كتاب الوديعة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
«الوديعة» : فعيلة بمعنى مفعولة، من الودع، وهو الترك، أي: متروكة عن المودع.
2344 - وفي مسلم عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات» » [أي: عن تركهم الجمعات] .
2345 - وفي النسائي عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اتركوا الترك ما تركوكم، ودعوا الحبشة ما ودعوكم» . (وهي جائزة) بالإجماع، وسند ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ [النساء: 58] الآية.
2346 - وعن أبي هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» رواه أبو داود، والترمذي وحسنه.
ضمان الوديعة
قال: وليس على المودع ضمان إذا لم يتعد.
ش: ليس على المودع ضمان إذا لم يتعد، لأنه محسن، فيدخل في قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91] .
2347 - وأمين، فيدخل في قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ضمان على مؤتمن» رواه الدارقطني، ثم لو قيل بالضمان لانتفى هذا المرفق العظيم، لامتناع العاقل من الدخول فيما يتمحض ضررا، ولا فرق بين أن تتلف مع ماله، أو دون ماله على المذهب.
(وعنه) : إن تلفت دون ماله؛ ضمنها.
2348 - لأنه يروى أن عمر رضي لله عنه ضمن أنسا وديعة تلفت دون ماله، وينبغي أن يكون محل هذه الرواية فيما إذا ادعى التلف
والحال هذه، فإنه لا يقبل منه، لمكان التهمة، أما إن ثبت التلف؛ فإنه ينبغي انتفاء الضمان رواية واحدة، أما إن تعدى فإنه خرج من حيز الأمانة، إلى حيز الخيانة، فيضمن بلا نزاع، والله أعلم.
قال: فإن خلطها بماله وهي لا تتميز، أو لم يحفظها كما يحفظ ماله، أو أودعها غيره؛ فهو ضامن.
ش: لما ذكر أنه إذا تعدى فيها ضمن، ذكر ثلاث صور من صور التعدي:
(إحداها) : إذا خلط الوديعة بماله والحال أنها لا تتميز مع ما خلطت به، كما لو خلط زيتا بزيت أو بشيرج، أو برا ببر، أو دراهم بدراهم، ونحو ذلك، لأنه صيرها في حكم التالف، وفوت على نفسه ردها، فضمنها كما لو ألقاها في لجة بحر، وعن أحمد في رجل أعطى رجلا درهما يشتري له به شيئا، فخلطه مع درهمه فضاعا، قال: ليس عليه شيء.
ذكرها القاضي في ما انتقاه من رواية عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، وحكم خلطها بمال غيره حكم
خلطها بمال نفسه، وإنما ذكر الخرقي ماله اعتمادا على الغالب.
(الصورة الثانية) : إذا لم يحفظها كما يحفظ ماله [فإنه يضمن، لأن حقيقة المودع أنه وكيل في الحفظ، فإذا لم يحفظ؛ فقد فرط، وإذا فرط ضمن، وحفظها كما يحفظ ماله] أن يحرزها في حرز مثلها، أو أعلى منه، ويذكر ذلك إن شاء الله تعالى في القطع في السرقة، وهذا إذا لم يعين له المالك حرزا، أما إن عين له حرزا فإنه يمتثل وإن كان دون حرزها، فإن خالف فسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى.
(الصورة الثالثة) : إذا أودعها عند غيره، وله حالتان:
(إحداهما) : أن يفعل ذلك لغير عذر، ولا إشكال في تضمينه إذا؛ لأنه متعد، إذ لفظ مالكها إنما تضمن أن يحفظها بنفسه لا بغيره، قلت: ويخرج عدم الضمان إذا لم ينهه، بناء على رواية جواز توكيل الوكيل، وليس من إيداعها لغيره دفعها لمن جرت عادته بدفعها إليه، كزوجته وعبده، لأن ذلك مما يحفظ به ماله، فهو داخل فيما تقدم، وهذا منصوص أحمد، وعليه الأصحاب، وفيه وجه آخر: بلى فيضمن.
ذكره ابن أبي موسى.
(الحالة الثانية) : إذا أودعها عند غيره لعذر، كما إذا أراد سفرا غير مأمون، أو كان الترك أحرز لها، أو استوى الأمران في وجه، أو خاف عليها من حريق أو ظالم ونحو
ذلك، ولم يجد ربها ولا وكيله، فيجوز، ولا ضمان عليه لمكان العذر، ثم هل يتعين الحاكم مع القدرة عليه - وهو المذهب المقطوع به للأصحاب - أو لا يتعين، ويكفي إيداعها ثقة؛ وهو احتمال لأبي محمد في المغني؟ فيه قولان: قال القاضي: وقد أطلق أحمد القول - في رواية الأثرم، وإبراهيم بن الحارث -: لا يودعها لغيره إذا خاف عليها.
قال: وهذا محمول على المقيم في البلد، والمسافر إذا وجد حاكما فعدل عنه.
والله أعلم.
قال: وإذا كانت علة فخلطها في صحاح، أو صحاحا فخلطها في علة، فلا ضمان عليه.
ش: العلة: هي المكسرة، فإذا خلطها في صحاح أو بالعكس فلا ضمان عليه، لأنها تتميز، فلا يتعذر ردها، وهذا هو المذهب، والمنصوص في رواية أبي طالب، ونقل عنه ابن منصور فيمن خلط دراهم بيضا بسود يضمنها، فأجر ذلك صاحب التلخيص وغيره في كل ما يتميز، وخصها أو محمد بصورة النص، لاحتمال كسبها سوادا فيتغير لونها فتنقص.
قال: ولو أمره أن يجعلها في منزله، فأخرجها عن المنزل لغشيان نار، أو سيل، أو شيء، الغالب منه التوى؛ فلا ضمان عليه.
ش: إذا أمره أن يجعل الوديعة في محل فجعلها فيه فلا ضمان عليه، وإن كان دون حرز مثلها، لأنه ممتثل غير مفرط، وإن أخرجها عن ذلك المحل لشيء نزل بها - من نار، أو سيل، ونحو ذلك مما الغالب منه الهلاك - فلا ضمان عليه، لأنه مأمور بحفظها، وحفظها في إخراجها إذا فلا تفريط، وهل يتعين الإخراج بحيث إذا تركه ضمن؟ لا يخلو من ثلاثة أحوال:
(أحدها) : أن يعين له الحرز ولا ينهاه عن الإخراج كصورة الكتاب، فهنا يتعين عليه الإخراج والحال ما تقدم، بحيث لو تركه ضمن، وإن تلفت بغير ذلك الحادث، لأنه يعد إذا مفرطا، فيضمن لتفريطه.
(الثانية) : عين له الحرز، وقال له: لا تخرجها وإن خفت عليها.
فأخرجها والحال ما تقدم، أو تركها، فلا شيء عليه، لأنه إن أخرجها فقد زاده خيرا بحفظها، إذ المقصود من هذا الكلام: المبالغة في حفظها، وإن تركها فلا شيء عليه، لأن ربها صرح له بتركها مع الخوف، فكأنه رضي بإتلافها.
(الثالثة) : عين له الحرز، ونهاه عن الإخراج، ولم يقل: وإن خفت عليها.
فيجوز له الإخراج مع الخوف بلا ريب، وهل يضمن إذ ترك؟ فيه وجهان:
(أحدهما) : لا ضمان عليه، لامتثاله أمر صاحبها.
(الثاني) :
وهو مقتضى ما جزم به صاحب التلخيص، وأورده في الكافي مذهبا: عليه الضمان، لأن النهي للاحتياط عليها، والاحتياط إذا نقلها، فإذا تركها فقط فرط فيضمن.
انتهى.
ومفهوم كلام الخرقي: أنه متى أخرجها بلا خوف عليها، مع تعيين المالك الحرز لها ضمنها، ولا نزاع في ذلك إن أخرجها لحرز دون الذي عينه مالكها، وفيما إذا أخرجها لمثله أو أعلى منه ثلاثة أوجه:
(أحدهما) : يضمن مطلقا، كما هو ظاهر كلام الخرقي، وظاهر كلام أحمد أيضا، قال في رواية حرب وغيره: إذا خالف في الوديعة فهو ضامن، وذلك لأنه خالف أمر صاحبها من غير حاجة، أشبه ما لو نهاه.
(والثاني) : لا يضمن مطلقا، قاله القاضي، وابن عقيل، لأن مثل الشيء يساوي ذلك الشيء، فيعطى حكمه.
(والثالث) : إن نقلها إلى أعلى لمن يضمن، لأنه زاده خيرا، وإن نقلها إلى المساوي ضمن؛ لعدم الفائدة في ذلك.
قال في التلخيص: وأصحابنا لم يفرقوا بين تلفها بسبب النقل، وبين تلفها بغيره، وعندي أنه
إذا حصل التلف بسبب النقل - كانهدام البيت المنقول إليه - ضمن.
(تنبيه) : «الغشيان» مصدر: غشي الشيء غشيانا، نزل به.
«والتوى» مقصورا الهلاك.
قال: وإذا أودعه شيئا، ثم سأله دفعه إليه في وقت أمكنه ذلك، فلم يفعل حتى تلف؛ فهو ضامن.
ش: إذا أودعه شيئا ثم سأله دفعه إليه؛ لزمه ذلك، لأمر الله سبحانه ورسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك، فإن لم يفعل حتى تلف مع إمكان الرد ضمن، لمخالفة الأمر، وانتفاء عذر المودع في الامتثال، فأشبه الغاصب، أما إن لم يمكن ردها لبعدها، أو لمخافة في طريقها، ونحو ذلك فلا ضمان عليه، لأنه لا يتوجه الأمر إليه والحال هذه، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق، وإذا لم يتوجه الأمر إليه فلا ضمان، لانتفاء تعديه، أما إن أخر لحاجة له مع إمكان الرد - كما إذا كان في الحمام، أو على طعام فأخر إلى الفراغ - فظاهر كلام الخرقي: وجوب الضمان، وصرح به في التلخيص، إناطة للحكم بإمكان الرد، وفي لحوق المأثم له والحال هذه وجهان؛ وظاهر كلام أبي محمد في المغني انتفاء الضمان، لأنه قال: إذا قال:
أمهلوني حتى أقضي صلاتي، أو آكل فإني جائع، أو أنام فإني ناعس، أو ينهضم الطعام عني فإني ممتلئ؛ أمهل بقدر ذلك.
والله أعلم.
قال: وإذا مات وعنده وديعة لا تتميز من ماله؛ فصاحبها غريم بها.
ش: إذا مات إنسان وقد ثبت أن عنده وديعة، بإقراره أو ببينة، ولم تتميز من ماله، فصاحبها غريم بها، لأنه قد ثبت بإقراره أو بالبينة استحقاق ردها، وقد تعذر، فيجب بدلها، وإذا وجب بدلها كان غريما بها، كسائر الحقوق، أما إن ثبت أنه كان عنده وديعة في حياته، ثم مات ولم توجد بعينها، ولم يعلم بقاؤها ولا تلفها، فوجهان:
(أحدهما) وقال في المغني إنه المذهب: وجوب الضمان، [اعتمادا على أصل وجوب الرد ما لم يعلم ما يزيله.
(والثاني) : لا ضمان، نظرا إلى أن الأصل عدم إتلافها والتعدي فيها، فينتفي الضمان] ولا فرق فيما تقدم بين أن يوجد جنس الوديعة، في ماله أو لم يوجد، قاله أبو محمد.
وقال في التلخيص: إذا أوصى وأجمل ولم يعرف ضمن نص عليه، وإن ذكر جنسها بأن قال: عندي وديعة عمامة، أو سراويل، أو نحو ذلك، ولم يوجد ذلك في تركته؛ فلا ضمان، لاحتمال التلف قبل الموت، والله أعلم.
قال: ولو طالبه بالوديعة فقال: ما أودعتني.
ثم قال: ضاعت من حرز.
كان ضامنا، لأنه خرج من حال الأمانة.
ش: إذا طالبه بالوديعة فأنكر أصل الإيداع، بأن قال: ما أودعتني.
فثبت الإيداع ببينة أو إقرار، فادعى ما يسقط وجوب الضمان عنه - من ضياعها، أو تلفها، أو ردها - لم يسمع منه، ووجب عليه الضمان، وإن أتى ببينة، لأنه إن ادعى ذلك قبل الجحود، فهو بدعواه الأولى مكذب لدعواه الثانية أو لبينته، فينتفيان، وقيل: يسمع منه ذلك بالبينة.
وإن ادعى ذلك بعد الجحود، فقد خرج عن حال الأمانة، فصارت يده يدا ضامنة لا يد أمانة، فثبوت التلف أو الضياع لا ينفي عنه الضمان.
نعم إن ادعى الرد بعد الجحود سمع منه كالغاصب، فيثبت بالبينة، ويحلف خصمه مع عدمها، والله أعلم.
قال: ولو قال: ما لك عندي شيء.
ثم قال: ضاعت من حرز.
كان القول قوله، ولا ضمان عليه.
ش: أي ولو طالبه بالوديعة، فلم ينكر أصل الإيداع، وإنما قال: ما لك عند شيء.
ثم ثبت أنه أودعه، فادعى الضياع، أو التلف، ونحو ذلك سمع منه، لعدم تنافي دعواه الأولى والثانية، إذ مع الضياع أو التلف ليس له عنده شيء،
فهو صادق في قوله، فأمانته باقية، ودعواه مقبولة، ولا فرق بين قبل الجحود وبعده، على ظاهر إطلاق جماعة.
وقال القاضي في المجرد: وقد قيل: إن شهدت البينة بالتلف بعد الجحود فعليه الضمان، لأنه قد كذبها بالجحود، وإن شهدت بالتلف قبل الجحود سمعت، ولا ضمان عليه، والله أعلم.
قال: ولو كانت في يده وديعة فادعاها نفسان، فقال: أودعني أحدهما ولا أعرفه عينا، أقرع بينهما، فمن تقع له القرعة حلف أنها له وأعطي.
ش: إذا كانت في يده وديعة فادعاها نفسان، كل واحد منهما يدعي أنه الذي أودعها ولا بينة، فلا يخلو من خمسة أحوال:
(أحدها) : أن يقر بها لأحدهما دون الآخر، فهي له مع يمينه، لأن اليد كانت للمودع، وقد نقلها إلى المدعي، فصارت اليد له، ومن اليد له القول قوله مع يمينه، وعلى المدعي اليمين للمدعي الآخر؛ لأنه منكر لما ادعاه عليه، فإن حلف؛ برئ، وإن نكل قضي عليه بغرمها.
(الثاني) : أن
يقر بها لهما، فهي بينهما يقتسمانها، مع تحالفهما، كما لو كانت بأيديهما وتداعياها، وعليه اليمين لكل واحد منهما في نصفها، فإن نكل لزمه عوضها يقتسمانه أيضا.
(الثالث) : أن يقر بها لواحد منهما غير معين، وهذه مسألة الخرقي، فإن صدقاه في عدم العلم فلا يمين عليه، ويقرع بينهما، لتساويهما في الحق، أشبها العبدين إذا أعتقهما في مرضه، وإن أكذباه أو أحدهما، لزمه يمين واحدة بأنه لا يعلم عين صاحبها، لأن المدعي يدعي عليه العلم بعين صاحبها، وهو ينكره، فإن حلف أقرع بينهما كما تقدم، وإن نكل لزمه غرمها.
قال في التلخيص: ثم إن اتفقا على أن العين وقيمتها يشتركان فيها فلا كلام، وإن تشاحاها أقرع بينهما،
فدفعت العين للقارع، ومقتضى كلام أبي البركات أنه مع نكوله يقرع بينهما، فيأخذ القارع العين، ويطلب الآخر البدل.
(الرابع) : جحدهما فالقول قوله، لأن اليد له، وعليه لكل واحد يمين، فإن نكل لزمه لهما العين وعوضها، يقترعان عليهما، قال أبو البركات: ويحتمل أن يقتسماهما.
(الخامس) : أقر بها لغيرهما، وله تقاسيم ليس هذا موضعها، والله أعلم.
قال: ومن أودع شيئا فأخذ بعضه، ثم رده أو مثله فضاع الكل، لزمه مقدار ما أخذ.
ش: إذا أودع إنسان إنسانا شيئا، فأخذ بعضه ثم رده، فضاع الجميع أو تلف، لزمه مقدار ما أخذ فقط، لأنه القدر الذي تعدى فيه، هذا هو المشهور من الروايتين، حتى إن القاضي في تعليقه، وأبا البركات وأبا محمد في الكافي والمغني، لم يذكروا غيرها.
(والرواية الثانية) : يضمن الجميع، حكاها صاحب التلخيص وغيره، لأنها وديعة، قد تعدى فيها فضمنها، كما لو أخذ الجميع انتهى.
وإن لم يرد ما أخذ بل رد بدله، فللأصحاب في ذلك طرق:
(إحداها) : أنه لا يلزمه إلا مقدار ما أخذ، سواء كان البدل متميزا أو غير متميز، وهذا مقتضى كلام الخرقي، وبه قطع القاضي في التعليق، وذكر نص أحمد على ذلك من رواية الجماعة، وحكي عنه من رواية الأثرم أنه أنكر القول بتضمين الجميع، وأنه قال: إنه قول سوء.
وذلك لأنه الضمان منوط بالتعدي، والتعدي إنما حصل في المأخوذ، فيختص الضمان به.
(الطريقة الثانية) : أنه إن تميز البدل ضمن قدر ما أخذ فقط، وإن لم يتميز فعلى روايتين، وهذه طريقة أبي محمد في المغني والكافي، وأبي البركات.
(الطريقة الثالثة) : أن المسألة على روايتين فيهما، وهي ظاهر كلام أبي الخطاب في الهداية.
(الطريقة الرابعة) أنه إن تميز البدل فعلى روايتين،
وإن لم يتميز ضمن الجميع رواية واحدة، قالها صاحب التلخيص، ويقرب من هذه الطريقة قول أبي محمد في المقنع، وكلام القاضي على ما حكى عنه أبو محمد في المغني، ومبنى هذه الطريقة على أن المردود باق على ملكه، فقد خلط ملكه بالوديعة، فيجري فيه ما تقدم، وقد فرق أبو محمد بأن المردود يجب رده مع الوديعة، فلم يفوت على نفسه إمكان الرد، بخلاف ثم، فإنه فوت على نفسه، إمكان رد الوديعة، وقد يقال: مسلم أنه يجب عليه الرد، لكن لا يجب عليه رد هذا المخلوط بعينه، فهو باق على ملكه، فإذا خلطه بالوديعة، ولم يتميز فقد فوت على نفسه إمكان رد باقيها، وبالجملة هذه الطريقة وإن كانت حسنة لكنها مخالفة لنصوص أحمد، وقد يقال: إن نصوصه هنا مقوية لرواية البغوي ثم.
واعلم أن شرط هذه المسألة عند أبي محمد، وأبي البركات، أن تكون الدراهم ونحوها غير مختومة ولا مشدودة،
أما إن كانت مختومة أو مشدودة فحل الشد، أو فك الختم، فإنه يضمن الجميع بلا نزاع، لهتك الحرز، وهذا الصحيح عند القاضي، وقال: إنه قياس قول الأصحاب فيما إذا فتح قفصا عن طائر فطار.
ولم يذكر عن أحمد بذلك نصا، ونقل مهنا عن أحمد ما يقتضي أنه لا يضمن إلا ما أخذ، فقال - في رجل استودع رجلا عشرة دنانير في صرة، فأخذ منها المستودع دينارا فأنفذه، ثم رد مكانه دينارا، فضاعت العشرة -: يغرم الدينار، وليس عليه التسعة، وفي التلخيص أيضا أن البغوي روى عن أحمد ما يدل على ذلك.
وينبني على ذلك: لو خرق الكيس، فإن كان من فوق الشد لم يضمن إلا أرش الخرق فقط، وإن كان من تحت الشد ضمن الجميع، على المشهور عند الأصحاب.
وقوة كلام الخرقي تقتضي أنه لا يضمن بمجرد نية التعدي، وهو المذهب المجزوم به، لرفع المؤاخذة عن ذلك ما لم يتكلم أو يعمل، ولهذا لو أخرجه إلى السوق بنية الإنفاق ثم ردها، ضمنها على أصح الوجهين، لوجود العمل، قال القاضي: وقد قيل: إنه يضمن بالنية، لاقترانها بالإمساك، وهو فعل، وقد ينبني هذا الوجه على أن الذي لا يؤاخذ به هو الهم، أما العزم فيؤاخذ به على أحد القولين، والله أعلم.
باب قسم الفيء والغنيمة والصدقة
ش: «الفيء» في الأصل مصدر: فاء يفيء فيئة وفيئا: إذا رجع، ثم أطلق على ما أخذ من الجهات الآتي ذكرها إن شاء الله تعالى؛ لأن الله تعالى أفاءه على المسلمين، أي: رده عليهم من الكفار، فإن الأصل: أن الله إنما خلق الأموال إعانة على عبادته، لأنه إنما خلق الخلق لعبادته، والكافر ليس من أهل عبادته، فرجوع المال عنه رده إلى أصله.
والأصل فيه قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: 7] الآية.
«والغنيمة» : أصلها من الربح والفضل، والأصل فيها قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] الآية، أضاف الغنيمة لهم، ثم جعل خمسها لغيرهم، فدل على أن الأربعة الأخماس الباقية لهم، وقيل: إنها كانت أولا للرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 1] وهي من خصائص هذه الأمة.
2349 - قال: «وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي» متفق عليه.
2350 - وفي الصحيح: «أن النار كانت تنزل من السماء فتأكلها» . «والصدقة» هنا المراد بها: الصدقة المفروضة، وهي الزكاة.
قال: والأموال ثلاثة: فيء، وغنيمة، وصدقة.
ش: أي الأموال التي مرجعها للإمام، التي يتولى أخذها وتفريقها، والله أعلم.
تعريف الفيء والغنيمة
قال: فالفيء ما أخذ من مال مشرك، ولم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، والغنيمة ما أوجف عليه.
ش: هذان تعريفان شرعيان للفيء والغنيمة، والركاب: الإبل، والإيجاف أصله التحريك، والمراد هنا: الحركة في السير إليه.
2351 - قال قتادة في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: 6] ما قطعتم واديا، ولا
سيرتم إليها دابة، إنما كانت حوائط بني النضير، أطعمها الله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - لحظ الآية الكريمة، كما هو دأبه، فأتى بألفاظها، فكل ما أخذ من مال مشرك بغير إيجاف، كالذي تركه فزعا من المسلمين، وكالجزية، والعشر من تاجر أهل الحرب، ونصفه من تاجر أهل الذمة، ومال من مات منهم ولا وارث له، وخراج أرض صالحناهم عليها.
وما أجاف عليه المسلمون فساروا إليه، وقاتلوا عليه، فهو غنيمة، سواء أخذ بالسيف، أو بالحصر والاستنزال بأمان.
2352 - فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - افتتح حصون خيبر بعضها عنوة، وبعضها استنزل أهله بأمان، وكلها كانت غنيمة.
تقسيم خمس الفيء والغنيمة
قال: فخمس الفيء والغنيمة مقسوم على خمسة أسهم.
ش: قد دل كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - من جهة إشارة النص على أن الفيء والغنيمة يخمسان؛ «أما الغنيمة» : فلا نزاع في تخميسها بحمد الله في الجملة، وقد دل عليها قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] الآية.
2353 - وفي الترمذي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لوفد عبد القيس: «آمركم أن تؤدوا خمس ما غنمتم» .
وقد اختلف في أشياء من الغنيمة: هل تخمس كالسلب، والنفل، وأشياء أخر، ونذكر ذلك إن شاء الله تعالى في غير هذا الموضع.
«وأما الفيء» : فالمنصوص عن أحمد في رواية أبي طالب أنه لا يخمس، لأن الله سبحانه قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: 7] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: 10] الآيات، فدل على أنه كله لهؤلاء، ولم يذكر خمسا.
2354 - وفي النسائي من حديث مالك بن أوس، عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في حديث طويل، فيه أنه قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الأنفال: 41] هذا لهؤلاء ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60] هذه
لهؤلاء ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: 6] قال الزهري: قال عمر: هذه لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاصة وكذا ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الحشر: 7] و ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: 8] ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: 9] ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: 10] فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق رجل ممن المسلمين إلا وله من هذا المال حق - أو قال حظ - إلا بعض من تملكون من أرقائكم، ولئن عشت ليأتين على كل مسلم حقه أو قال حظه.
ورواه أبو داود عن الزهري قال: قال عمر: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: 6] وذكر مثل رواية النسائي، وهذا من عمر تفسير للآية الكريمة
وهو كالنص في عدم التخميس، وتفسير الصحابي إذا وافق ظاهر النص [كان] حجة بلا ريب.
وقال الخرقي: إنه يخمس.
قال القاضي: لم أجد بما قال نصا.
ووجهه أنه مال مشرك مظهور عليه، فوجب أن يخمس كالركاز، والغنيمة، ودل كلامه - من جهة دلالة النص - على أن خمس الفيء والغنيمة يقسمان على خمسة أسهم، وذلك لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] الآية.
2355 - وسهم الله والرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واحد، كذا قال عطاء، والشعبي.
2356 - وعن بعضهم أن ذكر الله تعالى لافتتاح الكلام تبركا به.
2357 - وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «سمعت عليا يقول: ولاني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على خمس الخمس فوضعته مواضعه حياته، وحياة أبي بكر، وحياة عمر، فأتي عمر بمال آخر حياته، فدعاني فقال: خذه.
فقلت: لا أريده.
فقال: خذه فأنتم أحق به.
قلت: قد استغنينا عنه.
فجعله في بيت المال.
رواه أبو داود.
وفي رواية: إن رأيت أو تولينا حقنا من هذا الخمس في كتاب الله» . وهذا يدل على أن الخمس كان يخمس خمسة أسهم، لا أقل منها ولا أكثر.
(تنبيه) : الغنيمة التي تخمس هي: ما وجد بعد دفع السلب لمستحقه، وبعد دفع ما وجد فيها لمسلم أو معاهد
له، وبعد إعطاء أجرة من حفظها أو نقلها، وجعل من دل على حصن أو ماء، ونحو ذلك، ولهذه تفاصيل ليس هذا موضع بيانها، وبعد ما أكل منها من طعام، أو علف، على ما يذكر في موضعه.
واختلف في ما إذا دخل قوم لا منعة لهم دار الحرب فغنموا، هل يخمس ما غنموه؟ على روايتين.
واختلف أيضا في النفل، كقول الإمام: من جاء بعشرة أرؤس فله منها رأس ونحو ذلك، فقال أبو البركات: يخمس، وقال أبو محمد: الظاهر أنه لا يخمس.
والله أعلم.
قال: سهم للرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مصروف في الكراع، والسلاح، ومصالح المسلمين.
ش: سهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - باق بعد موته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يسقط، اعتمادا على الأصل، وهو ثبوته.
2358 - وفي حديث جبير بن مطعم أنه قال: وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكان عمر يعطيهم، ومن كان بعده منه مختصرا، رواه البخاري.
2359 - وعن عمرو بن عبسة قال: «صلى بنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى بعير من المغنم، فلما صلى أخذ وبرة من المغنم ثم قال: «لا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود فيكم» . رواه أبو داود، وروى نحوه النسائي عن عبادة بن الصامت، وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وهو شامل لحال حياته، وحال وفاته، ومصرفه مصالح المسلمين، كالفيء على المشهور، ولما تقدم من قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: وهو مردود فيكم.
(وعن أحمد) رواية أخرى: يصرف في السلاح والكراع والمقاتلة خاصة.
2360 - لما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فكان ينفق على أهله نفقة سنة - وفي لفظ: يحبس لأهله قوت سنتهم - ويجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سيبل الله» . متفق عليه.
(تنبيه) : «الوبرة» : واحدة الوبر للإبل، كالصوف للضأن، والشعر للمعز، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: 80] .
«والكراع» : الخيل.
قال: وخمس مقسوم في صلبية بني هاشم، وبني المطلب، ابني عبد مناف، حيث كانوا، للذكر مثل حظ الأنثيين.
ش: قوله: في صلبية بني هاشم.
يعني: أولاد هاشم، دون من يعد منهم من مواليهم، وحلفائهم، وقد دل كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - على خمس مسائل:
(إحداها) : أن سهم ذوي القربى ثابت بعد موت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهذا مذهبنا؛ لأنه سبحانه ذكرهم في كتابه من ذوي السهام، والأصل: البقاء ما لم يعارضه معارض.
2361 - «وعن جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت: يا رسول الله أعطيت بني المطلب، وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد» . وفي رواية: فقلنا: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا.
وزاد: قال جبير: ولم يقسم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل شيئا» .
وقال ابن إسحاق: عبد شمس، وهاشم، والمطلب أخوة لأم، وأمهم عاتكة بنت مرة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم.
هذه رواية البخاري.
2362 - وفي رواية أبي داود: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يكن يقسم لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل من الخمس شيئا، كما قسم لبني هاشم وبني المطلب» ، قال: وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكان عمر يعطيهم ومن بعده.
وفي رواية: وعثمان بعده.
فهذان عمر وعثمان أعطيا بعد موته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومنع أبي بكر لعله لمانع قام عنده، والنسخ لا يثبت بالاحتمال.
2363 - وعن يزيد بن هرمز قال: كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذوي القربى لمن هو؟ قال يزيد بن هرمز: فأنا كتبت كتاب ابن عباس إلى نجدة، كتب إليه: كتبت تسألني عن سهم ذوي القربى لمن هو؟ وهو لنا أهل البيت، وقد كان عمر دعانا إلى أن ينكح منه أيمنا، ويجدي منه عاملنا، ويقضي منه عن غارمنا، فأبينا إلا أن يسلمه إلينا فتركناه عليه.
رواه أبو داود، والنسائي، وأحمد، واحتج به، وهذا لفظه.
(الثانية) : أن ذا القربى بنو هاشم وبنو المطلب ابني عبد مناف، دون مواليهم، وغير مواليهم، لما تقدم من حديث جبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والمعتبر الأب، لأن النسب له، فإن الهاشمي، وإن لم تكن أمه هاشمية، يستحق، وابن الهاشمية لا يستحق إذا كان أبوه غير هاشمي.
(الثالثة) : أنه يجب تعميمهم، وتفرقته بينهم حيث كانوا حسب الإمكان، لأنه سهم مستحق بالقرابة، أشبه الميراث، فعلى هذا يبعث الإمام إلى عماله في الأقاليم، وينظر ما حصل من ذلك، فإن استوت الأخماس فرق كل خمس فيمن قاربه، وإن اختلفت أمر بحمل الفضل ليدفع إلى مستحقه، قال أبو محمد: والصحيح إن شاء الله تعالى أنه لا يجب التعميم، لأنه يتعذر أو يشق، فلم
يجب كالمساكين، والإمام ليس له حكم إلا في قليل من بلاد الإسلام، فعلى هذا يفرقه كل سلطان فيما أمكن من بلاده.
قلت: ولا أظن الأصحاب يخالفون أبا محمد في هذا.
(الرابعة) : أن القسم بينهم يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو إحدى الروايتين، وبه جزم أبو محمد في المقنع، لأنه سهم استحق بقرابة الأب شرعا، ففضل فيه الذكر على الأنثى كالميراث، وخرج ولد الأم والوصية.
(والرواية الثانية) : يسوى بين ذكرهم وأنثاهم، لأنهم أعطوا باسم القرابة، والذكر والأنثى فيها سواء، أشبه ما لو وصى لقرابة فلان، يحققه أن الجد يأخذ مع الأب، وابن الابن يأخذ مع الابن، وهذا خلاف الميراث.
(الخامسة) : أن غنيهم وفقيرهم فيه سواء، على عموم كلام الخرقي، وهو المشهور المعروف، لعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿ولذي القربى﴾ [الأنفال: 41] .
2364 - وفي الصحيحين في حديث طويل أن العباس وعليا جاءا يطلبان أن عمر يقضي بينهما، فقال عمر: إن الله كان خص رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بخاصة لم يخصص بها أحدا غيره، فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: 7] قال: فقسم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينكم أموال بني النضير، فوالله ما استأثر بها عنكم، ولا أخذها دونكم.
انتهى.
والعباس كان من الأغنياء، وقال
أبو إسحاق بن شاقلا: يختص به فقراؤهم، لما تقدم عن عمر.
(تنبيه) : «الحرورية» : طائفة من الخوارج، نسبوا إلى «حروراء» اسم بلدة، تمد وتقصر، كان أول مجتمعهم بها، وتحكيمهم فيها.
«ويحذي» : يعطي.
«والغارم» : المديون.
والاستئثار: الاستبداد بالشيء، والانفراد به، والله أعلم.
قال: والخمس الثالث في اليتامى.
ش: قد شهد النص بذلك، واليتيم من لا أب له، وإن كان له أم، ولم يبلغ الحلم.
2365 - قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يتم بعد البلوغ، ولا صمات يوم إلى الليل» .
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يشترط فقرهم، وإليه ميل أبي محمد، نظرا لإطلاق الآية الكريمة، واشترطه جمهور الأصحاب، لأن ذا الأب لا يدفع إليه، والمال أنفع من الأب، قال أبو محمد: قال الأصحاب: ويفرق على جميع أيتام البلاد، قال: والقول فيه كالقول في سهم ذي القربى، والله أعلم.
قال: والخمس الرابع في المساكين.
ش: للنص، ويدخل فيهم الفقراء، إذ كل موضع ذكر فيه أحد الصنفين دخل الآخر، وحيث أريدا ذكرا كما في الزكاة.
قال أبو محمد: قال أصحابنا: ويعم جميعهم في جميع البلاد.
قال: وقد تقدم قولنا في ذلك، والله أعلم.
قال: والخمس الخامس لابن السبيل.
ش: للنص، وسيأتي بيان ابن السبيل إن شاء الله تعالى، فإن اجتمع في واحد أسباب، كمسكين هو ابن سبيل، يتيم، فإنه يعطى بكل منها، فإن أعطي فزال فقره؛ لم يعط له شيئا، والله أعلم.
قال: وأربعة أخماس الفيء لجميع المسلمين، بالسوية بينهم، غنيهم وفقيرهم فيه سواء، إلا العبد.
ش: لما قال: إن الفيء يخمس.
قال: إن أربعة أخماسه للمسلمين.
وعلى المنصوص جميعه للمسلمين، ولا نزاع أن العبيد لا حق لهم في الفيء، وقد تقدم عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: لم يبق رجل من المسلمين إلا وله في هذا المال حق، إلا بعض من تملكون من أرقائكم، ومن عدا العبيد من المسلمين لهم حق في الفيء في الجملة، فيصرف في مصالح المسلمين، إذ نفعها يعود على جميعهم، ويبدأ بالأهم فالأهم، من سد الثغور، وكفاية أهلها وغيرهم من جند
المسلمين، ثم الأهم فالأهم، من سد البثوق، وعمل القناطر، وأرزاق القضاة، والمفتين، والمؤذنين، ونحوهم، من كل ذي نفع عام، وما فضل منه قسم بين المسلمين غنيهم وفقيرهم، على قول الخرقي.
والمشهور، لما تقدم عن عمر أنه قال: لم يبق رجل من المسلمين إلا وله في هذا المال حق، وقرأ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: 7] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: 10] وعن أحمد يقدم ذووا الحاجات.
2366 - لما روى مالك بن أوس قال: [ذكر عمر يوما الفيء، فقال] : ما أنا بأحق بهذا الفيء منكم، وما منا من أحد بأحق به من أحد إلا أنا على منازلنا من كتاب الله عز وجل، وقسمة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فالرجل وقدمه، والرجل وبلاؤه، والرجل وحاجته، رواه أبو داود.
وقال القاضي: أهل الفيء هم أهل الجهاد، ومن يقوم بمصالحهم، ومن لا يعد نفسه للجهاد، فلا حق له فيه.
وهل يلتفت إلى أن الفيء كان لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لحصول النصرة والمصلحة به، فلما مات صارت المصلحة للجند، وما
يحتاج إليه المسلمون، فصار ذلك لهم دون غيرهم.
2367 - ويشهد لذلك قصة عمر المتقدمة: أن الله تعالى كان خص رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بخاصة لم يخصص بها أحدا غيره، فقال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: 7] قال: فقسم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينكم أموال بني النضير، فوالله ما استأثر بها عليكم، ولا أخذها دونكم، حتى بقي هذا المال، فكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأخذ منه نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي أسوة المال.
وفي رواية: ثم يجعل ما بقي بجعل مال الله.
والأول يلتفت إلى أن الفيء لم يكن ملكا له، وإنما كان يتصرف فيه بالأمر، فهو لجميع المسلمين.
2368 - لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت» رواه البخاري.
انتهى.
يبدأ عند العطاء بالمهاجرين، ثم بالأنصار، ثم
بسائر المسلمين، ويبدأ بالأقرب فالأقرب من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهل يفاضل بينهم؟ حكى أبو محمد فيه روايتين، واختار أن ذلك موكول إلى رأي الإمام واجتهاده، وقال أبو البركات: وفي جواز التفضيل بينهم بالسابقة روايتان.
فخص الخلاف.
2369 - وقد روي عن أبي بكر وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنهما سويا، فيروى أن أبا بكر سوى، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله أتجعل الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وهجروا ديارهم كمن إنما دخلوا في الإسلام كرها؟ فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ.
2370 - وعن عمر وعثمان أنهما فضلا.
2371 - وعن نافع أن عمر كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين، فلم نقصته من أربعة آلاف؟ فقال: إنما هاجر به أبوه، يقول: ليس هو ممن هاجر بنفسه.
2372 - وعن قيس بن أبي حازم قال: كان عطاء البدريين خمسة آلاف، خمسة آلاف وقال عمر: لأفضلنهم على من بعدهم.
رواهما البخاري.
2373 - وعن عوف بن مالك قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أتاه الفيء قسمه في يومه، فأعطى الآهل حظين، وأعطى الأعزب حظا.
زاد في رواية: فدعينا، وكنت أدعى قبل عمار، فدعيت فأعطاني حظين، وكان لي أهل، ثم دعي بعدي عمار بن ياسر فأعطي حظا واحدا» . رواه أبو داود، وأحمد وحسنه، والله أعلم.
قال: وأربعة أخماس الغنيمة لمن شهد الوقعة.
2374 - ش: كذا قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وهو إجماع في الجملة، وقد دل عليه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41]
الآية، كما تقدم تقريره، وقوله: لمن شهد الوقعة، يشمل من قاتل، ومن لم يقاتل، ممن قصده الجهاد، كالتجار، والصناع، ويستثنى من الشاهدين صور ليس هذا موضع استثنائها.
سهم الراجل والفارس من الغنيمة
قال: وللراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم، إلا أن يكون الفارس على هجين، فيكون له سهمان، سهم له وسهم لهجينه.
ش: لما ذكر الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن الغنيمة تخمس، ذكر أن أربعة أخماسها لشاهدي الوقعة، وذكر بطريق التبع بيان قسمة ذلك، وذكر ذلك في كتاب الجهاد مستوفى، وهو محله واللائق به، فلنؤخره إلى هناك إن شاء الله تعالى.
مصارف الصدقة
قال: والصدقة لا يتجاوز بها الثمانية الأصناف التي سمى الله تعالى.
ش: أي الصدقة المفروضة، وقد تقدمت هذه المسألة في الزكاة، فلا حاجة إلى إعادتها.
قال: (الفقراء) وهم الزمنى، والمكافيف، الذين لا حرفة لهم، والحرفة الصنعة، ولا يملكون خمسين درهما، أو قيمتها