أمه، ولا للولد وإن سفل، وكان من ذوي الأرحام، كبنت بنت بنت بنته، نص عليه أحمد والأصحاب، لأن ملك أحدهما في حكم ملك الآخر، بدليل أنه لا يقطع أحدهما بسرقة مال الآخر، ولا تقبل شهادة أحدهما لصاحبه، وإذا كان في حكم ملكه فكأنه

لم يزل ملكه عنه، ومن شرط الزكاة زوال الملك، ولأن الإجماع قد انعقد على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى والديه في الحال التي تجب عليه نفقتهما فنقول: قرابة أثرت [في] منع الزكاة، فوجب أن تؤثر مطلقا، دليله قرابة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تؤثر في المنع وإن كان الخمس معدوما.
ومفهوم كلامه أن يجوز دفع صدقة التطوع إليهم، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى، ومفهومه أن يجوز دفع الصدقة المفروضة إلى سائر الأقارب، ولا يخلو القريب [من غير عمودي النسب] إما أن تجب نفقته على الدافع أو لا، فإن لم تجب نفقته [عليه] جاز الدفع إليه بلا نزاع، وإن وجبت نفقته ففيه روايتان مشهورتان: (إحداهما) - وهي اختيار الخرقي، ذكره في باب قسم الفيء والغنيمة، والقاضي في التعليق، وصاحب التلخيص - المنع، قال القاضي: وهي أشهرهما.
قلت: وأنصهما.
نظرا إلى أن من تلزمه نفقته غني بوجوب النفقة له، فأشبه الغني، ولأن نفع الزكاة والحال هذه يعود إلى الدافع، لأنه يسقط عنه [النفقة] لغنى المدفوع إليه بها، فأشبه ما لو دفعها لعبده.
1181 - وقد روى الأثرم في سننه عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: إذا كان ذو قرابة لا تعولهم فأعطهم من زكاة مالك، وإن كنت

تعولهم فلا تعطهم، ولا تجعلها لمن تعول.
(والثانية) - وقال أبو محمد في المغني: إنها الظاهرة عنه - الجواز: 1182 - لعموم قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الصدقة على المسكين صدقة، وهي لذي الرحم ثنتان، صدقة وصلة» . رواه أحمد والترمذي، وابن ماجه، والصدقة والرحم عامان.
1183 - وعن أبي أيوب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح» رواه أحمد.
«تنبيه» : اعلم أن عامة الأصحاب على حكاية الروايتين، وقال القاضي في التعليق في النفقات: وهاهنا يمكن حملها على

اختلاف حالين، فالموضع الذي منع إذا كانت النفقة واجبة، والموضع الذي أجاز إذا لم تجب [كما] إذا لم يفضل عنه ما ينفق عليهم، والله أعلم.

قال: ولا للزوج ولا للزوجة.
ش: عطف على الوالدين، أما الزوجة فبالإجماع، قاله ابن المنذر، ولأن نفقتها واجبة عليه، وبها تستغني عن الزكاة، وأما الزوج ففيه روايتان منصوصتان: (إحداهما) - وهي اختيار القاضي في التعليق - الجواز، لدخوله تحت قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: 60] الآية.
1184 - «وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قالت: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن» قالت: فرجعت إلى عبد الله فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمرنا بالصدقة، فأته فاسأله، فإن كان ذلك يجزئ عني، وإلا صرفتها إلى غيركم.
قالت: فقال عبد الله: بل ائتيه أنت.
قالت: فانطلقت فإذا امرأة [من الأنصار] بباب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حاجتها حاجتي، قالت:

وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد ألقيت عليه المهابة، قالت: فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبره أن امرأتين بالباب يسألانك أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما، ولا تخبر من نحن.
قالت: فدخل [بلال] فسأله، فقال له: «من هما» ؟ قال: امرأة من الأنصار، وزينب.
قال: «أي الزيانب؟» قال: امرأة عبد الله.
فقال: «لهما أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة» متفق عليه، وللبخاري: أتجزئ عني أن أنفق على زوجي، وأيتام لي في حجري، انتهى.
لا يقال: السياق يقتضي التطوع، لأنا نقول الاعتبار باللفظ لا بالسبب.
(والثانية) : - وهي اختيار الخرقي، وأبي بكر - المنع، قياسا لأحد الزوجين على الآخر، ولأن النفع يعود لها، لأنها تتمكن إذًا من أخذ نفقة الموسرين منه أو من أصل النفقة مع العجز

الكلي.
وحديث زينب تأوله أحمد في رواية ابن مشيش على غير الزكاة، والله أعلم.

قال: ولا الكافر.
ش: عطف أيضا على ما تقدم، وهذا إجماع حكاه ابن المنذر.
1185 - وفي الصحيحين في حديث معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: «أخبرهم أن [الله قد فرض] عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» والصدقة إنما تؤخذ من أغنياء المسلمين، والذمي ليس من فقرائهم، والله أعلم.

قال: ولا المملوك.
ش: لأن العبد يجب على سيده نفقته، فهو غني بغناه، وقد قال أبو محمد: لا أعلم فيه خلافا.

قال: إلا أن يكونوا من العاملين [عليها] ، فيعطون بحق ما عملوا.

ش: هذا الاستثناء راجع إلى الوالدين، والمولودين، والزوجة، والزوج، والكافر والمملوك، وبه يتم الكلام على ما تقدم، وإنما جاز لمن تقدم أن يأخذ من الزكاة إذا كان عاملا لأن الذي يأخذه أجرة عمله، لا زكاة، فلذلك يقدر ما يأخذه بقدر عمله، قال أحمد: يأخذ على قدر عمالته.
واعلم أن كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - تضمن أمورا: (أحدها) : أن قوله: الصدقة المفروضة.
يدخل فيه الزكاة، والكفارة، والنذر، وقد يخرج منه النذر بالنظر إلى أصله.
وقد نص الخرقي على الكفارة في بابها، مصرحا بأن حكمها حكم الزكاة.
ونص أبو الخطاب في الهداية أيضا على ذلك.
وخرج بقوله: المفروضة.
التطوع، فإنه يجوز لمن تقدم الأخذ منه، ولا ريب في ذلك، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] والأسير يومئذ هو الكافر.
1186 - «وعن أسماء بنت أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قالت: قدمت علي أمي [وهي مشركة] فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: «نعم صلي أمك» . (الثاني) : أن ظاهر كلامه أن العامل يجوز أن يكون كافرا أو عبدا، أو أبا، وهو مبني على ما تقدم من [أن] الذي يأخذه العامل يأخذه أجرة لا زكاة، لكن اختلف عن أحمد هل من شرطه الإسلام؟ على روايتين: (إحداهما) : لا، وهي اختيار

الخرقي، والقاضي في الجامع الصغير، وفي التعليق الكبير، وابن البنا وجماعة، لإطلاق قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60] . ولما تقدم من أن الذي يأخذه العامل يأخذه أجرة لا زكاة، وتجوز إجارة الكافر.
(والثانية) : نعم، اختاره القاضي فيما حكاه عنه أبو الخطاب، وكأنه في المجرد، نظرا إلى أن من شرط العامل الأمانة بالاتفاق والكافر ليس بأمين.
وأجاب القاضي في التعليق بأنا نشترط أمانته، كما نشترط عدالته في الوصية في السفر.
(الأمر الثالث) أن الخرقي إنما جوز دفع الزكاة [لمن تقدم] إذا كانوا عمالا فقط، لأنه إنما استثنى العامل [لا غير] وقال: [أبو الخطاب] وصاحب التلخيص، وأبو البركات: يجوز دفع الزكاة لمن تقدم إذا كانوا عمالا، أو غزاة، أو مؤلفة، أو غارمين لإصلاح ذات البين، وهو مقتضى كلام القاضي في التعليق، لأنهم إنما يأخذون لمصلحتنا، لا لحاجتهم.
1187 - وفي سنن أبي داود، والموطأ عن عطاء بن يسار، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تحل الصدقة لغني إلا [لخمسة] ، لغاز في سبيل

الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني» . ولأبي سعيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - معناه، قاله أبو داود، ورواه أحمد، والحاكم، وقال: على شرطهما وحكى أبو محمد في المغني عن الأصحاب أنهم جوزوا الدفع إلى الغارم لمصلحة نفسه، وإن كان من ذوي القربى، وحكى هو احتمالا بالمنع، والله أعلم.

قال: ولا لبني هاشم ولا لمواليهم.
ش: أي ولا يدفع من الصدقة المفروضة لبني هاشم، ولا لمواليهم.
1188 -[أما بنو هاشم] فلما «روى المطلب بن ربيعة بن الحارث بن [عبد] المطلب، أنه و [الفضل] بن العباس انطلقا إلى رسول الله

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله، جئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات، فنصيب ما يصيب الناس من المنفعة، ونؤدي إليك ما يؤدي الناس.
    فقال: «إن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس» مختصر، رواه أحمد ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
    1189 - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال رسول الله: «كخ كخ [ارم بها] أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟» وفي رواية: «أنا لا تحل لنا الصدقة» متفق عليه.
    1190 - وأما مواليهم فلما «روى أبو رافع - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: بعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلا على الصدقة من بني مخزوم، قال أبو رافع: فقال [له] : اصحبني فإنك تصيب منها معي، قلت: حتى أسأل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فانطلق إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «مولى القوم من أنفسهم، وإنا لا تحل لنا الصدقة» رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
    ومقتضى كلام الخرقي أنه يجوز دفع صدقة التطوع إليهم، وهو المشهور والمختار من الروايتين.
    1191 - نظرا إلى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «المعروف كله صدقة» متفق عليه، ولا خلاف في إباحة المعروف إلى الهاشمي.
    1192 - وعن جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة، فقلت له: أتشرب من الصدقة؟ فقال: إنما

حرمت علينا الصدقة المفروضة.
«والرواية الثانية» لا يجوز، لعموم ما تقدم، ورد بأن التعريف للعهد لا للعموم.
(فعلى الأولى) : يجوز لهم الأخذ من الوصايا والنذور، قال أبو محمد: لأنهما تطوع وفي الكفارة قولان.
ومقتضى كلامه أيضا [أنه لا يجوز أن يأخذوا لعمالتهم، وظاهر كلامه] في قسم الفيء والغنيمة - بل نصه - إباحة ذلك، وهي مسألة: هل من شرط العامل كونه من [غير] ذوي القربى؟ وفيها قولان، المشهور منهما، والمختار لجمهور الأصحاب عدم الاشتراط، نظرا إلى إطلاق قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60] وبأن ما يأخذه أجرة لا زكاة، وحديث أبي رافع محمول على التنزيه.
(والقول الثاني) : وهو اختيار أبي محمد يشترط، لما تقدم من حديث أبي رافع.
ويجوز أن يعطوا [أيضا لكونهم] غزاة، أو غارمين لإصلاح ذات البين.
قال القاضي: في قياس المذهب، لأنهم يأخذون لمصلحتنا، لا لحاجتهم [وفقرهم] وكذلك قال صاحب التلخيص، وأبو البركات، وزاد: أو مؤلفة.

ومقتضى كلامه أيضا أن لبني المطلب الأخذ من الصدقة المفروضة، لأنه خص المنع ببني هاشم، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، لدخولهم تحت قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: 60] خرج [منه] يقينا - بنو هاشم، فما عداه يبقى على مقتضى الأصل، ولأن بني المطلب في درجة بني أمية، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يلتقي في النسب مع بني أمية وبني المطلب.
1193 - ولهذا قال عثمان وجبير بن مطعم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وإنما بنو المطلب [ونحن في القرابة سواء.؟ وبنو أمية لا

تحرم عليهم الصدقة، فكذلك بنو المطلب] . (والرواية الثانية) : يمنعون كبني هاشم، اختارها القاضي في التعليق، نظرا إلى أنهم يأخذون من الخمس، فمنعوا كبني هاشم.
1194 - يؤيده ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال للعباس: «أليس في خمس الخمس ما يغنيكم عن أخذ أوساخ الناس» ؟ فعلل المنع من الأخذ بالخمس، وبنو المطلب يأخذون من الخمس فعلى هذا ما حكم مواليهم؟ قال القاضي: لا نعرف فيه رواية، ولا يمتنع أن نقول فيهم ما نقول في موالي بني هاشم.
«تنبيه» : «كخ كخ» زجر للصبيان، وردع عما يلابسونه من الأفعال [قال في اللباب: كخ كخ.
ليس بعربي] والله تعالى أعلم.

قال: ولا لغني.
ش: لا تحل صدقة الفرض لغني في الجملة، لأن الله سبحانه

وتعالى حصرها في الفقراء بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: 60] الآية.
1195 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[قال] : «لا تحل الصدقة لغني، [ولا لذي مرة سوي» رواه أبو داود، والترمذي وفي رواية لأبي داود: «ولا لذي مرة قوي» . وللنسائي عن أبي هريرة نحوه.
1196 - «وأخبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه لا حظ فيها لغني] ، ولا لقوي مكتسب» ويستثنى من ذلك العامل، والمؤلف [والغازي] ، والغارم لإصلاح ذات البين، فإن الغنى لا يمنع من الدفع إليهم، لما

تقدم من أن الدفع لمصلحتنا، لا لحاجتهم، ويجوز للغني أن يأخذ من صدقة التطوع لما تقدم.
«تنبيه» : «المرة» القوة والشدة، و «السوي» المستوي الخلق، التام الأعضاء، والله أعلم.

قال: وهو الذي يملك خمسين درهما، أو قيمتها من الذهب.
ش: اختلفت الرواية عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في حد الغنى، فنقل عنه منها أن يكون له كفاية على الدوام، إما من تجارة، أو من صناعة، أو أجرة عقار، أو غير ذلك، فالحكم على هذه الرواية منوط بالحاجة وعدمها، فمن كان محتاجا حلت له الزكاة وإن ملك نصبا، ومن لم يكن محتاجا لم تحل له وإن لم يملك شيئا، وهذه الرواية اختيار أبي الخطاب، وابن شهاب العكبري.
1197 - لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لقبيصة بن مخارق: «يا قبيصة لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة» وذكر الحديث إلى أن قال: «ورجل أصابته فاقة، حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة.
فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو سدادا من عيش» رواه مسلم وغيره.
فأباح - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - –

المسألة حتى يصيب القوام أو السداد، فمن ملك خمسين درهما ولم يصب القوام ولا السداد حل له بمقتضى النص الأخذ، ولأن في العرف أن من كان محتاجا فهو فقير، فيدخل في عموم النص.
ونقل عنه جماعة أن من ملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب وإن كان حليا فهو غني وإن لم تحصل له الكفاية، وإن ملك عقارا قيمته عشرة آلاف درهم أو يحصل له من غلته مثل ذلك، أو أقل، أو أكثر، ولا يقوم بكفايته يأخذ من الزكاة، وهذا هو المذهب عند الأصحاب، حتى إن عامة متقدميهم لم يحكوا خلافا.
1198 - وذلك لما روي عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من سأل وله ما يغنيه جاءت يوم القيامة خدوشا أو كدوشا في وجهه» قالوا: يا رسول الله وما غناه؟ قال: «خمسون درهما أو حسابها من الذهب» رواه الخمسة، وحسنه الترمذي، وأحمد في رواية الأثرم، فقال: حسن بين وإليه نذهب.
انتهى.

1199 - وقال في رواية عبد الله: روي عن سعد، وابن مسعود، وعلي.
يعني اعتبار الخمسين، وهذا نص في أن من ملك خمسين درهما أو حسابها من الذهب أنه غني، وما عداه يبقى فيه على قصة قبيصة، وعلى قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» .

«تنبيه» : «الحجى» العقل، والله أعلم.

مصارف الزكاة

قال: ولا تعطى إلا في الثمانية الأصناف التي سمى الله عز وجل.
ش: لأن الله سبحانه وتعالى حصرها في الثمانية بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60] الآية.
1200 - «وعن زياد بن الحارث الصدائي قال: أتيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فبايعته.
فذكر حديثا طويلا، فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة.
فقال [له] رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت منهم أعطيتك» رواه أبو داود.
وقد تضمن كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنه لا يعطى منها لبناء قنطرة ولا سقاية، ونحو ذلك، وهو صحيح لما تقدم.

وتضمن أيضا أن حكم المؤلفة باق، وهذا أشهر الروايتين عن أحمد، واختيار الأصحاب، لأن الله تعالى ذكرهم، وكذلك المبين لكتابه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأعطاهم، فالأصل بقاؤهم، إلا أن يدل دليل على النسخ ولا دليل عليه، واحتماله غير كاف.
(وعن أحمد) - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن حكمهم انقطع للاستغناء عنهم.
1201 - وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنا لا نعطي على الإسلام شيئا، (فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر) . «تنبيه» : مقتضى كلام الشيخين جريان الخلاف على الإطلاق، ومقتضى كلام [صاحب] التلخيص تبعا لأبي الخطاب في الهداية أن الخلاف مختص بالكافر منهم، أما المسلم فالحكم باق في حقه بلا نزاع، وكلام القاضي في التعليق يحتمل ذلك، والله أعلم.

قال: إلا أن يتولى الرجل إخراجها بنفسه، فيسقط العامل.

ش: لما دل كلامه السابق على أنه يجوز دفعها في الثمانية، استثنى من ذلك [ما] إذا تولى الرجل إخراجها بنفسه، فإن العامل يسقط للاستغناء عنه إذًا، إذ هو إنما يأخذ أجر عمله ولا عمل، والله أعلم.

قال: وإن أعطاها كلها في صنف واحد أجزأه إذا لم يخرجه إلى الغنى.
ش: المشهور والمختار عند جمهور الأصحاب من الروايتين أنه يجوز لرجل دفع زكاته إلى صنف واحد من الأصناف بشرطه، بناء على أن اللام في الآية الكريمة للاختصاص، ولبيان جهة المصرف، ويدل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271] [فاقتصر سبحانه على الفقراء بعد ذكر الصدقات وهو عام] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: 24] ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 25] فجعل الحق - والظاهر أنه الزكاة - لصنفين فقط.
1202 - وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمعاذ: «أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم» فلم يذكر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا صنفا واحدا.

1203 - ويروى «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لسلمة بن صخر: «اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك» . 1204 - «وعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أسأله فيها، فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» مختصر، رواه مسلم وغيره.
(وعن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -) رواية أخرى: يجب أن يستوعب الأصناف إلا أن يخرجها بنفسه فيسقط العامل، اختارها أبو بكر في تعاليق أبي حفص، بناء على أن اللام في الآية الكريمة للملك، ولحديث زياد بن الحارث الصدائي فإنه قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جَزَّأَها ثمانية أجزاء» وحمل على بيان وجه المصرف.

وقول الخرقي: ما لم يخرجه إلى الغنى.
بيان لشرط الدفع، وهو أنه إذا دفع إلى صنف أو أكثر إنما يدفع ما تحصل به الكفاية والاستغناء، وتزول به الحاجة، إلا أن قول الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذا لم يخرجه إلى الغنى.
ظاهره أن شرط الإعطاء أن لا يوصله إلى الغنى، [بل لا بد أن ينقص عنه، ونص أحمد والأصحاب يقتضي أنه يوصله إلى الغنى] لكن لا يزيد عليه، وإذًا فلنتعرض إلى ما يدفع إلى كل واحد من الأصناف، على سبيل الاختصار.
فيدفع إلى الفقير والمسكين أدنى ما يغنيهما، فإن كان المدفوع إليهم غير الذهب والفضة دفع إليهما [تمام] كفايتهما لسنة، قاله القاضي، وأبو البركات، وغيرهما، نظرا إلى أن ظاهر كلام أحمد اعتبار كفاية العمر [وكفاية العمر] تحصل بذلك، إذ في كل سنة يدفع إليهما، [فتحصل لهما] الكفاية الأبدية، فإن كان المدفوع إليه ذا حرفة، واحتاج إلى ما يعمل به من عدة ونحو ذلك، دفع إليه ما يحصل ذلك، وكذلك الحكم إن كان المدفوع إليهما ذهبا أو فضة، وقلنا: المعتبر في الغنى الكفاية، من غير نظر إلى قدر من المال.
وإن قلنا: الغنى يحصل بخمسين درهما، أو قيمتها من الذهب.
لم يدفع إليهما أكثر من ذلك، نص عليه أحمد في رواية الأثرم، وإبراهيم بن الحارث، ومحمد بن الحكم، وينبغي

أنه إذا كان معهما قدر من ذلك أنه يكمل لهما تمام الخمسين، أو قيمتها من الذهب.
ويدفع إلى العامل أجرة مثله، ويدفع إلى المؤلف ما يحصل به التأليف، قاله أبو محمد، وقال صاحب التلخيص فيه: يدفع إليه ما يراه الإمام، وهو قريب من الأول، ويدفع في الرقاب بأن يعطى المكاتب ما عليه إن لم يجد وفاءه، أو يفتدي أسيرا، ونحو ذلك، على ما سيأتي [بيانه] إن شاء الله تعالى، ويدفع إلى الغارم قدر دينه.
وإلى الغازي ما يحتاج إليه لغزوه.
وإلى الفقير ما يحج به في رواية، ويدفع إلى ابن السبيل ما يوصله بلده، ولا يزاد أحد منهم على ذلك، والله أعلم.

نقل الزكاة

قال: ولا تخرج الصدقة من بلدها إلى بلد تقصر في مثله الصلاة.
ش: المذهب أنه لا يجوز نقل الزكاة من بلدها إلى بلد تقصر في مثله الصلاة، مع القدرة على دفعها في بلدها، هذا المعروف في النقل، وظاهر كلام أحمد [والخرقي] وإن كان القاضي في روايتيه، وجامعه الصغير، وتعليقه الكبير، ترجم المسألة بلفظ الكراهة، واحتج أحمد بحديث معاذ المتفق عليه، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: «أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» .

لا يقال: المراد فقراء المسلمين.
لأنا نقول: الضمير راجع إلى أهل اليمن، إذ هم المبعوث إليهم، أي صدقة تؤخذ من أغنياء مسلمي اليمن، فترد في فقراء مسلمي اليمن، (فإن قيل) : اليمن بلاد كثيرة، فعموم الحديث يقتضي الدفع إلى جميع فقرائها؟ (قيل) : لكنه ظاهر في منع الدفع في إقليم آخر، وإذًا فيتعارض ظاهران، والحمل على جانب العموم أولى، لتطرق التخصيص إليه غالبا، ثم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فترد في فقرائهم» في معنى الأمر، فلو حمل على جميع [بلاد] اليمن لحمل على المكروه، وحمل الأمر على المكروه ممتنع.
1205 - واحتج أحمد أيضا بما روى الأثرم في سننه، عن طاوس [قال: في كتاب] معاذ بن جبل: «من انتقل من مخلاف إلى مخلاف فإن صدقته وعشره في مخلاف عشيرته» انتهى.
1206 - وعن عمران بن حصين، أنه استعمل على الصدقة، فلما رجع قيل له: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناه من حيث

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل