شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 411-450
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطلاق

صفحات 411-450
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

التخريج، والذي رأيته في التعليق التفريق بين: أمرك بيدك.
تملك به ثلاثا، واختاري.
لا تملك به إلا واحدة، نعم نص مفرقا على أن: أمرك بيدك.
للتراخي، واختاري.
يختص المجلس، وعلى المذهب هو في يدها ما لم يفسخ الزوج ذلك أو يطأها، لقيام ما يدل على بطلان التوكيل نصا أو ظاهرا، وإذا لم تعلم المرأة بالفسخ فينبغي أن يبقى التوكيل في يدها في رواية، بناء على أن الوكيل لا ينعزل قبل علمه بالعزل.

قال: فإن قالت: قد اخترت نفسي.
فهي واحدة يملك بها الرجعة.
ش: يعني إذا قال لها: أمرك بيدك.
فقالت: اخترت نفسي.
فهي واحدة رجعية، لأن اختيارها لنفسها يحصل بواحدة، والأصل عدم ما زاد على ذلك، وهذا إذا لم تنو أكثر من واحدة، فإن نوت أكثر من واحدة وقع ما نوت، لأنها تملك الثلاث بالصريح، على ما سيأتي، فتملكها بالكناية كالزوج، والله أعلم.

قال: وإن طلقت نفسها ثلاثا، وقال: لم أجعل إليها إلا واحدة؛ لم يلتفت إلى قوله، والقضاء ما قضت.
ش: كذا نص عليه أحمد، وقال: لا تنفعه نيته.
2719 - وكذلك رواه البخاري في تأريخه عن عثمان، ويروى أيضا عن ابن عمر، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.

2720 - «وعن حماد بن زيد، أنه قال: قلت لأيوب: هل علمت أحدا قال في (أمرك بيديك) أنها ثلاث إلا الحسن؟ قال: لا؛ ثم قال: اللهم غفرا إلا ما حدثني قتادة، عن كثير مولى ابن سمرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ثلاث» قال أيوب: فلقيت كثيرا مولى ابن سمرة، فسألته فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته فقال: نسي» . رواه أبو داود والترمذي، والنسائي، وقال: هذا حديث منكر.
وعن البخاري أنه قال: إنما هو عن أبي هريرة موقوف، ولأنه اسم جنس مضاف، فيشمل الطلاق الثلاث، وهذا غير قانع، لأنه إنما يحسن مع الإطلاق، أما مع النية فالنية صالحة للتخصيص، فإذا العمدة ما تقدم، وقول أحمد: لا تنفعه نيته.
يؤيد ما يقوله الجماعة، من أن الكناية الظاهرة يقع بها ثلاث وإن نوى واحدة، وقد صرح أبو محمد هنا بأنه لا يدين انتهى، (وعن أحمد) : رواية أخرى أنه يرجع إلى نيته، كالرواية في الكنايات الظاهرة، وقد سبقت، ولا ريب أن المذهب عند الأصحاب الأول، والله أعلم.

قال: وكذلك الحكم إذا جعله في يد غيرها.
ش: يعني يكون في يده ما لم يفسخ أو يطأ، وله أن يطلق واحدة، وله أن يطلق ثلاثا، ولو نوى الزوج أقل من ذلك، على المذهب لما تقدم، والله أعلم.

قال: ولو خيرها فاختارت فراقه من وقتها وإلا فلا خيار لها.
ش: المذهب المنصوص والمعمول به أن خيار المخيرة على الفور، اتباعا لقضاء الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. 2721 - فعن سعيد بن المسيب أنه قال: قضى عمر وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - في الرجل يخير امرأته أن لها الخيار ما لم يفترقا، رواه النجاد.
2722 - وعن ابن عمر قال: ما دامت في مجلسها.
2723 - وعن ابن مسعود وجابر نحوه، ولم نعرف لهم مخالفا في

الصحابة، ولأنه خيار تمليك، فكان على الفور كخيار القبول، وخرج أبو الخطاب فيه قولا أنه على التراخي، من: أمرك بيدك.
وقد تقدم أن أبا البركات حكى عن أحمد أنه نص على التفرقة، فيبطل التخريج (فعلى الأول) هل يختص بالمجلس، ويكون كمجلس القبول في البيع، يبطل بالإعراض عنه، وهو اختيار القاضي والأكثرين، أو يكون على الفور، جوابا لكلامها، وهو ظاهر كلام الخرقي؟ على روايتين، وهذا كله مع الإطلاق، أما لو خيرها مدة، أو قال: اختاري متى شئت.
ونحو ذلك، فإنها تملك ذلك حسب ما جعله لها.
2724 - وقد «قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لما خيرها - «إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك» والله أعلم.

قال: وليس لها أن تختار أكثر من واحدة إلا أن يجعل إليها أكثر من ذلك.
ش: إذا خيرها وأطلق فليس لها أن تختار أكثر من واحدة.

2725 - قال أحمد: هذا قول ابن عمر وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وعمر وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ولأن: اختاري.
تفويض مطلق، فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم، وما زاد عليه فهو مشكوك فيه، فلا يثبت مع الشك، وهذا بخلاف: أمرك بيدك.
فإنه للعموم كما تقدم، وإن قيد ذلك بواحدة أو أكثر اتبع، ويكون في الواحدة تنصيص على مقتضى الإطلاق، وفي الثلاث والاثنتين من باب إطلاق المطلق، وإرادة العام مجازا، والله أعلم.

الحكم لو طلقها بلسانه واستثنى بقلبه

قال: وإذا طلقها بلسانه، واستثنى شيئا بقلبه، وقع الطلاق ولم ينفعه الاستثناء.
ش: إذا طلق زوجته بلسانه، كأن قال مثلا: أنت طالق ثلاثا.
واستثنى شيئا بقلبه، كأن نوى إلا واحدة، وقع الطلاق، ولم ينفعه الاستثناء، لأن العدد نص، والنية لا تقاومه، فلا يرتفع بالضعيف ما يثبت بالنص القاطع، واستعمال الثلاث بمعنى اثنتين استعمال للفظ في غير ما يصلح له.

وظاهر كلام الخرقي أنه لا ينفعه الاستثناء لا ظاهرا ولا باطنا، وهو اختيار الشيخين، إذ اللفظ غير صالح لما أراد، ومفهوم كلام أبي الخطاب أنه ينفعه باطنا، لأنه قال: لم يقبل في الحكم، (وقول الخرقي) : وإذا طلقها بلسانه.
قد يحترز عما إذا طلق نسوة واستثنى واحدة منهن بقلبه، ولهذا صورتان، (إحداهما) : أن يقول: نسائي الأربع طوالق.
ثم يستثنى بقلبه إلا واحدة، فهذه كمسألة الكتاب (الثانية) : أن يقول: نسائي طوالق ويستثني بقلبه إلا واحدة، فهذا ينفعه الاستثناء، لأن (نسائي) عام قابل للتخصيص، والنية صالحة لذلك، (وقوله) : واستثنى شيئا بقلبه.
يحترز عما إذا استثنى بلسانه، فإنه ينفعه ذلك، لورود ذلك في الكتاب والسنة، وكلام العرب، وعن أبي بكر: لا يصح الاستثناء في عدد الطلاق بحال، وليس بشيء، وعلى الأول يصح استثناء الأقل بلا نزاع، ولا يصح استثناء الكل بلا نزاع، وفي النصف والأكثر ثلاثة أقوال (ثالثها) : يصح في النصف دون الأكثر، وهو مقتضى قول الخرقي في الأقارير، والله أعلم.

الطلاق المضاف لوقت

قال: وإذا قال لها: أنت طالق في شهر كذا.
لم تطلق حتى تغيب شمس اليوم الذي يلي الشهر المشترط.
ش: ملخصة أنه إذا جعل زمنا طرفا لوقوع الطلاق، فإن الطلاق يقع في أول ذلك الظرف، لصلاحيته له، كما لو قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق.
فإنها تطلق إذا دخلت أول جزء منها، فإذا قال لزوجته: أنت طالق في شهر شعبان مثلا؛ فإنها تطلق إذا غربت شمس آخر يوم من رجب، لأن الشهر المشترط للطلاق يلي ذلك فبغروب شمس آخر يوم من رجب، دخل أول جزء من شعبان، وهو أول الظرف فتطلق، والله أعلم.

تعليق الطلاق على الطلاق

قال: وإذا قال لها: إذا طلقتك فأنت طالق.
فإذا طلقها لزمها اثنتان.
ش: إذا قال لزوجته المدخول بها: إذا طلقتك فأنت طالق؛ فقد علق طلاقها على طلاقها، فإذا طلقها طلقت طلقتين، طلقة بالمباشرة، وطلقة بوجود الشرط، وقوله: فإذا طلقها.
يشمل ما إذا باشرها بالطلاق، كما لو قال لها بعد التعليق: أنت طالق.
وما إذا علق طلاقها بعد التعليق على شرط، فوجد الشرط، كما إذا قال لها إذا طلقتك فأنت طالق.
ثم قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت الدار، فإنها تطلق طلقتين، طلقة بدخول الدار، وطلقة بالتعليق الأول، وهذا بخلاف ما لو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق.
ثم قال لها: إذا طلقتك فأنت طالق.
ثم دخلت الدار، فإنها لا تطلق

إلا طلقة واحدة بالتعليق الأول، وقاعدة ذلك أن التعليق مع وجود الشرط بمنزلة التنجيز، ففي الصورة الأولى التعليق، ووجود الشرط وجدا بعد التعليق السابق، فكان بمنزلة التنجيز، وفي الثانية لم يوجد بعد التعليق إلا الشرط، وهو أحد جزئي التنجيز، وليس بتنجيز، والله أعلم.

قال: ولو كانت غير مدخول بها لزمته واحدة.
ش: علم من هذا أن الصورة السابقة فيما إذا كانت مدخولا بها، وهذه فيما إذا كانت غير مدخول بها، فلا تطلق إلا واحدة بالطلاق الثاني، إذ به تبين، والبائن لا يلحقها طلاق، فلا يمكن إعمال الشرط الأول، والله أعلم.

قال: وإذا قال لها: إن لم أطلقك فأنت طالق.
ولم ينو وقتا، ولم يطلقها حتى مات أو ماتت، وقع الطلاق بها في آخر وقت الإمكان.
ش: «إن» المكسورة المخففة موضوعة للشرط، لا تدل على زمان إلا من حيث إن الفعل المعلق بها من ضرورته الزمان، فهي مطلقة في الزمان كله، لا تدل على فور ولا تراخ، ولا فرق بين الإثبات والنفي، فإذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق.
ولم ينو وقتا ولم يطلقها، فإنه لا يحنث بالتأخير، إذ الفعل ليس على الفور، فكل وقت يمكن أن يفعل ما حلف عليه، والوقت لم يفت، فإذا مات أحدهما علمنا حنثه حينئذ، لانتفاء إيقاع الطلاق بها بعد موت أحدهما، أما بعد موته فواضح، إذ الطلاق من جهته وقد تعذر، وأما بعد موتها فلانتفاء قابليتها

لوقوع الطلاق عليها، فإذا يتبين أن الطلاق وقع حيث لم يبق زمن يسع لأنت طالق، هذا هو المذهب بلا ريب (وعن أحمد) رواية أخرى أنه متى عزم على الترك بالكلية حنث حال عزمه، وهذا كله إن لم ينو وقتا، أما إن نوى وقتا، كأن قال: إن لم أطلقك فأنت طالق، ونوى اليوم، فإن اليمين تتعلق بذلك الوقت، بحيث إذا فات طلقت، إذ النية لها مدخل في تقييد المطلق، كما لها مدخل في تخصيص العام، وكذا لو قامت قرينة بفورية، كما لو قال لزوجته مثلا: ادخلي الدار اليوم.
فقالت: لا أدخل.
فقال: إن لم تدخلي فأنت طالق.
فإن يمينه تتقيد باليوم، لأن حاله تقتضي التقييد بذلك، والله أعلم.

قال: وإن قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق.
لزمها ثلاث إن كانت مدخولا بها.
ش: كلما تقتضي التكرار، قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: 38] ﴿مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ [المؤمنون: 44] فيقتضي تكرار الطلاق بتكرار الصفة، وهو عدم الطلاق، فإذا مضى بعد يمينه زمن يمكن أن يطلقها فيه ولم يطلقها، فقد وجد الشرط، فيقع بها طلقة، وتتبعها الثانية والثالثة، إن كانت مدخولا بها، ولما كان زمن وقوع الطلاق متصلا بتكلمه، غير منفصل عنه، قال: لزمها ثلاث، وإن كانت غير مدخول بها

طلقت واحدة لا غير، لأنها تبين بها، فلا يلحقها ما بعدها، والله أعلم.

قال: وإذا قال لها: أنت طالق إذا قدم فلان، فقدم به ميتا أو مكرها لم تطلق.
ش: هذا هو المذهب المشهور، والمختار للأصحاب من الروايتين، لأنه لم يقدم، وإنما قدم به، إذ الميت لم يوجد منه فعل أصلا، والمكره وإن وجد منه فعل، لكنه منسوب إلى من أكرهه، (والرواية الثانية) وهي اختيار أبي بكر في التنبيه: يحنث، لأن الفعل يصح نسبته إليه، ولذلك يقال: دخل الطعام البلد، وقال سبحانه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر: 71] وأجيب بأنه وإن نسب الفعل إليه، لكنه في الميت ونحوه على سبيل المجاز، والأصل الحقيقة، وفي المكره فالشارع ألغى ذلك، حيث قال: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» فالفعل من المكره مرفوع عنه، فلا ينسب إليه، وهذا كله مع عدم النية، أما مع النية فيحمل الكلام عليها بلا إشكال.
ومفهوم كلام الخرقي أنه متى قدم مختارا حنث الحالف، وهو كذلك، سواء علم باليمين أو جهلها، قال الخلال: قولا

واحدا، وقال ابن حامد: إن كان القادم لا يمتنع باليمين، كالسلطان والرجل الأجنبي فكذلك، لأنه إذا تعليق للطلاق على صفة، وإن كان ممن يمتنع من القدوم باليمين، كقرابة لها أو لأحدهما، أو غلام لأحدهما، فجهل اليمين، أو نسيها، خرج على ما إذا حلف على فعل نفسه، وفعل ناسيا أو جاهلا، لأنه إذا بمنزلة اليمين، واليمين يعذر فيها بالجهل والنسيان، قال أبو محمد: وينبغي على هذا القول أن تعتبر نية الحالف، فإن قصد باليمين منع القادم من القدوم كان يمينا، وإن قصد جعله صفة في الطلاق لم يكن يمينا، فلا يفرق بين علم القادم وجهله، وتعتبر قرائن أحواله أيضا، فإذا كان التعليق على قدوم غائب بعيد، يعلم أنه لا يعلم اليمين، أو على فعل صغير أو مجنون، أو ممن لا يمتنع بها، لا يكون يمينا، وإن كان التعليق على من يعلم بيمينه، ويمتنع من أجلها فهو يمين، ومتى أشكلت الحال قال: فينبغي أن يقع نظرا للفظ والله أعلم.

قال: وإذا قال لمدخول بها: أنت طالق، أنت طالق؛ لزمتها تطليقتان، إلا أن يكون أراد بالثانية إفهامها أن قد وقعت بها الأولى، فيلزمها تطليقة.
ش: أما لزوم التطليقتين لها إذا لم يرد بالثانية إفهاما، فنطرا لمقتضى اللفظ، إذ مقتضاه وقوع الطلاق، وقصد الإفهام صارف له ولم يوجد، فهو كالعام والمطلق، يعمل بهما ما لم يوجد مخصص مقيد، وأما لزوم واحدة لها فقط إذا نوى بالثانية

إفهام الزوجة أن الطلاق قد وقع عليها، فلا ريب فيه، لأنه لم يقصد بالثانية إنشاء الطلاق وإنما أراد الإخبار والبيان عما تقدم، ومثل ذلك لو قصد التأكيد، نعم يشترط أن لا يفصل بينهما بما لم تجر العادة به، إذ التوكيد تابع، فشرطه الاتصال كسائر التوابع، والله أعلم.

قال: وإن كانت غير مدخول بها بانت بالأولى، ولم يلزمها ما بعدها، لأنه ابتداء كلام.
ش: يعني أن الحكم السابق فيما إذا كانت مدخولا بها، أما إن كانت غير مدخول بها فقال لها: أنت طالق، أنت طالق.
فإنها تبين بالأولى، لانتفاء العدة عليها، فيصادفها قوله الثاني: أنت طالق.
بائنا والبائن لا يقع بها طلاق، ولا فرق أن ينوي بقوله الثاني الطلاق، أو يطلق لما تقدم، وقول الخرقي: لأنه ابتداء كلام.
يعني «أنت طالق» الثاني كلام مستقل، لا تعلق له بالأول، واحترز بالأول عن قوله لغير المدخول بها أنت طالق ثلاثا، ومن: أنت طالق وطالق وطالق، كما سيأتي، والله أعلم.

قال: وإذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق.
لزمتها الثلاث، لأنه نسق، وهو مثل قوله: أنت طالق ثلاثا.
ش: الواو لمطلق الجمع، أي التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، من غير إشعار بترتيب ولا معية، على المشهور

المعروف من قولي العلماء والأدباء، وأهل الأصول، حتى أن الفارسي حكى اتفاق أهل العربية عليه، ونص عليه سيبويه في بضعة عشر موضعا من كتابه، وعن ثعلب وابن درستويه، وقليل من الأدباء أنها للترتيب، وهو قول في مذهب الشافعي وأحمد واختاره جماعة من الشافعية، وقيل: إنه اختيار أبي بكر من أصحابنا، وحكاه ابن حمدان رواية عن الإمام أحمد وعزي أيضا إلى نص الشافعي، وتوجيه الخلاف، واستقصاؤه له محل آخر، (فعلى الأول) إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق.
طلقت ثلاثا، لما تقدم من أن الواو للجمع، والكلام كله في حكم جملة واحدة، فهو كقوله: أنت طالق ثلاثا، ولهذا قال الخرقي: لأنه نسق.
أي غير متفرق، لا يقال: أنت طالق ثلاثا.
جملة واحدة بلا ريب، بخلاف: أنت طالق وطالق وطالق لأنها ثلاث جمل، وكل جملة منهن غير مقيدة بشيء، بخلاف: أنت طالق ثلاثا.
فإنه مقيد بالثلاث والكلام إنما يتم بآخره، لأنا نقول: الصحيح عند الجمهور - سيبويه وغيره - أن هذا من باب عطف المفردات، لا من باب عطف الجمل، فالعامل في الثاني هو العامل في الأول، بواسطة حرف العطف، ودعوى أن كل جملة غير مقيدة بشيء، ممنوع مع

العطف، فالكلام إنما يتم معه أيضا بآخره، كما في: أنت طالق ثلاثا.
انتهى.
وعلى الثاني لا تطلق غير المدخول بها إلا طلقة، كما لو قال لها: أنت طالق.
ثم طالق.
إذ الطلاق الثاني إذا كان مرتبا بعد الأول اقتضى سبق الأول له، وإذا تبين فلا يلحقها طلاق بعد ذلك، وقول الخرقي: وهو مثل قوله: أنت طالق ثلاثا.
إشعار بأن هذه الصورة لا خلاف فيها، وهو كذلك، إذ: ثلاثا.
تمييز، وتبيين للطلاق الذي لفظ به، والله أعلم.
(تنبيه) : إذا ادعى التأكيد فإن ادعى تأكيد الثانية بالثالثة سمع منه، لاتفاق اللفظ، وهذا من العطف المغير الذي قاله أبو البركات، وإن ادعى تأكيد الأولى بالثانية، لم يسمع منه، نعم يدين فيما بينه وبين الله تعالى، والله سبحانه أعلم.

قال: وإذا طلق ثلاثا وهو ينوي واحدة فهي ثلاث.
ش: لأنه استعمل اللفظ في غير ما يصلح له لغة وعرفا، فلغا استعماله، وأعمل بمقتضى اللفظ، لا يقال: لأنه تجوز في ذلك.
لأن الثلاث نص قاطع في العدد، فلا يقبل التجوز، وإرادة الوحدة، إذ صحة ذلك موقوفة على أن مثل ذلك تجوزت العرب فيه، ولم تنقل الوحدة، وقد دل كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - على أنه إذا طلق ثلاثا يقع عليه الثلاث، وهذا مذهبنا ومذهب العامة.

2726 - لأنه قد جاء في بعض روايات «ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لما طلق امرأته وهي حائض، وأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمراجعة، أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا، كان يحل لي أن أرجعها؟ قال: «لا كانت تبين منك وتكون معصية» رواه الدارقطني.
2727 - وعن يونس بن يزيد قال: سألت ابن شهاب عن رجل جعل أمر امرأته بيد أبيه قبل أن يدخل بها، فقال أبوه: هي طالق ثلاثا.
كيف السنة في ذلك؟ فقال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، مولى ابن عامر بن لؤي، أن محمد بن إياس بن البكير الليثي - وكان أبوه شهد بدرا - أخبره، أن أبا هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: بانت منه، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
وإنه سأل ابن عباس عن ذلك فقال مثل قول أبي هريرة، وسأل عبد الله بن عمرو بن العاص فقال مثل قولهما.
رواه البرقاني في كتابه المخرج على الصحيح.
2728 - وعن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا؛ قال: فسكت حتى ظننت أنه

رادها إليه ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس يا ابن عباس وإن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2] وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا، عصيت ربك فبانت منك امرأتك.
وإن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] رواه أبو داود.
وهذا كالإجماع من الصحابة على صحة وقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة.
2729 - وقد عورض هذا بما روى طاووس عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «كان الطلاق على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم.
فأمضاه عليهم» ، رواه أحمد ومسلم، وقد قال بظاهر هذا

طائفة قليلة من العلماء، وهو اختيار أبي العباس، وحمله بعض التابعين على ما قبل الدخول.
2730 - وقد جاء ذلك مصرحا به في رواية أبي داود، وتأوله بعضهم على صورة تكرير اللفظ، بأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.
فيلزمه واحدة مع التوكيد، وثلاث مع عدمه، ففي زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لصدقهم صدقوا في إرادة التوكيد، ولما رأى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أحوال الناس قد تغيرت ألزمهم الثلاث، وأحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - أشار إلى ضعف رواية طاووس هذه، فقال: كل أصحاب ابن عباس رووا عنه خلاف ما قاله طاووس، وكذلك أشار البيهقي، قال: هذا الحديث مما اختلف فيه البخاري ومسلم، وتركه البخاري، قال: وأظنه إنما

تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال ابن المنذر: وغير جائز أن يظن بابن عباس أنه علم شيئا عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم يفتي بخلافه، وقال الشافعي: يشبه - والله أعلم - أن يكون ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قد علم أن كان شيئا فنسخ، وبالجملة تنقيح هذه المسألة، والكلام على هذه التأويلات، يحتاج إلى بسط أزيد من هذا، ولا يليق بمختصرنا، والله أعلم.

حكم من طلق واحدة وهو ينوي ثلاثا

قال: وإذا طلق واحدة وهو ينوي ثلاثا فهي واحدة.
ش: إذا طلق واحدة فله حالتان (إحداهما) : أن يقول: أنت طالق.
فهذا إن أطلق وقعت واحدة بلا ريب، وإن نوى ثلاثا فيه روايتان (إحداهما) : - وهي اختيار القاضي، وقال إن عليها الأصحاب، واختيار أصحابه أيضا الشريف وأبي الخطاب في خلافيهما، وابن عقيل في التذكرة، والشيرازي - لا تطلق إلا واحدة، لأن لفظه لا يتضمن عددا، وإنما هو إخبار في الحقيقة

عن صفة هي عليها، فهو كقوله: قائمة وقاعدة.
فإذا نوى به الثلاث فقد نوى ما لا يتضمنه اللفظ، ولا يقتضيه، فيلغى (والرواية الثانية) : تطلق ثلاثا، ولعلها أظهر، لأن قوله: أنت طالق.
تقديره الطلاق أو طلاقا، ولو صرح بذلك ونوى الثلاث طلقت ثلاثا، فكذلك إذا لم يصرح به، إذ المقدر كالملفوظ به، ثم لو لم يقدر بشيء فالصفة التي وصفها به، وهي: أنت طالق.
تتضمن المصدر وزيادة، ولا ريب أن المصدر يصح تفسيره بالقليل والكثير، فكذلك: أنت طالق.
ولهذا لو صرح بالتفسير فقال: أنت طالق ثلاثا.
طلقت ثلاثا بلا ريب، فعلى هذه الرواية إذا صرح بالواحدة فقال: أنت طالق واحدة - وهذه هي الحالة الثانية - ونوى ثلاثا، ففيه وجهان (أحدهما) : - وهو الذي قطع به أبو محمد في الكافي والمغني، ومتقضى كلام الخرقي -: لا تطلق إلا واحدة، لأن الواحدة صريح في الوحدة، فإذا نوى بها ثلاثا فقد نوى ما لا يحتمله اللفظ، ثم إن نيته خالفت صريح لفظه، ولا شك أن النية أضعف من اللفظ، فالقوي يقدم على الضعيف، ثم لو قدر تعارض اللفظ والنية لبقي: أنت طالق مجردا.
وإنه لا يقع به إلا واحدة (والوجه الثاني) : تطلق ثلاثا، وتكون نيته دالة على محذوف، تقديره: أنت طالق واحدة معها اثنتان، والله سبحانه وتعالى أعلم.

باب الطلاق بالحساب

قال: وإذا قال لها: نصفك طالق، أو يدك أو عضو من أعضائك طالق، أو قال لها: أنت طالق نصف تطليقة، أو ربع تطليقة؛ وقعت بها واحدة.
ش: أما كونها تطلق طلقة إذا طلق منها جزءا مشاعا كنصفها وثلثها ونحو ذلك، أو معينا كيدها وعينها ونحو ذلك، فلأنها جملة لا تتبعض في الحل والحرمة، وجد فيها ما يقتضي التحريم فغلب، كما لو اشترك مسلم ومجوسي في قتل الصيد، ولأنه أشار بالطلاق إلى ما هو من أصل الخلقة، لا يزال عنها في حال السلامة، فكانت الإشارة إليه كالإشارة إلى الجملة، دليله لو أشار إلى الوجه أو الرأس، وخرج السن، لأنه ليس من أصل الخلقة، وإنما يحدث بعد كمالها، والشعر والظفر لزوالهما في حال السلامة، يحقق ذلك أن الأصل في كلام المكلف الإعمال لا الإلغاء، وإطلاق البعض على الكل مجاز مستعمل سائغ، قال سبحانه وتعالى: ذلك بما كسبت أيديكم وقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: 1] بما كسبتم وتبت جملته.

2731 - وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» عبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالخف عن الإبل، والحافر عن الخيل، وهو كثير، وإذا فهذا كذلك تصحيحا لكلام المكلف.
(تنبيه) : إذا أضاف الطلاق إلى عضو من أعضائها فهل يقع عليها جملة، تسمية للكل باسم البعض، وهو ظاهر كلام أحمد، قاله القاضي، أو على العضو نظرا لحقيقة اللفظ، ثم يسري تغليبا للتحريم؟ فيه وجهان، وينبني عليهما إذا قال: إن دخلت الدار فيدك طالق؛ فدخلت وقد قطعت يدها، أو قال: يدك طالق.
ولا يد لها، فعلى الأول تطلق، وعلى الثاني لا، انتهى، وأما كونها تطلق طلقة إذا قال لها: أنت طالق نصف طلقة، أو ربع طلقة، أو ثمن طلقة، ونحو ذلك، وهو قول جمهور أهل العلم، فلما تقدم من إطلاق البعض على الكل، تصحيحا لكلام المكلف، والله أعلم.

قال: ولو قال لها: شعرك أو ظفرك طالق، لم يلزمها الطلاق، لأن الشعر والظفر يزولان، ويخرج غيرهما، وليس هما كالأعضاء الثابتة.
ش: نص أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - على ذلك مع السن، وعلل بأن ذلك يبان، يعني مع السلامة فأشبه الريق والحمل، والدمع والعرق،

ولأبي الخطاب في الهداية احتمال بأنها تطلق بذلك، لأنه جزء من الجملة، أشبه يدها.
(تنبيه) : توقف أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رواية مهنا والفضل في الروح، هل يكون مظاهرا بها أم لا؟ والذي أورده أبو الخطاب وأبو البركات مذهبا الطلاق، وقال أبو بكر: لا تطلق.
ونقله عن أحمد، وجزم أبو البركات تبعا لأبي الخطاب في الدم بالطلاق، وابن البنا في الخصال بعدمه، والله أعلم.

الشك في الطلاق

قال: وإذا لم يدر أطلق أم لا فلا يزول يقين النكاح بشك الطلاق.
ش: يعني لم تطلق، وقد علله الخرقي بأن النكاح متيقن، والطلاق مشكوك فيه، واليقين لا يزول بالشك، وهذه قاعدة مستمرة، تقدم ذكرها في الطهارة، والله أعلم.

قال: وإذا طلق فلم يدر أواحدة أم ثلاثا، اعتزلها وعليه نفقتها ما دامت في العدة، فإن راجعها في العدة لزمته نفقتها، ولم يطأها حتى يتيقن كم الطلاق، لأنه متيقن للتحريم، شاك في التحليل.
ش: المسألة الأولى إذا شك في أصل الطلاق، وهذه إذا علم أنه طلق وشك في قدر ما طلق، فالمنصوص أيضا وعليه الأصحاب أنه يبني على اليقين لما تقدم، وقال الخرقي: يعتزلها.
وهذا

أصل مبني على قاعدته، من أن الرجعة محرمة، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى، قال: وعليه نفقتها.
لأن الأصل بقاؤها.
استنادا لبقاء النكاح، قال: فإن راجعها في العدة لزمته نفقتها.
لما تقدم، إذ الأصل عدم الثلاث، قال: ولم يطأ حتى يتيقن كم الطلاق، لأنه متيقن للتحريم شاك في التحليل؛ وهذا الأصل والتعليل كلاهما منازع فيه، فالتعليل بناء عنده على أن الرجعة محرمة، وهو إحدى الروايتين، والمشهور - وعليه الأصحاب - خلافه، لما سيأتي إن شاء الله، وإذا انتفى هذا التعليل انتفى الأصل، ثم لو سلم هذا التعليل، وأن الرجعة محرمة لم يبح ما قاله، لأن الذي ينفيه تحريم تزيله الرجعة، فيزول بزوالها، ولهذا عامة الأصحاب لم يلتفت لهذا، وقالوا بالإباحة، ولضعف هذا القول أنه لم يلتفت له القاضي في تعليقه، وحمل كلام الخرقي على الاستحباب، والله أعلم.

الحكم لو طلق إحدى زوجاته ولم ينو واحدة بعينها

قال: وإذا قال لزوجاته: إحداكن طالق، ولم ينو واحدة بعينها، أقرع بينهن، فأخرجت القرعة المطلقة منهن.
ش: إذا قال لزوجاته: إحداكن طالق.
ونوى واحدة معينة، قبل منه تعيينها وطلقت، لأنه عينها بنيته، أشبه ما لو عينها بلفظه، وإن لم ينو ففيه روايتان (أشهرهما) عن أحمد - وعليها عامة الأصحاب، حتى أن القاضي في تعليقه وأبا محمد وجماعة لا يذكرون خلافا - أنه يقرع بينهما، فمن خرجت عليها القرعة فهي المطلقة، لأنه إزالة ملك بني على التغليب والسراية،

فتدخله القرعة، دليله العتق، ودليل الأصل «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقرع بين العبيد الستة» ، ولأن الحق لواحد غير معين، فوجب تعيينه بالقرعة، كالحرية في العبيد، إذا أعتقهم وضاق ثلثه عن جميعهم، وكالبداءة بإحدى نسائه في القسم أو السفر بها، قال أحمد: القرعة سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجاء بها القرآن (والرواية الثانية) : يرجع إلى تعيينه، فمن عينها فهي المطلقة، لأنه يملك الإيقاع ابتداء والتعيين، وقد أوقع ولم يعين، فيملك ذلك استيفاء لما ملكه، والله أعلم.

قال: وكذلك إن طلق واحدة من نسائه وأنسيها أخرجت بالقرعة المطلقة منهن.
ش: منصوص أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رواية الميموني وأبي الحرث أنه لا فرق بين هذه الصورة والتي قبلها، وعلى هذا عامة الأصحاب، الخرقي، والقاضي، وأصحابه وغيرهم، وسئل أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -

عن ذلك في رواية إسماعيل بن سعيد فقال: أكره أن أقول في الطلاق بالقرعة؛ فأخذ من ذلك - والله أعلم - أبو البركات رواية بالمنع، وهو اختيار أبي محمد، فلا مدخل للقرعة عنده هنا، ويحرمان عليه جميعا، كما لو اشتبهت أخته بأجنبية، أو ميتة بمذكاة، وفرق بين هذه والتي قبلها بأن الحق ثم لم يثبت لواحدة بعينها، فدخلت القرعة لتبيين التعيين، وهنا الطلاق واقع في معينة لا محالة، والقرعة لا ترفعه عنها، فلا توقعه على غيرها انتهى.
والظاهر ما يقول الجماعة، وإن كان أصل دخول القرعة في هذا ليس بالواضح، لأن هذا الفرق إنما يتم لأبي محمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - لو قيل بأن الطلاق يقع في غير المعينة من حين القرعة، وليس كذلك، بل الطلاق - على ما صرح به القاضي، وذكر عن الإمام أحمد ما يدل عليه في رواية أبي طالب - يقع من حين الإيقاع، وإذا وقع الطلاق من حين الإيقاع، فلا بد له من محل يتعلق به، ولا يتعلق إلا بمعين، فلا فرق بين الصورتين، وقد دخلت القرعة في الصورة الأولى فتدخل في الثانية، وأبو محمد يوافق الجماعة على هذا الأصل، فإنه يجعل العدة من حين الإيقاع، لا من حين القرعة انتهى.
فعلى قول أبي محمد يحرم الجميع عليه، وتجب عليه نفقتهن، لأنهن محبوسات عليه بحكم النكاح، وكذلك في قول الجميع قبل

القرعة، ولم أرهم فرقوا بين الطلاق الرجعي والبائن، مع أن الرجعي لا يحرم على المذهب، فقد يقال: لأنه إذا وطئ فقد يطأ من أصابها الطلاق، فتحصل رجعتها على المذهب، وإذا لا مطلقة منهن، فإذا أقرع بعد ذلك وخرجت القرعة بعد ذلك على واحدة، فيحكم بطلاقها وهي زوجة، فلهذا المحذور حرم الوطء مطلقا، نعم لو أراد وطء الجميع فلا ينبغي أن يمنع من ذلك، لأن بذلك تحصل رجعة من طلقها جزما، فأشبه ما لو قال: من وقع عليها طلاقي فقد راجعتها، وعلى قول الأصحاب إذا أقرعنا مع النسيان فخرجت القرعة على واحدة، فقد حكم بطلاقها ظاهرا، فإذا قال بعد ذلك: ذكرت المنسية وأنها غير التي خرجت عليها القرعة، حكم بطلاق التي ذكرها بإقراره بلا ريب، وهل ترجع إليه التي خرجت عليها القرعة؟ لا يخلو إما أن تكون القرعة بحكم حاكم أم لا، فإن كانت بحكم حاكم لم ترجع إليه، حذارا من إبطال حكم الحاكم بقوله، وكذلك إن لم تكن القرعة بحكم حاكم وتزوجت، نص أحمد على هاتين الصورتين، لتعلق حق الغير بها، وفيما عدا هاتين الصورتين قولان وبعضهم يحكيهما روايتين (إحداهما) : ترجع إليه، وهو اختيار الشيخين وغيرهما، إذ القرعة ليست بطلاق صريح ولا كناية فوجودها كعدمها (والثانية) : - وهي قول أبي بكر وابن حامد - لا ترجع إليه، ويحكم عليه بطلاقهما، الثانية بإقراره، والأولى بالقرعة، احتياطا للفروج، ودفعا للتهمة، والله أعلم.

قال: فإن مات قبل ذلك أقرع الورثة بينهن، وكان الميراث للبواقي منهن.
ش: يعني إذا مات الزوج قبل القرعة، أقرع الورثة بين النسوة، فمن خرجت عليها القرعة فلا ميراث لها، والميراث للبواقي، نص أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - على ذلك في رواية الجماعة.
2732 - وهو مروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وذلك لأنهن قد تساوين، فلا سبيل إلى التعيين، فوجب المصير إلى القرعة، كمن أعتق عبيدا في مرضه، لا مال له سواهم، وأبو محمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - هنا يوافق الجماعة في القرعة، وإن لم يقل بدخولها في المنسية، واعلم أن هذا فيما إذا كان الطلاق بائنا، أما إن كان رجعيا فإن الجميع يرثنه، وهذا واضح، والله أعلم.

هدم الطلاق

قال: وإذا طلق زوجته أقل من ثلاث فقضت العدة، وتزوجت غيره، وأصابها، ثم طلقها أو مات عنها، وقضت العدة، ثم تزوجها الأول فهي عنده على ما بقي من الثلاث.
ش: هذه المسألة الملقبة بالهدم، وهو أن نكاح الثاني هل يهدم طلاق الأول، وملخص الكلام في المسألة أن الرجل إذا طلق امرأته ثم رجعت إليه فإن كان قد طلقها ثلاثا ثم رجعت إليه بشرطه، فإنها ترجع إليه بطلاق ثلاث بالإجماع، وإن كان قد طلقها دون الثلاث، ثم رجعت إليه قبل نكاح زوج آخر، رجعت على ما بقي من طلاقها بلا خلاف أيضا، وإن رجعت

بعد نكاح زوج آخر، والحال هذه، فهذه صورة الخرقي، وفيها روايتان، أشهرهما عن أحمد، وهي اختيار الأصحاب أنها تعود على ما بقي من طلاقها، ولا هدم، نظرا إلى إطلاق قوله سبحانه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] إلى قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] وظاهر إطلاق الآية الكريمة أن من طلقها زوجها طلقتين، ثم طلقها الثالثة، أنها قد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، وهو يشمل ما إذا رجعت إليه قبل تزويج زوج آخر أو بعده، وأيضا فهذا قول جمهور الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. 2733 - قال أحمد هذا قول عمر، وعلي، وأبي، ومعاذ، وعمران بن حصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.

2734 - ورواه ابن المنذر أيضا عن زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، ومن جهة القياس أن الزوج الثاني لا يحتاج إليه في إباحتها للأول، فوجب أن لا يؤثر في عدد الطلاق، أشبه وطء السيد أو الزوج الثالث أو الرابع (والرواية الثانية) تعود إليه بطلاق ثلاث، فنكاح الثاني هدم الطلاق الأول.
2735 - وهذا قول ابن عمر، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال أحمد: روي عن ابن عباس وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: نكاح جديد وطلاق جديد، لأن نكاح الثاني إما أن يكون تأثيره في رفع التحريم والعدد، أو في رفع التحريم فقط، لا جائز أن يؤثر في رفع التحريم فقط، لأنه يلزم أن يرفع الثالثة، إذ التحريم تعلق بها، فلزم أن يكون تأثيره في رفعهما جميعا، فإذا طلقها واحدة أو اثنتين فالعدد موجود فيرفعه، وأجيب بأنه يهدم التحريم المتعلق بالثلاث، ولا تحريم فيما دون الثلاث، وعن قول ابن عمر،

وابن عباس، بأن أقوال الصحابة على قاعدتنا إذا اختلفت كانت كدليلين متعارضين، وإذا يصار إلى الترجيح، ولا شك أن قول الأولين أرجح، والقاضي حمل قول ابن عمر وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، على ما إذا كان بعد طلاق ثلاث، وجعل المسألة اتفاقية من الصحابة، والله أعلم.

قال: وإن كان المطلق عبدا فطلق اثنتين لم تحل له زوجته حتى تنكح زوجا غيره، سواء كانت الزوجة حرة أو مملوكة، لأن الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء.
ش: لما ذكر أن الزوج إذا طلق امرأته أقل من ثلاث أنها تعود إليه على ما بقي من طلاقها، فإطلاق هذا شامل للحر والعبد، فأراد أن يخرج العبد ويقول: إن نهاية ما يملكه طلقتان، وإن كان تحته حرة، وأن ملك الثلاث مختص بالحر، وإن كان تحته أمة، فالطلاق معتبر بالرجال، هذا أنص الروايتين وأشهرهما عن الإمام، وعليه الأصحاب، لظاهر قول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229]

الآية إلى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: 230] فجعل للزوج أن يطلق ثلاثا، والمراد به الحر، بدليل: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: 229] الآية، والأخذ إنما يصح من الحر، لا يقال: الآية إنما وردت في الحرة، بدليل: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] قيل: الأمة يصح الافتداء منها بإذن سيدها، وفي هذا الاستدلال نظر، (أما أولا) فلأن الله سبحانه قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] والافتداء المطلق إنما هو للحرة الرشيدة، دون الأمة، وإذا كان للحرة فلا نزاع أن الحر الذي تحته حرة يملك ثلاثا، (وأما ثانيا) فلو سلم أن الأمة داخلة في هذا فلا نسلم أن المراد من قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [البقرة: 229] ، لأن العبد يصح خلعه، بل وقبضه لعوضه على المنصوص، ولو قيل: إنه لا يصح قبضه، فأخذ السيد كان بسببه فنسب إليه، ثم لو سلم هذا فمثل هذا لا يقتضي تخصيص أول الآية الكريمة، غايته أنه أفرد بعض من دخل في الآية بحكم.
2736 - واستدلوا أيضا على ما تقدم بما روى الدارقطني بإسناده عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «طلاق العبد اثنتان وقرء الأمة حيضتان» .

2737 - وقد عورض هذا بأن الحديث رواه أبو داود والترمذي، وابن ماجه عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «طلاق الأمة اثنتان، وعدتها حيضتان» . 2738 - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «طلاق الأمة اثنتان، وعدتها حيضتان» رواه ابن ماجه والدارقطني، وهذا دليل للرواية الثانية، وأن الطلاق معتبر بالنساء، فيملك زوج الحرة ثلاثا، وزوج الأمة اثنتين، والأحاديث في الباب ضعيفة،

والذي يظهر من الآية الكريمة أن كل زوج يملك الثلاث مطلقا، والله سبحانه أعلم.

قال: وإذا قال لزوجته: أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقتين؛ طلقت ثلاثا.
ش: هذا منصوص أحمد في رواية مهنا، وعليه الجمهور، نظرا إلى أن نصف الطلقتين طلقة، وقد أوقعه ثلاثا، فيقع ثلاث، كما لو قال: أنت طالق ثلاث طلقات، وقال أبو عبد الله بن حامد: تطلق طلقتين، نظرا إلى أن الإضافة بمعنى (من) أي من طلقتين، وذلك طلقة ونصف، ثم تكمل فتصير طلقتين، والله سبحانه أعلم.

باب الرجعة

ش: الرجعة بفتح الراء وكسرها، مصدر رجع يرجع رجعة ورجعة، والأصل فيها قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] إلى قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] والمراد به الرجعة عند العلماء، وأهل التفسير، وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] قيل: أمسكوهن برجعة.
2739 - وقد ثبت «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر ابن عمر أن يراجع امرأته لما طلقها وهي حائض» .

2740 - «ولما طلق حفصة نزل عليه جبريل - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بالأمر بمراجعتها» ، مع أن هذا إجماع والحمد لله.

قال: والزوجة إذا لم يدخل بها تبينها تطليقة، وتحرمها الثلاث من الحر، والاثنتان من العبد.
ش: أما كون الزوجة إذا لم يدخل بها تبينها تطليقة، فإجماع من أهل العلم، لقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] وإذا لم تكن عليها عدة فهي بائن بمجرد

الطلاق، وتصير كالمدخول بها بعد انقضاء عدتها، وأما كون الثلاث أي بكلمة واحدة من الحر تحرمها فلما تقدم، وإنما خص غير المدخول بها بالتحريم بالثلاث، لشهرة الخلاف فيها، بخلاف ما بعد الدخول، فإن الثلاث تحرمها في صورة بالإجماع بلا ريب، وهو ما إذا فرقها، للآية الكريمة، وكذا إذا جمعها على قول العامة كما تقدم، وبالجملة متى حكم بوقوع الثلاث على الزوجة حرمت بذلك بلا ريب، ويرتفع التحريم بأن تنكح زوجا آخر بشروطه، وسيأتي إن شاء الله تعالى في كلام الخرقي ما يشير إلى ذلك، وفرق الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - بين الحر والعبد، بناء على ما تقدم له قبل، من أن الحر يملك ثلاثا، والعبد اثنتين، والله أعلم.

قال: وإذا طلق الحر زوجته بعد الدخول بها أقل من ثلاث، فله عليها الرجعة ما دامت في العدة.
ش: أجمع أهل العلم على هذا بشرط أن لا يكون الطلاق بائنا، بأن يكون بعوض أو يقول لها: أنت طالق طلقة بائنا؛ ونصححه على رواية أو يخالعها بغير عوض، ونقول بصحته، وأنه طلاق، وأجمعوا أيضا على أنه لا رجعة له إذا انقضت العدة، وسند الإجماعين قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] إلى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228]

أي في مدة القروء فالآية الكريمة دالة بمنطوقها على منطوق كلام الشيخ، وبمفهومها على مفهومه.
وقد دل كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - على أنه لا يعتبر رضى المرأة في الرجعة، ولا ريب في ذلك، للآية الكريمة، ولقوله سبحانه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 231] فخاطب الأزواج بذلك، فإن قيل: قوله سبحانه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] يقتضي بظاهره أن لغيرهن حقا، قيل: الأحقية والحقية كلاهما بالنسبة إلى الزوج، فإذا أراد إصلاحا - كما نطقت به الآية الكريمة - فهو أحق، وإن لم يرد إصلاحا فله حق، فتصح منه الرجعة مع النهي عن ذلك.

قال: وللعبد بعد الواحدة ما للحر قبل الثلاث.
ش: قد تقدم أن العبد لا يملك إلا اثنتين، فهو ليس له الرجعة إلا بعد الواحدة، أما بعد الاثنتين فقد استوفى عدد طلاقه، وبانت منه زوجته.

قال: ولو كانت حاملا باثنين فوضعت واحدا كان له مراجعتها قبل أن تضع الثاني.
ش: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] فجعل سبحانه الأجل وضع الحمل، والحمل يتناول

الولدين وأكثر، وإذا كان الأجل وهو العدة باقيا فله الرجعة، لبقاء العدة، وبطريق الأولى لو وضعت بعض الولد، كان له الارتجاع قبل وضع بقيته.

ما تحصل به الرجعة

قال: والمراجعة أن يقول لرجلين من المسلمين: اشهدا أني قد راجعت امرأتي.
بلا ولي يحضره، ولا صداق يزيده، وقد روي عن أحمد رواية أخرى تدل على أن الرجعة تجوز بلا شهادة.
ش: الرواية الأولى عزيت إلى اختيار الخرقي، وأبي إسحاق ابن شاقلا في تعاليقه، ونص عليها أحمد في رواية مهنا، لقول الله سبحانه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] أمر وظاهر الأمر الوجوب، ولأنه استباحة بضع مقصود، فوجبت الشهادة فيه كالنكاح (والثانية) نص عليها في رواية ابن منصور، واختارها أبو بكر، والقاضي وأصحابه، الشريف وأبو الخطاب، وابن عقيل والشيرازي وغيرهم، لإطلاق: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] وإذا يحمل الأمر في الآية الكريمة على الاستحباب، جمعا بينهما، وأيضا فالله سبحانه قال: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ [البقرة: 282] وليس فيه

ما يقتضي المقارنة للرجعة، فلو أشهد بعد الرجعة وفى مقتضى الآية، والإشهاد بعد الرجعة مستحب بالإجماع، فكذلك عند الرجعة، حذارا من الجمع بين الحقيقة والمجاز في اللفظ الواحد، ولأنها لا يشترط لها الولي، فلم تشترط لها الشهادة كالبيع، وما قيل في قياس الأولى أنها استباحة بضع فغير مسلم، إذ الرجعية مباحة على الصحيحة كما سيأتي.
إذا تقرر هذا فجعل أبو البركات هاتين الروايتين على قولنا بأن الرجعة لا تحصل إلا بالقول، وهو واضح، أما إن قلنا: إنها تحصل بالوطء فكلامه يقتضي أنه لا يشترط الإشهاد رواية واحدة، وعامة الأصحاب يطلقون الخلاف، وهو ظاهر كلام القاضي في التعليق، قال: لما أورد عليه أن الوطء لا يكون رجعة: لأن الله سبحانه أمر بالشهادة، والشهادة لا تتأتى على الوطء، فأجاب: ليس في الآية ما يقتضي المقارنة، فيطأ ثم يشهد، فأورد عليه أن هذا إشهاد على الإقرار بالرجعة، وليس بإشهاد على الرجعة، فأجاب: الله سبحانه أمر بالإشهاد، وأطلق، (ومقتضى) كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن الرجعة محصورة في القول، لقوله: والمراجعة أن يقول.
فلا تحصل بالوطء ولا بغيره، (وهذا إحدى الروايات) عن أحمد، لظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] والظاهر من الإشهاد إنما هو

على القول، وقد تقدم جواب القاضي عن هذا، وأيضا فالرجعة تراد لإصلاح الثلم الداخل في النكاح، ونفس النكاح لا يقع بالفعل، كذلك إزالة ما دخله من الثلم (والرواية الثانية) أن الرجعة تحصل بالوطء وإن لم ينو، اختارها ابن حامد، والقاضي وأصحابه، لإطلاق قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] والرد حقيقة في الفعل، بدليل: رددت الوديعة.
وأيضا: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] وحقيقة الإمساك في الفعل أيضا، ولأنها مدة معلومة، خير بين القول الذي يبطلها، وبين تركها حتى تمضي المدة، فقام الوطء فيها مقام القول، كالبيع بشرط الخيار، والمعنى فيهما أن كلا منهما وطؤه دليل على رغبته في الموطوءة، واختيار رجوعها إليه (والرواية الثالثة) وهي اختيار أبي العباس: إن نوى الرجعة بالوطء حصلت، للعلم برغبته فيها، وإلا لم تحصل.
وعلى القول بحصول الرجعة بالوطء لا تحصل بالقبلة ولا باللمس، نص عليه أحمد في رواية ابن القاسم، وعليه

الأصحاب، وإن كانا لشهوة، وخرج القاضي وغيره رواية بحصول الرجعة بذلك، بناء على ثبوت تحريم المصاهرة بهما، وخرجها أبو البركات من نصه في رواية ابن منصور على أن الخلوة تحصل بها الرجعة، قال: فاللمس ونظر الفرج أولى، وقد حكى أبو الخطاب عن الأصحاب أنهم قالوا: إن الرجعة تحصل بالخلوة، واختار هو أنها لا تحصل، وتبعه على ذلك أبو محمد في المغني وغيره، إلا أن مقتضى كلامه في المقنع أن أحمد نص على أن الخلوة لا تحصل بها الرجعة، وليس كذلك فإن نص أحمد في رواية ابن القاسم إنما هو في اللمس والقبلة، إذ الرجعة لا تحصل بهما، ونصه في الخلوة أن الرجعة لا تحصل بها، وقد يقال: إن في كلام الأصحاب تهافتا، حيث قالوا: إن الرجعة لا تحصل بالقبلة ونحوها وقالوا: إنها تحصل بالخلوة، ويجاب بأن الخلوة عندهم بمنزلة الوطء، بدليل تقرر الصداق، ووجوب العدة بها، ونحو ذلك، فكذلك في حصول الرجعة.
واعلم أن الأصحاب مختلفون في حصول الرجعة بالوطء، هل هو مبني على القول بحل الرجعية أم مطلقا، على طريقتين للأصحاب (إحداهما) - وهي طريقة الأكثرين، منهم القاضي في روايتيه وفي جامعه وجماعة - عدم البناء (والثانية) - وهي مقتضى كلام أبي البركات، ويحتملها كلام القاضي في التعليق - البناء، فإن قلنا: الرجعية مباحة حصلت الرجعة بالوطء، وإن

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل