كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وقوله: يحلق أو يقصر.
ظاهره أن الحكم متعلق بالجميع، فيحلق أو يقصر من جميع رأسه، فإن كان الشعر مضفورا قصر من رءوس الضفائر، وإلا جمعه وقصر من أطرافه، ولا يجب التقصير من كل شعرة، لأن ذلك لا يعلم إلا بحلقه، هذا أشهر الروايتين، والرواية الثانية) يجزئ حلق بعضه، أو تقصير بعضه، ومبنى الخلاف على المسح في الطهارة، قاله غير واحد، وعلى هذا «هل هذا» . البعض هو الأكثر أو قدر الناصية، أو إنما يكتفى بالبعض في حق المرأة دون الرجل؟ مبني على ما تقدم من الخلاف، والله أعلم.
قال: ثم قد حل من كل شيء إلا النساء.
ش: هذا المذهب والمشهور من الروايتين.
1715 - لما روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء» . فقال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أما أنا فقد رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟» رواه أحمد، ورواه النسائي
موقوفا على ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
(والرواية الثانية) : يحل من كل شيء إلا الوطء في الفرج، فتحل له القبلة، واللمس لشهوة، وعقد النكاح، لأن الوطء هو الأغلظ، ولهذا اختص الفساد به، [فيختص المنع به] بخلاف غيره، ونقل الميموني في المتمتع إذا دخل الحرم حل له بدخوله كل شيء إلا النساء والطيب، قبل أن يقصر أو يحلق، وهذا يعطي رواية ثالثة.
1716 - ومرجعها قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما خطب الناس في عرفة فقال لهم فيما قال: إذا جئتم منى غدا فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرم على الحاج إلا النساء والطيب، لا يمس أحد نساء ولا طيبا حتى يطوف بالبيت، رواه مالك في الموطأ.
والمعنى يعضده، إذ الطيب من دواعي النكاح، فهو كالقبلة.
انتهى.
وقد أشعر كلام الخرقي بأمرين (أحدهما) أن الحلق أو التقصير نسك، ويثاب على فعله، ويذم بتركه، وهذا المشهور والمختار للأصحاب من الروايتين، حتى إن القاضي في التعليق، وغيره، لم يذكروا خلافا، وذلك لقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: 29] ، قيل: المراد به الحلق، وقيل: بقايا أفعال الحج، من الرمي ونحوه، وعلى كليهما فقد دخل الحلق في الأمر، وظاهره الوجوب، لا سيما وقد قرن بالوفاء بالنذور، وبالطواف، وأيضا قَوْله تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] ، فوصفهم وامتن عليهم بذلك، فدل على أنه من العبادة لتتميز به، وليعبر عنها به.
1717 - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لبد رأسه وأهدى، فلما قدم مكة أمر نساءه أن يحللن، قلن: ما لك أنت لم تحل؟ قال: «إني قلدت هديي، ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أحل من حجتي، وأحلق رأسي» . رواه أحمد، ولو
لم يكن نسكا لم يتوقف الحل عليه، وقد تقدم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دعا للمقصرين والمحلقين، وفاضل بينهم، فلولا أنه نسك لما استحقوا لأجله الدعاء، ولما فاضل فيه، إذ لا تفاضل في المباح.
(والرواية الثانية) أنه إطلاق محظور كان محرما عليه بالإحرام، فأطلق فيه عند الحل، كاللباس والطيب، قال: «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأبي موسى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «بما أهللت؟» . قال: بإهلال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «هل سقت الهدي؟» . قلت: لا.
قال: «فطف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حل» . فطفت بالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من قومي فمشطتني، وغسلت رأسي.
الحديث» ، وقد تقدم، فظاهره أن الحل مرتب على الطواف والسعي، وهو الذي فهمه أبو موسى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فإنه لم يذكر أنه قصر، ولا أنه حلق.
1718 - «وعن سراقة بن مالك المدلجي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: يا رسول الله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم.
فقال: «إن الله عز وجل قد أدخل عليكم في حجكم هذا عمرة، فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبالصفا والمروة، فقد حل، إلا من كان معه هدي» . رواه أبو داود، انتهى.
(الأمر الثاني) ظاهر كلام الخرقي أن الحل مرتب على الرمي والحلق أو التقصير، لما تقدم من حديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «لا أحل حتى أحل من حجتي، وأحلق رأسي» .
1719 - وعن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «أهل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بالحج، وليس مع أحد منهم هدي غير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وطلحة، وقدم علي من اليمن معه هدي، فقال: أهللت بما أهل به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصحابه - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أن يجعلوها عمرة، ويطوفوا ثم يقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي» . مختصر متفق عليه.
1720 - وفي حديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «وأمر من لم يكن ساق الهدي أن يطوف ويسعى، ويقصر، ثم يحل» . رواه أبو داود، وأصله في الصحيحين.
(وعن أحمد) ، رواية أخرى، أن التحلل يحصل بالرمي وحده، لما تقدم من حديث أبي
موسى، وحديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: «إذا رميتم الجمرة حل لكم كل شيء» . وحديث سراقة.
(تنبيه) : الخلاف في توقف الحل على الحلق والتقصير مرتب على نسكيته ووجوبه، فإن قيل بذلك توقف الحل عليه، وإلا فلا، هذا مقتضى كلام جماعة، وصرح به بعضهم، وجعل القاضي في تعليقه الروايتين في توقف الحل عليه على القول بنسكيته، ولا نزاع في ذلك، إذ المبيت بمزدلفة ونحو ذلك نسك ولا يتوقف الحل عليه، وهذا - أعني: عدم البناء - إليه ميل أبي محمد في المغني، لأنه صحح القول بأنه نسك، والقول بأن الحل لا يتوقف عليه.
(تنبيه) : ليس عند أحمد فيما علمت قولا يدل على إباحته، حتى يقول إنه إطلاق محظور، بل نصوصه متوافرة على مطلوبيته، وذم تاركه، نعم عنه ما يدل على أنه غير واجب، قال في الذي يصيب أهله في العمرة: الدم كثير.
وقال فيمن اعتمر فطاف وسعى ولم يقصر حتى أحرم بالحج: بئس ما صنع، وليس عليه شيء.
ومن هذا وشبهه أخذ أنه
إطلاق محظور، ومن هنا يعلم أن جزم القاضي بأنه نسك - يثاب على فعله، ويذم على تركه - وأن حكاية أبي البركات الخلاف في وجوبه، أجود من عبارة غيرهما أنه نسك، أو إطلاق محظور، والله أعلم.
قال: والمرأة تقصر من شعرها مقدار الأنملة.
ش: المشروع في حق المرأة التقصير بالإجماع، حكاه ابن المنذر.
1721 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير» . رواه أبو داود.
1722 - وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تحلق المرأة رأسها» . رواه الترمذي.
وظاهر كلام الخرقي أن قدر الأنملة واجب، وهو ظاهر كلام أحمد والأصحاب.
1723 - قال أحمد: تقصر من كل قرن قدر الأنملة، وهو قول ابن عمر، وسئل أحمد: تقصر من كل رأسها؟ قال: نعم، تجمع رأسها إلى مقدم رأسها، ثم تأخذ من أطراف رأسها قدر الأنملة.
وحمل أبو محمد ذلك على الاستحباب، قال: لأن الأمر به مطلق، وبأي شيء أزال الشعر أجزأه، وكذلك إن أزاله بنورة، أو بنتفه، إذ القصد إزالته، والله أعلم.
من أركان الحج الطواف بالبيت
قال: ثم يزور البيت، فيطوف به سبعا.
وهو الطواف الواجب، الذي به تمام الحج.
ش: يعني أنه بعد رمي جمرة العقبة، والنحر، والحلق أو التقصير يزور البيت، فيطوف به سبعا، لأن في حديث جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بعد أن ذكر النحر قال: «ثم ركب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأفاض إلى البيت» . وهذا الطواف هو الذي به تمام الحج بالإجماع، قاله ابن عبد البر، ويشهد له قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] .
1724 - «وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: حججنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله إنها حائض، قال: «أحابستنا هي؟» . قالوا: يا رسول الله إنها أفاضت يوم النحر.
قال: «اخرجوا» . متفق عليه.
فدل على أنه حابس لمن لم يأت به، ولا بد في هذا الطواف من تعيينه بالنية، كما سينص عليه الخرقي، فلو أطلق، أو طاف للوداع لم يجزئه، لأن الأعمال بالنية، وليتميز عن بقية الأطوفة، ويسمى هذا: «طواف الفرض» . لأنه فرض عليه فعله بالحج، «وطواف الزيارة» . لأنه يزور به البيت، و «طواف الإفاضة» . لأنه يفعل بعد الإفاضة من منى، و «طواف الصدر» . لأنه يصدر إليه من منى، وقيل - قال المنذري: وهو المشهور -: إن طواف الصدر هو طواف الوداع، وهو أقرب، إذ الصدر رجوع المسافر من مقصده، والله أعلم.
قال: ثم يصلي ركعتين.
ش: كما تقدم في طواف القدوم.
قال: إن كان مفردا أو قارنا، ثم قد حل له كل شيء.
ش: قد تقدم أن القارن والمفرد إذا دخلا مكة يطوفان للقدوم
ثم يسعيان، فإذا طافا، والحال هذه، لم يبق عليهما شيء من أركان الحج، فيحلان إذا الحل كله.
1725 - لحديث ابن عمر الصحيح: «ثم لم يحلل من شيء حرم عليه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض.
فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم عليه» ، وفعل مثل ما فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أهدى فساق الهدي من الناس.
والله أعلم.
قال: وإن كان متمتعا فيطوف بالبيت [سبعا، وبالصفا والمروة سبعا، كما فعل للعمرة، ثم يعود فيطوف بالبيت] طوافا ينوي به الزيارة، وهو قوله عز وجل: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] . ش: المتمتع إذا قدم على مكة فإنه يطوف للعمرة ويسعى لها، ثم يحرم بالحج يوم التروية، فيسن في حقه طواف القدوم، لكن على أشهر الروايتين لا يفعله إلا بعد رجوعه من منى، فإذًا يطوف للقدوم، ثم يسعى، ثم يطوف للزيارة، وأشار الخرقي بقوله: وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] ، إلى آخره، بأن هذا [هو] الطواف المتحتم، المأمور به في كتاب الله عز وجل، بخلاف طواف القدوم.
1726 - واستدل أحمد على ذلك بحديث جابر: أنهم طافوا بعدما رجعوا من منى.
1727 - وبحديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «طاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا» . انتهى.
1728 - وقد روى نافع أن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كان إذا أحرم من مكة لم يطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى.
رواه مالك في الموطأ، ولأن طواف القدوم والحال هذه
كتحية المسجد، عند دخول المسجد قبل شروعه في الصلاة.
(والرواية الثانية) عن أحمد: يجوز فعله قبل الرجوع، فيفعله عقب الإحرام.
ومنع أبو محمد مسنونية هذا الطواف رأسا، وقال: ولا أعلم أحدا وافق أبا عبد الله على هذا.
واعتمد على أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم ينقل أنه أمر من تمتع في حجة الوداع به، ولا أن الصحابة المتمتعين فعلوه، قال: وحديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - يدل على هذا، لأنها إنما ذكرت طوافا واحدا، وأضافته للحج، وهذا هو طواف الزيارة، وإلا تكون قد أخلت بذكر الركن، وذكرت ما ليس بركن، ثم عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قد قرنت الحج والعمرة بأمره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولم تكن طافت للقدوم، ثم لم ينقل أنها طافت للقدوم، ولا أمرها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - به.
انتهى.
والحكم في المكي إذا أحرم [من مكة] والمفرد، والقارن الآفاقيان إذا لم يأتيا مكة قبل يوم النحر، كالحكم في المتمتع على ما سبق، فعلى قول [أبي محمد] هؤلاء كلهم يسعون عقب طواف الإفاضة، ثم يحلون.
وقد أشعر كلام الخرقي بأن الحل يتوقف على السعي، ونص عليه أحمد في رواية أبي طالب، في معتمر طاف فواقع أهله قبل أن [يسعى، فسدت عمرته وعليه مكانها، ولو طاف وسعى ثم وطئ قبل أن] يحلق أو يقصر، عليه دم، إنما
العمرة الطواف والسعي والحلاق.
انتهى، ولا نزاع في هذا إن قلنا بركينة السعي، (وهو إحدى الروايتين) عن أحمد، واختيار القاضي في التعليق الكبير، أما إن قلنا بسنيته - (وهو الرواية الثانية) - فهل يتوقف الحل عليه؟ فيه وجهان (أحدهما) : نعم، وهو ظاهر كلام أبي البركات (والثاني) وبه قطع في التلخيص: لا، وعلى هذا إن قيل: بوجوبه - كما هو اختيار القاضي في المجرد، وأبي محمد في المغني، وحكاه صاحب التلخيص رواية - فالقياس توقف الحل عليه.
(تنبيه) : الطواف محلل من المحللات، فيحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة، الرمي والحلق والطواف، ويحصل التحلل الثاني بالثالث، هذا إن قلنا: الحلاق نسك، وإلا حصل الأول بواحد من اثنين: الرمي والطواف، ويحصل الثاني بالثاني، صرح به صاحب التلخيص، وقال أبو محمد: إنه مقتضى قول الأصحاب، فكأنه لم ير ذلك مصرحا به، والله أعلم.
قال: ثم يرجع إلى منى.
1729 - ش: في الصحيحين وغيرهما عن نافع، عن ابن عمر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: «إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى، قال نافع: وكان ابن عمر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، يفيض يوم النحر، ثم يرجع فيصلي الظهر بمنى، ويذكر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعله» ، والله أعلم.
قال: ولا يبيت بمكة ليالي منى.
ش: ظاهر هذا أن المبيت بمنى لياليها واجب، وهو المشهور، والمختار من الروايتين.
1730 - لما روي عن ابن عباس، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: «استأذن العباس، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يبيت بمكة ليالي منى، من أجل سقايته، فأذن له» ، متفق عليه.
فظاهر هذا أن غيره كان ممنوعا من ذلك.
1731 - وقد روي: «لم يرخص النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأحد يبيت بمكة إلا للعباس من أجل سقايته» . رواه ابن ماجه، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بات بها، وقال: «خذوا عني مناسككم» .
1732 - وقال مالك في الموطأ: زعموا أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان يبعث رجالا يدخلون الناس من وراء العقبة.
(والرواية الثانية) : يسن ولا يجب، لأنه قد حل من حجه، فلا يجب عليه المبيت بموضع معين، كليلة الحصبة.
1733 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: إذا رميت الجمرة فبت حيث شئت.
انتهى ويجب الليالي الثلاث إن لم يرد التعجل، وإن أراد فليلتان، والله أعلم.
قال: فإذا كان من الغد وزالت الشمس رمى الجمرة الأولى بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عندها ويدعو فيطيل، ثم يرمي الوسطى بسبع حصيات يكبر أيضا
ويدعو، ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات، ولا يقف عندها.
ش: الجمرة الأولى هي أبعد الجمرات من مكة، وتلي مسجد الخيف، فإذا كان غداة يوم النحر، بدأ بها فرماها بسبع [حصيات] .
1734 - «لحديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم فيسهل، فيقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو، ويرفع يديه، ويقوم طويلا، [ثم يرمي الجمرة الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل، فيقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا] ، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة، من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ويقول: هكذا رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعله» .
وهذا الترتيب شرط، فلو بدأ بجمرة العقبة، أو الوسطى لم يجزئه، على المنصوص والمختار من الروايتين أو الروايات، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رتبها، وفعله خرج بيانا لصفة الرمي المشروع.
1735 - لا سيما وقد عضده ما روى جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: «رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يرمي على راحلته يوم النحر ويقول لنا: «خذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» . رواه مسلم وغيره، وهذا أمر بالاقتداء به، فإن فعله ورد بيانا لمجملات الحج، والأشهر في الرواية: يقول لنا: بلام مفتوحة وبالنون، وروي: «لتأخذوا» ، بكسر اللام للأمر، وبالتاء باثنين من فوق، وهي لغة.
(والثانية) يجزئه.
قال في رواية محمد بن يحيى الكحال - فيمن رمى جمرة قبل جمرة: أرجو أن لا يكون عليه شيء.
1736 - وذلك لأنه يروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من قدم نسكا بين يدي نسك فلا حرج» . وحكى أبو البركات الرواية بالإجزاء مع الجهل.
وشرط صحة الرمي في الجميع أن يكون بعد الزوال، على المشهور، والمختار للأصحاب من الروايتين.
1737 - لما «روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يرمي يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس» . رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.
1738 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس» . رواه الترمذي، وفعله خرج بيانا كما تقدم، وقد فهمت هذا الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -.
1739 - قال وبرة بن عبد الرحمن السلمي: سألت ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه.
فأعدت عليه المسألة فقال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا.
رواه البخاري وغيره.
(والرواية الثانية) : إن رمى في اليوم الآخر قبل الزوال أجزأه ولا ينفر إلا بعد الزوال.
(والثالثة) : كالثانية، إلا أنه إن نفر قبل الزوال لا شيء عليه.
قال في رواية ابن منصور: إذا رمى عند طلوع الشمس في النفر الأول ثم نفر، كأنه لم ير عليه دما.
واختلف في عدد الحصا، فعنه: لا بد من سبع.
كما قال الخرقي، اتباعا لفعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإنه قد ثبت ذلك عنه من حديث ابن عمر المتقدم، ومن حديث ابن مسعود، وعائشة، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وفعله خرج بيانا كما تقدم.
1740 - وعن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الاستجمار تو، ورمي الجمار تو، والسعي بين الصفا والمروة تو، وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتو» . [رواه مسلم وغيره] والتو: الوتر.
(وعنه) تجزئ الست، ولا يجزئ ما دونها.
1741 - لما «روى سعد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: رجعنا في الحجة مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبعضنا يقول: رميت بسبع.
وبعضنا يقول: رميت بست، فلم يعب بعضهم على بعض» . رواه النسائي وأحمد.
وهذا اتفاق منهم على جواز الاكتفاء بالست.
1742 - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: لا أبالي رميت بست أو بسبع.
(وعنه) : تجزئ الخمس، إذ الأكثر يعطى حكم
الجميع، وقد ثبت عن الصحابة التساهل في البعض.
ويسن أن يكبر مع كل حصاة، لما تقدم من حديث جابر، وابن عمر، وابن مسعود، ويقف يدعو، ويطيل في الجمرتين الأوليين، ولا يقف في جمرة العقبة، لما تقدم من حديث ابن عمر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، والخرقي قال: يقف عندها.
ولعله يريد قريبا منها، إذ السنة التقدم كما في الحديث، والله أعلم.
قال: ويفعل في اليوم الثاني كما فعل بالأمس.
1743 - ش: لا نزاع في ذلك، وعلى ذلك فعل الخلف، اقتداء بالسلف، وقد قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أفاض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من آخر يوم النحر حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية، فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها» . رواه أبو داود، والله أعلم.
قال: فإن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل المغرب.
ش: أيام منى وأيام التشريق: ثلاثة أيام بعد النحر، فمن أحب أن يتعجل في يومين منها خرج قبل المغرب، لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203] الآية، والتخيير هنا، والله أعلم، نظرا لجواز الأمرين، وإن كان التأخر أفضل، وكلام الخرقي وعامة الأصحاب يشمل مريد الإقامة بمكة، وكذلك عموم الآية الكريمة.
1744 - وعن يحيى بن يعمر أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه» . مختصر، رواه أبو داود وغيره.
(وعن أحمد) : لا يعجبني لمن نفر النفر الأول أن يقيم بمكة.
1745 - وذلك لما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: من شاء من الناس كلهم أن ينفر في الأول، إلا آل خزيمة، فلا ينفروا إلا في النفر الأخير، فجعل [أحمد وإسحاق معنى قول عمر رضي
الله عنه: إلا آل خزيمة.
أي أنهم أهل حرم، وحمل أبو محمد] هذا على الاستحباب، محافظة على العموم، والله أعلم.
قال: فإذا غربت الشمس، وهو بها، لم يخرج حتى يرمي في غد بعد الزوال، كما رمى بالأمس.
ش: شرط جواز التعجل في اليومين أن ينفر قبل غروب الشمس، فلو أقام حتى غربت الشمس، لزمه المبيت والرمي من الغد، لأن الله سبحانه وتعالى جعل التعجل في اليوم، [وكذلك المبين] لكلامه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، واليوم اسم للنهار، فمن غربت الشمس عليه خرج عن أن يكون في اليوم، فهو ممن تأخر.
1746 - وعن نافع أن ابن عمر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، كان يقول: من غربت له الشمس من أوسط أيام التشريق وهو بمنى، فلا ينفرن حتى يرمي الجمار من الغد.
رواه مالك في الموطأ.
وقول الخرقي: حتى يرمي في غد بعد الزوال، يحترز به عن [مذهب] الحنفية من أنه يجوز في هذا اليوم الرمي قبل الزوال، وهي رواية مرجوحة قد تقدمت، والله أعلم.
قال: ويستحب أن لا يدع الصلاة في مسجد منى مع الإمام.
ش: يعني مسجد الخيف، تأسيا بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
1747 - «قال عبد الله بن مسعود: صليت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمنى ركعتين، ومع أبي بكر، وعمر، وعثمان، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ركعتين، صدرا من خلافته» . وهذا إن لم يمنع [مانع، فإن منع مانع] من فسق أو غيره [صلى] في رحله، والله أعلم.
قال: ويكبر في دبر كل صلاة، من صلاة الظهر يوم النحر، إلى آخر أيام التشريق.
ش: قد تقدم الكلام في التكبير في عيد النحر، وفي صفته، ومحله ووقته، وأن المحل يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة، وأما المحرم فيكبر من صلاة الظهر يوم النحر، لأنه قبل ذلك مشتغل بالتلبية حتى يرمي جمرة العقبة، وليس بعد جمرة العقبة صلاة يكبر فيها إلا الظهر، فلو رمى جمرة العقبة قبل
الفجر - إذ وقتها يدخل بانتصاف ليلة النحر، على المشهور من الروايتين - فعموم كلام أصحابنا يقتضي أنه: لا فرق، حملا على الغالب، ويؤيد هذا أنه لو أخر الرمي إلى بعد صلاة الظهر فإنه يجتمع في حقه التكبير والتلبية، ومنصوص أحمد في رواية ابنه عبد الله أنه يبدأ بالتكبير ثم يلبي، إذ التلبية قد خرج وقتها المستحب، وهو الرمي ضحى، فبذلك قدم التكبير عليها، والله أعلم.
طواف الوداع
قال: فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت، يطوف به سبعا، ويصلي ركعتين.
1748 - ش: لما «روي عن ابن عباس، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» . رواه أحمد ومسلم، وليس بركن اتفاقا، بل واجب، يجبر بالدم، لهذا الحديث، هذا المشهور والمعروف عند الأصحاب.
وقال أحمد - في رواية ابن إبراهيم -: إذا نسي طواف الزيارة، فطاف للصدر لا يجزئه، وكيف يجزئه التطوع عن الفريضة، وكذلك نقل المروذي، وظاهر هذا أنه سنة لا واجب.
إلا أن يقال: أطلق على الواجب تطوعا حيث قابله بالركن، إذ واجبات الحج تترك،
وتصح العبادة بدونها، فلها شبه بالتطوع.
وقول الخرقي: لم يخرج.
يقتضي أنه لو أراد المقام بمكة لا وداع عليه، وهو كذلك، سواء نوى الإقامة قبل النفر أو بعده.
وقوله: لم يخرج.
ظاهره أنه لو خرج ولو إلى دون مسافة القصر أنه يلزمه الطواف، وهو ظاهر إطلاق الحديث، والمراد بالخروج: الخروج عن الحرم.
ويجزئه طواف الزيارة إذا طافه عند الخروج عن طواف الوداع، في أشهر الروايتين لأنه حصل آخر عهده بالبيت طواف، والله أعلم.
قال: إذا فرغ من جميع أموره، حتى يكون آخر عهده بالبيت.
ش: يعني أن هذا الطواف يكون في وقت فراغه من جميع أموره، كي يكون آخر عهده بالبيت، اتباعا لنص حديث ابن عباس، والله أعلم.
قال: فإن ودع واشتغل في تجارة عاد فودع ثم رحل.
ش: يعني يتفرع على ما تقدم أنه لو ودع ثم اشتغل في تجارة، أو حاجة، أو عيادة مريض، أنه يعيد الوداع، عملا بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حتى يكون آخر عهده بالبيت» . ومن أقام في تجارة أو زيارة لم يكن آخر عهده بالبيت الطواف، وقد بالغ أحمد في ذلك، فقال له أبو داود: إذا ودع البيت ثم نفر
يشتري طعاما يأكله؟ قال: لا، يقولون حتى يجعل الردم وراء ظهره.
وقال في رواية أبي طالب: إذا ودع لا يلتفت، فإن التفت رجع حتى يطوف بالبيت، وأبو محمد، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، يجوز شراء اليسير، وقضاء الحاجة في الطريق، لأنه لا يسمى إقامة، والله أعلم.
قال: فإن خرج قبل الوداع رجع إن كان بالقرب، وإن أبعد بعث بدم.
ش: نص أحمد، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، على هذا، محافظة على الإتيان بالواجب، إذ القريب في حكم المقيم، أما البعيد فمسافر، مع أن المشقة تلحقه غالبا، بخلاف القريب، ولو تعذر على القريب الرجوع فهو كالعبيد.
1749 - وعن يحيى بن سعيد الأنصاري، أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رد رجلا من مر الظهران - لم يكن ودع البيت - حتى ودع، رواه مالك في الموطأ.
ومقتضى كلام الخرقي، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أنه لو رجع القريب لا دم عليه، وهو كذلك، لأنه في حكم المقيم أما البعيد إذا رجع؛ فعن القاضي: لا يسقط عنه الدم، لاستقراره بالبعد، ولأبي محمد احتمال، وحد البعد مسافة القصر، نص عليه أحمد، واعتبرها أبو محمد من مكة، وقد يقال من الحرم، والله أعلم.
قال: والمرأة إذا حاضت قبل أن تودع خرجت، ولا وداع عليها ولا فدية.
ش: أما سقوط طواف الوداع عن الحائض فقول العامة.
1750 - لما «روى ابن عباس، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض» . متفق عليه.
1751 - وعن نافع، «أن ابن عمر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت، إلا الحيض، رخص لهن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رواه الترمذي.
1752 - وفي مسلم وغيره «عن عائشة، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، قالت: حاضت صفية، قالت عائشة: فذكرت حيضها للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أحابستنا هي؟» . قلت: يا رسول الله إنها قد كانت أفاضت، وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة.
فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فلتنفر» .
أما انتفاء الفدية فلأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يذكرها في شيء من الأحاديث، ولو وجبت لذكرها، وحكم النفساء حكم الحائض.
(تنبيه) : إذا طهرت الحائض أو النفساء قبل مفارقة البنيان لزمها الرجوع والوداع، فإن لم ترجع ولو لعذر فعليها الدم، ولو كان الطهر بعد مفارقة البنيان فلا رجوع عليها، والله أعلم.
قال: ومن خرج قبل طواف الزيارة رجع من بلده حراما، حتى يطوف بالبيت.
ش: قد تقدم أن طواف الزيارة ركن لا يتم الحج إلا به، فإذا تركه الإنسان، ورجع إلى بلده، فإنه لا بد أن يرجع من بلده، ليأتي بركن الحج، ويرجع حراما عن النساء، إن كان قد رمى جمرة العقبة، وإلا فحراما عن كل شيء كما تقدم، وقد دل على الأصل قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لصفية: أحابستنا هي؟» . فدل على أن الطواف يحبس صاحبه.
والله أعلم.
قال: وإن كان قد طاف للوداع لم يجزئه عن طواف الزيارة.
ش: لا بد من تعيين النية لطواف الزيارة، فإذا طاف للوداع، أو مطلقا، لم يجزئه عن طواف الزيارة، [نظرا] لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى» . الحديث، وهذا لم ينو طواف الزيارة، فلا يكون له، ونبه بهذا على مذهب مالك، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، في أنه يجزئه ذلك، والله أعلم.
قال: وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد.
ش: هذا هو المذهب المختار للأصحاب، والمشهور عن أحمد في الروايتين، حتى إن القاضي في تعليقه لم يذكر غيره، ورواه عن أحمد سبعة من أصحابه، وذلك لما تقدم من أن الصحيح أن النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان نسكه القرآن، والخصم يسلم ذلك، ولم ينقل عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه طاف إلا طوافا واحدا.
1753 - كما صرح به جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقال: «إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرن الحج والعمرة، وطاف لهما طوافا واحدا» . رواه الترمذي والنسائي.
1754 - وعنه أيضا قال: «لم يطف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا، طوافه الأول» . رواه الجماعة إلا البخاري.
1755 - وروى عبد الله بن عمر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد منهما، حتى يحل منهما جميعا» . رواه الترمذي وهذا لفظه، والنسائي وقال: «إن ابن عمر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قرن الحج والعمرة، فطاف لهما طوافا واحدا، وقال: هكذا رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعله» .
1756 - وفي الصحيحين أيضا معنى هذا عنه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، في حديث طويل، لما حج حين نزل الحجاج لقتال ابن الزبير - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
1757 - وعن عائشة، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، في حديثها الصحيح - وسيأتي إن شاء الله تعالى - قالت: «وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا» .
1758 - ولمسلم في هذا الحديث: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لها: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» .
1759 - ولأبي داود أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لها: «طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة، يكفيك لحجك وعمرتك» . لا يقال: الطواف اسم جنس مضاف لها، فيشمل كل طواف صدر منها، لأنا نقول: طواف.
يقتضي ما يقع عليه اسم الطواف، وهو
يصدق بواحد، كذا أجاب القاضي، وفيه شيء، إذ لا يظهر لي فرق بين [طوافك] وعبدك، ونحوه، وهو وإن صدق بواحد، لكن لا يدل على تعيين الواحد، وإنما الجواب: أن المعلوم من قصتها أنها طافت طوافا واحدا، والخصم يسلم ذلك، لأن عنده أن أمرها آل إلى الإفراد، ثم لو لم يكن كذلك لم يكن [في قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] : «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» .
فائدة، إذ لا يتوهم أن في القران ثلاثة أطواف، ولأنهما عبادتان [من جنس واحد] فإذا اجتمعا دخلت الصغرى في الكبرى كالطهارتين.
(والرواية الثانية) : يلزمه طواف وسعي للعمرة، وطواف وسعي للحج، لا يدخل أحدهما في الآخر، حكاها جماعة، وهي نظير الرواية المذكورة في الوضوء والقاضي جعل في التعليق بدل هذه الرواية رواية أن عمرة القران لا تجزئ عن عمرة الإسلام، (وبالجملة) قد استدل لهذه الرواية بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] ، وإتمامها أن يأتي بأفعالها على الكمال.
1760 - وبأنه قد روي «عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه طاف طوافين، وسعى سعيين» من رواية علي، وابن مسعود، وابن عمر، وعمران بن حصين، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. 1761 - وروي عنه أيضا أنه قال: «من جمع بين الحج والعمرة فعليه طوافان» . 1762 - وأجيب عن الآية بأن الإتمام أن يحرم بهما من دويرة أهله، كما
قال عمر وعلي، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، على أنا نقول بموجبه، لأنا نقول: إذا طاف وسعى لهما فقد أتمهما، وعن الأحاديث بضعفها، قال الحافظ المنذري: ليس فيها شيء يثبت.
وينبني على الخلاف إذا قتل القارن صيدا أو أفسد نسكه، فالمنصوص جزاء واحد للصيد، وبدنة للوطء، وخرج جزاآن للصيد، وبدنة وشاة، كما لو فعل ذلك في كل من النسكين.
(تنبيه) : لا نزاع في اتحاد الإحرام والحلق، والله أعلم.
قال: إلا أن عليه دما، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، يكون آخرها يوم عرفة، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
ش: هذا استثناء منقطع، لأن الدم ليس من عمل القارن، فالتقدير: لكن عليه دم.
أو التقدير: ليس في عمل القارن، ولا في حكمه زيادة على عمل المفرد، ولا في حكمه، إلا أن عليه دما.
وبالجملة وجوب الدم قول الجمهور، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] الآية، وقد تقدم أن القارن يدخل في ذلك.
1763 - ويؤيد ذلك ما «قال سعيد بن المسيب قال: اجتمع علي وعثمان بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة، فقال له علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تنهى الناس عنه.
فقال له عثمان: دعنا.
قال: إني لا أستطيع أن أدعك.
فلما رأى ذلك أهل بهما جميعا» ، متفق عليه، وفي رواية: لما رأى ذلك عليٌّ أهل بهما: لبيك بعمرة وحجة.
ففهم عليٌّ دخول القران في لفظ التمتع، ففعله ليعلم الناس أنه غير منهي عنه.
1764 - وعن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «نحر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بقرة يوم النحر» . رواه مسلم.
وقد تقدم أنها كانت قارنة، ولأنه ترفه بأحد السفرين، فلزمه دم كالمتمتع.
وإذا لم يجد الهدي صام على الصفة المذكورة كالمتمتع، وسيأتي [ذلك] إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
دم التمتع وصيامه
قال: ومن اعتمر في أشهر الحج، فطاف وسعى وحل، ثم أحرم بالحج من عامه، ولم يكن خرج من مكة إلى ما تقصر فيه الصلاة، فهو متمتع، وعليه دم.
ش: وجوب الدم على المتمتع في الجملة إجماع، وقد شهد له الآية الكريمة: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ، أي: فعليه، أو فالواجب: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] .
1765 - وفي مسلم وغيره عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كنا نتمتع مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالعمرة فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها» .
ويشترط لذلك شروط: (أحدها) أن يعتمر في أشهر الحج، فلو اعتمر بها في غير أشهره، لم يكن متمتعا، لأن قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] ، أي: أوصل ذلك بالحج، وهذا إنما يكون إذا كان في أشهر الحج، والاعتبار عندنا بالشهر الذي أحرم فيه، لا بالشهر الذي حل فيه، فلو أحرم بالعمرة في رمضان، ثم حل في شوال لم يكن متمتعا، نص عليه أحمد في رواية جماعة.
1766 - ويروى ذلك عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وعليه اعتمد أحمد، - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
(الشرط الثاني) أن يحل من عمرته ثم يحرم بالحج، فلو أدخل الحج على العمرة قبل طوافها صار قارنا، إذ أحد نوعي القران أن يدخل الحج على العمرة.
1767 - كما صنع ابن عمر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، عام حجة الحرورية، وقال: هكذا صنع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقد تقدم.
(الثالث) أن يحج من عامه، لظاهر الآية الكريمة، مع أن هذا كالإجماع.
(الرابع) أن لا يخرج من مكة إلى ما تقصر فيه الصلاة، فإن خرج إلى ما تقصر فيه الصلاة لم يكن متمتعا، نص عليه أحمد، إلا أن لفظه: إن خرج من الحرم سفرا تقصر في مثله الصلاة، ثم رجع فحج، فليس بمتمتع.
وبينه وبين كلام الخرقي فرق، إذ الخرقي اعتبر الخروج من مكة، وأحمد اعتبر الخروج من الحرم.
1768 - وبالجملة: العمدة في ذلك ما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: إذا اعتمر في أشهر الحج فهو متمتع، فإن خرج ورجع فليس بمتمتع.
وعن ابنه نحو ذلك، رواه أبو حفص، وهذه الشروط الأربعة لا أعلم فيها خلافا بين الأصحاب.
ويشترط أيضا (شرط خامس) : لا نزاع فيه بينهم وهو أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ، إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] ، أي: (ذلك)
الحكم - وهو وجوب الدم - (لمن لم يكن أهله) من (حاضري المسجد الحرام) ، أي: ثابت، (لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) ، وهذا أجود من جعل اللام بمعنى (على) ، أي: ذلك الواجب على من لم يكن أهله حاضري، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] ، إذ هذا [مجاز] للمقابلة، ومهما أمكن استعمال اللفظ في موضوعه الأصلي فهو أولى، لا يقال: (ذلك) إشارة إلى قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] ، أي: هذا التمتع، (لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) فيخرج المكي، لأنا نقول: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ [البقرة: 196] شرط، و ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ [البقرة: 196] جزاء، و ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ﴾ [البقرة: 196] استثناء، [والاستثناء] يرجع إلى الجزاء دون الشرط، كقول القائل: من دخل داري فأعطه درهما، إلا أن يكون أعجميا.
انتهى، وهذا الشرط يعم المتمتع والقارن.
(تنبيه) : إلا حاضري المسجد الحرام المقيم بالحرم، سواء كان من أهله أو داخلا إليه، فلو دخل الآفاقي بعمرة
في غير أشهر الحج، ثم أقام بمكة، فاعتمر في أشهر الحج، وحج من عامه فهو متمتع، نص عليه، وبالغ القاضي فقال: في الآفاقي: إذا تجاوز الميقات إلى أن بقي بينه وبين مكة دون مسافة القصر، فلا دم عليه، لأنه من حاضريه.
وخالفه أبو محمد، لأن الحضور بالإقامة.
انتهى.
واختلف في ثلاثة شرائط، (أحدها) : هل يشترط أن لا يحرم من الميقات، فإن أحرم منه فليس بمتمتع؟ وفيه روايتان، أنصهما - وبه جزم أبو البركات - الاشتراط، قال أحمد في رواية يوسف بن موسى، وأحمد بن الحسن: إذا أقام فأنشأ الحج من مكة فهو متمتع، فإن خرج إلى الميقات فأحرم
بالحج فليس بمتمتع، وذلك لأنه لم يترفه بترك أحد الميقاتين، فلم يلزمه الدم، كما لو لم يحج من عامه.
(والثانية) : لا يشترط ذلك، إنما المشترط مفارقة الحرم بمسافة القصر، قال أحمد - في رواية حرب في من أحرم بعمرة في أشهر الحج - فهو متمتع إذا أقام حتى يحج، فإن خرج من الحرم سفرا تقصر في مثله الصلاة، ثم رجع فحج فليس بمتمتع، وهذا اختيار القاضي في تعليقه، وبالغ فحمل الأولى على أن بين الميقات وبين مكة مسافة تقصر فيها الصلاة، ولا يعرف أبو محمد غير هذا، نظرا إلى أن القريب في حكم الحاضر، ويظهر أثر هذا الشرط في «قرن» ميقات أهل نجد، فإنه [على] يوم وليلة من مكة، أما ما عداه فإن بينها وبين مكة مسافة القصر فأزيد، فلا حاجة إلى هذا الشرط فيها.:
(الثاني) هل تشترط النية في ابتداء العمرة أو أثنائها؟ فيه وجهان، والاشتراط اختيار القاضي وأبي الخطاب، وصاحب التلخيص، وعدمه هو اختيار أبي محمد.
(الثالث) هل يشترط أن يكون النسكان عن رجل واحد، فلو كانا عن شخصين فلا تمتع؟ اشترط ذلك صاحب التلخيص، قال: لأنه لا يختلف أصحابنا أنه لا بد للإحرام بالنسك الثاني من