كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
استعمالهما شرعا، أشبه الجريح، وحكم الخلط حكم الإراقة.
وإطلاق الخرقي يقتضي أنه إذا صلى بالتيمم لا إعادة عليه بعد، ولو علم عين الطاهر، وهو المعروف من الوجهين، [والله سبحانه أعلم] .
باب الآنية
قال:
باب الآنية ش: (الآنية) جمع إناء، كسقاء وأسقية، وجمع الآنية أواني، والأصل: ءآني.
أبدلت الهمزة الثانية واوا، كراهة اجتماع همزتين، ومثله: آدم وأوادم.
قال: وكل جلد ميتة دبغ أو لم يدبغ فهو نجس
ش: مراد الخرقي - والله أعلم - الميتة النجسة، وقد تقدم بيان الميتة النجسة من الطاهرة، وجلد الميتة قبل الدبغ نجس، أما بعد الدبغ ففيه روايتان: أشهرهما: - وهي اختيار الخرقي وعامة الأصحاب - أنه نجس، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] والجلد جزء منها، وهذا على القول بعمومها، كما هو ظاهر كلام إمامنا - رَحِمَهُ اللَّهُ - لأنه استدل بها على ذلك، وكثير من أصحابنا، منهم القاضي في الكفاية، وعلى هذا إما
أن يمنع صحة الأحاديث الواردة في الدباغ، كما أشار إليه أحمد كما سيأتي، أو يلتزم صحتها ويمنع تخصيص عام القرآن بالسنة على أنا نلتزم أن الآية الكريمة ليست عامة، وإنما المحرم تحريم الفعل المقصود من كل جزء منها، والمقصود من الجلد الانتفاع به، كما أن المقصود من اللحم الأكل.
36 - ويؤيد ذلك حديث عبد الله بن عكيم قال: كتب إلينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» وفي رواية أبي داود: قبل موته بشهر: «أن لا تنتفعوا» وفي رواية للترمذي: بشهرين.
رواه الخمسة وحسنه الترمذي، وقال أحمد: ما أصلح إسناده.
وفي رواية ابنه صالح: قال: ليس عندي في الدباغ حديث صحيح، وحديث ابن عكيم أصحها.
وفي لفظ للدارقطني: «كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» وهو مشعر بنهي بعد رخصة، وأن ما ورد من
الرخصة كان أولا.
ولا يقال الإهاب اسم للجلد قبل الدبغ.
قاله النضر بن شميل وغيره، لأنا نمنع ذلك، كما قاله طائفة من أهل اللغة ويؤيد قولهم أنه لم يعلم من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه قبل الدبغ رخصة، ولا عادة الناس الانتفاع به.
فعلى هذه - وقيل: وإن لم يدبغ - هل يجوز استعماله في اليابس ونحوه؟ على روايتين، أما في المائع فقال كثير من الأصحاب: لا ينتفع بها رواية واحدة، قال ابن عقيل: ولو لم ينجس الماء، بأن كانت تسع قلتين.
قال: لأنها نجسة العين، أشبهت جلد الخنزير، وجوز أبو العباس في فتاويه الانتفاع بها في ذلك إن لم ينجس الماء، وقيل: يجوز الانتفاع بها في اليابس انتهى.
فعلى رواية الجواز يجوز الدبغ، وعلى رواية المنع فيه (وجهان) .
(والثانية) أن الدباغ مطهر في الجملة، اختارها أبو العباس، وإليها ميل جده في المنتقى، وابن حمدان في الكبرى، وقيل: إنها آخر قولي أحمد، قال أحمد بن الحسن الترمذي كان أحمد يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر: قبل وفاته بشهرين.
ويقول: هذا آخر الأمرين من
رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم تركه للاضطراب في إسناده، حيث روى بعضهم: عن عبد الله بن عكيم، عن أشياخ من جهينة.
37 - وذلك لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «تصدق على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمر بها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به» .
38 - (وعنه أيضا) قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» رواهما مسلم وغيره وفي رواية في الصحيح أيضا: «إنما حرم أكلها» » .
39 - – ولأحمد، وأبي داود، والنسائي، والدارقطني - وصححه - في حديث شاة ميمونة: «يطهرها الماء والقرظ» .
40 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في جلد الميتة قال: «إن دباغة ذهب بخبثه أو رجسه أو نجسه» رواه البيهقي
في سننه وصححه وإذاً يمنع العموم في الآية الكريمة، ويدعى فيها إما الإجمال كما قاله القاضي في العدة، أو أن المحرم تحريم الأكل، لأنه المقصود منها عرفا، أو يلتزم العموم ويدعى تخصيصه بما تقدم، وحديث ابن عكيم لا يقاوم حديث ابن عباس.
41 - ثم قد ورد نحوه من حديث عائشة، وعالية بنت سبيع، وسلمة بن المحبق، وكلها في السنن على أن حديث ابن عكيم يحمل على ما قبل الدبغ، جمعا بين الأحاديث.
وعلى هذه الرواية هل الدباغ يصيره كالحياة، بدليل رواية ابن عباس التي رواها البيهقي، وهو اختيار أبي محمد، وصاحب التلخيص فيه، فيطهر جلد كل ما حكم بطهارته في الحياة كالهر
ونحوها، ما سوى الكلب والخنزير، والمتولد منهما على رواية، أو كالذكاة.
42 - لأن في رواية: «ذكاتها دباغها» وهو اختيار أبي البركات فلا يطهر إلا ما تطهره الذكاة، فيه وجهان، وقد يخرج عليهما جلد الآدمي، فإن في طهارته - إن قيل بنجاسته بالموت - بالدبغ وجهان، والله أعلم.
آنية عظام الميتة
قال: وكذلك آنية عظام الميتة.
ش: يعني أنها نجسة إذا كانت من ميتة نجسة؛ لما تقدم من حديث عبد الله بن عكيم.
43 - وفي بعض ألفاظه: «أن «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» رواه البيهقي في سننه، ولأن الحياة تحله فينجس بالموت كالجلد، ودليل الوصف قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78]
الآية، وحكى أبو الخطاب ومن تبعه قولا بالطهارة، وهو مختار أبي العباس.
44 - لما روى أبو داود عن ثوبان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «اشتر لفاطمة سوارين من عاج» والعاج عظم الفيل، وحكم القرن، والظفر، والحافر، كالعظم، إن أخذ من مذكى فهو طاهر، ومن حي طاهر في الحياة ينجس بالموت فهو نجس، وكذلك ما سقط عادة من قرون الوعول ونحوها، ولأبي محمد (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) فيه احتمال بالطهارة، والله أعلم.
الوضوء في آنية الذهب والفضة
قال: ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة.
ش: أراد بالكراهة (كراهة) التحريم، كما هو دأب السلف كثيرا، وقد صرح بذلك في غير هذا الموضع، فقال: والمتخذ آنية الذهب والفضة عاص، وفيها الزكاة وإذا حرم الاتخاذ
فالاستعمال أولى، وقال: والشرب في آنية الذهب والفضة حرام.
45 - وذلك لما روى حذيفة قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا» وفي رواية: «ولكم في الآخرة» متفق عليه.
46 - وعن أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» متفق عليه وفي رواية لمسلم: «الذي يأكل ويشرب» » وغير الأكل والشرب في معناهما.
وعموم كلام الخرقي يشمل الرجل والمرأة، وهو كذلك، لعموم الدليل، وتخصيصه المنع بالذهب والفضة يقتضي إباحة ما عداهما، وهو كذلك في الجملة.
47 - لأن في «حديث عبد الله بن زيد: أتانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخرجنا له ماء في تور (من صفر) فتوضأ» . رواه البخاري.
48 - وجاء «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ هو وأصحابه من مخضب من حجارة، ومن قدح من زجاج، وأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان له قدح من خشب يشرب فيه ويتوضأ» . ويدخل في المفهوم الثمين، وهو ما
كثر ثمنه، قال أبو البركات: هو ما كان جنسه أكثر قيمة من جنس النقدين، كالجوهر والبلور، ونحوهما وهو كذلك، لتخصيص النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النهي بالذهب والفضة، ومفهومه إباحة ما عداهما، فمفهوم اللقب حجة عندنا على الأشهر، ثم العلة فيهما الخيلاء، وكسر قلوب الفقراء، وهي غير موجودة هنا، إذ الجوهر ونحوه لا يعرفه إلا خواص الناس، ولا عبرة بكراهة الشيرازي الوضوء من الصفر والنحاس لما تقدم.
ويستثنى من العموم النجس، كآنية عظام الميتة ونحو ذلك، وقد
يؤخذ من كلامه ثم، والمحرم، كالمغصوبة ونحوها، والمضبب والمطعم بالذهب أو الفضة.
49 - لما روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من شرب من إناء ذهب، أو فضة، أو إناء فيه شيء من ذلك، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم» رواه البيهقي في سننه وقال: والمشهور عن ابن عمر في المضبب من قوله، وعن عمرة قالت: ما زلنا بعائشة حتى رخصت لنا في الحلي، ولم ترخص لنا في الإناء المفضض.
رواه البيهقي أيضا.
ويستثنى من المضبب [المضبب] بضبة من الفضة، ويأتي الكلام على هذا - إن شاء الله - في كتاب الأشربة، أبسط من هذا.
[تنبيهان: (أحدهما) : «يجرجر في بطنه» أي يحدر، جعل الشرب جرجرة، وهو صوت وقوع الماء في الجوف] (الثاني) : «التور» شبه الطست، وقال ابن الأثير: إناء صغير
«والمخضب» مثل الإجانة التي تغسل فيها الثياب.
والله أعلم.
قال: فإن فعل أجزأه
ش: إذا خالف وتوضأ فيها أجزأه عند الخرقي، وأبي محمد، إذ استعمال الماء في الوضوء حصل بعد فعل المعصية، وبهذا فارق الصلاة في البقعة الغصب، ولم يجزه عند أبي بكر، وأبي الحسين، وأبي العباس لإتيانه بالعبادة على وجه المحرم، أشبه الصلاة في المحل الغصب، ودليل الوصف وصف الشارع الأكل والشرب بالتحريم، مع حصولهما بعد فعل الأكل والشرب، حيث توسل إليهما بالمحرم.
وقول الخرقي: يتوضأ في آنية الذهب والفضة.
يحتمل أنه غطس فيها وكانت تسع قلتين، ووجد الترتيب، بأن أخرج وجهه أولا، ثم يديه، ثم مسح رأسه، أو غسله وقلنا: يجزئ عن المسح، ثم أخرج رجليه، وعلى هذا يصح فيما إذا توضأ منها، أو بها، أو جعلها مصبا للماء بطريق الأولى، ويحتمل أن يريد أنه جعلها مصبا للماء، وعلى هذا لا يلزم الصحة فيما إذا توضأ فيها، أو بها، أو منها، لأنا إذا قلنا بعدم الصحة في
هذه الصور، ففي جعلها مصبا احتمالان، أصحهما الصحة، والله أعلم.
صوف الميتة وشعرها
قال: وصوف الميتة وشعرها طاهر
ش: يعني من الميتة الطاهرة في الحياة، وإلا فالنجسة في الحياة؛ الموت لا يزيدها إلا خبثا، وهذا هو المعروف المشهور من نص أحمد، وعليه أصحابه، لقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [النحل: 80] الآية.
ساقه - سبحانه وتعالى - في سياق الامتنان، فالظاهر شموله لحالتي الحياة والموت، وفي الصحيح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجد شاة ميتة فقال: «هلا انتفعتم بجلدها» ؟ فقالوا: إنها ميتة.
فقال: «إنما حرم أكلها» (وعن أحمد) رواية أخرى أنها نجسة، أومأ إليها في شعر الآدمي الحي - ومن ثم يعلم أن حكاية صاحب التلخيص الخلاف في شعر غير الآدمي، والقطع فيه بالطهارة ليس بشيء - وذلك لما تقدم من حديث عبد الله بن عكيم: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» ولعموم ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3]
(وأجيب) : بأن المراد بالآية الحياة الحيوانية، ومن خاصيتها الحس والحركة الإرادية، وهما منتفيان في الشعر، وحكم الوبر والريش حكم الشعر.
وقد دخل في قولنا: من الميتة الطاهرة في الحياة شعر الهرة ونحوها، وهو اختيار أبي محمد وابن عقيل، وقيل بنجاسة شعر ذلك بعد الموت، إذ طهارته في الحياة لعلة مشقة الاحتراز منه، وقد زالت بالموت وجعل القاضي الخلاف في المنفصل في حياته أيضا، وألحق ابن البنا بذلك سباع البهائم ونحوها، على القول بطهارتها - والله أعلم -.
باب السواك وسنة الوضوء
ش: «السواك» والمسواك العود الذي يتسوك به، يذكر ويؤنث، سمي بذلك لكون الرجل يردده في فيه ويحركه، يقال: تساوكت الإبل إذا مشت مشيا في لين، «والسنة» الشريعة والطريقة.
50 - قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» .
51 - وقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» وإذا أطلقت في مقابلة الواجب أريد بها المستحب.
52 - ومنه قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله فرض صيام رمضان، وسننت لكم قيامه» الحديث، ورسمت بأنها ما رسم للتحدي، وهو ما يكون المتأسي فيه مماثلا للأول لا مخالفا له، والله أعلم.
قال: والسواك سنة.
53 - ش: عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» رواه أحمد والنسائي، والبخاري تعليقا مجزوما به، وابن حبان ورواه أيضا من طريق أبي هريرة، ورواه أحمد من طريق أبي بكر، وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
54 - ولأحمد عن واثلة.. «لقد أمرت بالسواك، حتى خشيت أن يكتب علي» .
55 - وفي الصحيحين عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» .. وهو لأبي داود، والترمذي من حديث زيد بن خالد الجهني.
والحكم الذي حكم به الخرقي يشمل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو اختيار ابن حامد، واختيار القاضي وابن عقيل الوجوب عليه، بخلاف أمته، والله أعلم.
أوقات استحباب السواك
قال: يستحب عند كل صلاة
ش: يتأكد استحباب السواك في مواضع (منها) عند الصلاة، لما تقدم من حديث أبي هريرة، «وعند المضمضة» في الوضوء.
56 - لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» رواه
أحمد بإسناد صحيح.
«وعند القيام» من نوم الليل.
57 - لأن في الصحيحين «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك» . «وعند دخول» المسجد والمنزل، وقراءة القرآن، وإطالة السكوت، وخلو المعدة من الطعام، واصفرار الأسنان، وتغير رائحة الفم، والله أعلم.
قال: إلا أن يكون صائما، فيمسك من وقت الزوال إلى أن تغرب الشمس
ش: هذا هو المشهور في المذهب، حتى أن ابن عقيل قال: لا يختلف المذهب في ذلك.
58 - وذلك لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك» والخلوف إنما يظهر غالبا بعد الزوال، ولأنه أثر عبادة، مستطاب شرعا، أشبه دم الشهيد، وهذا الإمساك على سبيل الاستحباب، فلو خالف ففي الكراهة روايتان.
وحكى القاضي وغيره رواية بالاستحباب، وهي أظهر.
59 - لما «روى عامر بن ربيعة قال: رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما لا أحصي يتسوك وهو صائم» . رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه.
60 - قال البخاري: وكان ابن عمر يستاك أول النهار وآخره ولأن مرضاة الرب أطيب من ريح المسك، والقياس نقول بموجبه، ونمنع أن الخلوف في محل السواك إنما هو من المعدة والخلو على أنه لو صح القياس للزم أن لا يزال بعد الغروب، وحيث سن السواك ففي كراهته بعود رطب خشية تحلل جزء روايتان، والله أعلم.
(تنبيه) : «يشوص» أي يغسل، قاله الهروي: وقيل: يدلك.
قال ابن الأعرابي وقيل: ينقي وقيل: هو أن يستاك عرضا.
وعن ابن دريد.
الشوص هو الاستياك من سفل إلى علو، ومنه الشوصة - ريح ترفع القلب عن موضعه اهـ. «والموص» بمعناه، وقيل لا، (والخلوف) : بضم الخاء، هكذا الرواية الصحيحة ورواه من لا يحقق بفتحها وخطأ ذلك الخطابي.. قال الهروي: خلف فوه، إذا تغير، يخلف خلوفا - والله
أعلم - قال: وغسل اليدين إذا قام من نوم الليل، قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا
ش: لا إشكال في مطلوبية الغسل والحال هذه.
60 - م - لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده» متفق عليه.. هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» » .. وللترمذي وصححه: «إذا استيقظ أحدكم من الليل» » .
وهل تنهض المطلوبية للوجوب؟ فيه روايتان (إحداهما) نعم، واختارها أبو بكر، والقاضي، وعامة أصحابه، بل وأكثر الأصحاب، لما تقدم من الأمر بذلك، والنهي عن عدمه، ومقتضى ذلك الوجوب، وعلى هذه: غسلهما شرط لصحة الصلاة، قاله ابن عبدوس وغيره، وهل هو تعبد، فيجب وإن
شدت يده، أو جعلت في جراب ونحو ذلك، أو معلل بوهم النجاسة، فلا يجب من نحو ما تقدم، فيه وجهان.
ويتعلق الحكم بالنوم الناقض على الأشهر، لا بنوم أكثر الليل، وهل تجب النية والتسمية لغسلهما؟ أوجه ثالثها: تجب (النية) دون التسمية.
(والرواية الثانية) : لا تنهض لذلك، اختارها الخرقي والشيخان، قال أبو العباس: اختارها الخرقي وجماعة، لأن قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] شمل القائم من النوم.
61 - لا سيما وقد فسره زيد بن أسلم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بالقيام من الليل ولم يذكر سبحانه وتعالى غسل اليدين، والأمر السابق للندب، لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علل بوهم النجاسة، وذلك يقتضي الندبية لا الوجوب استصحابا للأصل.
واعلم أن السنة لا تختص بنوم الليل بل يسن له أن يغسل يديه عند الوضوء وإن لم يقم من نوم أصلا، حتى لو تيقن طهارتهما، على المذهب المنصوص، لأن الواصفين لوضوئه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالوا: وغسل كفيه ثلاثا.
وإنما نص الخرقي على نوم الليل دون غيره لتأكده، ولينص على محل الخلاف، والغسل المطلوب إلى الكوع، والله أعلم.
التسمية عند الوضوء
قال: والتسمية عند الوضوء
ش: هذا إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار أبي محمد، وقال الخلال: إنه الذي استقرت عليه الروايات.
62 - لقوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «توضؤا بسم الله» ولم يجب، لقوله سبحانه: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] ولم يذكر التسمية، ولأنها طهارة، فلم تجب لها التسمية كطهارة الخبث.
(والرواية الثانية) : تجب.
واختارها أبو بكر، وابن شاقلا وأبو جعفر، وأبو الحسين، وأبو الخطاب.
قال أبو العباس: اختارها القاضي وأصحابه، وكثير من أصحابنا بل أكثرهم.
63 - لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه» رواه أحمد وأبو داود، ولأحمد وابن ماجه من حديث سعيد بن زيد [وأبي سعيد مثله قال البخاري: أحسن شيء
في هذا الباب حديث سعيد بن زيد] وكذلك قال إسحاق: إنه أصحها، وعلى هذه تسقط بالسهو على رواية اختارها القاضي في التعليق، وابن عقيل، وأبو محمد، ولا تسقط في أخرى، اختارها ابن عبدوس، وأبو البركات، وقال الشيرازي، وابن عبدوس: متى سمى في أثناء الوضوء أجزأه على كل حال.
(تنبيه) : محل التسمية اللسان، وصفتها: بسم الله.
فإن قال: بسم الرحمن: أو القدوس، لم يجزئه على الأشهر، كما لو قال: الله أكبر.
ونحوه، على المحقق وتكفي الإشارة بها من الأخرس ونحوه، والله أعلم.
المبالغة في الاستنشاق
قال: والمبالغة في الاستنشاق، إلا أن يكون صائما.
64 - ش: أي تسن لما «روى لقيط بن صبرة قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء.
قال: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» رواه أبو داود، والنسائي وصححه الترمذي، وابن خزيمة، والحاكم وإنما لم تجب على المشهور لسقوطها بصوم النفل، والواجب لا يسقط بالنفل، وقال ابن شاقلا - ويحكي رواية - تجب.
لظاهر الأمر، وقيل: في الكبرى فقط.
واقتصر الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - على الاستنشاق تبعا للحديث، ولنص أحمد: فإنه إنما نص على ذلك وصرح بذلك ابن الزاغوني فقال: يبالغ في الاستنشاق دون المضمضة، وعامة المتأخرين على أنه يبالغ فيهما، وقد روي في بعض ألفاظ لقيط: «وبالغ في المضمضة والاستنشاق» .
وظاهر كلام الخرقي أن المبالغة للصائم لا تسن، وصرح به أبو محمد، وأبو العباس، وقال الشيرازي: لا يجوز.
وينبغي أن يقيد قوله بصوم الفرض.
(تنبيه) : المبالغة في الاستنشاق اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف، ولا يصيره سعوطا، وفي المضمضة إدارة الماء في أقاصي الفم، ولا يصيره وجورا والله أعلم.
تخليل اللحية
قال: وتخليل اللحية
ش: تخليل اللحية من سنن الوضوء، على المذهب المعروف.
65 - لما «روي عن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه توضأ وخلل لحيته، حين غسل وجهه، ثم قال: رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل الذي رأيتموني فعلت» . رواه الترمذي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وحسنه البخاري وهذا إذا كانت كثيفة، أما إذا كانت خفيفة تصف البشرة، فإنه يجب غسلها، وحكم بقية الشعور كذلك كما سيأتي.
وصفة التخليل من تحتها بأصابعه، نص عليه، أو من جانبيها.
66 - وفي السنن عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فيدخله تحت حنكه، ويخلل به
لحيته، ويقول: «بهذا أمرني ربي عز وجل» ومن ثم قيل بوجوب التخليل، كما ذكره ابن عبدوس وقيل أيضا: يخلل بماء جديد وقيل: بل بماء الوجه.
ونص أحمد على أنه إن شاء خللها مع وجهه، وإن شاء إذا مسح رأسه، والله أعلم.
تجديد الماء للأذنين ظاهرهما وباطنهما
قال: وأخذ ماء جديد للأذنين ظاهرهما وباطنهما
ش: هذا إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار ابن أبي موسى، والقاضي في الجامع الصغير، وابن عقيل، وابن عبدوس , والشيرازي، وابن البنا، وصاحب التلخيص.
67 - لما «روي عن حبان بن واسع، أن أباه حدثه، أنه سمع عبد الله بن زيد، يذكر أنه رأى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتوضأ، فأخذ لأذنيه ماء خلاف الذي أخذ لرأسه» . رواه البيهقي في سننه، وقال: إسناده صحيح.
(والثانية) : واختارها القاضي في تعليقه، وأبو الخطاب في خلافه الصغير، وأبو البركات: لا يسن.
لأن غالب من وصف وضوء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذكر أنه مسح رأسه وأذنيه بماء واحد.
68 - وصفة مسحهما أنه يدخل سباحتيه في صماخي أذنيه، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، كذلك وصف ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رواه النسائي.
تخليل الأصابع في الوضوء
قال: وتخليل ما بين الأصابع
ش: لا إشكال في مسنونية تخليل أصابع الرجلين.
69 - وفي السنن عن «المستورد بن شداد، قال: رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا توضأ خلل أصابع رجليه بخنصره» . وفي أصابع اليدين (روايتان) أشهرهما - كما اقتضاه كلام الخرقي - يسن لعموم حديث لقيط.
70 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له:
«إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك» .
(والثانية) : لا يسن.
إذ تفريجهما يغني عن تخليلهما، وتخليل أصابع رجليه بخنصره - كما في حديث المستورد - اليسرى، لأنها المعدة لإزالة الوسخ والدرن، ونحو ذلك، من باطن رجله، لأنه أبلغ في التخليل، يبدأ بخنصر رجله اليمنى، ويختم بخنصر اليسرى، تأسيا بمحبة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التيمن، وأصابع يديه إحداهما بالأخرى، والله أعلم.
غسل الميامن قبل المياسر فى الوضوء
قال: وغسل الميامن قبل المياسر
ش: أي يبدأ باليد اليمنى قبل اليسرى، وكذلك في الرجلين، وكذلك إذا بدأ بإحدى أذنيه، ونحو ذلك.
71 - لما في الصحيحين عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله» ، ولا يجب.
قال أحمد: لأن مخرجهما في الكتاب واحد.
يعني أن الله تعالى قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: 6] ولم يقل: واليد اليمنى، واليد اليسرى - وشذ
الفخر الرازي فحكى في تفسيره عن أحمد الوجوب، وهو منكر، فقد قال ابن عبدوس: هما في حكم اليد الواحدة، حتى أنه يجوز غسل إحداهما بماء الأخرى.
(تنبيه) : ظاهر كلام الخرقي أنه لا يسن مسح العنق، لأنه لم يذكره، وهو الصحيح من الروايتين.
72 - لعدم ثبوت ذلك في الحديث.
وظاهر كلامه أيضا أنه لا يسن غسل داخل العينين، وهو اختيار القاضي في تعليقه والشيخين، نظرا إلى أن الضرر المتوقع كالمتحقق، واستسنه صاحب التلخيص وغيره، بشرط أمن الضرر، وغالي بعضهم فحكى رواية بالوجوب، مخرجة من وجوب ذلك في الغسل، فإن فيه عن أحمد روايتان منصوصتان، المختار منهما عند الشيخين، عدم الوجوب، بل
وعدم الاستحباب أيضا، وعلى الروايتين خرج غسلهما من النجاسة، والله أعلم.
قال:
باب فرض الطهارة
ش: الفرض والشرط يشتركان في توقف الماهية عليهما، ويفترقان في أن الشرط يكون خارج الماهية، والفرض داخلها، وأيضا فالشرط يجب استصحابه في الماهية، من أولها إلى آخرها، والفرض ينقضي ويأتي غيره، واعتبر ذلك بالطهارة، وغسل الوجه، ونحو ذلك، والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - نظر إلى المعنى الأول، فسمى الماء الطاهر، وإزالة الحدث، والنية فروضا، وهي بالمعنى الثاني شرائط.
ومراد الخرقي (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) هنا بالطهارة طهارة الحدث، لا طهارة الخبث والله أعلم.
قال: وفرض الطهارة ماء طاهر
ش: أراد بالماء الطاهر الطاهر غير المضاف، الذي صدر به كتاب الطهارة، وترك التنبيه على ذلك للاستغناء بما تقدم، ولعله دل عليه بقرينة التنكير، وأراد به التنويع، وقد تقدم أن الطهارة لا تكون إلا بالماء الطاهر، والله أعلم.
الاستنجاء بالماء
قال: وإزالة الحدث
ش: أي الاستنجاء بالماء، أو الأحجار على ما نبين في موضعه - إن شاء الله تعالى - إن وجد منه ما يقتضي ذلك، وقد اختلفت الرواية عن أحمد في ذلك، فروي عنه - وهو اختيار الخرقي والجمهور - أن من شرط صحة الوضوء إزالة ذلك.
73 - لأن في حديث المذي: «يغسل فرجه ثم يتوضأ» و (ثم) للترتيب.
74 - ولأن المنقول عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعن أصحابه الاستنجاء قبل الوضوء وروي عنه - وهو اختيار أبي محمد - لا يشترط ذلك، لأنها نجاسة، فصح الوضوء قبلها، كالنجاسة على سائر البدن، أو على المخرج غير خارجة منه، فإن ذلك محل وفاق، والقاضي في موضع جعل ذلك كالنجاسة على المخرج منه، فعلى هذه الرواية يستفيد مس المصحف، واللبث في المسجد إن كان
جنبا، ولبس الخف، والصلاة إذا عجز عن الاستنجاء، أما مع القدرة فيستنجي بحائل، أو ينجيه غيره، بشرطه، أو هو بلا حائل إن قيل: مس الفرج لا ينقض، ثم يصلي.
وحكم التيمم حكم الوضوء، فيصح على هذه الرواية، والحال هذه، اختاره ابن حامد، واختار القاضي، وأبو البركات، وابن حمدان البطلان - بخلاف الوضوء - في التيمم، لأنه مبيح، ولا استباحة قبل الاستنجاء.
وحكم النجاسة على غير المخرج في التيمم، حكمها على المخرج، وعند ابن عقيل - والأشبه عند أبي محمد، وصححه ابن حمدان - الفرق، كما لو كانت على الثوب، والله أعلم.
النية في الطهارة
قال: والنية للطهارة
ش: أي لطهارة الأحداث، ولا خلاف عندنا في ذلك، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] والإخلاص محض النية.
75 - وثبت أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إنما الأعمال بالنيات» وأكد ذلك
بقوله: «وإنما لكل امرئ ما نوى» وقوله: «لا عمل إلا بنية» اهـ. والنية في اللغة القصد يقال: نواك الله بخير.
أي قصدك به، وفي الشرع: قصد رفع الحدث، أو الطهارة، لما لا يباح إلا بالطهارة، كمس المصحف، والطواف، ونحو ذلك، فأما قصد ما تسن له الطهارة، كقراءة القرآن، والأذان - فقيل: يحصل به رفع الحدث، اختاره أبو حفص، والشيخان وقيل: لا، اختاره ابن حامد والشيرازي، وأبو الخطاب ومحل النية القلب، فالعبرة به دون اللسان، نعم: الأولى عند كثير من المتأخرين الجمع بين القصد والتلفظ والله أعلم.
غسل الوجه فى الوضوء
قال: وغسل الوجه ش: هذا بالإجماع، وبنص كتاب الله سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] .
قال: وهو من منابت شعر الرأس، إلى ما انحدر من اللحيين والذقن، وإلى أصول الأذنين، ويتعاهد المفصل، وهو ما بين اللحية والأذن
ش: حد الوجه طولا من منابت شعر الرأس غالبا - فلا عبرة بالأقرع، الذي ينبت شعره في بعض جبهته، ولا بالأجلح، الذي انحسر شعره عن مقدم رأسه - إلى ما انحدر من اللحيين والذقن، وعرضا ما بين أصول الأذنين، لأن جميع ذلك تحصل به المواجهة، فدخل تحت الآية الكريمة، وقد دل كلام المصنف على [أن] الأذنين ليسا من الوجه، وسنصرح بذلك إن شاء الله، ودل أيضا على أن البياض الذي بين العذار والأذن من الوجه، وقد أكد ذلك بقوله: ويتعاهد المفصل.
ونص أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - على ذلك، لأنه من الوجه في حق الصبي، فكذلك في حق غيره.
تنبيهان:
(أحدهما) : يدخل في الوجه (العذار) وهو الشعر الذي على العظم الناتئ المسامت صماخ الأذن، وما انحط عنه، إلى وتد الأذن (والعارض) وهو النازل عن حد العذار على اللحيين، قال الأصمعي ما جاوز وتد الأذن عارض.
(والذقن) وهو مجمع
اللحيين، والحاجبان، وأهداب العينين، والشارب، والعنفقة، وفي (الصدغ) - وهو الشعر الذي بعد انتهاء العذار، يحاذي رأس الأذن، وينزل عن رأسها قليلا - (والتحذيف) - وهو الشعر الخارج إلى طرفي اللحيين، في جانبي الوجه، بين النزعة ومنتهى العارض - ثلاثة أوجه: يدخلان، لا يدخلان، واختاره أبو محمد في الكافي وأبو البركات، زاعما أنه ظاهر كلام أحمد، (الثالث) : يدخل التحذيف دون الصدغ، واختاره ابن حامد، وأبو محمد في المغني، ولا يدخل فيه (النزعتان) ، وهما ما انحسر عنه الشعر من الرأس، متصاعدا من جانبي الرأس، عند أبي محمد، ويدخلان عند ابن عقيل، والشيرازي، وحكم ما دخل في الوجه من هذه الشعور وجوب غسلها إن كانت خفيفة، تظهر معها البشرة، مع ما ظهر من البشرة، ووجوب غسل الظاهر منها إن كانت كثيفة، لا تصف البشرة كلحية الرجل سواء، نص عليه أحمد، وقيل في لحية المرأة، وما عدا لحية الرجل: يجب غسل باطنه مطلقا، لندرة كثافة ذلك، فعلى المذهب: إن خف بعض، وكثف بعض فلكل حكمه.
(الثاني) : قد يقال: ظاهر كلام الخرقي أنه لا يجب غسل المسترسل من اللحية، وهو إحدى الروايتين، فلا يجب غسل
ما خرج منها عن محاذاة محل الفرض، كالنازل من الرأس عنه، (والرواية الثانية) - وهي المذهب عند الأصحاب بلا ريب - يجب غسل المسترسل مطلقا.
76 - لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثم يغسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته، مع الماء» ولأن اللحية تشارك الوجه في معنى التوجه والمواجهة، وخرج ما نزل من الرأس عنه، لعدم مشاركته للرأس في الترأس، ونقل بكر بن محمد، عن أبيه، أنه سأل أحمد أيما أعجب إليك غسل اللحية، أو التخليل؟ فقال: غسلها ليس من السنة، وإن لم يخلل أجزأه، فأخذ من ذلك الخلال أنها لا تغسل مطلقا، فقال: الذي ثبت عن أبي عبد الله، أنه لا يغسلها، وليست من الوجه البتة، وامتنع من ذلك القاضي في تعليقه، والشيخان وغيرهم، فقالوا: معنى قوله: ليس من السنة أي غسل باطنها، [والله أعلم] .
الفم والأنف من الوجه فى الوضوء
قال: والفم والأنف من الوجه ش: يعني فيجب غسلهما مع غسل الوجه، ويعبر عن ذلك
بالمضمضة والاستنشاق، والمذهب المشهور الوجوب في الطهارتين الصغرى والكبرى، لأن الله سبحانه [وتعالى] أمر بغسل الوجه، وأطلق.
77 - وفسره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بفعله وتعليمه، فمضمض واستنشق، ولم ينقل عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه أخل بذلك، مع اقتصاره على المجزئ، وهو الوضوء مرة مرة، وقوله: «هذا الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به» وفعله إذا خرج بيانا كان حكمه حكم ذلك المبين، وأيضا حديث لقيط بن صبرة المتقدم، وهو يدل من جهة اللازم، وفي رواية لأبي داود فيه: «إذا توضأت فمضمض» .
78 - وللدارقطني عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمضمضة والاستنشاق» . وقد روي مسندا ومرسلا ولأنها في حكم الظاهر، ألا ترى أن وضع الطعام، واللبن، والخمر فيهما لا يوجب فطرا، ولا ينشر حرمة، ولا يوجب حدا، وحصول النجاسة فيهما يوجب غسلهما، وينقض الوضوء بشرطه.
(وعنه) الواجب الاستنشاق فقط فيهما.
79 - لأن في الصحيح: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر» » وفي لفظ: «من توضأ فليستنشق» وإذا أمر بذلك في الوضوء ففي الغسل أولى.
(وعنه) يجبان في الكبرى، لأنه يجب وصول الماء فيها إلى باطن الشعور، ونحو ذلك، ولا يجبان في الصغرى، لأن المأمور به فيها غسل الوجه، والوجه ما تحصل به المواجهة، وليسا كذلك، فأشبها باطن اللحية الكثة (وعنه) يجب الاستنشاق وحده في الوضوء فقط، جمودا على قوله: «من توضأ فليستنشق» (وحيث) قيل بالوجوب، فتركهما أو أحدهما ولو سهوا، لم يصح وضوءه، قاله الجمهور، وقال ابن الزاغوني: إن قيل: إن وجوبهما بالسنة صح مع السهو، وحكى عن أحمد في ذلك روايتين، إحداهما بالكتاب، والثانية بالسنة.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجب تقديمهما على سائر الوجه، لأنهما منه، وأنه يجب الترتيب والموالاة بينهما وبين سائر الأعضاء، كما يجب في الخد ونحوه وهو إحدى الروايتين، قال أبو البركات: - وهي أقيسهما، كبقية أجزائه، والرواية الثانية - واختارها أبو البركات -: لا يجب فلو تركهما ثم صلى أتى بهما، وأعاد الصلاة دون الوضوء، نص عليه أحمد، ومبناه (على) أن وجوبهما بالسنة، والترتيب إنما وجب بدلالة
القرآن معتضدا بالسنة، ولم يوجد ذلك فيهما، بل قد وجد في السنة ما يقتضي عدم الوجوب.
80 - فعن المقدام بن معد يكرب قال: «أتي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا، ثم تمضمض واستنشق ثلاثا، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما» . رواه أبو داود، وأحمد وزاد: «وغسل رجليه ثلاثا» والله أعلم.
(تنبيه) :: المضمضة دوران الماء بالفم، والاستنشاق إدخال الماء في الأنف، قال أبو محمد: ولا تجب الإدارة في جميع الفهم ولا الإيصال إلى جميع باطن الأنف، وهو مشعر بوجوب الإدارة والوصول في الجملة، وصرح بذلك الشيرازي، وقال ابن أبي الفتح: المضمضة في اللغة تحريك الماء في الفم، وفي الشرع وضع الماء في فيه، وإن لم يحركه.
وليس بشيء، والله أعلم.
غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء
قال: وغسل اليدين إلى المرفقين] ش: هذا بالإجماع، والآية الكريمة، وكلامه شامل لما إذا نبتت
له يد أو أصبع زائدة في محل الفرض، فإنه يجب غسلها معه، وهو كذلك فلو كان النابت في العضد، أو المنكب ولم تتميز الأصلية، غسلا معا، وإن تميزت لم يجب غسل ما لم يحاذ محل الفرض، وفيما حاذاه وجهان، الوجوب اختيار القاضي، والشيرازي، وعدمه اختيار ابن حامد وابن عقيل، والشيخين، والله أعلم.
قال: ويدخل المرفقين في الغسل.
81 - ش: لما روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا توضأ أمر الماء على مرفقيه» . رواه الدارقطني وفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج بيانا للآية الكريمة، إذ (إلى) في الآية الكريمة يجوز أن تكون الغائية، كما هو الغالب فيها، ويجوز أن تكون بمعنى (مع) كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 2] فبين - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنها للمعنى الثاني، أو يقال: اليد تطلق حقيقة إلى المنكب و (إلى) أخرجت ما عدا المرفق اهـ. ومن لا مرفق له يغسل إلى قدر المرفق، في غالب الناس.
(تنبيه) : المرفق بكسر الميم وفتح الفاء والعكس لغة، والله أعلم.
مسح الرأس في الوضوء
قال: ومسح الرأس
ش: وجوب مسح الرأس في الجملة ثابت بالنص والإجماع، والخلاف في القدر الواجب من ذلك، وعن إمامنا - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ذلك ثلاث روايات، إحداهن - وهي ظاهر كلام الخرقي، والمختار لعامة الأصحاب -: وجوب استيعاب جميع الرأس بالمسح، لأنه سبحانه أمر بمسح الرأس، وبمسح الوجه في التيمم، ثم في التيمم يجب الاستيعاب، فكذلك في مسح الرأس، ولأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسح جميع رأسه، وفعله وقع بيانا لكتاب ربه سبحانه.
82 - وما جاء عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أنه مسح مقدم رأسه، فمحمول على أن ذلك مع العمامة، كما جاء مفسرا في الصحيح، في حديث المغيرة بن شعبة، وموقع الباء - والله أعلم - إلصاق الفعل بالمفعول، إذ المسح إلصاق ماسح بممسوح، فكأنه قيل: ألصقوا المسح برءوسكم أي المسح بالماء، وهذا بخلاف ما لو قيل: امسحوا رءوسكم.
فإنه لا يدل على أنه ثم شيء