شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 22-61
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 22-61
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وهو أن من ترك ركنا من ركعة، فلم يذكره حتى شرع في قراءة ركعة أخرى، فإن المنسي ركنها تلغو، وتصير التي شرع في قراءتها أولاه، ففي هذه الصورة إذا ترك سجدة من الأولى، فبشروعه في قراءة الثانية بطلت، وصارت الثانية أولاه، ثم لما ترك من الثانية سجدة، وشرع في قراءة الثالثة، بطلت الثانية أيضا، وصارت الثالثة أولاه، ثم لما ترك من الثالثة سجدة، وشرع في قراءة الرابعة بطلت الثالثة أيضا، وصارت الرابعة أولاه، ثم لما ترك من الرابعة سجدة وذكر [وهو] في التشهد، فإنه يسجد سجدة، لعدم المقتضي لبطلان الرابعة، وإذا تصح له ركعة، ويأتي بثلاث (والرواية الثانية) تبطل الصلاة رأسا، وقد علله أحمد بأن هذا كان يلعب، لحصول عمل كثير ملغى في صلاته.
وقول الخرقي: وذكر وهو في التشهد.
يخرج ما إذا ذكر بعد السلام، فإن ابن عقيل قال: تبطل صلاته.
وكذلك قال أبو محمد، زاعما أن أحمد نص على ذلك، في رواية الأثرم.
وقال أبو البركات: إنما يستقيم قول ابن عقيل على قول أبي الخطاب في من ترك ركنا فلم يذكره حتى سلم، أن صلاته تبطل، فأما على منصوص أحمد في البناء إذا ذكر قبل أن يطول الفصل، فإنه يصنع كما يصنع إذا ذكر [وهو] في التشهد.
(قلت) : وقياس المذهب قول ابن عقيل، لأن من

أصلنا أن من ترك ركنا من ركعة فلم يذكره حتى سلم، أنه كمن ترك ركعة، وهنا الفرض أنه لم يذكر إلا بعد السلام، وإذا كان كمن ترك ركعة، والحاصل له من الصلاة ركعة، فتبطل الصلاة رأسا، والله أعلم.

ليس على المأموم سجود سهو إلا أن يسهو إمامه

قال: وليس على المأموم سجود سهو إلا أن يسهو إمامه فيسجد معه.
ش: هذا إجماع حكاه إسحاق بن راهويه.
623 - ويشهد له قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا» ، وصح عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه لما سجد لترك التشهد الأول سجد الناس معه.
624 - ولما تكلم معاوية بن الحكم خلفه جاهلا لم يأمره بسجود.

625 - وقد روى الدارقطني، عن ابن عمر، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: «ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سهى فعليه وعلى من خلفه السهو» ، إلا أن إسناده ضعيف.
وظاهر كلام الخرقي أن المسبوق يسجد لسهو إمامه، وإن كان سهوه في غير ما أدركه فيه، وهو صحيح، لعموم ما تقدم، ولأن صلاته تنقص بمتابعة إمام في صلاة ناقصة.
ومقتضى كلام الخرقي أن الإمام سهى ولم يسجد أن المأموم لا يسجد، وهو إحدى الروايتين واختاره أبو بكر وأبو البركات، لأن المأموم إنما سجد تبعا للإمام، فإذا لم يسجد الإمام لم يسجد المأموم، لعدم المقتضي.
(والرواية الثانية) : يسجد إن يئس ظاهرا من سجود إمامه، اختارها القاضي في التعليق، وفي الروايتين، وابن عقيل، إذ

صلاته نقصت بنقص صلاة إمامه، فلزمه جبرانها، كما لو انفرد عن إمامه لعذر، قال أبو البركات: ومحل الروايتين إذا ترك الإمام السجود سهوا، أما إن تركه عمدا، وهو مما محله قبل السلام، فإن صلاته تبطل، على ظاهر المذهب، وهل تبطل صلاة من خلفه على روايتين، نعم إن تركه عمدا لاعتقاده عدم وجوبه، فهو كتركه سهوا عند أبي محمد، والظاهر أنه يخرج على ترك الإمام ما يعتقد المأموم وجوبه، [والله أعلم] .

قال: ومن تكلم عامدا أو ساهيا بطلت صلاته، إلا الإمام خاصة، فإنه إذا تكلم لمصلحة الصلاة لم تبطل صلاته [والله أعلم] . ش: إذا تكلم عمدا - وهو من يعلم أنه في صلاة، وأن الكلام محرم لغير مصلحة الصلاة - بطلت صلاته بالإجماع، قاله ابن المنذر، وإن تكلم عمدا لمصلحتها فروايات، أشهرها - واختارها الخلال، وصاحبه، والقاضي، وأبو الحسين، والأكثرون - البطلان مطلقا.

626 - لما روى زيد بن أرقم، قال: «كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام.» متفق عليه، وللترمذي فيه [قال] : «كنا نتكلم خلف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصلاة» . وزيد مدني، وهو يدل على أن نسخ الكلام كان بالمدينة، وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» . (والثانية) : عدم البطلان مطلقا، لما تقدم في حديث أبي هريرة من قصة ذي اليدين، وفيها [في] رواية متفق عليها، لما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لم أنس، ولم تقصر» قال: بلى قد نسيت يا رسول الله.
فتكلم ذو اليدين بعد ما علم النسخ، بكلام ليس بجواب سؤال، وفي رواية لمسلم، قال: بينما أنا أصلي.
وهذا يدل على أن القصة كانت بحضرته، بعد إسلامه، [وإسلامه] كان

عام فتح خيبر، وتحريم الكلام كان قريبا من الهجرة قبلها، في قول أبي حاتم بن حبان أو بعدها بقليل، وأيما كان فإسلام أبي هريرة بعد ذلك بسنين.
(والثالثة) تبطل إلا صلاة الإمام خاصة، اختارها الخرقي، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تكلم وكان إماما، فتأسينا به، وبقينا في المأموم على عمومات النهي، إذ إلحاقه بذي اليدين متعذر، لظنه النسخ في وقت يحتمله، وغيره تكلم مجيبا له [- عَلَيْهِ السَّلَامُ -] وإجابته واجبة حتى في الصلاة.
627 - وروى البخاري «عن أبي سعيد بن المعلى، قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلم أجبه، ثم أتيته، وقلت: يا رسول الله، كنت أصلي.
فقال: «ألم يقل الله [سبحانه] : ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: 24] » ثم بعض الأصحاب يخص البطلان بمن ظن تمام صلاته، كمن

سلم عن نقصان، ثم تكلم في شأن الصلاة، لمورد النص، وهو اختيار أبي محمد، والقاضي يجعل الخلاف مطلقا، وهو اختيار أبي البركات، لأن الحاجة إلى الكلام هنا قد تكون أشد، كإمام نسي القراءة ونحوها، فإنه يحتاج أن يأتي بركعة، فلا بد له من إعلام المأمومين.
وإن تكلم [سهوا] فروايات أيضا، أشهرها - وهو اختيار ابن أبي موسى، والقاضي وغيرهما - البطلان لعمومات النهي، وكما في العقود المنهي عنها، الملامسة، والمنابذة، ونكاح المرأة على عمتها، ونحو ذلك، (والثانية) : عدم البطلان، لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تكلم معتقدا أنه ليس في صلاة، وكذلك أصحابه، لظنهم النسخ، فكان كلامهم اعتقادا منهم لإباحته وإلا لما أقرهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ذلك (والثالثة) : إن كان لمصلحة الصلاة لم تبطل، وإلا بطلت، اختاره [أبو البركات] لأن كلامه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكلام أصحابه جمع الأمرين، فيبقى فيما

سواه على قضية عموم التحريم والفساد، ثم هل شرط مالا يبطل كونه يسيرا، وهو اختيار الشيخين، والقاضي في المجرد، زاعما أنه رواية واحدة، أو لا يشترط، وهو اختيار القاضي في الجامع الكبير، وقال: إنه ظاهر كلام أحمد؟ وجهان، [والله أعلم] .

باب الصلاة بالنجاسة وغير ذلك

قال: وإذا لم تكن ثيابه طاهرة، وموضع صلاته طاهرا أعاد.
ش: اجتناب النجاسة شرط لصحة الصلاة في الجملة.
628 - لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تنزهوا من البول» وقوله في حديث أسماء: «ثم اغسليه ثم صلي فيه» . 629 - وفي حديث النعلين: «فإن رأى فيهما خبثا فليمسحه، ثم ليصل فيهما» .

630 - وعن جابر بن سمرة قال: «سمعت رجلا يسأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أصلي في الثوب الذي آتي فيه أهلي؟ فقال: «نعم، إلا أن ترى فيه شيئا فتغسله» رواه أحمد، وابن ماجه.
وقال ابن المنذر: «ثبت أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا» والطيبة الطاهرة، والتقييد يقتضي

الاختصاص، وقد قيل في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] أي اغسل.
إذا تقرر هذا فيجب اجتناب النجاسة في ثوبه، وموضع صلاته، وكذلك بدنه بطريق الأولى، وكذلك يجتنب حملها، أو حمل ما يلاقيها، وقال ابن عقيل - فيمن [ألصق ثوبه إلى نجاسة يابسة، على ثوب إنسان بجنبه -: لا تبطل صلاته، وإن] لاقاها ثوبه إذا سجد فاحتمالان، قال أبو البركات: والصحيح البطلان، على ظاهر كلام القاضي، وأبي الخطاب، والله أعلم.

الصلاة بالمقبرة أو الحش أو الحمام أو أعطان الإبل ونحوها

قال: وكذلك إن صلى بالمقبرة، أو الحش، أو الحمام، أو أعطان الإبل أعاد.
ش: المشهور من المذهب أن الصلاة في هذه المواضع محرمة، فلا تجزئه.
631 - لما روى أبو سعيد الخدري [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة، والحمام» رواه الخمسة إلا النسائي.

632 - وعن أبي هريرة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل» رواه أحمد، والترمذي، وصححه.
633 - وعن عبد الله بن المغفل، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين» رواه أحمد وغيره، وإذا منع من الصلاة في المقبرة فالحش أولى، لأن كونه مظنة للنجاسة أظهر.
634 - وقد صح عن الصحابة كراهة الصلاة إليه، فالصلاة فيه أولى بالمنع.
(وعن أحمد) : تكره وتصح.

635 - لما روى جابر، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل حيث أدركته» متفق عليه.
636 - ورأى عمر أنسا يصلي عند قبر، فقال: القبر القبر.
ولم يأمره بالإعادة، ذكره البخاري في صحيحه، (وعنه) إن علم النهي لم تصح، وإلا صحت، إناطة بالعذر، وألحق عامة الأصحاب بهذه المواضع المجزرة والمزبلة، ومحجة الطريق.
637 - لما روي عن عمر [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «سبع مواطن لا تجوز الصلاة فيها: ظاهر بيت الله، [والمقبرة] ، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق» رواه ابن ماجه، وروي أيضا عن ابن عمر، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

وقال الترمذي: إنه أشبه وأصح.
وظاهر كلام الخرقي صحة الصلاة في هذه المواضع، وهو اختيار أبي محمد.
«تنبيه» : لا فرق في المقبرة بين الحديثة والعتيقة، وبين المنبوشة وغيرها، وشرط أبو محمد أن يكون فيها ثلاثة قبور وأزيد، أما لو كان فيها قبر أو قبران فإن الصلاة تصح فيها، (والحش) المرحاض، ولا فرق فيه بين موضع التغوط وغيره، (وأعطان الإبل) هي التي تقيم فيها، وتأوي إليها، نص عليه أحمد.

638 - لأن في بعض ألفاظ الحديث: أنصلي في مبارك الإبل؟ وقيل: مواضع اجتماعها عند المصدر من المنهل، ولا فرق في الحمام بين مسلخه وجوانبه، لشمول الاسم لذلك، أما الأتون فلا يصلى فيه، لكونه مزبلة.
(والمجزرة) الموضع المعد للذبح، ولا فرق بين البقعة الطاهرة منه والنجسة، وكذلك لا فرق في المزبلة أن يرمي [فيها] زبالة طاهرة أو نجسة.
(ومحجة الطريق) هو الطريق الذي تسلكه المارة،

نعم إن كثر الجمع، واتصلت الصفوف، صحت الصلاة فيه للحاجة، أما الصلاة على ما علا عن جادة المسافر يمنة أو يسرة، فتصح الصلاة فيه [للحاجة] ولا تكره، لأنه ليس بمحجة.
والنهي عن الصلاة في هذه المواضع تعبدي عند الأكثرين، وقيل: بل معلل بكونها مظنة للنجاسات والقاذورات، لعدم صيانتها عن ذلك غالبا، فعلى الأول لا تصح الصلاة في أسطحة هذه المواضع، إذ الهواء يتبع القرار، بدليل تبعه له في مطلق البيع، وتصح على الثاني، والله أعلم.

حكم من صلى وفي ثوبه نجاسة

قال: وإن صلى وفي ثوبه نجاسة وإن قلت أعاد.
ش: لعموم ما تقدم، وإنما نص الخرقي [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] على هذه المسألة، لينبه على مخالفة مذهب الغير، ولما يستثنى منه، وهو قوله: إلا أن يكون ذلك دما أو قيحا يسيرا، مما لا يفحش في القلب.
639 - ش: لأن ذلك يروى عن جماعة من الصحابة، قال أحمد: جماعة من الصحابة تكلموا فيه.

640 - وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: قد كان يكون لإحدانا الدرع فيه تحيض، فإن أصابها شيء من دمها بلته بريقها، ثم قصعته بريقها.
رواه أبو داود، والريق لا يطهره، ومثل هذا لا يخفى على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والقيح ونحوه بمنزلة الدم، قال أحمد: هو أسهل من الدم.
واختلف في حد اليسير اختلافا كثيرا، والمشهور أنه ما يفحش في القلب، والظاهر من قول الخرقي [أنه] ما يفحش في قلب كل إنسان بحسبه، وهو اختيار الخلال، وقال: إنه الذي استقر عليه قوله، وإليه ميل الشيخين في كتابيهما الكبيرين، وقال ابن عقيل وأبو البركات في محرره: إنه ما يفحش في نفوس متوسطي الناس، فلا عبرة بالقصابين، ولا

المتوسوسين.
وكلام الخرقي يشمل كل دم، والعفو مختص بدم الطاهر، وهو واضح، وكلامه شامل لدم الحيض، وهو أحد الوجهين، وبه قطع أبو محمد، (والثاني) : لا يعفى عن دم الحيض مطلقا، اختاره أبو البركات، وكذلك الوجهان في الدم الخارج من السبيل، والله أعلم.

قال: وإذا خفي عليه] موضع النجاسة من الثوب استطهر، حتى يتيقن أن الغسل قد أتى على النجاسة.
ش: لأنه قد تيقن نجاسة الثوب، فلا بد من غسل ما يتيقن معه طهارته، إذ اليقين لا يزيله إلا يقين مثله، وصار هذا كمن تيقن الطهارة، وشك في الحدث، أو بالعكس، فلو وقعت النجاسة في أحد الكمين، أو أحد الثوبين، ونحو ذلك، ولم يعلم عينه، لم يحكم بطهارتهما إلا بغسلهما.
وتقييد الخرقي [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] بالثوب احترازا مما إذا خفي موضع النجاسة بفضاء واسع، ونحو ذلك، فإنه يتحرى،

ويصلي حيث شاء، دفعا للحرج والمشقة، [والله أعلم] .

بول الآدمي وبول الحيوان غير مأكول اللحم

قال: وما خرج من الإنسان أو البهيمة التي لا يؤكل لحمها، من بول أو غيره فهو نجس.
ش: الخارج من الإنسان ثلاثة [أقسام] : (طاهر) بلا نزاع، وهو الدمع، والعرق والريق والمخاط، والبصاق.
641 - وفي الصحيح «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى نخامة في قبلة المسجد، فأقبل على الناس فقال: «ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه، فيتنخع [أمامه؟ أيحب أن يستقبل فيتنخع] في وجهه، فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره، أو تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا» ووصف القاسم، فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه ببعض.
(ونجس) بلا نزاع، وهو البول [والغائط] والودي والدم وما في معناه، والقيء، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تنزهوا من البول» . وقال: «صبوا على بول الأعرابي ذنوبا من ماء» ، وقال: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذه القاذورات» وقد حكى بعضهم الإجماع على نجاسة البول.
(ومختلف فيه) وهو المني، وسيأتي إن شاء الله تعالى، والمذي لتردده بين البول - لكونه لا يخلق منه آدمي - والمني [لكونه ناشئا عن الشهوة، وبلغم المعدة، لتردده بين القيء ونخامة الرأس] . وما عدا الآدمي على ضربين: مأكول، وغيره.
(فالمأكول) بوله وروثه طاهر، على الصحيح المشهور من الروايتين، وهو ظاهر كلام الخرقي.
642 - لأنه أمر العرنيين بشرب أبوال الإبل ولم يأمرهم بغسل أفواههم، وأباح الصلاة في مرابض الغنم.
(وعنه) نجس، لعموم «تنزهوا من البول» ونحوه، وحكم منيه،

وقيئه حكم بوله، أما عرقه، ودمعه، وريقه، ولبنه فطاهر بلا نزاع، وعكسه دمه، وما تولد منه نجس بلا نزاع.
(وغير المأكول) على ثلاثة أضرب: (نجس) بلا نزاع، وهو الكلب، والخنزير، وما تولد منهما، أو من أحدهما، فجميع فضلاته نجسة بلا ريب.
(ومختلف فيه) وهو البغل، والحمار، وسباع البهائم وجوارح الطير، فإن حكم بنجاستها فهي كالكلب والخنزير، وإن حكم بطهارتها فكالآدمي.
(وطاهر) بلا نزاع، وهو الهر وما دونها في الخلقة.
وما لا نفس له سائلة، فالهر وما دونها في الخلقة حكم الخارج [منها حكم الخارج] من الآدمي، إلا منيه فإنه نحبس، وما لا نفس له سائلة الخارج منه طاهر.
وإذ قد علمت هذا فكلام الخرقي إن حمل على عمومه في أن كل خارج من الإنسان أو البهيمة التي لا يؤكل لحمها نجس، وردت عليه صور كثيرة قد تقدمت، وإن حمل على أنه عنى بالخارج: الخارج من السبيلين - كما فسره أبو محمد -

فاتته أحكام كثيرة مع أنه يرد عليه الخارج من سبيل ما لا نفس له سائلة، وقد يقال: مراده العموم، وسلم له في الكلب والخنزير، وما تولد منهما، والبغل والحمار، وسباع البهائم والطير، على المذهب.
وأما الهرة فهو قد استثنى سؤرها، ولا شك أن عرقها في معناه، أما لبنها فأظن في نجاسته خلاف، فلعله اختار النجاسة، وأما الآدمي فيرد عليه سؤره، وعرقه، ولبنه، ومخاطه ولعله ترك التنبيه على طهارة ذلك لوضوحه، والله أعلم.

بول الغلام

قال: إلا بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، فإنه يرش عليه الماء.
ش: ظاهر هذا أن بول الغلام طاهر، وأنه يرش عليه الماء تعبدا [للأثر] ، وحكي هذا عن أبي إسحاق بن شاقلا، والمشهور المعروف في المذهب نجاسته لعموم الأدلة الدالة على نجاسة البول، وإنما اكتفي برشه وهو نضحه، بحيث يغمر، ولا يشترط انفصال الماء عنه، ولا تجفيفه.

643 - لما روت عائشة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -] ، قالت: «أتي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بصبي فبال على ثوبه، فدعا بماء فأتبعه بوله» - ولمسلم - «فأتبعه بوله، ولم يغسله» . والاستثناء [في كلام الخرقي] ، قال أبو محمد: [قيل] بمعنى «لكن» والأحسن أنه استثناء من مقدر، والتقدير: وما خرج من الإنسان يجب غسله إلا بول الغلام، [فالاستثناء من قوله: يجب غسله.
وقرينة هذا التقدير قوله بالرش في بول الغلام] . وتقييد الخرقي بالغلام ليخرج الخنثى والأنثى، إذ الرخصة إنما وردت في الغلام، والحكمة فيه أن العرب كانوا يكثرون حمل الذكر، فلو كلفوا بالغسل لأفضى ذلك إلى حرج ومشقة، بخلاف الأنثى فإنهم لم يكونوا يعتادون حملها، أو أن بول الغلام يظهر بقوة فينتشر ويعم الحاضرين، بخلاف بول الأنثى، فإنه لا يتجاوز محله.
644 - وفي المسند، والترمذي وحسنه، عن علي [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] ، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بول الغلام الرضيع ينضح، وبول الجارية يغسل» ، قال قتادة: هذا ما لم يطعما، فإذا طعما غسل بولهما.

وقوله: لم يأكل الطعام.
احترازا مما إذا أكل الطعام، والطعام الذي يترتب عليه الغسل الذي يأكله تغذيا واشتهاء، فلا عبرة بلعقة العسل، ونحو ذلك، والله أعلم.

طهارة المني

قال: والمني طاهر، وعن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ - رواية أخرى أنه كالدم.
ش: المشهور المعروف في المذهب أن المني طاهر.
645 - لما «روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[فركا] فيصلي فيه» ، ولو كان نجسا لما أجزأ فركه، كالودي، والمذي.

646 - ولأحمد عنها، «قالت: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسا ثم يصلي فيه» . 647 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن المني يصيب الثوب، فقال: «إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة» رواه الدارقطني، وروي موقوفا على ابن عباس، (وعن أحمد) رواية أخرى أنه نجس، لأنه يشترك مع البول في مخرجه، وعلى هذا فيجزئ فرك يابسه لمكان النص.
648 - وفي الدارقطني، «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا كان يابسا، وأغسله إذا كان رطبا» ، لكن قال أحمد: إنما يجزئ الفرك في الرجل دون

المرأة، لأن النص إنما ورد فيه، ولا يحسن إلحاق المرأة به، إذ مني الرجل يذهب غالبه بالفرك لغلظه، بخلاف مني المرأة لرقته، وهل يعفى عن يسيره؟ فيه روايتان، والعفو اختيار الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - لجعله كالدم، وهو ظاهر النص، والله أعلم.

كيفية تطهير الأرض المتنجسة

قال: والبولة على الأرض يطهرها دلو من الماء.
ش: المذهب المشهور - المختار للشيخين وغيرهما - أن الأرض تطهر إذا عمت بالماء، ولم يبق للنجاسة أثر، وإن لم ينفصل الماء.
649 - لما «روى أنس [بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] ، قال: بينما نحن في المسجد، مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مه مه.
قال: فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تزرموه [دعوه] » فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دعاه، ثم قال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة، وقراءة القرآن» أو كما قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه» ، متفق عليه، واللفظ لمسلم.
(وعن أحمد) رواية

أخرى أن النجاسة إذا كانت قائمة، لم تنشفها الأرض لم تطهر إلا بشرط الانفصال، ويكون المنفصل نجسا، اختاره أبو بكر، والقاضي، وظاهر الخبر خلاف ذلك.
وقول الخرقي: دلو من ماء.
اتبع فيه الحديث، وإلا فالمقصود ذهاب النجاسة، وكذلك تقييده بالبول، وخرج بذكر الماء الشمس والريح، والاستحالة، فإنها لا تطهر، والله أعلم.

قال: وإذا نسي فصلى بهم أعاد وحده.
[والله أعلم] . 650 - ش: لما روي عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه صلى بالناس الصبح، ثم خرج إلى الجرف، فأهراق الماء فوجد في ثوبه احتلاما، فأعاد ولم يعد الناس، رواه مالك في الموطأ وغيره.
651 - وكذلك [روي] عن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

652 - وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنه قال: إذا صلى الجنب بالقوم فأتم بهم الصلاة آمره أن يغتسل ويعيد، ولا آمرهم أن يعيدوا.
وهذه قضايا اشتهرت ولم تنكر فتنزل منزلة الإجماع، والمعنى في ذلك أن الجنابة مما يخفى على المأمومين، ويتعذر عليهم معرفتها، ويقع كثيرا فصح الاقتداء معها، بخلاف الستارة ونحوها لظهورها، وبخلاف ترك القراءة ونحوها سهوا لندرة ذلك، وحكى أبو الخطاب في الانتصار رواية [أخرى] بإعادة المأمومين كالإمام، قياسا على بقية الشروط، والأول المذهب.
وشرط المسألة أن لا يعلم الإمام ولا المأمومون [بالحدث] إلا بعد الفراغ، فإن علم الإمام والمأمومون في الصلاة بطلت وفسدت صلاتهم، واستأنفوا، نص عليه، وقيل عنه فيما إذا علم المأمومون أنهم يبنون، ولو علم بعض المأمومين دون بعض، اختص البطلان بالعالم عند أبي محمد، والمنصوص [أن] البطلان يعم الجميع.
وتقييد الخرقي الحكم بالجنب [يحتمل لاختصاص الحكم

به، ويحتمل لأن قضاء الصحابة ورد به، وقد ألحق الأصحاب بالجنب] المحدث الحدث الأصغر.
653 - وروي ذلك عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وألحق أبو محمد النجاسة بذلك، إن قيل ببطلان الصلاة بها مع السهو، نظرا إلى أن جميع ذلك يخفى على المأمومين، والله أعلم.

باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها

قال: ويقضي الفوائت من الصلوات الفرض، ويركع للطواف، ويصلي على الجنائز، ويصلي إذا كان في المسجد وأقيمت الصلاة وقد كان صلى، في كل وقت نهى عن الصلاة فيه، وهو ما بعده الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس.
ش: المعروف المشهور في المذهب أن أوقات النهي خمسة، بعد طلوع الفجر، حتى تطلع الشمس، وبعد الطلوع، حتى ترتفع قيد رمح، وعند قيامها حتى تزول، وبعد العصر حتى تشرع في الغروب، وإذا شرعت [في الغروب] ، حتى تتكامل.

654 - لما روى عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الصلاة بعد الفجر، حتى تطلع الشمس، وبعد العصر، حتى تغرب الشمس» . 655 - وعن أبي هريرة مثله.
656 - وعن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد [صلاة] الصبح حتى تطلع الشمس] » متفق عليهن.
657 - «وعن عمرو بن عبسة، قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الصلاة.
قال: «صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني الشيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإنه حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء [فصل] فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني الشيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار» رواه أحمد ومسلم.
658 - ولأحمد من «حديث كعب بن مرة، أو مرة بن كعب السلمي،

قال: سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أي الليل أسمع؟ قال: «جوف الليل الآخر، ثم الصلاة مقبولة حتى يصبح الصبح، ثم لا صلاة حتى تطلع الشمس، وترتفع قيد رمح أو رمحين» مختصر.
659 - «وعن عقبة بن عامر، قال: ثلاث ساعات نهانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نصلي فيهن، أو نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة، حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف للغروب حتى تغرب» ، رواه مسلم وغيره.

وظاهر كلام الخرقي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن أوقات النهي ثلاثة، بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب [الشمس] ، وهذا الوقت يشتمل على وقتين كما تقدم، ولعله اعتمد في ذلك على أحاديث عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد المتفق عليهن، فإن المذكور فيهن ذلك، لكن قد صح النهي - من رواية مسلم وغيره - عن الصلاة بعد الطلوع حتى ترتفع، ومن رواية عمرو بن عبسة، وعقبة بن عامر، ويحتمل أنه عبر عن الارتفاع بالطلوع لاتصاله به، فإذا أسقط وقت الزوال لحديث ابن عمر.
660 - لأن ابن عمر [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] قال: أصلي كما رأيت أصحابي يصلون.
لا أنهى أحدا يصلي بليل أو نهار ما شاء، غير أن لا يتحرى طلوع الشمس ولا غروبها.
رواه البخاري.

والمذهب المعمول عليه الأول، لحديث عقبة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] . إذا تقرر هذا فيستثنى من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات أمور.
(منها) قضاء ما عليه من الفوائت المفروضات [بلا نزاع] . 661 - لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» ثم تلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] » وهذا وإن كان عاما من وجه، خاصا [من وجه] ، كما أن أحاديث النهي كذلك، لكن يرجح عليها، لما فيه من الاحتياط لأداء الواجب، وبراءة الذمة، ويلحق بذلك المنذورات، على أشهر الروايتين لاشتراكهما في الوجوب، (ومنها) ركعتا الطواف.
662 - لما روي «عن ابن عباس [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -] أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يا بني عبد المطلب - أو يا بني عبد مناف - لا تمنعوا أحدا يطوف بالبيت أو يصلي، فإنه لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، إلا عند هذا البيت، يطوفون ويصلون» رواه الدارقطني، ولأن الطواف

جائز في كل وقت، مع كونه صلاة [كما] ورد فكذلك ركعتاه، لأنهما تبع له.
(ومنها) الصلاة على الجنائز، بالإجماع فيما بعد الفجر والعصر، قاله ابن المنذر، ولأنها فرض في الجملة أشبهت قضاء الفوائت.
663 - «وعن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «ثلاث يا علي لا تؤخرهن، الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها

كفؤا» . (ومنها) إعادة الجماعة، إذا أقيمت، وهو في المسجد.
664 - لما «روى يزيد بن الأسود العامري، قال: شهدت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حجته، فصليت معه صلاة الفجر في أول مسجد الخيف، فلما قضى صلاته، إذا هو برجلين في آخر المسجد لم يصليا [معنا] ، فقال: «علي بهما» فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا» ؟ قالا: يا رسول الله إنا قد صلينا في رحالنا.
فقال: «فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة» رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي وصححه.
وشرط الخرقي وكذلك غيره لإعادة الجماعة في وقت النهي أن يكون في المسجد، وشرط القاضي، وأبو البركات وغيرهما أن يكون المقيم إمام الحي، إذ قضية النص وردت في ذلك، ولم يشترط ذلك أبو محمد، وزعم أنه ظاهر كلام أحمد، وكلام الخرقي محتمل، قال أبو البركات: وهذا إذا منعنا التنفل بما له سبب في وقت النهي، أما إن جوزناه فإنه يجوز إعادة

الفجر والعصر، مع إمام الحي وغيره، ولا يكره له الدخول إذا كان خارج المسجد، لأنه نفل له سبب، أشبه تحية المسجد.
واعلم أن الموضع الذي يجوز فيه صلاتا الطواف، والجنازة، وإعادة الجماعة - بلا نزاع - هو ما بعد الفجر والعصر، أما عند طلوع الشمس وقيامها، وغروبها، ففيه روايتان.
(تنبيه) : أول وقت النهي المتعلق بالفجر طلوعه، على المشهور من الروايتين.
665 - لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر» احتج به في رواية صالح، ورواه [هو و] أبو داود من حديث ابن عمر.
(والرواية الثانية) - واختارها أبو محمد التميمي -

نفس الصلاة، لأن النهي ورد مقيدا بذلك في حديث أبي سعيد وعمر وغيرهما وهي أصح إسنادا، فعلى الأولى تستثنى ركعتا الفجر بلا خلاف [للحديث] (وآخره) ما لم يبد شيء من الشمس.
(وأول الوقت الثاني) بدو شيء من قرص الشمس، إذا ارتفعت قيد رمح، أي قدر رمح.
(وأول [الوقت] الثالث) إذا وقف الظل عن التناقص في أعيننا، إلى أن يأخذ في الزيادة.
وأما الوقت الرابع فيتعلق في حق كل إنسان بفراغه من العصر الحاضرة، لا بفعل غيره ولا بفعله عصرا فائتة، ولا بشروعه، ولو صلاها في وقت الظهر جمعا دخل وقت النهي في حقه، وفي المذهب قول آخر فيما أظن أنه بدخول وقت العصر، كما في الفجر، وهو ظاهر كلام الخرقي،

(وآخره) يعرف بأول الوقت الخامس، وهو إذا أخذت الشمس في الغروب عند العامة، وعند الشيخين: إذا اصفرت، (وآخره) كمال غروبها، والله أعلم.

قال: ولا يبتدئ في هذه الأوقات صلاة يتطوع بها.
ش: ما عدا ما تقدم من التطوع على ضربين.
(أحدهما) النفل المطلق، ولا خلاف أنه لا يجوز ابتداؤه في أوقات النهي، لما تقدم من نهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وأمره بالإمساك عن ذلك في هذه الأوقات.
(الثاني) النفل المقيد، وهو ما له سبب، كتحية المسجد، وصلاة الكسوف، وسجود التلاوة، وقضاء السنن الراتبة، ونحو ذلك، فهل يجوز ابتداؤه في هذه الأوقات؟ فيه روايتان مشهورتان: (إحداهما) : [الجواز] ، اختارها أبو الخطاب.
666 - لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» .

667 - وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نام عن وتره أو نسيه، فليصله إذا ذكره» . 668 - وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموها فصلوا» وهذا وإن كان عاما من وجه، خاصا من وجه، فيترجح على أحاديث النهي.
669 - بما «روت أم سلمة، قالت: دخل علي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذات يوم بعد العصر، فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله، صليت صلاة لم أكن أراك تصليها؟ فقال: «إني كنت أصلي ركعتين بعد الظهر، وإنه قدم وفد بني تميم، فشغلوني عنهما، فهما هاتان الركعتان» متفق عليه.
670 - وعن «قيس بن عمرو، قال: رأى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلا يصلي بعد الصبح ركعتين، فقال له: «أصلاة الصبح مرتين؟» فقال له الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين قبلهما، فصليتهما الآن.
فسكت عنه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رواه الخمسة إلا النسائي، وإذا ثبت

ذلك في قضاء السنة، مع أنها لا تفوت بالتأخير، فما له سبب مما يفوت بالتأخير أحرى.
(والثانية) المنع، واختارها القاضي، والخرقي، لقوله: [ولا يجوز أن يصلي في الأوقات التي لا يجوز أن يصلي فيها تطوعا.
وقوله] : وإذا كان الكسوف في غير وقت صلاة، جعل [مكان] الصلاة تسبيحا.
وهو ظاهر إطلاقه هنا، وتقييده الفوائت بالفرائض، إذ مفهومه أنه لا يقضي الفوائت النوافل، والأصل في ذلك أحاديث النهي، فإنها عامة في كل صلاة، وإنما يرجح عمومها على أحاديث التحية ونحوها لأنها حاضرة، وتلك مبيحة أو بادئة، وكم بينهما.
671 - وأيضا فروى أبو تميمة الهجيمي، قال: كنت أقص بعد صلاة الصبح فأسجد، فنهاني ابن عمر ثلاثا فلم أنته، ثم عاد فقال: [إني] صليت خلف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومع أبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم يسجدوا حتى تطلع الشمس.
رواه أبو داود.

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل