شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 43-82
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النكاح

صفحات 43-82
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال: ويزوج مولاتها من يزوج أمتها.
ش: يزوج معتقة المرأة من يزوج أمتها، وهو على ما قال الخرقي ولي السيدة، وظاهره أنه يقدم فيه الأب على الابن، وقد تقدم في الولاء بالعتق أنه يقدم الابن على الأب، وصرح به أبو محمد، وقال أبو البركات: إن قلنا: يلي عليها.
اشترط إذنها، وجرت فيها الروايات الثلاث في مولاتها الرقيقة، وإن قلنا لا يلي للملك، كما تقدم في الرواية التي حكاها ابن حمدان زوج بدون إذنها أقرب عصبتها، وذلك لأن التزويج هنا مستفاد بالتعصيب بالإرث، وهو مناف لظاهر كلام الخرقي، لأنه إن حمل كلامه على أن لها ولاية أشكل عدم اشتراط إذن المعتقة، وإن حمل على أنها لا ولاية لها - وهو ظاهر كلامه المتقدم - أشكل تقديم الأب على الابن.
قلت: ويمكن توجيه كلام الخرقي على أن لها ولاية، حيث قال: ويزوج مولاتها من

يزوج أمتها، فدل على أن هنا قدر مشترك، وأما اشتراط الإذن فيكون تركه له لدلالة ما قبله عليه، وهو قوله: ويزوج أمة المرأة بإذنها من يزوجها.
فيصير التقدير: ويزوج مولاتها بإذنها من يزوج أمتها، والله أعلم.
وقد تبع أبو الخطاب في الهداية الخرقي على ذلك، وقد اضطرب كلام الأصحاب في هذه المسألة اضطرابا كثيرا، وليس هذا موضع استقصاء ذلك، وعلى كل حال فلا بد من عدم العصبة المناسب بلا نزاع ومن رضى المعتقة على الصحيح المقطوع به عند الشيخين وغيرهما، وقيل: يملك إجبارها من يملك إجبار سيدتها التي أعتقتها، وهو بعيد، والله أعلم.

تولي طرفي العقد في النكاح

قال: ومن أراد أن يتزوج امرأة هو وليها جعل أمرها إلى رجل يزوجها منه بإذنها.
ش: هذه مسألة تولي طرفي العقد في النكاح، ولها ثلاث صور: (إحداها) : الجواز بلا نزاع، وهو ما إذا كان الولي مجبرا من الطرفين، كما إذا زوج أمته بعبده الصغير، أو زوج الوصي في النكاح صغيرة بصغير كلاهما في حجره، ونحو ذلك، إذ لا إذن فيشترط، وقيل: يختص الجواز بما إذا زوج عبده أمته، لأنه

يتصرف بحكم الملك، وجود أبو العباس هذا، وقد حكي الإجماع عليه.
(الصورة الثانية) : عدمه بلا نزاع، وهو ما إذا كان وليا لامرأة مجبرة كعتيقته وبنت عمه المجنونتين، فإنه لا يجوز أن يتزوجهما، لشدة التهمة في ذلك، لتعذر الإذن منهما، فهو كوصي اليتيم يشتري من ماله، فعلى هذا لا يملك أن يتزوجهما إلا بولي غيره من العصبة إن كان، وإلا فبولاية الحاكم، ولا يملك ذلك بوكيله على الأصح، لأنه قائم مقامه، ونائب منابه.
(الصورة الثالثة) : ما عدا ذلك وهو ما إذا كانت المرأة لها إذن معتبرة، فهل لوليها أن يتزوجها بإذنها وولايته، أو لا بد أن يوكل في أحد طرفي العقد؟ فيه روايتان، (أشهرهما) وأنصهما - وهي التي اختارها الخرقي، وابن أبي موسى، وأبو حفص البرمكي، والقاضي في تعليقه، والشريف، وأبو الخطاب، في خلافيهما، ونص عليها أحمد في رواية ثمانية من أصحابه - لا يجوز.
2418 - لما روى أبو داود بإسناده عن عبد الملك بن عمير أن المغيرة بن شعبة أمر رجلا أن يزوجه امرأة المغيرة أولى بها منه.

2419 - وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا بد في النكاح من أربعة: الولي، والزوج، والشاهدين» رواه الدارقطني، ومع تولي الطرفين لم يحضره إلا ثلاثة، (والثانية) : يجوز ذلك أومأ إليها في رواية طائفة من أصحابه، واختارها القاضي في الجامع الصغير، وفي المجرد، وأبو محمد لظاهر قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: 3] الآية، مفهومه إذا لم يخف يجوز له أن يتزوجها، وإن لم يول غيره.

2420 - وروى عقبة بن عامر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟» قال: نعم.
وقال للمرأة: «أترضين أن أزوجك فلانا؟» قالت: نعم.
فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها ولم يفرض لها صداقا، ولم يعطها شيئا، وكان ممن شهد الحديبية، له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زوجني فلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا، وإني أشهدكم أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر.
فأخذت سهما فباعته بمائة ألف درهم.» رواه أبو داود.
2421 - وقال عبد الرحمن بن عوف - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لأم حكيم بنت قارظ: أتجعلين أمرك إلي؟ قالت: نعم.
فقال: قد تزوجتك.
ذكره البخاري في صحيحه.
ولعموم «لا نكاح إلا بولي» وهذا ولي، أما حديث «لا بد في النكاح من أربعة» فضعيف، وعلى

تقدير صحته فالواحد يقوم مقام الاثنين، وقصة المغيرة بن شعبة لا إشكال في جواز مثلها إنما النزاع هل يتحتم ذلك، وكذلك الخلاف فيمن اجتمع له تولي الطرفين بغير ذلك، كزوج وكله الولي، أو ولي وكله الزوج، أو وكيل من الطرفين، أو ولي فيهما، كمن زوج ابنه الصغير، ببنت أخيه ونحو ذلك، وقيل: يجوز تولي الطرفين إلا للزوج خاصة، لتنافى الغرضين، إذ من طبع الإنسان طلب الحظ لنفسه، والواجب عليه طلبه لموليه، وقيل: لا يجوز ذلك إلا إذا كان الولي هو الإمام فقط، ذكره أبو حفص البرمكي، لأنه لا أحد أكفأ منه، ولأنه كالأب بالنسبة إلى الرعية.
وحيث جاز تولي الطرفين فيكفي أن يقول: زوجت فلانة فلانا، أو تزوجتها، فيما إذا كان هو الزوج، على المشهور من الوجهين، لأن ذلك قائم مقام إيجاب وقبول، (والوجه الثاني) لا بد من تصريح بإيجاب وقبول، فيقول: زوجت فلانا فلانة، وقبلت له النكاح.
وزوجت نفسي فلانة، وقبلت هذا النكاح.
(تنبيه) إذا قيل بجواز تولي الطرفين للزوج بإذن موليته فلا بد أن تأذن في تزويجها من نفسه، أما لو أذنت في النكاح وأطلقت فإنه لا يجوز له أن يتزوجها من نفسه على الصحيح، وقيل: يجوز، بناء على الوكيل في البيع يبيع من نفسه بشرطه، فعلى الأول

  • وهو المذهب - هل له أن يزوجها لولده أو والده أو مكاتبه؟ فيه وجهان، والله أعلم.

ولاية الكافر عقد نكاح المسلمة

قال: ولا يزوج كافر مسلمة بحال.
ش: قد تقدمت هذه المسألة، وأن الكافر القريب لا ولاية له ويزوج البعيد، ونزيد هنا بأن قوله: بحال.
ليدخل من ولايته بالملك، كمن أسلمت أم ولده أو مكاتبته ونحو ذلك، وهذا أحد الوجهين، واختيار أبي محمد، لعموم ما تقدم من الآية والإجماع.
(والوجه الثاني) وبه قطع أبو الخطاب في خلافه، وابن البنا في خصاله، أنه يلي والحال هذه، إذ ولاية الملك لا يشترط لها الأهلية، بدليل الفاسق يزوج أمته.
ومفهوم كلام الخرقي أن الكافر يزوج الكافرة، وهو صحيح، للآية الكريمة، وتعتبر فيه الشروط المعتبرة في المسلم، حتى في عدالته إن اشترطت في المسلم، والعدل منهم من لم يرتكب محظورا في دينه، وعموم المفهوم يقتضي أن الكافر يلي على موليته الكافرة وإن أرادت التزويج بمسلم، وهو اختيار أبي الخطاب في

الهداية، والشيخين، وقال ابن أبي موسى، والقاضي في التعليق، والشريف، وأبو الخطاب في خلافيهما، والشيرازي: لا يليه على مسلم، بل تثبت الولاية للحاكم، وزعم القاضي أنه ظاهر كلام الإمام، معتمدا على قوله في رواية حنبل: لا يعقد يهودي ولا نصراني عقد نكاح لمسلم ولا لمسلمة.
وهو إنما يدل على أنه يمنع من المباشرة، ولهذا جعل أبو البركات الخلاف في مباشرته العقد، هل يباشره أو يباشره بإذنه مسلم، أو الحاكم خاصة، ثلاثة أوجه، وجزم بأن له الولاية، والله أعلم.

ولاية المسلم عقد نكاح الكافرة

قال: ولا مسلم كافرة إلا أن يكون المسلم سلطانا، أو سيد أمته.
ش: لا يزوج المسلم الكافرة، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71] نعم إن كان المسلم سلطانا زوج، لأن له ولاية عامة على أهل دار الإسلام، والكافر والحال هذه من أهل الدار، والحاجة داعية إلى ذلك، وكذلك إن كان

سيد أمته، لأنه عقد على منافعها، أشبه إجارتها، والله أعلم.

قال: وإذا زوجها من غيره أولى منه وهو حاضر ولم يعضلها فالنكاح فاسد.
ش: قد تقدم بيان الأولى بالتقديم من الأولياء، فإذا زوج غير الأولى كالأخ مع وجود الأب، أو العم مع حضور الأخ، والحال أنه لا عضل من الأب ولا من الأخ، فالنكاح فاسد، على المشهور المختار للأصحاب من الروايتين.
2422 - لحديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل» رواه أبو داود وهذه نكحت بغير إذن وليها، إذ هذا لا ولاية له والحال هذه.
2423 - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا نكح العبد بغير إذن مولاه فنكاحه باطل» رواه أبو داود، لكن قال: إنه ضعيف، وإنه موقوف على ابن عمر ولأن أحكام النكاح

المختصة به من الحل والنفقة والطلاق والتوارث لا تثبت فيه بمجرده، أشبه نكاح المعتدة، (والرواية الثانية) يقف النكاح والحال هذه على الإجازة، ولا يحكم بفساده.
2424 - لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن جارية بكرا أتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» - رواه أبو داود، وابن ماجه ولو فسد لما كان للتخيير فائدة، وقد

اعترض عليه بأن أبا داود رواه أيضا مرسلا عن عكرمة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: وكذا رواه الناس مرسلا.
وكذا قال البيهقي: الصواب أنه مرسل.
قال البيهقي: ولو صح فكأنه كان وضعها في غير كفؤ، فلذلك خيرها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قلت: ودعوى الإرسال إن سلم لا تضر على قاعدتنا، وأما الحمل على أنه وضعها في غير كفؤ فبعيد، إذ يقتضي أن يترك من الحديث ما الحكم منوط به، ويذكر فيه ما لا إناطة به، مع أنه غير منوط به، هذا تجهيل وعلى هذه الرواية الحكم في الإجازة منوط

بالولي الأقرب، إن أجازه جاز، وإن رده بطل، ولا نظر للحاكم على الصحيح، وقيل: إن كان الزوج كفوا أمر الحاكم الولي بالإجازة، فإن أجازه وإلا صار عاضلا فيجبره الحاكم، كذا أجاب أبو محمد، وفيه نظر إن كان لها ولي غير الحاكم وإذا ينبغي أن ينتقل الحق في الإجازة إليه كما في العضل في النكاح على المذهب، انتهى.
ولو كانت المزوجة بغير إذن وليها أمة فخرجت عن ملكه قبل الإجازة إلى من تحل له انفسخ النكاح، لطريان إباحة صحيحة على موقوفة، أشبه طريان الملك على النكاح، وفيه شيء، إذ الإباحة التي حصلت للثاني كالإباحة التي كانت للأول سواء، انتهى.
أما إن انتقلت إلى من لا تحل له كامرأة أو جماعة فقيل: إن الحكم كذلك، وقيل: بل الإجازة والحال هذه إلى المالك الثاني، ولو أعتق من له الإجازة الأمة فهل يبطل حقه منها ويمضي النكاح، أم يبقى حقه فيها قبل العتق؟ فيه احتمالان، وتعتبر الشهادة حين العقد، لا حين الإجازة، لاستناد الملك إلى حال العقد، ومن ثم لو وطئ قبل الإجازة ثم أجيز لم يجب إلا مهر واحد، ولا تثبت فيه قبل الإجازة الأحكام

المختصة بالنكاح الصحيح، من الحل والنفقة، ونفوذ الطلاق، والتوارث وغير ذلك، قاله ابن عقيل وغيره، وقيل: يثبت التوارث إن كان مما لو رفع إلى الحاكم أجازه انتهى.
وكذلك الروايتان في تزويج الأجنبي، وفي تزويج المرأة المعتبر إذنها بدونه على رواية الوقف، فإجازة الثيب بالنطق، أو ما يدل على الرضى من وطء ونحوه، وإجازة البكر بالسكوت، كإذنها قبل العقد.
وقد دل مفهوم كلام الخرقي أن الولي الأقرب لو لم يكن حاضرا لم يفسد النكاح، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى، (ودل أيضا) على أن الأقرب إذا عضل فزوج الأبعد أن النكاح لا يفسد، وهذا (إحدى الروايتين) عن أحمد، أعني أن الولاية تنتقل عند عضل الأقرب إلى الأبعد، وهو المذهب، اختاره القاضي، وابن عقيل، وأبو محمد وغيرهم، لأن الولاية قد تعذرت من الأقرب، فانتقلت إلى الأبعد، كما لو جن الأقرب أو فسق، (والثانية) تنتقل الولاية إلى الحاكم وهي اختيار أبي بكر، لظاهر قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» ولأنه حق عليه امتنع من أدائه، فقام الحاكم مقامه فيه كالدين، ويجاب بالقول بموجب الحديث، فإنه قال: من لا ولي له وهذه لها ولي، ثم ظاهره أن الكل اختلفوا وامتنعوا، لقوله: فإن اشتجروا وإذا يتعين الحاكم، والتزويج حق له، بخلاف الدين فإنه حق عليه، على أنه قد قيل: إنه يفسق بالعضل، فتزول ولايته، كما لو فسق بغيره.

(تنبيه) العضل في الأصل المنع، وهو هنا منع المرأة من تزويجها بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل من الزوجين في صاحبه.
2425 - قال معقل بن يسار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانت لي أخت تخطب إلي فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه، ثم طلقها طلاقا له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتاني يخطبها، قلت: لا والله لا أنكحكها أبدا.
قال: ففي نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا﴾ [البقرة: 232] الآية، قال: فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه.
رواه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
وسواء رضيت بمهر مثلها أو دونه إن كانت رشيدة، إذ المهر خالص حقها، ولو رضيت بغير كفو كان للولي الامتناع ولا عضل، أما إن عينت كفوا وعين الولي كفوا غيره فإن تعيينها يقدم عليه، حتى أنه يعضل بالمنع، ثم حيث يكون عاضلا، فظاهر كلام أبي محمد أنه يفسق بمجرد ذلك، ونظير ذلك ما قاله ابن أبي موسى أن الولي إذا زوج بغير كفؤ يفسق وتفسق المرأة بذلك إن رضيت، وقال ابن عقيل في العضل: لا يفسق إلا أن يتكرر الخطاب وهو يمنع، أو يعضل جماعة من مولياته دفعة واحدة فإذا تصير الصغيرة في حكم الكبيرة، وينبغي أن يقال في التزويج بغير كفؤ كذلك، ثم لا بد من تقييد ذلك في الموضعين بالعلم،

وقد ذكر أبو العباس من صور العضل إذا امتنع الخطاب من خطبتها لشدة الولي، والله أعلم.

الأولى بزواج المرأة عند غياب الولي

قال: وإذا كان الولي غائبا في موضع لا يصل إليه الكتاب أو يصل فلا يجيب عنه زوجها من هو أبعد منه من عصبتها، فإن لم يكن فالسلطان.
ش: إذا غاب الولي الأقرب الغيبة المعتبرة زوج الأبعد من العصبة، فإن لم يكن فالسلطان على المنصوص، وعليه الأصحاب، لقوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» وهذه لها ولي مناسب، فيزوج بحكم الحديث، ولأن البعيد يرجح بقرب نسبه والقريب بقرب محله فتساويا، ومن ثم قال ابن عقيل: ليس معنى قولنا تنتقل الولاية إلى الأبعد سلب لولاية القريب، لكن اشتراك بينهما، بدليل أنه لو زوج القريب الغائب في مكانه أو وكل صح، وكذا لو وكل ثم غاب، بخلاف ما لو وكل ثم جن فإن وكالته تنفسخ، وأما شيخه في التعليق فقال: إذا زوج أو وكل في الغيبة فالولاية باقية، لانتفاء الضرر وإلا سقطت، ثم قال: وقد قيل.
. . وحكى كقول تلميذه، انتهى.
وخرج أبو الخطاب ومن تبعه كأبي البركات رواية أن الحاكم

يزوج كما في العضل، إذ الأبعد محجوب بالأقرب، والولاية باقية، فقام الحاكم مقامه فيها، ولم يعرج أبو محمد على التخريج، وقد ذكر ابن المنى في إلحاق الغيبة بالعضل تسليما ومنعا، وقد يقال في وجه المنع أنه لو سلم أن التزويج حق على الولي حتى يقوم الحاكم مقامه فيه، فذلك إذا امتنع، وفي الغيبة لا امتناع، وفي معنى الغائب لو كان الولي مأسورا، ولا يمكن مراجعته، أو محبوسا يتعذر استئذانه، قاله أبو محمد، وزاد أبو العباس: لو كان الولي مجهولا لا يعرف أنه عصبة ثم عرف بعد العقد.
والغيبة المعتبرة التي معها يزوج الأبعد، قال الخرقي: أن لا يصل إليه الكتاب، كمن هو في أقصى بلاد الهند، أو يصل فلا يجيب عنه، وهذا يحتمل لبعده، وهو الظاهر، ويحتمل وإن كان قريبا، فيكون في معنى العاضل، وبالجملة قد أومأ أحمد إلى هذا في رواية الأثرم، قال: المنقطع الذي لا تصل إليه الأخبار، وذلك لأن مثل ذلك يتعذر مراجعته، فيلحق الضرر بانتظاره، ومنصوص أحمد في رواية عبد الله أنه ما لا يقطع إلا بكلفة

ومشقة، وهو اختيار أبي بكر , والشيخين، لأن أهل العرف يعدون ذلك مضرا، وقال القاضي في تعليقه - وتبعه أبو الخطاب في خلافه الصغير -: هو ما لا تقطعه القافلة في السنة إلا مرة، كسفر الحجاز، وعن ابن عقيل: ما تستضر به المرأة من فوات الكفو الراغب، وقيل: يكتفى بمسافة القصر، لأن أحمد اعتبر البعد في رواية ابن الحارث وأطلق، انتهى.
وكل موضع لا توجد الغيبة المعتبرة فإن الولي ينتظر ويراسل، حتى يقدم أو يوكل.
وظاهر كلام الخرقي أن الشرط لتزويج الأبعد الغيبة المذكورة، فلو لم يعلم أقريب أم بعيد لم يزوج الأبعد، وهو ظاهر إطلاق غيره، وقال أبو محمد في المغني: يزوج الأبعد والحال هذه، قال: وكذلك إذا علم أنه قريب ولم يعلم مكانه وهو حسن، مع أن كلام الخرقي لا يأباه، وفي قول الخرقي: زوج من هو أبعد من عصبتها.
إشعار بأن هذا الحكم في الحرة، وهو صحيح، إذ لو غاب سيد الأمة فطلبت النكاح في حال غيبته فإن الحاكم يزوجها، قاله القاضي في تعليقه مدعيا أنه قياس المذهب، والله أعلم.

اشتراط الكفاءة في النكاح

قال: وإذا زوجت من غير كفو فالنكاح باطل.
ش: الكفاءة شرط لصحة النكاح، على المنصوص والمشهور، والمختار لعامة الأصحاب (من الروايتين) .

2426 - لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا خطب المسلم ممن ترضون دينه وخلقه، فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» رواه الترمذي، وروي مرسلا، قال بعضهم: وهو أصح، ومفهومه أنه إذا لم يرض دينه ولا خلقه لا يزوج.
2427 - وروى الدارقطني بإسناده عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء.

2428 - وعن أبي إسحاق الهمداني، قال: خرج سلمان، وجرير في سفر، فأقيمت الصلاة، فقال جرير لسلمان: تقدم.
فقال سلمان: بل أنت تقدم، فإنكم معشر العرب لا نتقدم في صلاتكم ولا ننكح نساءكم، لأن الله تعالى فضلكم علينا بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احتج بهما أحمد في رواية أبي طالب.

2429 - وفي مراسيل أبي داود عن الحسن قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يتزوج الأعرابي المهاجرة» . ولأنه تصرف في حق من يحدث من الأولياء بغير إذنه فلم يصح، كما لو زوجت بغير رضاها، (والرواية الثانية) الكفاءة شرط للزوم النكاح دون صحته، اختاره أبو الخطاب في خلافه الصغير، وأبو محمد، وابن حمدان، لظاهر قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] . 2430 - وقد «زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابنتيه من عثمان ومن أبي العاص» ، ونسبه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من فوق نسبهما.

2431 - وفي الصحيحين «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زيد مولاه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهي قرشية» . 2432 - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن أبا هند حجم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في اليافوخ، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يا بني بياضة، أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه» وقال: «إن كان في شيء مما تداوون به خير فالحجامة» رواه أبو داود.
وبنو بياضة من الأنصار، وأبو هند حجام من مواليهم.
وزاد أبو داود في المراسيل عن الزهري

فقالوا: يا رسول الله نزوج بناتنا من موالينا؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: 13] الآية، قال الزهري: نزلت في أبي هند خاصة.
قال عبد الحق الإشبيلي: وقد أسند هذا والمرسل أصح.
2433 - وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: «جاءت فتاة إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته.
قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء.» رواه ابن ماجه، ورواه أحمد، والنسائي من حديث ابن بريدة عن عائشة.
2434 - وقد روي الجواز أيضا، عن عدة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وحديث أبي هريرة إن صح نقول بموجبه، إذ مقتضاه أنه لا يجب

علينا تزويجه، وكذا نقول، ومراسيل الحسن من أضعف المراسيل، وقصة عمر، وسلمان إن ثبتتا يحتمل أن ذلك منهما على سبيل الاختيار، يدل على ذلك أن عمر قال: لأمنعن.
ولو كان هذا أمرا متحتما لمنع قطعا.
ومن نصر الأولى أجاب عن تزويجه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بنتيه لعثمان ولأبي العاص بأنهما من العرب، والعرب لا تتفاضل على رواية، وكذلك قال أحمد في رواية أبي طالب وغيره في الجواب عن حديث أسامة، وأسامة عربي جرى عليه الرق، وعلى رواية

التفاضل هم من قبيلة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأنهما من قريش، وعن قصة أبي هند بأن أحمد ضعفه وأنكره في رواية أبي طالب وغيره، وكذلك بقية الآثار، قال المروذي: قلت لأبي عبد الله قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يا بني بياضة أنكحوا أبا هند» فأنكره إنكارا شديدا، وأنكر الأحاديث الذي فيها نكاح غير الأكفاء، وقال مهنا: سألته عن هذه الأحاديث أن عمر أراد أن يزوج سلمان، والأحاديث التي جاءت: فلان تزوج فلانة، وفلانة تزوجت فلانا.
قال: ليس لها إسناد، وأما حديث بريدة فالتزم القاضي في التعليق في الجواب عنه بأن المبطل عدم الكفاءة في النسب فقط، قال: والذي فقد هنا يحتمل أنه الدين، أو الصناعة، وقال ابن أبي موسى: هذا الرجل كان كفؤا لأنه ابن عمها وهو مسلم، ويحتمل أنه كان أعور أو أعرج، أو فقيرا، وذلك ليس بنقص في الكفء.
قلت: إذا لم يكن نقصا في الكفء فلم خيرها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، انتهى.

فعلى (الرواية الأولى) الكفاءة حق لله تعالى وللمرأة والأولياء حتى من يحدث، ولا يتصور العلم برضى الجميع، فيبطل النكاح، (وعلى الثانية) حق للمرأة والأولياء فقط، فعليها يمكن العلم بالرضا، ويتوقف على من هو له، فإذا رضيت المرأة والأولياء بغير كفؤ صح النكاح، لأن الحق لهم، وإن عقده بعضهم ولم يرض الباقون، فهل يقع العقد باطلا من أصله، أو صحيحا؟ على روايتين، حكاهما القاضي في الجامع الكبير، أشهرهما الصحة، لحديث الفتاة التي جاءت إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعلى هذه لمن لم يرض من المرأة والأولياء المستوين الفسخ، وهل للأبعد الفسخ مع رضى الأقرب، لما يلحقه من العار بفقد الكفاءة، أو لا فسخ له، لأنه كالمعدوم ولحجبه بالأقرب؟ فيه روايتان، أشهرهما الأولى، حتى أن القاضي في الجامع الكبير، قال: لا تختلف الرواية في ذلك.
(تنبيهان) : أحدهما: إذا حدثت الكفاءة وقت العقد، كما إذا أوجب النكاح لعبد، فقال السيد: قبلت النكاح له وأعتقته.
فقال أبو العباس: قياس المذهب الصحة، قال: ويتخرج عدمها من رواية إذا أعتقا معا، (الثاني) حسب الإنسان ما يعده

من مفاخر آبائه، وقيل: شرف النفس وفضلها، (والكفؤ) المثل، (واليافوخ) وسط الرأس، والله أعلم.

قال: والكفؤ ذو الدين والمنصب.
ش: لما قال: إن الكفاءة شرط لصحة النكاح.
أراد أن يبين الكفاءة ما هي، فقال: إنها الدين والمنصب، وهذا (إحدى الروايتين) عن أحمد، وإليها ميل أبي محمد، (أما في الدين) فلقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18] ويلتزم أن نفي الاستواء يقتضي نفي الاستواء من كل وجه، كما قد صرح به القاضي وغيره من أصحابنا، ولأن الفاسق مردود الشهادة والرواية، غير مأمون، مسلوب الولاية، ناقص عند الله وعند خلقه، فلا يكون كفؤا لعفيفة.
2435 - (وأما في المنصب) وهو النسب فلأن في حديث عمر المتقدم، قال: قلت: وما الأكفاء؟ قال: في الحسب.
رواه أبو بكر بإسناده، ولأن العرب يعدون الكفاءة في النسب، ويأنفون من

نكاح الموالي، ويرون ذلك نقصا وعارا (والرواية الثانية) تعتبر الكفاءة في خمسة أشياء، الشيئين المذكورين، والحرية، والصناعة، واليسار، اختارها القاضي في تعليقه، والشريف، وأبو الخطاب في خلافيهما، وأبو البركات، وصححها أبو محمد في الحرية، والشيرازي في اليسار.
2436 - وذلك (أما في الحرية) فلأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خير بريرة حين عتقت، وإذا ثبت الخيار في الاستدامة ففي الابتداء أولى، (وأما في الصناعة) فلأن ذلك نقص في عرف الناس، أشبه نقص النسب.
2437 - وقد روي «العرب بعضهم لبعض أكفاء، قبيلة لقبيلة، وحي لحي، ورجل لرجل، إلا حائك أو حجام» ذكره ابن عبد البر في التمهيد، وهو ضعيف، وقد بالغ ابن عبد البر، فقال: إنه منكر موضوع.
لكن أحمد قال: العمل عليه.
لما قال له مهنا - وقد قال: الناس أكفاء إلا الحائك والحجام -: تأخذ بالحديث وأنت تضعفه؟ قال: العمل عليه.
(وأما في اليسار) فلأن في عرف الناس التفاضل بذلك.

2438 - وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفاطمة بنت قيس حين أخبرته أن معاوية خطبها «أما معاوية فصعلوك لا مال له» . تنبيهات: (أحدها) : قد تقدم أن الكفاءة هل هي شرط للصحة أو للزوم؟ على روايتين، وأن الكفاءة هل تعتبر في اثنين أو في خمسة؟ على روايتين أيضا، واختلف طرق الأصحاب هل روايتا الصحة واللزوم في الخمسة أو في بعضها، فقال القاضي في الجامع الكبير - وهو ظاهر كلامه في التعليق، وأبو الخطاب في الهداية، وأبو محمد وطائفة -: هما في الشرائط الخمسة، وقال في المجرد: محلهما في الدين والمنصب فقط، أما الثلاثة الباقية فلا تبطل، رواية واحدة، وجمع أبو البركات الطريقتين،

فجعل في المسألة ثلاث روايات، الثالثة: يختص البطلان بالمنصب والدين فقط، وقال القاضي في المجرد: يتوجه اختصاص البطلان بالنسب فقط، وهذه طريقته في الروايتين وفي التعليق، التزاما كما تقدم، وقال أبو العباس: لم أجد عن أحمد نصا ببطلان النكاح لفقر أو رق، ولم أجد عنه نصا بإقرار النكاح مع عدم الدين والمنصب، ونص على التفريق بالحياكة في رواية حنبل وعلي بن سعيد، وهذه طريقة خامسة.
(الثاني) : الكفاءة في الدين) أن لا يزوج العفيفة عن المحرم المفسق بفاسق من جهة فعل أو اعتقاد، وفي كون من شرب مسكرا ولم يسكر كفوا لمن تقدم روايتان، حكاهما ابن أبي موسى (والمنصب) هو النسب، فلا تزوج عربية بعجمي، والعرب بعضهم لبعض أكفاء، وسائر الناس بعضهم لبعض أكفاء، على إحدى الروايتين أو الروايات عن أحمد - رحمة الله -، واختيار أبي محمد في العمدة، لما تقدم من أن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زوج ابنتيه عثمان وأبا العاص، وهما من بني عبد شمس، وزوج أسامة فاطمة بنت قيس وهي من قريش» .

2439 - وزوج علي عمر ابنته أم كلثوم، وهذا يدل على أن العرب كلهم في رتبة واحدة.
2440 - وفي مسند البزار عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «العرب بعضهم لبعض أكفاء، والموالي بعضهم لبعض أكفاء» إلا أن خالدا لم يسمع من معاذ، وحكى القاضي في الجامع الكبير، وأبو الخطاب والشيخان وغيرهم عن أحمد رواية أخرى أن القرشية لا تزوج لغير قرشي، والهاشمية لا تزوج لغير هاشمي، إذ العرب فضلت بقية الناس برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقريش أخص به من سائر العرب، وبنو هاشم أخص به من قريش.
2441 - وعنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» ورد أبو العباس هذه الرواية،

وقال: ليس في كلام أحمد ما يدل عليها، وإنما المنصوص عنه في رواية الجماعة أن قريشا بعضهم لبعض أكفاء، قال: وكذلك ذكر ابن أبي موسى، والقاضي في خلافه، وحكى رواية مهنا: قريش أكفاء بعضهم لبعض، والعرب أكفاء بعضهم لبعض، وموالي القوم منهم، قال أبو العباس: ومن قال: إن الهاشمية لا تتزوج بغير هاشمي، بمعنى أنه لا يجوز فهو مارق من دين الإسلام، إذ قصة تزويج الهاشميات من بنات النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وغيرهن بغير الهاشميين ثابت في السنة ثبوتا لا يخفى، فلا يجوز أن يحكى هذا خلافا في مذهب أحمد، وليس في لفظه ما يدل عليه، انتهى.
(قلت) : وكذلك حكى القاضي الرواية في الروايتين على نحو ما في الخلاف، وصححها، وحكى ابن عقيل في التذكرة المسألة على ثلاث روايات، فجمع طريقتي شيخه في الجامع وفي الخلاف.

(تنبيه) : يجوز للعجمي تزوج موالي بني هاشم، نص عليه في رواية أبي طالب.

2442 - وقال: قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مولى القوم من أنفسهم» هو في الصدقة، ويحتمل رواية مهنا المتقدمة «مولى القوم منهم» المنع.
أما ولد الزنا فلا يكون كفوا لعربية، لأنه أدنى من المولى، قاله أبو محمد، ومن أسلم كفو لمن له أبوان في الإسلام، نص عليه، وكيف لا والصحابة أفضل الأمة وأكفاء للتابعين، بلا تردد، (أما السلامة) من العيوب فلا يبطل عدمها قولا واحدا، نعم للمرأة الفسخ للعيب، لا لفوات الكفاءة انتهى.
(والكفاءة في الحرية) أن لا تزوج حرة بعبد.
قلت: ولا بمن بعضه رقيق، واختلف فيمن مسه أو مس أباه الرق، هل يكون كفوا لحرة الأصل؟ كلام أحمد يدل على روايتين، والجواز اختيار ابن أبي موسى، وأبي محمد، وظاهر كلام أبي الخطاب في الانتصار، والمنع اختيار ابن عقيل، واختلف أيضا في موالي القوم هل هم أكفاء لهم؟ فعنه أنهم أكفاء لهم.
2443 - لما روي أبو رافع مولى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: أصحبنا كيما تصيب منها.
قال: لا حتى آتي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأسأله.
فانطلق فسأله، فقال: إن الصدقة لا تحل لنا، وإن مولى القوم من أنفسهم» رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي وصححه، قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أنفسهم يشمل في الصدقة وفي غيرها، (وعنه) - واختاره القاضي في الروايتين وأبو محمد - ليسوا بأكفاء لهم، قصرا على السبب وهو الصدقة، ولأنه إذا كافى سيدته كافى من تكافيه سيدته، فيبطل اعتبار المنصب.
(وأما الكفاءة) في الصناعة فتعتبر في الحجامة بلا خلاف نعلمه في المذهب، فلا تزوج بنت بزاز بحجام، وكذلك في الكساحة نص عليه، فلا تزوج بنت باني - وهو صاحب العقار، وقيل: الكثير المال - بكساح، وهل تعتبر في الحياكة؟ فيه روايتان، وما عدا هذه الثلاثة من الصنائع الرديئة كالحارس والمكاري والمزين والكباش والحمامي ونحوهم فلا نص فيه عن أحمد، قاله ابن عقيل، ثم من الأصحاب من قصر الحكم على الثلاثة مدعيا بأن الشرع لم يرد بغيرها، وأن القياس لا مدخل له هنا، ومنهم - وهو القاضي في الجامع، وأبو محمد -

من عدى ذلك إلى كل صناعة رديئة، قياسا على الحجامة.
(قلت) والظاهر أن الشرع لم يرد في الكساحة بشيء، فنص أحمد عليها دليل على لحظ المعنى.
ومعنى الكفاءة بالمال أن يكون بقدر المهر والنفقة، قاله القاضي، وأبو محمد في المغني، ولأن هذا الذي يحتاج إليه في النكاح، ولم يعتبر أبو محمد في الكافي إلا النفقة فقط، واعتبر ابن عقيل أن يكون بحيث لا يغير عليها عادة كانت عند أبيها في بيته.
(الثالث) : الكفاءة المعتبرة في الرجل دون المرأة، إذ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا مكافئ له، وقد تزوج من أحياء العرب وتسرى.
2444 - وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من كانت عنده جارية فعلمها وأحسن تعليمها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران» متفق عليه، والمعنى في ذلك أن الولد يشرف بشرف أبيه لا بأمه.
(الرابع) : قال أبو العباس: ينبغي أن يكون الخيار في الفسخ على التراخي، في ظاهر المذهب، لأنه لنقص في المعقود

عليه، فعلى هذا يسقط خيارها بما يدل على الرضى من قول وفعل، ولا يسقط خيار الأولياء إلا بالقول، وقال: إن قياس المذهب افتقار الفسخ إلى حاكم.
(الخامس) : إذا كانت الكفاءة المعتبرة حال العقد موجودة ثم زالت بعده، فإن النكاح لا يبطل بذلك قولا واحدا، لكن هل للمرأة والأولياء الفسخ، كما لو كانت معدومة قبل العقد ويعزى ذلك لأبي الخطاب، ويحتمله كلام شيخه في التعليق، أو لا يثبت لواحد منهما، أو يثبت ذلك للمرأة دون الولي، وهو الذي أورده المجد مذهبا؟ على ثلاثة أوجه، والله أعلم.

قال: وإذا زوج الرجل ابنته البكر فوضعها في كفاية فالنكاح ثابت وإن كرهت، كبيرة كانت أو صغيرة.
ش: لا نزاع بين أهل العلم فيما نعلمه في أن للأب تزويج ابنته البكر التي لم تستكمل تسع سنين وإن كرهت، بشرط أن يضعها في كفاية، وقد حكاه ابن المنذر إجماعا، ودل عليه قوله سبحانه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] أي فعدتهن كذلك [أو على التقديم والتأخير، والتقدير: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم، واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، وعلى كل حال يدل] على أن الصغيرة تزوج وتطلق، لوقوع

العدة عليها، ولا إذن لها معتبرة والحال هذه.
2445 - وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوجها وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه وهي بنت تسع سنين ومكثت عنده تسعا» ، متفق عليه، وفي رواية لأحمد، ومسلم: «تزوجها وهي ابنة تسع» . ولا إذن لها إذا معتبرة.
2446 - وروى الأثرم أن قدامة بن مظعون تزوج ابنة الزبير حين نفست، فقيل له.
فقال: ابنة الزبير إن مت ورثتني، وإن عشت كانت امرأتي.
واختلفت الرواية عن إمامنا أحمد في من استكملت تسع سنين، فروي عنه كذلك وإن بلغت، وهي اختيار الخرقي وجمهور الأصحاب، القاضي , وولده أبى الحسين وأبي الخطاب في خلافه، والشريف، وابن البنا، وأبي محمد وغيرهم.
2447 - لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها» رواه مسلم وغيره، وفي رواية في الصحيح «يستأمرها أبوها»

فتقسيم النساء قسمين، وإثبات الحق لأحدهما دليل على نفيه عن الآخر، وهي البكر، فيكون وليها أحق منها، وإلا فلا فائدة من التفرقة، لا يقال: الفائدة التفرقة في صفة الإذن، لأنا نقول: ظاهر الحديث أن الذي فرق فيه حق الولي، ألا ترى أنه ذكر صفة الإذن بعد، وعلى هذا فالإذن في حقها على سبيل الاستحباب، وعلى هذا فالعلة في الإجبار البكارة.
(وروي عنه) : لا يجبرها مطلقا، وهي أظهر، وقد قال الشريف: إنها المنصوص عنه.
2448 - لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن» قالوا: يا رسول الله، كيف إذنها؟ قال: «أن تسكت» . 2449 - «وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، قالت: قلت: يا رسول الله، تستأمر النساء في أبضاعهن؟ قال: «نعم» قلت: فإن البكر تستأمر فتستحي؟ فقال: سكاتها إذنها» متفق عليهما.
2450 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن جارية بكرا أتت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكرت له أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رواه أحمد، وأبو داود.
والعلة على هذا القول البكارة مع

صغر مخصوص.
(وعنه) : تجبر ابنة تسع سنين، حكاها ابن أبي موسى وغيره لما تقدم، ولا تجبر البالغة، لأنها جائزة التصرف في مالها، أشبهت الثيب الكبيرة، والعلة على هذا القول الصغر والبكارة، وظاهر كلام ابن عقيل أن العلة على هذا القول الصغر، ومن نصر الأول حمل ما ورد من استئذان البكر على الاستحباب، أو على غير الأب، وأجابوا عن حديث ابن عباس بأن أبا داود، وأبا حاتم وغيرهما أعلوه بالإرسال، ثم يحتمل أن أباها زوجها من غير كفو فخيرت لذلك، وفي هذه الأجوبة نظر، أما الأول فظواهر الأحاديث تخالفه، ومثل هذا الظاهر لا يترك إلا بأقوى منه، وأما الثاني فالمرسل عندنا حجة على الصحيح، لا سيما وقد اعتضد بظواهر الأحاديث، وأما الثالث فالذي رتب عليه الحكم من دعا له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالفقه وعلم التأويل هو الكره لا غيره، وأما قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الثيب أحق بنفسها، والبكر تستأمر» فالمراد، والله أعلم، في الرد والإجابة في الخطبة، فالولي ليس له مع الثيب أمر في ذلك، ولهذا قال: تستأمر أي يطلب أمرها، بخلاف البكر فإنه لا مدخل لها في العادة في ذلك، وإنما تستأذن في الرضا بالنكاح فقط.

تنبيهات: (أحدها) قد تقدم التنبيه على علة الإجبار، وسيأتي أن لنا وجها أن الثيب الصغيرة تجبر مطلقا، وعلى هذا فالعلة في الإجبار الصغر، عكس الأول، لكن لا أعرف قائلا بذلك، وإنما أبو بكر يقول بإجبار ثيب لم تبلغ تسعا، فالعلة عنده صغر مخصوص، وأبو البركات ينتظم من كلامه أن في علة الإجبار ثلاث روايات، الصغر، البكارة، أحدهما، ويتلخص من مجموع ذلك ثلاثة أقوال.
(الثاني) : إذا قلنا لا تجبر المميزة بعد التسع هنا وفيما سيأتي فهل لها إذن صحيح فتزوج به؟ فيه روايتان، أنصهما وأشهرهما عن أحمد نعم، وبها جزم القاضي في تعليقه، وفي جامعه، ومجرده، وابن عقيل في فصوله وتذكرته، وأبو الخطاب في خلافه، والشريف وابن البنا، ونصبها الشيرازي، وهي ظاهر كلام أبي بكر كما سيأتي، لظاهر قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] الآية، مفهومه أنا إذا لم نخف لنا تزويج اليتيمة.

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل