كتاب العتق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ولما يحجر عليه صح الأداء وعتق، واستقر الأرش عليه، وإن كان ذلك بعد أن حجر الحاكم عليه بأن سأله ولي الجناية ذلك لم يصح أداؤه، ووجب أن يرتجعه الحاكم فيدفعه إلي ولي الجناية، وللمسألة تفاريع أخر ليس هذا موضعها، وعموم كلام الخرقي يشمل جنايته على سيده وهو كذلك، ومقتضى كلامه أن الأرش لازم للمكاتب، وهو كذلك.
3915 - لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يجني جان إلا على نفسه» والذي يلزم على المذهب أن يفدي نفسه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته، وقيل وحكي رواية: أنه بالأرش كله كالحر.
(تنبيه) قال أبو محمد: إن جناية المكاتب تتعلق برقبته، وتؤدى من المال الذي في يده، وقد قال هو وغيره: إنه إذا بادر فأدى الكتابة أنه يعتق ويستقر الفداء عليه، ومقتضى هذا تعلق جنايته برقبته وبذمته، وقال الشيرازي: جناية المكاتب مقدمة على كتابته، وروي عن أحمد أنها في رقبته، وظاهر هذا أنها تتعلق ابتداء بالمال الذي في يده والله أعلم.
حكم عجز المكاتب
قال: فإن عجز كان السيد مخيرا بين أن يفديه بقيمته إن كانت أقل من جنايته أو يسلمه.
ش: إذا عجز المكاتب ورد في الرق فإن سيده مخير بين فدائه بقيمته إن كنت أقل من جنايته، لانحصار الحق إذًا في الرقبة، فلا يجب على السيد أكثر من بدلها، وإن كانت جنايته أقل من ذلك لم يجب عليه أكثر منها، إذ المجني عليه لا يستحق أكثر من أرش جنايته، وبين أن يسلمه لأنه إذا سلمه فقد سلم المحل الذي تعلق به الحق، فخرج عن العهدة (وفي المذهب قول آخر) أو رواية أنه إذا فداه فداه بالأرش كله، وقول الخرقي: أو يسلمه.
ظاهره ليباع، وإذًا فلم يخير البائع إلا بين شيئين فقط، الفداء أو التسليم للبيع، وهو إحدى الروايات (والرواية الثانية) يخير بين الفداء أو دفعه بالجناية (والرواية الثالثة) يخير بين الثلاثة، وإذا أراد تسليمه للبيع فهل يكتفي بمجرد ذلك، فيبيعه الحاكم، وهذا ظاهر كلام الخرقي، أو يلزمه أن يتولى ذلك إن طلبه ولي الجناية؟ على روايتين، والله أعلم.
قال: وإذا كاتبه ثم دبره فإن أدى صار حرا، وإن مات السيد قبل الأداء عتق بالتدبير إن حمل الثلث ما بقي عليه من
كتابته، وإلا عتق منه بمقدار الثلث، وسقط من الكتابة بمقدار ما عتق، وكان على الكتابة فيما بقي.
ش: إذا كاتب عبده ثم دبره جاز، كما تضمنه كلام الخرقي، إذ لا منافاة بينهما، ولأن التدبير إما وصية بالإعتاق أو تعليق للعتق على صفة، وكلاهما جائز في المكاتب، مع أن أبا محمد قد قال: لا نعلم في ذلك خلافا.
ولو عكس فدبره أولا ثم كاتبه جاز على المذهب المنصوص أيضا، لما تقدم أولا.
3916 - وقد روى ذلك البخاري في تأريخه عن ابن مسعود، ورواه الأثرم عنه وعن أبي هريرة أيضا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، ولأبي محمد في الكافي احتمال بأن كتابة المدبر رجوع في تدبيره إن قيل بصحة الرجوع فيه، إذا ثبت هذا فإذا اجتمعت الكتابة والتدبير فقد
اجتمع سببان للعتق، فيعمل بمقتضاهما، فعلى هذا إن أدى عتق بالكتابة، لوجود شرطها وهو الأداء، وبطل التدبير للغنى عنه، وما في يده له، وإن عجز ورق صار مدبرا فقط، لبطلان الكتابة، فيعتق بموت السيد بشرطه، وإن مات السيد قبل العجز وأداء جميع الكتابة عتق بالتدبير، لوجود سببه وهو الموت، وهل ما في يده له إبقاء لما كان على ما كان عليه، وكما لو أبرئ من مال الكتابة، وهو اختيار أبي محمد وابن حمدان، أو لورثة سيده، حكاه أبو محمد عن الأصحاب، بناء على أن الكتابة تبطل إذا ويبقى الحكم للتدبير؟ على قولين.
وحيث عتق بالتدبير فشرطه أن يخرج من الثلث، لما تقدم من أن التدبير معتبر من الثلث على المذهب، وإن لم يخرج من الثلث عتق منه بقدر الثلث، وسقط من عوض الكتابة بقدر ما عتق منه، لأن مال الكتابة عوض عن جميعه، فإذا عتق نصفه مثلا بالتدبير سقط ما قابل ذلك، وهو نصف العوض، وهل ما قابل ذلك من الكسب له أو لورثة السيد؟ على القولين السابقين، ويبقى باقيه مكاتبا بقسطه، ومقتضى كلام الخرقي أن المعتبر في خروجه من الثلث ما بقي عليه من الكتابة، وتبعه على ذلك أبو محمد في الكافي والمقنع، ومقتضى كلامه في
المغني وكلام أبي البركات اعتبار قيمته مكاتبا، وهو الذي أورده ابن حمدان في رعايتيه مذهبا، والله أعلم.
الحكم لو ادعى المكاتب وفاء كتابته
قال: وإذا ادعى المكاتب وفاء كتابته، وأتى بشاهد حلف مع شاهده وصار حرا.
ش: هذا بناء على ما تقدم من أن المال أو ما يقصد به المال يقبل فيه شاهد ويمين الطالب، وهذا من ذلك، لأن النزاع والحال هذه وقع في أداء المال، والعتق يثبت تبعا لثبوت الأداء، وليس هو المتنازع فيه، ولا المشهود به، على أن الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - يقبل الشاهد واليمين في العتق أيضا (وفي المذهب قويل آخر) أنه لا يقبل في النجم الأخير إلا رجلان، لترتب العتق على شهادتهما إذا، وبناء على أن العتق لا يقبل فيه إلا ذلك، والله أعلم.
قال: ولا يكفر المكاتب بغير الصوم.
ش: وقد تضمن قول الخرقي أن كفارة المكاتب الصوم، وهو كذلك، لأنه في حكم المعسر، وكفارة المعسر ذلك، ودليل الوصف أنه لا يلزمه زكاة، ولا نفقة قريبه، ويأخذ الزكاة لحاجته، وتضمن كلامه أنه لا يكفر بغير ذلك، وظاهره وإن أذن له السيد، وكأنه بنى ذلك على مذهبه، من أن العبد لا يملك بالتمليك، وهذه طريقة القاضي، فإنه بناه على الروايتين
في ملك العبد بالتمليك، فإن قيل لا يملك لم يصح تكفيره بغير الصوم، وإن أذن له السيد، وإن قيل يملك صح بإذن السيد، لأن الحق له وقد أذن فيه، وتبعه على ذلك أبو الخطاب في الهداية، وأبو محمد في المقنع، وابن حمدان، وامتنع أبو محمد في الكافي والمغني من البناء، وجوز له التكفير بإذن السيد بلا خلاف، وتبعه على ذلك أبو البركات، بناء على أنه يملك المال هنا بلا خلاف.
بخلاف العبد، نعم هو يملك ملكا ناقصا، لتعلق حق السيد به، فلذلك اعتبر إذنه، وقد يبنى كلام الخرقي على أنه يمنع من التبرع، ولو أذن فيه السيد، والتكفير بالمال بمنزلة التبرع، لعدم الحاجة إليه، لكن هذا قويل ضعيف والمذهب خلافه، وهذه المسألة لها التفات إلى تكفير العبد بالمال وقد تقدم ذلك، وحيث جوز له التكفير بالمال فإنه لا يلزمه ذلك، حذارا مما يلحقه من الضرر، وهو احتمال تفويت حريته، والله أعلم.
حكم ولد المكاتبة
قال: وولد المكاتبة الذين ولدتهم في الكتابة يعتقون بعتقها.
ش: قد تضمن كلام الخرقي صحة مكاتبة الأمة، كما تصح
مكاتبة العبد، وهو اتفاق ولله الحمد، وقد شهد له حديث بريرة وغيره، وإذا صحت مكاتبتها فأتت بولد من نكاح أو غيره بعد كتابتها فإنه يتبعها يعتق بأدائها أو إبرائها، ويرق بعجزها وبموتها قبل الأداء على المذهب، إذ الكتابة سبب لازم للعتق، لا يجوز إبطاله، فسرى إلى الولد كالاستيلاد، ولا يرد التعليق بالصفة، لجواز إبطاله بالبيع ونحوه.
وقوله: الذين ولدتهم في الكتابة، يشمل ما كان حملا حال الكتابة، وما علقت به بعدها، ويخرج منه ما ولدته قبل الكتابة، وقد تتخرج التبعية فيه، لرواية ضعيفة في ولد المدبرة، (وقوله) : يعتقون بعتقها، أي بسبب عتقها، بما ثبت لها، وهو العتق بأداء مال الكتابة أو الإبراء منه، وهذا معنى قول الأصحاب: يتبعها ولدها.
وهذا بخلاف أم الولد والمدبرة، فإن ولدها يصير بمنزلتها.
(تنبيه) فلو أعتق المكاتبة سيدها، أو عتقت باستيلاد أو تدبير فإنه يبنى على أن كتابتها هل تبطل أم لا؟ فمن قال ببطلانها قال يتبين رق ولدها، ومن قال لا تبطل كتابتها قال يعتق بعتقها، كما لو أبرئت من كتابتها، ولأبي محمد احتمال بعتقه على الأول أيضا انتهى، وحكم ولد ابنتها التي تتبعها
حكم ابنتها، أما ولد ابنها فحكمه حكم أمه، واعلم أن كلام الخرقي في ولد المكاتبة من غير سيدها، أما من سيدها فقد تقدم له حكمه، فلهذا لم يحترز عنه.
(تنبيه) لم يتعرض الخرقي لولد المكاتب، والحكم أنه لا يخلو إما أن يكون من أمة أو حرة، (فإن كان) من حرة فهو حر كأمه (وإن كان) من أمة فلا تخلو الأمة إما أن تكون له أو لغيره (فإن كانت) له تبعه الولد، وهل تتبعه الأمة في صيرورتها أم ولد، فيتحقق الاستيلاد فيها بعتقه، أو يتحقق رقها برقه وهو المذهب، أو لا تتبع أصلا فله بيعها مطلقا؟ على وجهين، (وإن كانت) الأمة لغيره فلا يخلو إما أن يكون السيد أو غيره، فغيره الولد رقيق كأمه، والسيد كذلك إلا أن يشترط المكاتب تبعية ولده له، فإنه يتبعه عملا بالشرط، والله أعلم.
بيع المكاتب
قال: ويجوز بيع المكاتب.
ش: هذا هو المذهب المشهور المنصوص، نقله الجماعة عن أحمد، واختاره الأصحاب.
3917 - لما «روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم، ويكون ولاؤك لي فعلت.
فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جالس فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبرت عائشة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق» ففعلت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، ثم قام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق» » متفق عليه واللفظ للبخاري.
وهذا ظاهر في أنها بيعت في كتابتها قبل أن تعجز وترق بعلم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بل وأمره لقولها: فأعينيني، وإخبار عائشة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك، وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لها: «خذيها» وعند مسلم: «اشتريها» وفي لفظ: «ابتاعي» ولهذا قال ابن المنذر: بيعت بريرة بعلم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهي مكاتبة، فلم ينكر ذلك، ولا أعلم خبرا يعارض ذلك، ولا دليلا من خبر على عجزها.
(وعن أحمد) رواية أخرى: لا يجوز بيع المكاتب، أومأ إليها في رواية أبي طالب، وسأله: هل يطأ مكاتبته؟ قال: لا
يطؤها، لأنه لا يقدر أن يبيعها ولا يهبها، وذلك لأن سبب العتق قد ثبت له على وجه لا يستقل السيد برفعه، فمنع البيع كالاستيلاد، وأجيب بمنع القياس مع النص، ثم إن لنا في أم الولد منعا على رواية، وعلى المذهب الفرق أن سبب حريتها مستقر، لا سبيل إلى فسخه بحال، والمكاتب ليس كذلك، لجواز عوده رقيقا، (وعن أحمد) رواية ثالثة حكاها ابن أبي موسى: يجوز بيع المكاتب بقدر مال الكتابة، لصورة النص، ولا يجوز بأكثر منها اعتمادا على القياس السابق.
(تنبيه) الحكم في هبته والوصية به كالحكم في بيعه (وعنه) أنه منع من الهبة، قصرا على المورد أيضا كما تقدم، أما وقفه فلا يجوز، لانتفاء شرطه وهو الاستقرار، والله أعلم.
قال: ومشتريه يقوم فيه مقام المكاتب.
ش: مشتري المكاتب يقوم في أمره مقام المكاتب، لأنه بدل عنه، فأعطي حكمه، فعلى هذا إن أدى إليه عتق، وإن عجز أو اختار تعجيزه رد في الرق، ومقتضى كلام الشيخ أن الكتابة لا تنفسخ بالبيع وهو كذلك، إذ الكتابة عقد لازم، فلم تنفسخ بذلك كالإجارة، مع أن ابن المنذر قد حكى ذلك إجماعا عن كل من يحفظ عنه من أهل العلم، ولا يرد عليه
مخالفة ابن حزم، لأنه ليس هو من حفظ عنه العلم، والله أعلم.
قال: فإذا أدى صار حرا وولاؤه لمشتريه.
ش: قد تقدم أن مشتريه يقوم مقام البائع، فإذا أدى إليه صار حرا وعتق، وكان ولاؤه له، وقد شهد لذلك قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «ابتاعي وأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق» وإنكار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أهلها لما اشترطوا ولاءها، والله أعلم.
قال: فإن لم يبين البائع للمشتري أنه مكاتب كان مخيرا بين أن يرجع بالثمن أو يأخذ ما بينه سليما ومكاتبا.
ش: الكتابة عيب، لمنع المشتري من التصرف في العبد، وانتفاء اكتسابه ومنافعه، فعلى هذا إن بين البائع للمشتري فلا كلام، لأنه دخل على بصيرة، وإن لم يبين له ذلك كان مخيرا بين فسخ البيع والرجوع بالثمن، وبين الإمضاء وأخذ الأرش، وهو قسط ما بين قيمته سليما ومكاتبا، منسوبا إلى الثمن، فإذا قيل إن قيمته مكاتبا أربعون، وغير مكاتب ستون، والثمن تسعون، فقد نقصته الكتابة ثلث قيمته، فيرجع بثلث ثمنه، والله أعلم.
الحكم لو ملك المكاتب أباه أو ذا رحم
قال: وإذا ملك المكاتب أباه أو ذا رحم من المحرم عليه نكاحه، لم يعتقوا عليه حتى يؤدي وهم في ملكه، فإن عجز فهم عبيد للسيد.
ش: إذا ملك المكاتب من يعتق عليه ولو ملكه وهو حر لم يعتق بمجرد ذلك، لأنه لا يملك العتق بالقول، فبالملك القائم مقامه أولى، لكنه يمتنع عليه بيعه، لأنه بمنزلة جزئه، ثم إن أدى أو أبرئ من مال الكتابة وهو في ملكه لم يفت عتق لتمام ملكه إذا بزوال حق السيد، فيعمل المقتضى.
3918 - وهو قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «من ملك ذا رحم محرم فهو حر» عمله، وإن عجز ورد في الرق تحقق رقهم للسيد، كعبيده الأجانب.
وكلام الخرقي يشمل الملك بالبيع الهبة والوصية وغير ذلك، ثم إنه لم يشترط لذلك شرطا، فيدخل في كلامه الشراء بدون إذن السيد، وهو قول القاضي، وبه قطع الشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، وابن عقيل وأبو محمد في المغني، وصححه ابن حمدان في رعايتيه، نظرا إلى أنه يصح أن يشتريه غيره، فصح شراؤه له كالأجنبي، وأورد أبو محمد في المقنع المذهب تبعا لأبي الخطاب في الهداية أنه لا يجوز بدون إذن السيد، حذارا من أن يخرج من ماله ما يمتنع عليه التصرف فيه، والأول أشهر، وقد ذكر القاضي أنه نص أحمد والخرقي، واعترضه أبو الخطاب
بأن كلامهما من ملك ذا رحم محرم، ويجوز حصول الملك بغير الشراء، أو بالشراء بإذن.
قلت: وقد اختلفت نسخ الخرقي، ففي بعضها: وإذا اشترى.
وعليها شرح أبو محمد، والظاهر والقاضي، وهذا وإن لم يكن نصا فقريب منه، وفي بعضها: وإذا ملك.
وهي التي اعتمدها أبو الخطاب في الاعتراض، وهو لفظي، إذ يكفي الظهور في التمسك، وهذا هو الجواب عن كلام أحمد، إن لم يكن عنه نص بذلك.
انتهى.
ويدخل في كلامه على النسخة المشروحة الهبة والوصية، وإن أضر ذلك بماله، كما إذا لم يكن لذي الرحم المحرم كسب فيلزمه نفقته، وكذلك أطلق أبو الخطاب وأبو البركات، وأبو محمد في الكافي والمغني، وقيد ذلك في المقنع بما إذا لم يضر ذلك بماله، وتبعه على ذلك ابن حمدان، والله أعلم.
قال: وإذا كان العبد لثلاثة فجاءهم بثلاثمائة درهم فقال: بيعوني نفسي بها، فأجابوه، فلما عاد إليهم ليكتبوا له كتابا أنكر أحدهم أن يكون أخذ شيئا، وشهد الرجلان إذا كانا عدلين، ويشاركهما فيما أخذا من المال، وليس على العبد شيء.
ش: ملخص هذا أن الشريكين اللذين فيهما شروط
الشهادة إذا شهدا على شريكهما الثالث بأخذ ما يستحقه والحال ما تقدم، فقد صار العبد حرا، لأن بشهادتهما كمل أداؤه لجميع ما اشترى به نفسه من مالكيه، وإذا يعتق لوجود الشرط وهو الأداء، ولا شيء عليه لذلك، ويشاركهما المشهود عليه فيما أخذا من المال، لاعترافهما بأخذه من ثمن العبد المشترك بينهم، ولأن ما في يد العبد كان لهم، وما أخذاه كان في يده، ولا تقبل شهادتهما المتقدمة في أنه لا يستحق عليهما ذلك، لأنهما يدفعان بها ضررا عن أنفسهما وهو المشاركة، وإنه غير مقبول، وإنما قبلت شهادتهما للعبد لأنها شهادة للغير وصار هذا بمنزلة الإقرار بشيء له وشيء عليه، يقبل في الذي عليه دون الذي له، هذا منصوص أحمد، وقال الشيخان: قياس المذهب رد شهادتهما، نظرا إلى أن الشهادة إذا بطل بعضها بطلت كلها، ويفارق الإقرار من حيث إن الشهادة والحال هذه فيها تهمة، والتهمة مانعة للشهادة، بخلاف الإقرار فإن التهمة لا تمنعه.
وقول الخرقي: إذا كان العبد لثلاثة فجاءهم بثلاثمائة درهم، فقال: بيعوني نفسي بها فأجابوه، وقد استشكل عليه من حيث إن ظاهره إجازة شراء نفسه بعين ما في يده، وقد تقدم له في العتق أن العبد إذا قال لرجل: اشترني بهذا المال وأعتقني.
فاشتراه بعين المال أن البيع والعتق باطلان، وقد أجاب القاضي عن ذلك بوجوه (أحدها) أن هذا مكاتب عجل لهم الثلاثمائة ليضعوا عنه شيئا، وقرينة هذا ذكره في الكتابة، ويحتمل هذا كلام أبي البركات، لأنه ذكر المسألة فيما إذا كاتب ثلاثة عبدا، فادعى الأداء إليهم، وحكى المنصوص في ذلك (الوجه الثاني) أن يكون المال في يد العبد الأجنبي، أذن له أن يشتري نفسه به ولم يملكه له، قلت: وهذا جيد أيضا (الثالث) أن يكون عتقا بصفة، تقديره: إذا قبضنا منك هذه الدراهم فأنت حر.
قلت: وفيه بعد (الرابع) أن رضى سادته ببيعه نفسه بما في يده، وفعلهم ذلك معه إعتاق منهم، مشروط بتأدية ذلك إليهم، وصورته صورة البيع، ومعناه العتق بشرط الأداء، ويصير هذا كما لو قال: بعتك نفسك بخدمتي سنة.
فإن منافعه مملوكة للسيد ويصح ذلك، وهذا أظهر الوجوه عند أبي محمد، لعدم احتياجه إلى تأويل، بخلاف غيره، قلت: ولا يخفى ما فيه من التكلف، والصورة المشبهة بها لا تشبه ذلك، لأن السيد لا يملك المنافع المستقبلة، وإنما تحدث والحال هذه على ملك العبد، وغايته أن السيد في هذه الصورة
رضي بإعتاقه بشيء يثبت له في ذمته، انتهى.
وقوله: ليكتبوا له كتابا، فيه دليل على مشروعية كتابة الوثائق خوف التجاحد، وهو كذلك، والله أعلم.
قال: وإذا قال السيد: كاتبتك على ألفين، وقال العبد: على ألف.
فالقول قول السيد مع يمينه.
ش: إذا اختلف السيد ومكاتبه في قدر مال الكتابة، فقال السيد مثلا، كاتبتك على ألفين، وقال المكاتب: بل على ألف.
فالقول قول السيد مع يمينه، في إحدى الروايات، اختارها أبو محمد، في المغني، وقال القاضي: إنها المذهب.
لأنه اختلاف في الكتابة، فكان القول قول السيد، كما لو اختلفا في أصلها (والرواية الثانية) القول قول المكاتب، نصبها الشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، والشيرازي، وصححها ابن عقيل في التذكرة، لأنه منكر، والقول قول المنكر، ومدعى عليه، فيدخل في قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ولكن اليمين على المدعى عليه» وأجاب أبو محمد بأن المنكر إنما قدم قوله لأن الأصل معه، والأصل هنا مع السيد، إذ الأصل في المكاتب وكسبه أنه لسيده، وفيه نظر، إذ الاختلاف لم يقع في المكاتب ولا في كسبه، إنما وقع فيما حصل العقد عليه (والرواية الثالثة) يتحالفان ويتفاسخان الكتابة، اختارها أبو بكر، لأنهما اختلفا في عوض العقد القائم بينهما، فوجب التحالف إذا لم تكن بينة
كالمتبايعين، وفرق أبو محمد بأن الأصل في البيع عدم ملك كل واحد منهما لما صار إليه، والأصل في المكاتب وكسبه أنه لسيده، فلذلك قبل قوله فيه، وقد تقدم الاعتراض على ذلك، قال: ولأن التحالف في البيع مقيد، بخلاف الكتابة، إذ الحاصل بالتحالف فسخ الكتابة، ورد العبد إلى الرق، وهذا يحصل من جعل القول قول [السيد مع يمينه، قلت: وهذا بعينه في البيع لو جعل القول قول] البائع، وعلى هذه الرواية إن تحالفا قبل العتق فسخ العقد، إلا أن يرضى أحدهما بما قال صاحبه، وإن تحالفا بعد العتق رجع السيد بقيمته، ورجع العبد بما أداه، والله أعلم.
قال: وإذا أعتق الأمة أو كاتبها وشرط ما في بطنها له دونها، أو أعتق ما في بطنها دونها فله شرطه.
ش: إذا أعتق أمته أو كاتبها، وشرط ما في بطنها له دونها، فإنه يصح شرطه، ولا يعتق الحمل، ولا يتبع أمه في الكتابة، لعموم قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «المسلمون على شروطهم» .
3919 - وروى الأثرم بسنده عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه أعتق أمة
واستثنى ما في بطنها.
وقد احتج به أحمد فقال: أذهب إلى حديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - في العتق، ولا أذهب إليه في البيع.
3920 - ويروى ذلك أيضا عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولا يعرف لهما مخالف، ويفارق البيع، إذ البيع عقد معاوضة، فاعتبر فيه صفات المعوض، ليعلم هل هو قائم مقام العوض أم لا، والعتق تبرع، لا تتوقف صحته على معرفة صفات المعتق ولهذا لم تنافه الجهالة، وقد حكى أبو محمد عن القاضي أنه خرج صحة استثناء ذلك في العتق، على الروايتين في صحة الاستثناء
في البيع، والمشهور المنصوص - وهي طريقة القاضي في الجامع والروايتين وجماعة - عدم التخريج، والقطع بالصحة هنا، وأما إذا أعتق ما في بطنها دونها فيعتق، لأنه أعتق نسمة، فيدخل في قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: من أعتق نسمة ولا تعتق الأم، لأنها ليست تابعة له، فلم تعتق بعتقه، كما بعد الولادة، وهذا هو المذهب (وعن أحمد رواية أخرى) لا يعتق حتى يولد في ملكه حيا، ولعل مدركها أن الحمل لا حكم له، والأول أن الحمل له حكم، فعلى هذه الرواية يكون كمن علق عتقه بشرط، فيجوز بيعه قبل وضعه تبعا لأمه، والله أعلم.
قال: ولا بأس أن يعجل المكاتب لسيده، ويضع عنه بعض كتابته.
ش: وذلك كأن يصالحه على مائة مؤجلة بخمسين حالة، ونحو ذلك، لأن دين الكتابة غير مستقر، ولذلك لا يصح ضمانه، وليس بدين في الحقيقة، فكأن السيد أخذ بعضا وأسقط بعضا، وعكس هذا صورة لو اتفقا على الزيادة في الدين ليزيده في الأجل، كأن يحل عليه نجم، فيقول: أخرني به إلى كذا وأزيدك، فهل يصح ذلك؟ فيه احتمالان، ذكرهما في
المغني، فالصحة لما تقدم، وعدمها لشبهه بربا الجاهلية المحرم، وهو الزيادة في الدين للزيادة في الأجل.
وقول الخرقي: ولا بأس.
يشعر بأن الأولى ترك ذلك، وقد سئل أحمد عن ذلك في رواية حرب فقال: فيه خلاف، وأرجو.
وقد ذكر أبو البركات في باب حكم الدين أن في جواز بيع دين الكتابة من الغريم وجهين، ثم جزم هنا في الصلح بالصحة، وذكر ذلك بلفظ المصالحة، فيحتمل أن يقال: لما كان بلفظ المصالحة كان بمعنى الإبراء من البعض، وسومح في ذلك للمكاتب، لتشوف الشارع إلى العتق.
قال: وإذا كان العبد بين اثنين، فكاتب أحدهما فلم يؤد كل كتابته حتى أعتق الآخر نصيبه وهو موسر، فقد صار العبد كله حرا، ويرجع الشريك على المعتق بنصف قيمته.
ش: قد تقدم أن للشريك مكاتبة حصته من العبد المشترك بدون إذن شريكه، فإذا فعل فأعتق الذي لم يكاتبه حصته قبل أن يؤدي كتابته وهو موسر، فهل يسري إلى نصيب شريكه المكاتب فيصير حرا؟ على وجهين (أحدهما) - وهو الذي قاله الخرقي، ونص عليه أحمد في رواية بكر بن محمد، وحكاه
القاضي في روايتيه عن أبي بكر، وأورده الشيخان وابن حمدان مذهبا - يسري والحال ما تقدم، لأن المكاتب عبد كما تقدم، فيدخل تحت قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «من أعتق شركا له في عبد» الحديث (والثاني) - وهو قول القاضي، وحكاه أبو محمد عن أبي بكر - لا يسري، حذارا من إضرار الشريك بإبطال سبيل الولاء المنعقد له بالكتابة، والضرر منفي شرعا، نعم، إن عجز المكاتب ورد في الرق سرى إذا، لانتفاء المانع وأجيب عن هذا بأن العتق إذا أثر في الملك الثابت الذي الولاء من بعض آثاره، ففي الولاء أولى.
انتهى.
(فعلى الأول) يرجع الشريك على المعتق بنصف قيمة المكاتب، لإتلافه له بالعتق.
وظاهر كلام الخرقي أنه يرجع بنصف قيمته مكاتبا، وهو إحدى الروايتين، وبه قطع أبو محمد، لأن الذي أتلفه هو مكاتب (والرواية الثانية) يضمنه بما بقي عليه، لأنه لم يفوت على السيد أكثر من ذلك، وعلى هذه قال السامري يكون الولاء بينهما، لكل واحد منهما بقدر ما عتق منه، قال ابن أبي موسى.
انتهى.
وقال أحمد في رواية بكر بن محمد - في عبد بين شريكين، كاتباه على ألف درهم، فأدى إليهما تسعمائة درهم،
لهذا أربعمائة وخمسين، ولهذا أربعمائة وخمسين، ثم إن أحدهما أعتق نصيبه، قال - إن كان للمعتق مال أدى إلى شريكه نصف قيمة العبد، لا يحاسبه بما أخذ، لأنه عبد ما بقي عليه درهم.
وهذا يحتمل - أو هو الظاهر منه - أنه يضمنه بقيمته عبدا، ويجري هذا على ما تقدم من أن العتق إذا وقع في الكتابة أبطلها، لكن ثم العتق من المكاتب، وهنا من غيره والله أعلم.
قال: وإذا عجز المكاتب ورد في الرق وقد كان تصدق عليه بشيء فهو لسيده.
ش: كلام الخرقي يشمل جميع الصدقات، وهو كذلك في صدقة التطوع والوصية ككسبه، أما الزكاة ففيها روايات (إحداها) - وهي ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي محمد - الحكم كذلك، لأنه يأخذ لحاجته، فأشبه الفقير والمسكين (والرواية الثانية) - وهي اختيار أبي بكر والقاضي - يرد إلى أربابه، لأنه أخذه ليصرفه في العتق، فإذا لم يصرف فيه رد، كالغازي إذا لم يغز (والرواية الثالثة) يؤخذ ما في يده فيجعل
في المكاتبين، نقلها حنبل، لأنه جعل ذلك لله، فلا يرجع له، بل يجعل في تلك الجهة، والحكم في موت المكاتب وعتقه كالحكم في عجزه، أما ما أداه إلى السيد قبل العجز فلا يرجع بحال، لصرفه للجهة التي أخذه لها، ولا فرق فيما تقدم بين أن يكون عين ما تصدق عليه به باقيا، أو قد اشترى به عوضا ثم عجز وهو في يده، لأنه بدله، فأعطي حكمه، وأما غير الزكاة من الصدقات المفروضات، فكلام أبي محمد في المغني يقتضي جريان الخلاف فيها، وأبو البركات خص الخلاف في الزكاة، والله أعلم.
قال: وإذا اشترى المكاتبان كل واحد منهما الآخر صح شراء الأول، وبطل شراء الثاني.
ش: أما صحة شراء الأول فلأن تصرفه صحيح، وبيع السيد مكاتبه جائز، فالمقتضي موجود، والمانع منتف، وأما بطلان شراء الثاني فلقيام المانع، وهو أنه قد صار عبدا للذي اشتراه أولا، فلو صححنا شراءه لكان سيدا له، فيكون مملوكا سيدا وإنه ممنوع، حذارا من تناقض الأحكام، ولو لم يعلم الأول منهما فقال أبو بكر وأبو الخطاب وأبو محمد وغيرهم: يبطل البيعان، إذ كل منهما مشكوك في صحته، فرجع إلى الأصل فيهما، وأجراه القاضي مجرى الوليين، فعلى هذا يفسخ الحاكم
البيعين في رواية، وفي أخرى يقرع بينهما، وعلى الأول لا فسخ ولا قرعة، والله أعلم.
قال: وإن شرط في كتابته أن يوالي من شاء فالولاء لمن أعتق، والشرط باطل.
ش: أما كون الولاء لمن أعتق والحال هذه فلحديث بريرة المتقدم «الولاء لمن أعتق» «إنما الولاء لمن أعتق» وأما بطلان الشرط فلحديث بريرة أيضا «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» ولأن ذلك نقل للولاء عن محله، وقد ورد النهي عن نقل الولاء.
3921 - فصح «أنه - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نهى عن بيع الولاء وهبته» ، ومقتضى كلام الخرقي أن العقد لا يبطل بذلك، وأن البطلان يختص بالشرط، وهو منصوص أحمد، لحديث بريرة، فإن أهلها اشترطوا لهم الولاء، مع أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد صحح البيع، وخرج الفساد من الشرط الفاسد في البيع، والله أعلم.
قال: وإذا أسر العدو المكاتب فاشتراه رجل، فأخرجه إلى سيده، وأحب أخذه أخذه بما اشتري به وهو على كتابته، وإن لم يحب أخذه فهو على ملك مشتريه، مبقى على ما بقي من
كتابته، ويعتق بالأداء، وولاؤه لمن يؤدي إليه.
ش: هذا مبني على قواعد ثلاث (إحداها) أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر، وهو المذهب (الثانية) أن المكاتب يصح نقل الملك فيه، وهو المذهب أيضا (الثالثة) أن من وجد ماله من مسلم أو معاهد بيد من اشتراه منهم فهو أحق بثمنه، وهو المشهور.
إذا عرف هذا فإذا أسر الكفار المكاتب، فاشتراه رجل فوجده سيده، فهو مخير إن شاء أخذه بما اشتري به، وإن شاء تركه، لما تقدم في الجهاد، فإن أخذه فهو على كتابته، إذ الكتابة عقد لازم، لا تبطل بالبيع فبالأسر أولى، وإن لم يأخذه فقد استقر الملك فيه لمشتريه، فيكون مبقى على ما بقي من كتابته، لما تقدم من بقاء الكتابة مع ذلك، وإذا يعتق بالأداء كغيره من المكاتبين، وولاؤه لمن أدى إليه، من مكاتبه الأول أو مشتريه، لأنه المعتق له، فيدخل في قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الولاء لمن أعتق» .
(تنبيه) قد تقدم أن الكتابة لا تبطل بالأسر، لكن هل يحتسب عليه بالمدة التي كان فيها مع الكفار؟ على وجهين، فإن قيل لا يحتسب لغت مدة الأسر، وبنى على ما مضى، وإن قيل بالاحتساب فحل عليه ما يجوز تعجيزه بترك أدائه فلسيده
تعجيزه، وهل له ذلك بنفسه أو بحكم الحاكم؟ فيه وجهان، وعلى كليهما متى خلص فأقام بينة بوجود مال له وقت الفسخ يفي بما عليه، فهل يبطل الفسخ أو لا بد مع ذلك من ثبوت أنه كان يمكنه أداؤه؟ فيه قولان، والله أعلم.