كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الحيضة، يسألنها عن الصلاة.
فتقول: لا تعجلن، حتى ترين القصة البيضاء.
تريد بذلك الطهر من الحيض.
رواه مالك في الموطأ.
ومفهوم كلام الخرقي أن الصفرة والكدرة بعد زمن العادة ليس بحيض، وهو كذلك.
307 - لقول أم عطية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئا.
رواه أبو داود، والنسائي.
308 - وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - – «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر قال: «إنما هو عرق، أو إنما هو عروق» رواه أحمد، وأبو داود، والبيهقي في سننه.
وعموم مفهوم كلام الخرقي يقتضي عدم الالتفات إلى الصفرة والكدرة بعد العادة وإن تكرر ذلك، وهو المنصوص، والمختار للشيخين، اعتمادا على العادة، وعنه ما يدل - وهو اختيار القاضي، وابن عقيل، وصاحب التلخيص [فيه]- على أنه إن تكرر بعد العادة فهو حيض، لأن التكرار يجعله كالموجود في العادة.
(تنبيهان) . (أحدهما) : إذا ابتدئت البكر بصفرة أو كدرة فهل تلتفت إليه - وهو اختيار القاضي، كما لو رأته في العادة - أو لا تلتفت إليه - وهو اختيار أبي البركات، وظاهر كلام الإمام - اعتمادا على أنه قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -؟ قال الخطابي: على وجهين.
(الثاني) : «الدرجة» - بكسر الدال وفتح الراء والجيم - وعاء يحط فيه حق المرأة وطيبها، والجمع أدراج، وقيل: هي بضم الدال، وسكون الراء، وأصلها شيء يدرج أي يلف، «والقصة» معناه أن تخرج الخرقة أو القطنة التي
تحتشي بها المرأة كأنها قصة، لا يخالطها صفرة ولا كدرة، وقيل: إن القصة شيء كالخيط [الأبيض] ، يخرج بعد انقطاع الدم كله، والله أعلم.
الاستمتاع بالمرأة في مدة الحيض
قال: ويستمتع من الحائض بدون الفرج.
ش: لقول الله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] والمحيض اسم لمكان الحيض، كالمبيت، والمقيل، ومصدر: حاضت المرأة حيضا ومحيضا، والمراد هنا والله أعلم - الأول، بقرينة التعليل بكونه أذى، وذلك يختص بالفرج، وللإجماع على جواز القربان في حال الحيض في الجملة، وقد شهد لذلك النص.
309 - فعن ميمونة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض» .
310 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - في تفسير الآية: اعتزلوا نكاح فروج النساء، رواه عنه أبو بكر في تفسيره.
311 - ولما روى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] الآية، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» رواه الجماعة إلا البخاري، ولفظ النسائي، وابن ماجه «إلا الجماع» واللام فيه لمعهود ذهني، وهو الوطء في الفرج، للإجماع على جواز القربان فيما عدا محل الإزار.
312 - وقد روى أبو داود عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا أراد من الحائض شيئا، ألقى على فرجها ثوبا» .
ومقتضى كلام الخرقي أنه لا يستمتع [بها] في الفرج] ولا ريب في ذلك لما تقدم، والله أعلم.
وطء الحائض
قال: فإن انقطع دمها فلا توطأ حتى تغتسل
ش: لقوله سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] أي من الحيض ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] أي اغتسلن.
313 - كذلك فسرها ابن عباس.
رواه عنه البيهقي، وإبراهيم
الحربي، وحملا لكل من التطهيرين على فائدة، على أن الإمام إسحاق بن راهويه قال: أجمع أهل العلم من التابعين أن لا يطأها حتى تغتسل.
وإذا حصل الإجماع من التابعين فلا عبرة بمن بعد اهـ.
ويقوم مقام الاغتسال التيمم، لعدم الماء، ثم إذا وجد الماء حرم [عليه] الوطء، والله أعلم.
وطء المستحاضة
قال: ولا توطأ مستحاضة إلا أن يخاف على نفسه العنت، [وهو الزنا]
ش: أما مع خوف العنت وهو الزنا فلا نزاع في حل وطء المستحاضة، دفعا لأعلى المفسدتين بارتكاب، أدناهما، ولما فيه من الضرر المستدام، وألحق ابن حمدان بخوف العنت خوف الشبق.
اهـ.
وأما مع أمن [ذلك] فروايتان (إحداهما) : يجوز.
314 - لما روى عكرمة عن حمنة أنها كانت تستحاض، فكان زوجها يجامعها.
315 - وأن أم حبيبة كانت تستحاض، وكان زوجها يغشاها، رواهما أبو داود.
316 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه أباح وطأها ثم إن أم حبيبة كانت تحت عبد الرحمن بن عوف - كذا في مسلم - وقد سألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن حكم الاستحاضة فبينها لها ولم يذكر لها تحريم الجماع، ولو كان حراما لبينه لها.
317 - وفي حديث مكحول الذي رواه البيهقي عن أبي أمامة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في المستحاضة يغلبها الدم في الصلاة «فلا تقطع الصلاة وإن قطر، ويأتيها زوجها» إلا أنه مرسل وضعيف كما تقدم وعلى هذه هل يكره وطؤها لما فيه من الخلاف، أو لا يكره إذ الأصل عدم الكراهة، فيه روايتان.
(والثانية) : وهي المشهورة عند الأصحاب، اختارها الخرقي، وأبو حفص، وابن أبي موسى، وغير واحد - لا يجوز لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]
فمنع سبحانه من الوطء معللا بكونه أذى وهذا أذى.
318 - وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: المستحاضة لا يغشاها زوجها.
وما روى من وطء أم حبيبة ومن وطء حمنة ففعل لا عموم له، إذ يحتمل أن ذلك عند خوف العنت، وحديث أبي أمامة لا تقوم بمثله حجة، على أنه قد يحمل على ذلك، وتأخيره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للبيان لعدم الحاجة إليه.
والذي يظهر الأول، إذ الآية الكريمة لا دليل فيها، إذ دم الاستحاضة غير دم الحيض، كما نص عليه صاحب الشريعة، ولا يلزم من كون دم الحيض أذى أن يكون غيره من الدماء أذى، وما روى عن عائشة فقد قال البيهقي: الصحيح أنه من قول الشعبي.
والله سبحانه أعلم.
ما له حكم الاستحاضة
قال: والمبتلى بسلس البول أو كثرة المذي فلا ينقطع كالمستحاضة، يتوضأ لكل صلاة بعد أن يغسل فرجه ش: قد تقدم أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة أو لوقت كل [صلاة] بعد أن تغسل فرجها وتحكم شده، وحكم المبتلى بسلس البول، أو كثرة المذي، أو الرعاف الدائم، والمجروح
الذي لا يرقأ دمه ونحوهم، حكم المستحاضة في ذلك، لتساويهما معنى، وهو عدم التحرز من ذلك، فيتساويان حكما.
319 - وقد روى الإمام أحمد، والبيهقي، والدارقطني عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه لما طعن كان يصلي وجرحه يثعب دما.
320 - وقال إسحاق بن راهويه: كان بزيد بن ثابت سلس البول، وكان يداويه ما استطاع، فإذا غلبه صلى، ولا يبالي ما أصاب ثوبه.
وقوله: فلا ينقطع.
هذا الشرط في المستحاضة ومن لحق بها، وهو أن لا ينقطع حدثها زمنا يسع الطهارة والصلاة، إذ ما دونه لا يفيد، فهو كالعدم، فإن كان من عادتهم انقطاعه زمنا يسع لذلك لزمهم تحريه والطهارة فيه، لتمكنهم بالإتيان بالعبادة بشرطها، ولو عرض هذا الانقطاع المتسع لمن عادته الاتصال، أبطل الطهارة، فإن حصل انقطاع قبل الشروع في الصلاة لم يجز الدخول فيها، لاحتمال دوامه، فإن خالف ودخل واستمر الانقطاع قدرا يسع
الطهارة والصلاة فصلاته باطلة، وإن عاد الحدث قبل ذلك فطهارته صحيحة، وفي بطلان صلاته وجهان، أصحهما تبطل، لمخالفته الأمر، ولو وجد الانقطاع المتسع في الصلاة أبطلها وأبطل الوضوء، وخرج ابن حامد عدم البطلان من رواية مضي المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة، وفرق أبو البركات بأن الحدث هنا متجدد، ولم يوجد عنه بدل.
وإذا بطلت الصلاة استأنفها كالمتيمم، وينصرف من الصلاة بمجرد الانقطاع عند الأصحاب، إذ الظاهر الدوام، فلو خالف فعاد الحدث قبل مدة الاتساع فالوجهان في الانقطاع قبل الشروع، واختار المجد أنه لا ينصرف ما لم تمض مدة الاتساع حذارا من إبطال متيقن بموهوم، ولو توضأ من له عادة من هؤلاء بانقطاع غير متسع فاتصل حتى اتسع أو برأت بطلت طهارته إن وجد منه حدث معه أو بعده، وإلا فلا، ولو كثر الانقطاع واختلف فتقدم وتأخر، ووجد مرة وعدم أخرى فهذه كمن عادتها الاتصال عند الأصحاب، في بطلان وضوئها بالانقطاع المتسع دون ما دونه، وفي الأحكام إلا في شيء واحد، وهو أنها لا تمنع من الدخول في الصلاة والمضي فيها بمجرد الانقطاع، قبل تبين اتساعه، واختار أبو البركات - مدعيا أنه ظاهر كلام الإمام - أنه لا عبرة ها هنا بهذا الانقطاع، بل يكفي وجود الدم
في شيء من الوقت، دفعا للحرج والمشقة.
والله أعلم.
أكثر النفاس
قال: وأكثر النفاس أربعون يوما
ش: هذا هو المذهب المختار والمعروف من الروايات.
321 - لما روى عن أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أربعين يوما، وكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف» . رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال الخطابي: أثنى محمد بن إسماعيل على هذا الحديث ومعناه: كانت تؤمر أن تجلس، وإلا كان الخبر كذبا، إذ محال - عادة - اتفاق عادة نساء عصر في نفاس أو حيض، مع أن هذا إجماع سابق أو كالإجماع.
322 - وقد حكاه إمامنا، وابن المنذر عن عمر، وابن عباس، وأنس، وعثمان بن أبي العاص، وعائذ بن عمرو، وأم سلمة ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم، ومن ثم قال الطحاوي: لم يقل بالستين أحد من الصحابة، وإنما قاله من بعدهم وقال أبو عبيد: وعلى هذا جماعة الناس.
وقال إسحاق: هو السنة المجتمع عليها.
(والثانية) أن أكثره ستون اتباعا للوجود.
وأول المدة من [حين] الوضع، لأن في رواية أبي داود في حديث أم سلمة: تجلس بعد نفاسها وإن خرج بعض
الولد فالدم قبل انفصاله نفاس، يحسب من المدة وخرج أنه كدم الطلق، بناء على عدم إرثه إذا استهل والحال هذه، أما إن ولدت توأمين فأول النفاس من الأول وآخره منه، على المشهور والمختار لجمهور الأصحاب من الروايات، فعلى هذا لو كان بين الولدين أربعون يوما فلا نفاس بعد الثاني (وعنه) : أوله من الأول وآخره من الثاني، فعلى هذه فقد يجيء جلوسها ستين يوما وأكثر (وعنه) : هما - الأول والآخر - من الثاني فعلى هذا ما بين الولدين ليس بنفاس، وإن بلغ أربعين يوما إلا أن يكون يومين أو ثلاثة، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(تنبيه) : الورس نبت أصفر يصبغ به، ويتخذ منه غمرة للوجه، يحسن اللون «والكلف» لون يعلو الوجه، يخالف لونه، يضرب إلى السواد والحمرة، والله أعلم.
أقل النفاس
قال: وليس لأقله حد، أي وقت رأت الطهر اغتسلت وهي طاهر.
323 - ش: لما روى «عن أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أنها سألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كم تجلس المرأة إذا ولدت؟ قال: «أربعين يوما لا أن ترى الطهر قبل ذلك» .
324 - وعن معاذ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا مضى للنفساء سبع ثم رأت الطهر فلتغتسل ولتصل» رواهما الدارقطني وقد حكى ذلك الترمذي إجماعا فقال: أجمع أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك.
325 - وحكى البخاري في تأريخه أن امرأة ولدت بمكة، فلم تر دما، فلقيت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - – فقالت: أنت امرأة طهرك الله.
اهـ فعلى هذا أي وقت رأت الطهر اغتسلت للنفاس وهي طاهر، والله أعلم.
وطء النفساء
قال: ولا يقربها زوجها في الفرج حتى تتم الأربعين استحبابا
ش: إذا رأت المرأة الطهر قبل تمام الأربعين واغتسلت جاز وطؤها على المشهور من الروايتين، لظاهر ما تقدم، ولأن المانع من الوطء الدم ولا دم (والثانية) لا يجوز.
326 - لما روي عن علي، وابن عباس، وعثمان بن أبي العاص، وعائذ بن عمرو أنهم قالوا: لا توطأ نفساء.
وعلى المذهب لا
يستحب لاحتمال عود الدم، وهل يكره؟ فيه روايتان، أشهرهما نعم، يكره حملا لما روي عن الصحابة على ذلك (والثانية) لا يكره نظرا للأصل.
وقوله: لا يقربها في الفرج.
مفهومه أن له أن يقربها في غير الفرج، وهو كذلك كالحائض، إذ دم النفاس في الحقيقة دم حيض كما تقدم، يجتمع لغذاء الولد، ثم يخرج بقيته عند الولادة.
(تنبيه) : الولد الذي يتعلق به أحكام النفاس الولد الذي تصير به المستولدة أم ولد والله أعلم.
حكم من كانت لها أيام حيض فزادت على ما كانت تعرف
قال: ومن كانت لها أيام حيض فزادت على ما كانت تعرف، لم تلتفت إلى الزيادة إلا أن تراه ثلاث مرات، فتعلم حينئذ أن حيضها قد انتقل، فتصير إليه وتترك الأول، وإن كانت صامت في هذه الثلاث مرات أعادته إذا كان صوما واجبا ش: إذا زادت عادة المرأة بأن كانت تحيض مثلا خمسة
أيام من كل شهر أو من كل عشرين يوما، فحاضت ستة أو سبعة، فإنها لا تلتفت إلى الزيادة على المذهب المعروف والمنصوص من الروايتين، لما تقدم من حديث عائشة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر «إنما هو عرق» أو قال: «عروق» وقول أم عطية: كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئا.
(والثانية) : أومأ إليها في رواية ابن منصور - تلتفت إليه، فتجلسه من أول مرة، وهو اختيار أبي محمد، اعتمادا على عادات النساء في ذلك، ولما تقدم من قول عائشة: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء.
327 - ولأن عائشة لما حاضت في حجة الوداع لم يسألها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هل ذلك في زمن عادتك أم لا؟ وما تقدم إنما يدل على ما بعد الطهر لا على ما إذا استمر وهي مسألتنا، فعلى المذهب متى تكرر ثلاثا على المذهب أو مرتين على رواية - علمنا إذا أن عادتها قد تغيرت فتجلس في الشهر الرابع أو الثالث، وتقضي ما صامته أو اعتكفته أو طافته من واجب في مدة التبين، لتبين حيضها فيه، فإن يئست قبل التبين أو ارتفع حيضها لمرض ونحوه ولم يعد [إليها] لم يلزمها
القضاء على الأصح، لعدم تحقق الفساد، ولا يحل لزوجها وطؤها في مدة التبين، والله أعلم.
قال: وإذا رأت الدم قبل أيامها التي كانت تعرف فلا تلتفت إليه حتى يعاودها ثلاث مرات ش: المسألة السابقة فيما إذا زادت العادة، وهذه فيما إذا تقدمت، وتحتها صورتان (إحداهما) : تتقدم جملة بأن تكون تحيض الخمسة الثانية من الشهر، فتصير تحيض الخمسة الأول (الثانية) : أن يتقدم بعضها بأن تكون تحيض اليوم السادس، فتحيض اليوم الخامس أو الرابع ونحو ذلك، وبالجملة هذه المسألة والتي قبلها من مسلك واحد، والكلام على إحداهما كالكلام على الأخرى، والله أعلم.
قال: ومن كانت لها أيام حيض، فرأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، تغتسل وتصلي
ش: إذا كانت للمرأة عادة كأن كانت تحيض عشرة أيام [مثلا] من كل شهر، فرأت الطهر قبل انقضائها، فإن رأته بعد مضي ستة أيام ونحو ذلك فهي طاهر، لظاهر ما تقدم عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - للنسوة: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء.
وهذه قد رأت القصة البيضاء.
328 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أما ما رأت الدم البحراني فإنها
لا تصلي، وإذا رأت الطهر ساعة فلتغتسل ولتصل.
رواه أبو داود.
وظاهر قول الخرقي والأصحاب أنه لا فرق بين قليل الطهر وكثيره، لما تقدم عن ابن عباس، واختار أبو محمد أنها لا تعتد بما دون اليوم، من رواية في النفاس أنها لا تلتفت إلى ما دون اليوم، ولم يعتبر ابن أبي موسى النقاء الموجود بين الدمين، وأوجب عليها فيه قضاء ما صامته فيه من واجب ونحوه، قال: لأن الطهر الكامل لا يكون أقل من ثلاثة عشر يوما.
إذا تقرر هذا فتغتسل وتصلي للحكم بطهارتها.
(تنبيه) : «البحراني» قال أبو السعادات) الشديد الحمرة، كأنه قد نسب إلى قعر الرحم وهو البحر، وزادوه في النسبة ألفا ونونا للمبالغة.
وقال الخطابي: يريد الدم الغليظ الواسع، ونسب إلى البحر لكثرته وسعته والله أعلم.
قال: فإن عاودها الدم فلا تلتفت إليه حتى تجيء أيامها.
ش: إذا طهرت المرأة قبل تمام عادتها ثم عاودها الدم، فلا يخلو إما أن يعاودها في العادة أو بعدها ثم إذا عاودها في العادة فلا يخلو إما أن يجاوزها أو لا يجاوزها، فإن عاودها في العادة ولم يجاوزها فهل تلتفت إليه بمعنى أنها تجلسه من غير تكرار
- وهو اختيار القاضي في روايته، وأبى محمد في الكافي، لمصادفته زمن العادة أشبه ما لو لم ينقطع - أو لا تلتفت إلهي حتى يتكرر - وهو اختيار الخرقي، وابن أبي موسى، وقال أبو بكر: إنه الأغلب عنه، لعوده بعد طهر صحيح، فأشبه ما لو عاد بعد العادة -؟ على روايتين فعلى الثانية تصلي وتصوم وتقضي الصوم احتياطا، قاله ابن أبي موسى، ونص عليه أحمد.
وإن عاد في العادة وجاوزها لم يخل من أن يجاوز أكثر الحيض أم لا، فإن جاوز الأكثر فليس بحيض إذ بعضه ليس بحيض يقينا، والبعض الآخر متصل به، فأعطي حكمه لقربه منه وإن انقطع لأكثر الحيض فما دون فمن قال: إنما لم يعبر العادة ليس بحيض.
فهذا أولى، ومن قال: إنه حيض.
ففي هذا إذا ثلاثة أوجه (أحدها) : جميعه حيض، بناء على مختار أبي محمد في أن الزائد على العادة حيض ما لم يعبر الأكثر (والثاني) : ما وافق العادة حيض، لموافقته العادة، وما زاد عليها ليس بحيض، لخروجه عنها (والثالث) : الجميع ليس بحيض لاختلاطه - على المذهب - بما ليس بحيض.
وإن عاودها بعد العادة فلا يخلو إما أن يمكن جعله حيضا، بأن يكون تضمه مع الأول لا يكون بين طرف فيهما أكثر من أكثر الحيض، فيلفقا ويجعلا حيضة واحدة، ويكون
بينهما أقل الطهر ثلاثة عشر يوما على المذهب، وكل من الدمين يصلح أن يكون حيضا، فيكونان حيضتين، أو لا يمكن جعل الثاني حيضا، لمجاوزته مع الأول أكثر الحيض، وليس بينه وبين الأول أقل الطهر، ويظهر ذلك بالمثال فنقول: إذا كانت العادة عشرة أيام مثلا، فرأت منها خمسة دما، ثم طهرت الخمسة الباقية، ثم رأت خمسة دما، فإن الخمسة الأولى والثالثة حيضة واحدة بالتلفيق، ولو كانت رأت يوما دما، ثم ثلاثة عشر طهرا، ثم يوما دما، فهما حيضتان، لوجود طهر صحيح بينهما، ولو كانت رأت يومين دما، ثم اثني عشر يوما طهرا، ثم يومين دما، فهنا لا يمكن جعلهما حيضة واحدة، لزيادة الدمين مع ما بينهما من الطهر على أكثر الحيض، ولا جعلهما حيضتين على المذهب، لانتفاء طهر صحيح بينهما، وإذا الحيض منهما ما وافق العادة، والآخر استحاضة، وعلى هذا، وشرط الالتفات إلى ما رأته بعد الطهر فيما خرج عن العادة التكرار المعتبر بلا نزاع.
(تنبيه) : اختلف الأصحاب في مراد الخرقي بقوله: فإن عاودها الدم.
فقال التميمي، والقاضي، وابن عقيل: مراده إذا عاود بعد العادة، وعبر أكثر الحيض، بدليل أنه منعها أن تلتفت إليه مطلقا، ولو أراد غير ذلك لقال: حتى يتكرر.
وقال أبو حفص: مراده المعاودة في كل حال، في العادة وبعدها، وهذا اختيار أبي محمد، وهو الظاهر اعتمادا على الإطلاق، وسكت عن التكرار، لتقدمه له فيما إذا زادت العادة أو تقدمت، وعلى هذا إذا عبر أكثر الحيض فإنه لا يكون
حيضا، وإن تكرر، لما تقدم له من أن الدم إذا جاوز أكثر الحيض لا يكون حيضا، والله أعلم.
الحامل إذا رأت الدم
قال: والحامل إذا رأت الدم فلا تلتفت إليه، لأن الحامل لا تحيض.
329 - ش: الأصل في كون الحامل لا تحيض ما روى أبو سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال في سبايا أوطاس «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة» فجعل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجود الحيض علما عرى براءة الرحم من الحبل، ولو اجتمعا لم يكن علما على انتفائه.
330 - واستدل إمامنا [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا» مع منعه لطلاقه لها في حال الحيض [فعلم أن الحيض] لا يجامع الحمل.
331 - وقد روى ابن شاهين عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه قال: إن الله رفع الحيض عن الحبلى وجعل الدم رزقا للولد.
332 - وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: الحامل لا تحيض.
رواه الدارقطني.
333 - وما روي عنها من أنها لا تصلي إذا رأت الدم فمحمول على ما قبل الولادة، وعلى هذا إذا رأت دما لم تلتفت إليه، ويكون حكمها فيه حكم دم الاستحاضة على ما تقدم، والله أعلم.
.
قال: إلا أن تراه قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة فيكون دم نفاس
ش: لما ذكر أن ما تراه الحامل من الدم يكون دم فساد، استثنى من ذلك ما تراه قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة، فإنه يكون دم نفاس، لأنه خارج بسبب الولادة، أشبه ما بعد الولادة، ولا يحسب من مدة النفاس، لما تقدم في حديث أم سلمة: أن النفساء كانت تقعد بعد نفاسها.
(تنبيه) : يعلم ذلك بأماراته من المخاض ونحوه، أما مجرد رؤية الدم من غير علامة فلا تترك له العبادة، عملا بالأصل من غير معارضة ظاهر له، ثم إن تبين قربه من الوضع بالمدة المذكورة أعادت ما صامته فيه من صوم واجب [ونحوه ولو رأته مع العلامة فتركت العبادة ثم تبين بعده عن الوضع أعادت ما تركت فيه من واجب] ونحوه والله أعلم.
قال: وإذا رأت الدم ولها خمسون سنة فلا تدع الصوم ولا الصلاة وتقضي الصوم احتياطا، وإذا رأته بعد الستين فقد زال الإشكال، وتيقن أنه ليس بحيض، فتصوم وتصلي ولا تقضي ش: لا نزاع عندنا فيما نعلمه - أن ما تراه المرأة من الدم بعد الستين دم فساد، وليس بدم حيض، وأن ما رأته قبل
الخمسين دم حيض بشرطه، واختلف فيما بينهما (فعنه) - وهو اختيار الشيرازي، وقال ابن الزاغوني: إنه اختيار عامة المشايخ أنه دم فساد مطلقا.
334 - لأن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: لن ترى المرأة في بطنها ولدا بعد الخمسين سنة؛ ومن لا تحبل لا تحيض.
رواه الدارقطني وفي لفظ - ذكره أحمد عنها في رواية حنبل - إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض.
(وعنه) أنه حيض مطلقا، اختاره أبو الخطاب في خلافه الصغير، وأبو محمد، لأنه [قد] وجد بنقل نساء ثقات، فرجع إليهن فيه، كما رجع إليهن في أقل الحيض [وأكثره] (وعنه) أنه حيض في حق العربيات، لأنهن أشد جبلة دون العجميات.
335 - وقد روى الزبير بن بكار في كتاب النسب عن بعضهم أنه قال: لا تلد لخمسين إلا عجمية، ولا تلد لستين إلا قرشية وكأن الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - تعارضت عنده هذه الأقوال
فأعرض عنها وقال: إن ما بينهما مشكوك فيه، فتصوم وتصلي، لاحتمال كونه دم فساد، وتقضي الصوم لاحتمال كونه دم حيض، وأداء الصلاة لا يلزمها، والصوم الواجب ونحوه تقضيه لعدم صحته منها على هذا التقدير، والله أعلم.
أحكام المستحاضة
قال: والمستحاضة إن اغتسلت لكل صلاة فهو أشد ما قيل فيها، وإن توضأت لكل صلاة أجزأها، [والله أعلم] .
ش: قد تقدم حكم المستحاضة في أنها هل تتوضأ لكل صلاة أو لوقت كل صلاة، والكلام الآن في اغتسالها، ولا ريب أنه يجب عليها الاغتسال عقب الأيام التي حكم بحيضها فيها [ثم] عندنا وعند الجمهور يستحب لها أن تغتسل لكل صلاة.
ولا يجب.
336 - ولأن «أم حبيبة استحيضت فسألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل [لكل صلاة] » . متفق عليه.
ففهمت من الأمر بالاغتسال الاغتسال لكل صلاة.
وفي رواية في غير الصحيح: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمرها بالاغتسال لكل صلاة» .
337 - وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أن زينب بنت جحش استحيضت، فقال لها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اغتسلي لكل صلاة» . رواه أبو داود.
وإنما لم يجب ذلك لأن الروايات الصحيحة في حديث أم حبيبة، وفاطمة، وزينب وغيرهم ليس فيها أمر من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالاغتسال لكل صلاة، ولو وجب ذلك لبينه.
338 - مع أن في أبي داود، والترمذي في «حديث حمنة: وقالت لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إني أستحاض؛ فقال لها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، وإن قويت عليهما فأنت أعلم، تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أن قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثا وعشرين ليلة أو أربعا وعشرين ليلة وأيامها وصومي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كل شهر، كما تحيض النساء وكما يطهرن، لميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت عليه أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر، فافعلي وصومي إن قدرت على ذلك» . قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وهذا أعجب الأمرين إلي» . اهـ.
ثم أشد ما قيل في المستحاضة أنها تغتسل لكل صلاة، تمسكا بما تقدم من الأمر بذلك لأم حبيبة، وأختها زينب.
ويحكى هذا رواية عن أحمد، وهو قول طائفة من الصحابة، والتابعين، وإحدى الروايتين عن علي، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (ثم) الاغتسال لوقت كل صلاة، (ثم) لكل
صلاتي جمع في وقت الثانية و [للصبح] قاله بعض التابعين.
339 - لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أن سهلة بنت سهيل بن عمرو استحيضت، فأتت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسألته عن ذلك، فأمرها بالغسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل» ، رواه أحمد، وأبو داود (ثم) لكل يوم مرة.
روي ذلك عن ابن عمر، وأنس، وهو إحدى الروايتين عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وقول بعض التابعين.
340 - وقد جاء في حديث رواه البيهقي «في قصة المستحاضة قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ثم تغتسل في كل يوم عند كل طهر وتصلي» . والجمهور على ما تقدم [أولا] نعم يستحب ذلك لا أنه واجب.
والله أعلم.