شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 362-401
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الوصايا

صفحات 362-401
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ش: الوصايا جمع وصية، كالعطايا جمع عطية، قال الأزهري: سميت الوصية وصية لأن الميت لما أوصى وصل ما كان فيه من أيام حياته، بما بعده من أيام مماته، والأصل فيها قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180] . 2222 - وعن عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه، إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه» رواه الجماعة.
2223 - وعن أبي الدرداء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم، عند وفاتكم زيادة في حسناتكم، ليجعلها لكم زيادة في أعمالكم» رواه الدارقطني.

الوصية للوارث

قال: ولا وصية لوارث إلا أن يجيز ذلك الورثة.
2224 - ش: عن أبي أمامة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» رواه الخمسة إلا النسائي، وحسنه الترمذي.

2225 - وعن عمرو بن خارجة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مثله، رواه الخمسة إلا أبا داود، وصححه الترمذي.
2226 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة» . 2227 - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة» رواهما الدارقطني.

وقول الخرقي: ولا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة.
ظاهره أن الوصية صحيحة، موقوفة على إجازة الورثة، فتكون إجازتهم تنفيذا، وهذا هو المشهور المنصور في المذهب، حتى إن القاضي في التعليق، وأبا الخطاب في خلافه الصغير، وأبا البركات، وجماعة لم يذكروا في المسألة خلافا، اعتمادا على حديثي ابن عباس وعبد الله بن عمرو، فإن مقتضاهما أن الوصية للوارث صحيحة، إذا أجازت الورثة، (وعنه) ما يدل على أن الوصية باطلة، أخذا من إطلاقه في رواية حنبل: لا وصية لوارث.
وفيه نظر، فإذا إجازة الورثة ابتداء عطية، اعتمادا على أن

الصحيح في الرواية كما تقدم «لا وصية لوارث» وظاهره نفي الوصية مطلقا، وللخلاف فوائد، (منها) إذا قلنا: إنها تنفيذ.
لزمت بدون القبول والقبض، وإن اعتبرنا القبض في الهبة، وتصح مع جهالة المجاز، ومع كون المجاز وقفا على المجيز، وإن قلنا: وقف الإنسان على نفسه لا يصح.
ولو كان المجاز عتقا، كما لو تأخر العتق عن وصايا استغرقت الثلث، وقلنا: يبدأ بالأول فالأول على المذهب.
فإن ولاءه للموصي؛ لأنه المعتق، فتختص به عصبته، ولو كان المجيز والد المجاز له، كما لو وهب ثلث ماله، ثم وصى لأخيه بماله، فأجاز ذلك الأب، لم يكن له الرجوع في المجاز به؛ لأنه ليس بهبة منه، وهو إنما يرجع فيما وهبه لولده، ولو جاوز المجاز الثلث زاحم ما لم يجاوزه، كما لو كان ثلثه مثلا خمسين، فأوصى لرجل بمائة درهم، ولآخر بخمسين، ولآخر بخمسين، وأجاز الورثة الجميع، فإن المال - وهو المائة وخمسون - يقسم بينهم أرباعا، لأن الوصية صحت في الجميع.
وعلى الرواية الأخرى تنعكس هذه الأحكام، فلا بد من القبول والقبض في المجاز، حيث اعتبرنا القبض في الهبة،

لافتقارها إليهما، ويشترط كون المجاز معلوما، إذ العلم شرط في صحة الهبة، ولو كان المجاز وقفا على المجيز، كما لو وقف داره على ورثته، وهما ابناه، فأجازا ذلك، لم يصح إن لم يصح وقف الإنسان على نفسه، لأن الوقف حصل منهما، ولو كان المجاز عتقا كان ولاؤه للمجيز؛ لأنه المعتق حقيقة لا للموصي، ولو كان المجيز والد المجاز له، جاز له الرجوع فيما أجازه له؛ لأنه هبة منه، ولو جاوز المجاز الثلث لم يزاحم ما لم يجاوزه، ففي الصورة التي ذكرناها ثم، يقسم المال بين المجاز لهم أثلاثا، لأن لصاحب المائة منها خمسون، والخمسون الزائدة على الثلث هبة مبتدأة من المجيزين، ولم يحصل لهم شيء يهبونه، وقد يقال: إن عدم المزاحمة إنما هو في الثلثين، لأن الهبة تختص بهما، والمجيز يشرك بينهما فيهما، أما الثلث فيقسم بينهم على قدر أنصابهم.
وعلى الروايتين يعتبر إجازة المجيز في مرضه من ثلثه، أما على الرواية الثانية فواضح، وأما على الأولى فلأنه تمكن من أخذ المال، وقد وجد سببه في حقه، فتسببه في إسقاطه بمنزلة

تلفه، أشبه ما لو حاباه في بيع له فيه خيار، ثم أجازه في مرضه، فإن محاباته تعتبر من الثلث.
واعلم أنه يستثنى من كلام الخرقي الوصية بالوقف على الوارث، فإنه يلزم في الثلث فما دون، على رواية وقد تقدمت، والله أعلم.

الوصية لغير الوارث بأكثر من الثلث

قال: ومن أوصى لغير وارث بأكثر من الثلث، فأجاز ذلك الورثة بعد موت الموصي جاز، وإن لم يجيزوا رد إلى الثلث.
ش: لا تجوز الوصية لوارث مطلقا، [لما تقدم] ، ولا لأجنبي بزائد على الثلث.
2228 - لما روي «عن سعد بن أبي وقاص قال: جاءني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعودني من وجع اشتد به، فقلت: يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا» قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: «لا» قلت: فالثلث؟ قال: «الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» رواه الجماعة، فإن خالف ووصى للأجنبي بأكثر من الثلث، وأجاز ذلك الورثة نفذ، لأن

الحق لهم لا يعدوهم، وهل إجازتهم تنفيذ - بناء على أن الوصية صحيحة - أو ابتداء عطية - بناء على أنها باطلة؟ على ما تقدم من الخلاف في التي قبلها، وإن لم يجيزوا صح الثلث فقط، لما تقدم من حديث سعد، وحديث أبي الدرداء: «إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم» الحديث، وشرط نفوذ إجازتهم وردهم أن يكون بعد موت الموصي، لأن الحق إنما يثبت لهم إذا، أما قبل ذلك فلا عبرة بذلك؛ لأنه تصرف في الحق قبل ثبوته.
قال: ومن أوصي له وهو في الظاهر وارث، فلم يمت الموصي حتى صار الموصى له غير وارث فالوصية له ثابتة، لأن اعتبار الوصية بالموت.
ش: إذا أوصى لشخص في الظاهر أنه وارث - كما إذا أوصى لأحد أخويه من أبويه ثم تجدد له ولد - فإن الوصية والحال هذه صحيحة ثابتة، لأن الأخ عند الموت غير وارث، والاعتبار في الوصية بالموت؛ لأنه الحال الذي يحصل به الانتقال إلى الوارث، والموصى له، وقد فهم من تعليل الخرقي عكس هذه الصورة وهو ما إذا أوصى لغير وارث، فصار عند الموت وارثا، كما إذا أوصى لأحد أخويه وله ابن، ثم مات الابن قبل أبيه، فإنا تبينا أن الوصية

لوارث، فلا تكون ثابتة، بل تقف على الإجازة لما تقدم.

ما تبطل به الوصية

قال: وإن مات الموصى له قبل موت الموصي بطلت الوصية.
ش: لأن الوصية عطية بعد الموت، وقد صادفت المعطى ميتا فلم تصح، كما لو وهب لميت، وقد فهم من هذا أن الوصية لا تصح لميت، [وهو صحيح] لأنه ليس بأهل للملك، أشبه البهيمة.

قال: وإن رد الموصى له الوصية بعد موت الموصي بطلت الوصية.
ش: لأنه أسقط ما له أخذه فيسقط، كما لو عفى عن شفعته بعد البيع، ومراد الخرقي - والله أعلم - إذا كان الرد

قبل القبول، أما لو كان بعد القبول والقبض فإن الرد لا يصح، والوصية بحالها، لاستقرار ملكه عليها، وكذلك لو كان بعد القبول وقبل القبض، على ظاهر كلام جماعة من الأصحاب وأورده أبو البركات مذهبا، وقال أبو محمد في المغني: إن كان الموصى به مكيلا، أو موزونا صح الرد وبطلت الوصية، لعدم استقرار الملك، وإن كان غيرهما ففي صحة الرد وعدمه قولان، بناء على اعتبار القبض في ذلك وعدمه، وقد فهم من كلام الخرقي أنه لو وجد الرد قبل الموت لم يصح ولم يعتبر، وهو صحيح، إذ الحق إنما يثبت له بالموت، والله أعلم.

قال: وإن مات قبل أن يقبل [أو يرد] قام وارثه في ذلك مقامه، إذا كان موته بعد موت الموصي.
ش: إذا مات الموصى له قبل أن يقبل أو يرد قام وارثه في الرد والقبول مقامه، في إحدى الروايتين، نقله عنه صالح، واختاره الخرقي، لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «من ترك حقا فلورثته» والقبول حق للمورث، فثبت للوارث، كبقية الحقوق، (والرواية الثانية) لا يقوم الوارث مقامه، ويبطل

حقه من القبول عليها، نقلها عبد الله، وابن منصور، واختارها ابن حامد، والقاضي، والشريف، وأبو الخطاب، والشيرازي، وغيرهم؛ لأنه عقد يفتقر إلى القبول، فإذا مات من له القبول قبله بطل العقد كالهبة، ولأنه خيار لا يعتاض عنه، أشبه خيار الشفعة، وخياري الشرط والمجلس على المذهب، ولهذا قال القاضي: إن هذا قياس المذهب.
وحكى الشريف، وأبو الخطاب وجها أنها تنتقل والحال هذه إلى الوارث بلا قبول، نظرا - والله أعلم - بأن القبول لما تعذر ممن له الإيجاب سقط اعتباره، لمكان العذر، كما لو كانت الوصية للمساكين.
وقول الخرقي: إذا كان موته بعد موت الموصي.
احترازا مما إذا كان موته قبل موت الموصي وقد تقدم، وقد أشعر كلامه بأن الوصية والحال هذه لا تملك إلا بالقبول، ولا خلاف نعلمه عندنا في ذلك، إذا كانت لآدمي معين، [إلا الوجه المحكي قبل، وذلك لأنها هبة بعد الموت، فافتقرت إلى القبول كالهبة في الحياة، قال أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الهبة والوصية واحد.
ولو كانت الوصية لآدمي غير معين] كالمساكين، أو لغير آدمي كالمساجد، فلا قبول إناطة بالعذر.

وربما أشعر كلامه أيضا بأن القبول لا تشترط الفورية فيه، بل يصح وإن تراخى، وهو صحيح، والله أعلم.

حكم من أوصى له بسهم من ماله

قال: وإذا أوصى له بسهم من ماله أعطي السدس، وعن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ - رواية أخرى: يعطى سهما مما تصح منه الفريضة.
ش: الرواية الأولى اختيار القاضي، وأصحابه الشريف، وأبي الخطاب، وابن عقيل، والشيرازي وغيرهم.
2229 - لأن ذلك يروى عن علي، وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ولم يعرف لهما مخالف من الصحابة.
2230 - ويروى عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن رجلا أوصى لرجل بسهم من المال، فأعطاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السدس» .

2231 - وعن إياس بن معاوية: السهم في كلام العرب السدس.
فعلى هذا يعطى سدسا كاملا، إن لم تكمل فروض المسألة، وإن كملت أعيلت به، وإن عالت أعيل معها، قال أحمد في رواية حرب، وابن منصور: له السدس إلا أن تعول الفريضة، فيعطى سهما من العول.
والرواية الثانية ظاهر كلام الإمام في رواية الأثرم، وأبي طالب، لأن «سهما» ينصرف إلى سهام فريضته، أشبه ما لو قال: فريضتي كذا وكذا سهما، لك منها سهم.
وعلى هذا يعطى سهما مما تصح منه الفريضة، مضافا إليها، وعن أحمد (رواية ثالثة) اختارها الخلال وصاحبه: له مثل

ما لأقل الورثة، والأقل منها هو اليقين، ثم إن أبا البركات وجماعة من أصحابه على إطلاق هاتين الروايتين، نظرا لإطلاق الإمام، وقيدهما أبو محمد - متابعة للقاضي - بأن لا يزيد السهم أو النصيب على السدس، فإن زاد عليه ردا إليه.
ولنذكر أمثلة تتضح بها المسألة، فلو مات رجل وخلف أما وبنتين، وأوصى بسهم من ماله، فعلى الرواية الأولى تكمل به المسألة، إذ مسألتهم أصلها من ستة، ترجع بالرد إلى خمسة، فيزاد إليها السهم الموصى به وهو السدس، فتصير من ستة، وكذلك على الثانية والثالثة، ولو كانت المسألة أما وأختا، فهي من خمسة، للأم الثلث سهمان،

وللأخت النصف ثلاثة، فيضاف إليها السدس على الأولى، فتكمل المسألة، وكذا على الثانية، وعلى الثالثة يضاف إليها مثل نصيب الأم؛ لأنه أقل نصيب وارث له إذا فتصير من سبعة، وعلى رأي القاضي يكون له السدس، لأن النصيب زاد عليه، ولو كانت المسألة ابنتان وأبوان، فهي من ستة، وتعول بالسهم الموصى به إلى سبعة، على الروايات الثلاث [ولو كانت المسألة أختان لأبوين، وأختان لأم، وأم، فأصلها من ستة، وتعول إلى سبعة، وتعول بالسهم الموصى به إلى ثمانية، على الروايات الثلاث] أيضا، ولو كانت المسألة ثلاث أخوات لأبوين، وأخوان وأختان لأم، وأم، فهي من ستة، وتعول إلى سبعة أيضا، فعلى الرواية الأولى تعول بالسهم الموصى به وهو السدس إلى ثمانية، وتصح من ثمانية وأربعين، للأخوات للأبوين أربعة وعشرون، وللأخوة والأخوات للأم اثنا عشر، وللأم ستة، وللموصى له ستة، وعلى الثانية تصح المسألة من اثنين وأربعين، يزاد إليها السهم، فتصير من ثلاثة وأربعين،

وعلى الثالثة تصح أيضا من اثنين وأربعين، يزاد إليها أقل أنصباء الورثة، وهو سهمان، فتصير من أربعة وأربعين، ولو كانت المسألة زوجا وابنا، فعلى الرواية الأولى تصح من اثني عشر، للزوج ثلاثة، وللموصى له بالسهم اثنان، والباقي للابن، وكذلك على رأي القاضي على الروايتين الأخيرتين، وعلى رأي المطلقين تصح من خمسة، والله أعلم.

الحكم لو أوصى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يسمه

قال: وإذا أوصى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يسمه، كان له مثل ما لأقلهم نصيبا.
ش: لأن الأقل هو المتيقن، وما زاد مشكوك فيه.
قال: كأن أوصى له بمثل نصيب أحد ورثته، وهم ابن، وأربع زوجات، فتكون صحيحة من اثنين وثلاثين سهما، للزوجات الثمن، وهو أربعة، وما بقي فللابن، فزد في سهمان الفريضة مثل حظ امرأة من نسائه، فتصير الفريضة من ثلاثة وثلاثين سهما، للموصى له سهم، ولكل امرأة سهم، وما بقي فللابن.
ش: هذا مثال للمسألة، وهو واف بالمقصود، وإنما صحت المسألة من اثنين وثلاثين، لأن أصلها من ثمانية، للزوجات

الثمن، وهو واحد، غير صحيح عليهن، فتضرب أربعة في ثمانية، فتصير من اثنين وثلاثين، ثم تعمل كما ذكره الخرقي، - رَحِمَهُ اللَّهُ - ولو كانت المسألة زوجا وأبوين وابنا، صحت من اثني عشر، للزوج الربع، ولكل واحد من الأبوين السدس اثنان، والباقي للابن، فتزيد عليها مثل نصيب أقل الورثة، وهو أحد الأبوين، فتصير من أربعة عشر، هذا إن اختلفت أنصباء الورثة، فإن اتفقت كان له مثل نصيب أحدهم، فإذا خلف ثلاثة بنين، فمسألتهم من ثلاثة، فتزيد عليها مثل نصيب أحدهم، فتصير من أربعة، ولو سمى الوارث فسيأتي إن شاء الله تعالى، ولو قال: مثل نصيب أكثر ورثتي.
كان له مثل نصيب ذلك الوارث، مضافا إلى المسألة، ففي مثال الخرقي يكون له ثمانية وعشرون سهما، لأنها أكثر نصيب وارث وهو الابن، فتضاف إلى المسألة، فتصير من ستين، وفي الثانية يكون له خمسة، فتصير المسألة من سبعة عشر، ولو كانت الوصية بنصيب وارث معين له كابنه مثلا، ولم يقل: بمثل نصيبه.
فهل يصح ويجعل كما لو صرح بالمثلية؟ وبه قطع القاضي في الجامع الصغير، والشريف، وأبو الخطاب في خلافيهما، والشيرازي، ومال إليه الشيخان، محافظة على تصحيح كلام المكلف بحمله على حذف مضاف، وهو المثل، أو لا يصح؟ وعزاه أبو

محمد إلى القاضي، وأظنه قاله في المجرد، نظرا إلى الحقيقة، وإذا لا يصح لأن نصيب الوارث ليس له التصرف فيه، والله أعلم.

قال: وإذا خلف ثلاثة بنين، وأوصى لآخر بمثل نصيب أحدهم، كان للموصى له الربع.
ش: لأن له مثل نصيب أحدهم مضافا إلى المسألة؛ لأنه جعل الوارث أصلا، وجعل للموصى له مثله، فاقتضى أن يساويه ولا يزيد عليه، ولو كان البنون أربعة، كان للموصى له الخمس، وعلى هذا، فلو خلف ابنين وأوصى لاثنين بمثل نصيبهما كانت المسألة من أربعة، والله أعلم.

الحكم فيمن أوصى بعدة وصايا والمال لا يكفي

قال: وإذا أوصى لزيد بنصف ماله، ولعمرو بربع ماله، ولم تجز الورثة، فالثلث بينهما على ثلاثة أسهم، لعمرو سهم، ولزيد سهمان.
ش: قد تقدم أن للإنسان أن يوصي بالثلث لغير الوارث، وما زاد على ذلك يقف على إجازة الورثة، فإذا أوصى لزيد بنصف ماله، ولعمرو بربعه، وخلف ابنين فأجازا، فأصل المسألة من أربعة، وتصح من ثمانية، لزيد النصف أربعة،

ولعمرو الربع اثنان.
ولكل ابن واحد، وإن ردا أخذت النصف والربع ثلاثة، من مخرجهما وهو أربعة، وتجعل الثلاثة ثلث المال، فتصير المسألة من تسعة، وإنما قسم الثلث بينهما على قدر نصيبهما لأن الموصي فاضل بينهما فلم يسو بينهما، كالوصية بثلث وربع، وهذا لأن على قاعدتنا أن الوصية صحيحة، فالمتبع فيها لفظ الموصي، ويخرج على قول لنا - أن الوصية بما زاد على الثلث باطلة - أن الموصى له بالنصف لا يضرب بأكثر من الثلث، لبطلان الزائد على ذلك، وهو قول الحنفية، وإذا يؤخذ الثلث والربع من مخرجهما اثني عشر، وذلك سبعة، فيجعل ثلث المال، فتكون المسألة من أحد وعشرين، وعلى هذا فقس، والله أعلم.

قال: وإذا أوصى لولد فلان فهو للذكر والأنثى بالسوية.
ش: قد حكي الاتفاق على ذلك، إذ الاسم يشمل الجميع، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: 91] نفى الذكر والأنثى جميعا، ويدخل الخنثى أيضا في ذلك؛ لأنه ولد، ولا يدخل ولد بناته اتفاقا، وهل يدخل فيه ولد بنيه؟ فيه روايتان.

قال: وإن قال لبنيه.
كان للذكور دون الإناث.
ش: أي لبني فلان أو لبني، لاختصاص الاسم بهم دون الإناث، قال سبحانه: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: 153] وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف: 16] وقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: 14] وهذا إذا لم يكونوا قبيلة، فإن كانوا قبيلة - كما إذا أوصى لولد هاشم، أو بني تميم - دخل فيه الذكر والأنثى، والخنثى، لأن ذلك اسم للقبيلة ذكرها وأنثاها، قال تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: 40] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] وقال: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: 26] ولا يدخل فيه ولد بناتهم من غيرهم، لأنهم لا ينسبون إليهم.

الوصية بالحمل وللحمل

قال: والوصية بالحمل وللحمل جائزة، إذا أتت به لأقل من ستة أشهر منذ تكلم بالوصية.
ش: أما الوصية بالحمل فجائزة إذا كان مملوكا وعلم وجوده، أو حكم به حال الوصية، كما سيأتي بيانه إن شاء

الله تعالى، إذ غايته أنه غرر، وذلك لا يمنع صحة الوصية كعتقه، وذلك لأن نهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الغرر مختص بالبيع، وما في معناه، حذارا من أكل مال الغير بالباطل.
واشترط كونه مملوكا لأن الوصية بملك الغير باطلة، واشترط العلم أو الحكم بوجوده، وإلا لاحتمل حدوثه، فلا تتعلق الوصية به، نعم لو وصى بما تحمل جاريته ونحوها صحت، لأن لفظه مستقبل.
وأما الوصية للحمل فجائزة أيضا، قياسا على إرثه، بجامع انتقال المال من الإنسان بعد موته بغير عوض، بل أولى، لصحتها للمخالف في الدين والعبد، بخلاف الإرث، وشرط صحتها أن تضعه لأقل من ستة أشهر من حين الوصية، ليعلم وجوده حال الوصية، إذ التمليك لا يصح لمعدوم، كذا قال الجمهور، ومنهم أبو محمد في الكافي، وفي المغني قيده بأن تضعه لستة أشهر فما دون، وليس بجيد، لأنها إذا وضعته لستة أشهر احتمل حدوثه حال الوصية، فلم تصادف الوصية موجودا يقينا، وقد انعكس ذلك على ابن المنجا - رَحِمَهُ اللَّهُ - تعالى فقال: لا بد من ذكر ستة أشهر، معتمدا على ما في المغني، ومعللا بأنها إذا

وضعته لستة أشهر علم وجوده حال الوصية، وقد تقدم رده.
انتهى، أما إن وضعته لأكثر من ذلك لم تصح الوصية له على مقتضى كلام الخرقي، وأورده أبو البركات مذهبا؛ لأنه لا يعلم وجوده حال الوصية، وسبب الانتقال إلى الورثة قد وجد يقينا، فلا يزول عنهم بالشك والاحتمال، وقيل: إن وضعته لزوج أو سيد ولم يلحقهما نسبه إلا بتقدير وطء قبل الوصية صحت؛ لأنه والحال هذه قد حكم بوجوده ظاهرا حال الوصية، إذ حال المسلم إنما يحمل على الصلاح، وإلا فلا لما تقدم، وهذا الذي قطع به أبو محمد في الكافي والمغني، لكنه لم يفصح بتنقيح الحكم.
واعلم أن من شرط الوصية بالحمل وللحمل أن تضعه حيا، إذ الميت لا يصح تملكه ولا تمليكه، والله أعلم.

قال: وإذا أوصى بجارية لبشر، ثم أوصى بها لبكر، فهي بينهما.
ش: لأن الأصل بقاء وصية الأول، فالظاهر أنه يسوي بينهما في الاستحقاق، فإذا تقسم العين بينهما مع وجودهما،

لاستوائهما في سبب الحق، ويختص بها أحدهما مع موت الآخر، لزوال المزاحمة، والله أعلم.

قال: وإن قال: ما أوصيت به لبشر فهو لبكر.
كانت لبكر.
ش: لأن هذا دليل على الرجوع في وصية الأول، والوصية بها للثاني، فعمل على مقتضاه، بخلاف التي قبلها، فإنه يحتمل الرجوع والاشتراك في الاستحقاق، والأصل عدم الرجوع.
وقد تضمن هذا صحة الرجوع في الوصية، وهو إجماع إلا في الرجوع بالوصية بالعتق، فإن في الرجوع فيه خلافا ومذهبنا جوازه، والله أعلم.

قال: ومن كتب وصيته ولم يشهد فيها حكم بها، ما لم يعلم رجوعه عنها.
ش: إذا كتب وصيته ولم يشهد فيها، وعرف خطه، فإنه ينفذ ما فيها، ما لم يعلم رجوعه عنها، نص عليه أحمد، واعتمده الأصحاب، لما تقدم من حديث عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين، وله شيء يريد أن يوصي فيه، إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه» وظاهره إفادة الكتابة وإن لم يشهد بما فيها، ولأن ذلك طريق يغلب على الظن صحة الوصية، أشبه الشهادة بها، وخرج ابن عقيل، وأبو البركات رواية بعدم الصحة، أخذا من قوله فيمن كتب وصيته وختمها وقال: اشهدوا بما فهيا.
أنه لا يصح، وقد يفرق بأن الشهادة شرطها أن تقع على العلم، وما في الوصية والحال هذه غير معلوم، فلا تصح الوصية به، أما لو وقعت الوصية على أنه وصى فليس في نص الإمام ما يمنعه، ثم بعد ذلك يعمل بالخط بشرطه، ولهذا قال ابن حمدان: ومن وجدت وصيته بخطه صحت، نص عليه، وقيل: لا.
فلو ختمها وأشهد بما فيها لم يصح، نص عليه، وقيل: بلى.
انتهى، أما إن عين للشاهد ما فيها فلا إشكال في صحة ذلك، والعمل عليه، ما لم يعلم الرجوع عنها.
والله أعلم.

الوصية في مرض الموت

قال: وما أعطى في مرضه الذي مات فيه فهو من الثلث.
ش: ما أعطى في مرضه الذي مات فيه - من عتق، وهبة مقبوضة، ومحاباة، وصدقة، ووقف، وإبراء - فهو من

الثلث، لما تقدم في حديث أبي الدرداء «إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم» الحديث، مفهومه المنع مما زاد على الثلث.
2232 - وفي مسلم وغيره عن عمران بن حصين «أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة» وشرط المرض أن يكون مخوفا، قاطعا بصاحبه، كذات الجنب، والرعاف الدائم، والقيام المتدارك ونحوها، فإن كان غير مخوف كالرمد، ووجع ضرس، والصداع، ونحوه، فحكمه حكم الصحيح، عطيته من رأس المال، وإن اتصل به الموت، وكذلك إن كان مخوفا، لكنه لم يقطع بصاحبه، كالجذام، والسل في ابتدائه، ونحوهما على الصحيح من

الروايتين وقد تضمن كلام الخرقي أن عطية الصحيح من رأس ماله، ولا نزاع في ذلك، والله أعلم.

قال: وكذلك الحامل إذا صار لها ستة أشهر.
ش: يعني تكون عطيتها من الثلث لدخولها في شهور ولادتها، ووجود الخوف عليها، والمشهور من الروايتين أنها لا تصير عطيتها من الثلث إلا إذا ضربها المخاض، لأنها إذا يتحقق الخوف عليها، بخلاف ما قبل ذلك، والله أعلم.

وصية الصبي المميز

قال: ومن جاوز العشر سنين فوصيته جائزة إذا وافق الحق.
ش: تصح وصية من لم يبلغ على المذهب المنصوص.
2233 - لما روي أن صبيا من غسان، له عشر سنين، أوصى لأخوال له، فرفع ذلك إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فأجاز وصيته.
رواه سعيد.

2234 - وروى مالك في موطئه عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، أن عمرو بن سليم أخبره أنه قيل لعمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إن هاهنا غلاما يفاعا، لم يحتلم، وورثته بالشام، وهو ذو مال، وليس له هاهنا إلا ابنة عم له، فقال عمر: فليوص لها.
فأوصى لها بمال يقال له: «بئر جشم» ، قال عمرو بن سليم فبعت ذلك بثلاثين ألفا، وابنة عمه التي أوصى هي أم عمرو بن سليم، قال أبو بكر: وكان الغلام ابن عشر، أو اثنتي عشرة سنة، وهذه قضية في مظنة

الشهرة، ولأنه تصرف تمحض نفعا للصبي، من غير ضرر يلحقه عاجلا ولا آجلا، أشبه صلاته وإسلامه، وبهذا فارق الهبة لأن الضرر قد يلحق بها في الآجل.
وفي المذهب وجه آخر: لا تصح وصيته حتى يبلغ؛ لأنه تبرع بالمال، أشبه هبته، وعلى المذهب، فلا بد أن يكون مميزا، إذ غير المميز في معنى المجنون، فلا عبرة بكلامه، ثم من الأصحاب من لم يقيد ذلك بسن، كالقاضي وأبي الخطاب، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد في رواية الميموني، ومنهم من قيده بعشر، كالخرقي، وابن أبي موسى، وأبي بكر فيما حكاه عنه الشريف، نظرا لمنصوص أحمد في رواية حنبل وصالح، فإنه قيد الغلام بعشر، والجارية بتسع، اعتمادا على قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال الشريف، ومن الأصحاب من قيده بسبع وهو رواية أخرى عن أحمد، وحكى ابن المنذر عن الإمام التقييد باثنتي عشرة سنة.

وقول الخرقي: إذا وافق الحق.
قيد في جميع الوصايا، وإن كانت من بالغ، وإنما نص على ذلك هنا اتباعا لمنصوصات الإمام، وذلك لأنه في مظنة مخالفة الحق، بخلاف البالغ، والله أعلم.

قال: ومن أوصى لأهل قرية، لم يعط من فيها من الكفار إلا أن يذكرهم.
ش: يعني والله أعلم من المسلمين، نظرا إلى أن حال المسلم يقتضي بر المسلم، ومنع الكافر، والعام كثيرا ما يطلق ويراد به الخصوص، وقد قام دليل ذلك وهو قرينة الحال، فعلى هذا لا يعطى من فيها من الكفار، وظاهر كلام الخرقي وجماعة أنهم لا يعطون وإن لم يكن فيها إلا مسلم واحد، لجواز إطلاق العام، وإرادة الواحد، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: 173] أريد به واحد، ومال أبو محمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى أنهم يعطون، نظرا إلى أن إطلاق العام وإرادة واحد قليل، مع ما انضم إلى ذلك من مخالفة العموم.

ولا نزاع في دخول الكفار، إذا صرح بذلك، إذ لا اعتبار لمقتضى الحال مع التصريح بخلافه، وكذلك لو تعذر الحمل على الخصوص، كما إذا لم يكن في القرية مسلم أصلا، وحكم الكافر إذا أوصى لأهل قريته كذلك، في أنه يدخل كافرها الموافق له في دينه، وفي دخول كافرها المخالف له في دينه احتمالان، ولا يدخل مسلمها لما تقدم، وقيل: يدخل، حذارا من كون الإسلام سببا للمنع من غير نص يمنعه، والله أعلم.

الوصية بجميع المال

قال: ومن أوصى بكل ماله - ولا عصبة له ولا مولى - فجائز، وعن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ - رواية أخرى: لا يجوز إلا الثلث.
ش: الرواية الأولى نص عليها في رواية المروذي [وحرب] ، واختارها القاضي، والشريف، وأبو الخطاب، والشيرازي، وأبو محمد، وغيرهم، لظاهر قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» علل المنع بخشية فقر الوارث، وهذا لا وارث له يخشى فقره.

2235 - واعتمد أحمد على أن ذلك يروى عن ابن مسعود.
(والثانية) : نص عليها في رواية ابن منصور.
2236 - معتمدا على أن ذلك قول زيد، ومعللا بأن بيت المال له عصبة، وهو مفهوم قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم» الحديث، قال أبو الخطاب في الانتصار: وهي صريحة في منع الرد، وتوريث ذوي الأرحام.
وقول الخرقي: ولا عصبة له ولا مولى.
تبع فيه لفظ أحمد في رواية المروذي: فإنه قال: إذا لم يكن له عصبة أو مولى فله أن يضع ماله حيث شاء.
وغيرهما يترجم المسألة: إذا

أوصى من لا وارث له.
لأن ذا الفرض يأخذ البعض بالفرض، والباقي بالرد، فهو كالعاصب، ولهذا منع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سعدا أن يوصي بأكثر من الثلث، نعم، إن كان ذو الفرض لا يرد عليه، - كالزوجين - جازت الوصية فيما زاد عن نصيبه على المذهب، والله أعلم.

قال: ومن أوصى لعبده بثلث ماله، فإن كان العبد يخرج من الثلث عتق، وما فضل من الثلث بعد عتقه فهو له، وإن لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث، إلا أن يجيز الورثة.
ش: إذا أوصى لعبده بثلث ماله صح، لأنها وصية تضمنت العتق بثلث ماله، فصحت كما لو صرح بذلك، ثم إن كان العبد يخرج من الثلث - كما إذا كان ثلثه مائة، وقيمة العبد مائة أو دونها - عتق، لأنه يملك من كل جزء من

المال ثلثا مشاعا، ومن جملة المال نفسه، فيملك ثلثها، وإذا يعتق ذلك الجزء، لتعذر ملك نفسه، ويسري إلى بقيته، كما لو أعتق بعض عبده؛ بل أولى، فإن فضل من الثلث بعد عتقه شيء فهو له، لأنه قد صار حرا وإن لم يخرج من الثلث، عتق منه بقدر الثلث، والباقي موقوف على إجازة الورثة، لما تقدم.
قيل: ومفهوم كلام الخرقي أنه لو أوصى له بمعين كمائة درهم، أو ثوب أنه لا يصح، وهو المشهور من الروايتين، ثم قال أبو محمد في الكافي: على رواية الصحة يشترى العبد من الوصية فيعتق، وما بقي فهو له، قلت: محافظة على تصحيح كلام المكلف ما أمكن، إذ تصحيح الوصية يستلزم ذلك، وإلا فكأنه وصى للورثة ببعض مالهم، ولا فائدة في ذلك، وبنى الشيرازي الروايتين على تمليك العبد إذا ملك، ثم قال: وعلى رواية الصحة تدفع المائة إليه، فإن باعه الورثة بعد ذلك فالمائة لهم، وتعليل أبي محمد في المغني يقرب من ذلك، والله أعلم.

قال: وإذا قال: أحد عبدي حر.
أقرع بينهما، فمن تقع عليه القرعة فهو حر إذا خرج من الثلث.
ش: القرعة لها مدخل في العتق، لما تقدم من حديث عمران

بن حصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فإذا قال: أحد عبدي أو عبيدي حر.
ولم يعينه، أقرعنا بينهم، إذ تعيين أحدهم ترجيح بلا مرجح، ثم من خرجت عليه القرعة فهو حر، إذ هذا فائدة القرعة، وشرط نفوذ عتقه أن يخرج من الثلث، لما تقدم من أن الإنسان ليس له أن يوصي بأكثر من ثلثه، وإن لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث، والباقي موقوف على إجازة الورثة والله أعلم.

قال: وإذا أوصى أن يشتري عبد زيد بخمسمائة فيعتق، فلم يبعه سيده، فالخمسمائة للورثة.
ش: لأنه قد تعذر إعمال الوصية فبطلت، كما لو مات الموصى له قبل موت الموصي، أورد الوصية، وإذا بطلت كان المال للورثة، وقول الخرقي: فلم يبعه سيده.
يشمل إذا لم يبعه مطلقا، أو لم يبعه بالخمسمائة، وفي معنى ذلك حيث تعذر شراؤه، إما بموته أو غير ذلك، والله أعلم.
قال: وإن اشتروه بأقل، فما فضل فهو للورثة.
ش: لأن مقصود الموصي العتق وقد حصل، وكما لو وكل في شرائه في حياته بثمن معين، فاشترى بدونه، فإن الفاضل له، كذلك هنا، وحكى في المغني احتمالا بأن الخمسمائة تكون لزيد، وفرق في المغني فقال: إن كان ثم قرينة تقتضي إرفاق سيده بالثمن - كما إذا كان صديقا له،

أو ذا حاجة، أو كان يعلم أن العبد يحصل بدون ذلك - فإن الثمن جميعه يدفع إلى السيد، كما لو صرح بذلك، وإن عدمت القرائن كان كما تقدم، والله أعلم.

قال: وإذا أوصى لرجل بعبد لا يملك غيره، وقيمته مائة ولآخر بثلث ماله، وملكه غير العبد مائتا درهم، فأجاز الورثة ذلك، فلمن أوصى له بالثلث ثلث المائتين، وربع العبد، ولمن أوصى له بالعبد ثلاثة أرباعه.
ش: إنما كان للموصى له بالثلث ثلث المائتين، لأن المائتين من ماله، وقد أوصى له بثلثه، فلا معارض له، فيستحق ثلثها، وإنما كان له ربع العبد، وللموصى له بالعبد ثلاثة أرباعه، لأن مقتضى وصية صاحب الثلث أن يكون له ثلث العبد، ومقتضى وصية صاحب العبد أن يكون له جميعه، فقد تضمنت الوصية قسمة العبد على أربعة أثلاث، وهو أربعة أرباع، وليس طرح وصية أحدهما بأولى من الأخرى، فيجعل الثلث ربعا كمسائل العول.

قال: وإن لم يجز ذلك الورثة فلمن أوصى له بالثلث سدس المائتين، وسدس العبد، لأن وصيته في الجميع، ولمن أوصى له بالعبد نصفه، لأن وصيته في العبد.
ش: إذا لم يجز الورثة ما تقدم، فقال الخرقي وجمهور الأصحاب: للموصى له بالثلث سدس المائتين، وسدس العبد، وللموصى له بالعبد نصفه، لأن الوصية ترجع في الرد إلى الثلث، وثلث المال - والحال هذه - مائة، والوصية مائتان، ثلث المال قدره مائة، والعبد قيمته مائة، نسبة الثلث الذي هو مائة، إلى الوصية التي هي مائتان بالنصف، فمن أوصى له بشيء رجع إلى نصفه، نظرا إلى مقتضى المسمى في الوصية، فللموصى له بالثلث سدس المائتين، لأنه نصف ثلثها، وسدس العبد، لأنه نصف ثلثه، واستحقاقه

الربع في الإجازة كان للمزاحمة العارضة، وقد زالت، وللموصي له بالعبد نصفه، لأن الوصية له بكله.
واختار أبو محمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن لصاحب الثلث خمس المائتين، وعشر العبد، ونصف عشره، ولصاحب العبد ربعه وخمسه، وخرجه أبو البركات وجها، لأن الموصى له بالعبد في الحقيقة إنما أوصى له بثلاثة أرباعه، لأنه أوصى لآخر بثلثه، والموصى له بثلثه، إنما أوصى له حقيقة بربعه، لأنه أوصى لآخر بكله، وإذا يقسم الثلث بينهما على ذلك، نظرا إلى مقتضى الوصية لو أمكن إعمالها بالإجازة، وعلى هذا يقسم الثلث بينهما على حسب مالهما في الإجازة، والذي لهما العبد وثلثا المائتين، مجموع ذلك مائة وستة وستون درهما، وثلثا درهم، نسبة الثلث إلى ذلك ثلاثة أخماسه، فمن له شيء في الإجازة، له ثلاثة أخماسه في الرد، فالموصى له بالثلث له ثلث المائتين، وهو ستة وستون درهما، وثلثا درهم، فيعطى ثلاثة أخماس ذلك، وهو أربعون درهما، وقدر ذلك خمس المائتين، وله من العبد ربعه، وقيمة ذلك خمسة وعشرون درهما، فله ثلاثة أخماسه، وهو خمسة عشر درهما، قدر ذلك من العبد عشره، ونصف عشره، وللموصى له بالعبد ثلاثة أرباعه،

وقيمة ذلك خمسة وسبعون درهما، ثلاثة أخماس ذلك خمسة وأربعون درهما، قدر ذلك من العبد ربعه وخمسه.
وطريقة العمل في ذلك على قول الأصحاب أن يجعل لكل واحد من أصل وصيته بقدر نسبة الثلث إلى مجموع الوصيتين، وعلى قول أبي محمد يجعل لكل واحد من الذي حصل له في حال الإجازة بقدر نسبة الثلث إلى مجموع ما حصل لهما فيها، وعلى هذا لو كانت الوصية بالنصف مكان الثلث، ففي حال الإجازة لصاحب النصف نصف المائتين، وثلث العبد، ولصاحب العبد ثلثاه، وفي حال الرد على قول الأصحاب مجموع الوصيتين مائتان وخمسون درهما، نسبة الثلث إلى ذلك خمسه فلكل واحد من أصل وصيته خمساها، فللموصى له بالنصف خمسا المائة، وهو أربعون درهما وخمس العبد، وقدره عشرون درهما، وللموصى له بالعبد خمساه، وهو أربعون درهما، وعلى قول أبي محمد إذا نسبت الثلث إلى مجموع ما يحصل لهما في الإجازة وهو مائتا درهم، كان النصف، فيكون لكل واحد نصف الذي يحصل له في الإجازة، فصاحب النصف يحصل له من المال المائة، فله نصفها، ويحصل له من العبد ثلثه، فله نصفه وهو السدس، وصاحب العبد يحصل له في الإجازة ثلثاه، فله نصف ذلك وهو الثلث، وعلى هذا فقس، والله أعلم.

قال: ومن أوصى لقرابته فهو للذكر والأنثى بالسوية، ولا يجاوز به أربعة آباء «، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي القربى» . ش: إذا أوصى لقرابته فهو للذكر والأنثى، لأن كليهما من قرابته، ويكون بينهما بالسوية، لأنه شرك بينهما فيه، أشبه ما لو أقر لهما، ويعطى الغني كالفقير، لدخوله في لفظ القرابة، ثم قيل - وهو احتمال لأبي محمد، وكلام ابن الزاغوني في الوجيز يقتضي أنه رواية - يشمل كل قريب له من جهة أبيه وأمه، نظرا لمقتضى اللفظ، إذ قرابته اسم جنس مضاف، فيشمل كل قريب له، والمنصوص عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنما يتناول أقاربه من جهة أمه بشرط أن يصلهم في حال حياته، إذ صلته لهم في حياته قرينة بره لهم بعد مماته، والمشهور عنه اختصاص هذا اللفظ بقرابته من جهة أبيه، لأن العرف في القرابة إذا أطلق إنما ينصرف لذلك، ولهذا - والله أعلم - لم يعط النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقاربه من جهة أمه من سهم ذوي القربى.
ثم على هذا (هل يشمل) ولده وولد أبيه وإن علا، اعتمادا على العموم.

2237 - ولما روى مسلم وغيره عن أنس قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ [آل عمران: 92] الآية قال أبو طلحة: يا رسول الله، أرى ربنا يسألنا من أموالنا، فأشهدك أني قد جعلت بيرحاء لله.
قال: «فاجعلها في قرابتك» فجعلها في حسان بن ثابت، وأبي بن كعب وبين حسان وأبي طلحة ثلاثة آباء، وبين أبي طلحة وأبي بن كعب ستة آباء» ، والظاهر أن جعله كان بحضرته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو بعلمه، وأيضا فقد دل على أن عرفهم ذلك.
(ولا يتجاوز) بها أربعة آباء، فإذا أوصى لقرابة زيد مثلا، أو وقف عليه تناول ولده، فزيد أب، وتناول أباه،

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل