كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الجائز، فيدخل فيه سفر النزهة والفرجة، لعموم ما تقدم، وعن أحمد رواية [أخرى] لا يقصر في هذا، لأنه مجرد لهو، لا مصلحة فيه.
(وخرج) من كلامه سفر المعصية، كالآبق، وقاطع الطريق، والتاجر في الخمر، ونحو ذلك، فإنهم لا يقصرون، إذ الرخص شرعت تخفيفا وإعانة على المقصد، فشرعها في سفر المعصية إعانة عليه وأنه لا يجوز، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] ولأنه إذا لم يبح له أكل الميتة والحال هذه، مع كونه مضطرا، فلأن لا تخفف [عنه] بعض العبادة أولى، ودليل الأصل قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] .
788 - قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (غير باغ) على المسلمين، مخيفا لسبيلهم، (ولا عاد) بالسيف عليهم شاقا لهم.
وقول الخرقي: إذا كان سفره واجبا [أو مباحا] . يحتمل ابتداءه، فلو قصد سفرا مباحا، ثم صار محرما قصر، وهو أحد الوجهين، كمن وجدت منه معصية في سفره، ويحتمل أن مراده جميع سفره، فلا يقصر والحال ما تقدم، وهو مختار أبي البركات، وقال القاضي في تعليقه: إنه ظاهر كلام أحمد.
إذ المعصية تناسب قطع التخفيف، ولهذا لو نقل
سفر المعصية إلى مباح، وبقي من المدة مسافة القصر قصر، [والله أعلم] .
قال: ومن لم ينو القصر في وقت دخوله إلى الصلاة لم يقصر.
ش: هذا المجزوم به عند ابن أبي موسى، والمذهب عند القاضي، والشيخين وغيرهما، لأن القصر كما سيأتي رخصة، فإذا لم ينوها لم يأخذ بها، فيتعين الإتمام لأنه الأصل، وصار كالمنفرد، لا يحتاج أن ينوي الانفراد لأنه الأصل، والإمامة والائتمام لما تضمنتا تغييرا عن الأصل افتقرتا إلى النية، وقال أبو بكر: لا يحتاج القصر إلى نية، فيقصر وإن نوى الإتمام.
قال أبو البركات: ووجه ذلك على أصلنا أنها رخصة، خير فيها قبل الدخول في العبادة، فكذلك بعده كالصوم (قلت) : وقد ينبني على ذلك هل الأصل في صلاة المسافر الأربع، وجوز له أن يترك ركعتين منها تخفيفا عليه، فإذا لم ينو القصر لزمه الأصل، ووقعت الأربع
فرضا، أو أن الأصل في حقه ركعتان، وجوز له أن يزيد ركعتين تطوعا، فإذا لم ينو القصر فله فعل الأصل، وهو الركعتان؟ فيه روايتان، المشهور منهما الأول، والثاني أظنه اختيار أبي بكر، وينبني على ذلك إذا ائتم به مقيم، هل يصح بلا خلاف، أو هو كالمفترض خلف المتنفل، [والله أعلم] .
الصلاة التي تقصر
قال: والصبح والمغرب لا يقصران.
ش: إذ قصر الصبح يجحف بها، وقصر المغرب «يزيل وتريتها، مع أن هذا إجماع [والله أعلم] .
قال: وللمسافر أن يتم ويقصر، [كما له أن يصوم ويفطر] . ش: لا خلاف عندنا فيما أعلمه أن للمسافر أن يتم ويقصر، لظاهر قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101] ورفع الجناح [ظاهره] يقتضي الإسقاط والتخفيف، دون الإيجاب.
789 - وقوله سبحانه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] ورد على سبب، وهو تحرجهم الطواف بهما.
790 - «وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: خرجت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في عمرة رمضان، فأفطر وصمت، وقصر وأتممت، فقلت: بأبي وأمي أفطرت وصمت، وقصرت وأتممت.
قال: «أحسنت يا عائشة» .
» 791 - (وعنها) أيضا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم» . رواهما الدارقطني، وحسن إسناد الأول وصحح الثاني.
(وأيضا) ما تقدم من قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - –
«إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة» وقوله: «تلك صدقة تصدق الله بها عليكم» وهذا ظاهر في أن القصر رخصة لا عزيمة.
792 - (وقد ثبت) أن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أتم بمنى، بمحضر من الصحابة وغيرهم، وفي رواية لأبي داود أنه أتم لأن الأعراب كثروا عامئذ، فصلى بالناس أربعا، ليعلمهم أن الصلاة أربع، وثبت أن ابن مسعود وابن عمر صليا خلفه أربعا، وفي أبي داود أنه قيل لابن مسعود: عبت على عثمان ثم صليت أربعا؟ قال: الخلاف شر.
وهذا يدل على جواز ذلك وإنكارهما على عثمان كان على ترك الفضيلة، لأنهم كانوا ينكرون في
السنن، قال أبو البركات: ومن تأول إتمام عثمان على أنه أجمع الإقامة في الحج فقد أخطأ، لأن عثمان مهاجري، لا يحل له أن يقيم بمكة، والمعروف عنه أنه كان لا يطوف للإفاضة والوداع إلا وراحلته قد رحلت.
انتهى.
793 - وقد روى ابن عبد البر عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنا أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نسافر، فيتم بعضنا، ويقصر بعضنا، ويصوم بعضنا، ويفطر بعضنا، ولا يعيب أحد على أحد.
(وقول) عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر.
أي في الأجر والثواب.
794 - (وقول) عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أول ما فرضت الصلاة ركعتان، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر.
أي: أقرت في حكم الاجتزاء بها، لا في منع الزيادة، بدليل ظاهر القرآن، وما تقدم عنها وعن غيرها من الإتمام.
وأما الأصل الذي قاس عليه الخرقي فلا نزاع فيه أيضا، لما تقدم.
795 - ولما في الصحيح «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لحمزة بن عمرو الأسلمي: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» » .
796 - وقول أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في الصحيح: «فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» [والله أعلم] .
القصر والفطر في السفر
قال: والقصر والفطر أعجب إلى أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
ش: لما تقدم من قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» وهذا أمر.
797 - وعن [ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أن] النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الله يحب أن تؤخذ رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته» رواه أحمد.
798 - وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس من البر الصوم في السفر» .
799 - وقال: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر كله» ولأن هذا هو الغالب على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، ولهذا أنكره أكابر الصحابة على عثمان لما أتم مع أنه إنما أتم والله أعلم لمعنى كما تقدم.
800 - قال ابن مسعود لما قيل له عن إتمام عثمان: صليت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمنى ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، فيا ليت حظي من أربع [ركعات] ركعتان متقبلتان.
متفق عليه [والله أعلم] .
قال: وإذا دخل وقت الظهر على مسافر وهو يريد أن يرتحل صلى الظهر وارتحل، فإذا دخل وقت العصر صلاها، وكذلك المغرب وعشاء الآخرة، وإن كان سائرا فأحب أن يؤخر الأولى فيصليها في وقت الثانية فجائز.
ش: قوله: دخل وقت الظهر على مسافر.
أي مسافر له القصر، واعلم أن الصلوات التي تجمع هي الأربع التي مثل بها الخرقي، الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.
ثم الجمع على ضربين [جمع] تقديم، وهو أن يقدم الثانية إلى وقت الأولى، كأن يقدم العصر إلى وقت الظهر، والعشاء إلى وقت المغرب، وكل منهما على ضربين، تارة يكون نازلا، وتارة يكون سائرا، فالصور أربعة والمشهور المعمول به في المذهب جواز جميعها، وظاهر قول الخرقي اختصاص الجواز بصورة منها، وهو جمع التأخير إذا كان سائرا، وهو إحدى الروايتين عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
801 - لما روى أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب، وفي رواية: كان إذا عجل عليه السير يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء» .
802 - (وعن) ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجمع بين صلاتي الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء» .
803 - ( «وعن) ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أعجله السير في السفر يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء.
قال سالم: وكان عبد الله يفعله إذا أعجله السير» . متفق عليهن.
وظاهرها اختصاص الجمع بجمع التأخير، وبحالة السير.
804 - ووجه المذهب - أنه يجوز في التقديم، وفي حال النزول - ما روى معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، يصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب» . رواه أبو داود، والترمذي وقال: حسن غريب.
805 - وروى أبو الزبير المكي، «عن أبي الطفيل، أن معاذا أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غزوة تبوك، فكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فأخر الصلاة يوما، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا.» رواه أحمد وأبو داود، وصححه ابن عبد البر.
وقد اشتمل هذا الحديث على جواز [جمع] التقديم، وعلى جوازه في المنزل.
806 - «وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في السفر؟ قالوا: بلى.
قال: كان إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر [قبل أن يركب، وإذا لم تزغ سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر] ، وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تحن في منزله ركب حتى إذا حانت العشاء نزل فجمع بينهما» . رواه أحمد فهذا يبين أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل الأمرين، وإن كان فعله للأول أكثر وأغلب، ولهذا كان منصوص أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - والذي عليه أصحابه أن جمع التأخير أفضل.
واعلم أن للجمع في وقت الأولى شروطا، (أحدها) تقديم
الأولى لتكون الثانية تابعة لها، لأنها لم يدخل وقتها.
(الثاني) : نية الجمع على الصحيح، ليتميز التقديم المشروع على غيره، ثم هل يكتفى بالنية عند الفراغ، أو لا بد من وجودها عند الإحرام؟ فيه وجهان، أصحهما الثاني.
(الثالث) : أن يوالي بينهما اتباعا لمورد النص، فإن فرق تفريقا كثيرا بطل الجمع، ومرده العرف، لأن الشرع لم يحده، وقد قرب تحديده بالإقامة والوضوء، لأنهما من مصالح الصلاة، فإن صلى سنة الصلاة بينهما ففي بطلان جمعه روايتان، أصحهما البطلان، ومحل الخلاف إذا لم يطل الصلاة، فإن أطالها بطل الجمع رواية واحدة، وكذلك لو أطال الوضوء، كأن كان الماء على بعد منه.
(ويخرج) لجمع السفر شرط رابع وهو بقاء السفر إلى أن يفرغ من الثانية.
أما الجمع في وقت الثانية فيشترط له شرطان.
(أحدهما) نية الجمع في وقت الأولى، ما لم يضق الوقت عن فعلها، لأنه إذا لم ينوها عصى، لأنه لم يأت بالعزيمة في وقتها ولم يلتزم الرخصة، لأن قبولها بالعزم، فيكون إذًا مؤخرا، ووقت النية ما لم يضق الوقت عن فعل الأولى، لزوال فائدة الجمع، إذ فائدته التخفيف بالمقاربة بينهما، وهو حاصل هنا، لأنه
إذا فعل الأولى دخل وقت الثانية في الحال.
(الشرط الثاني) الترتيب، وشرطه الذكر، كترتيب الفوائت، لأن الصلاتين قد استقرتا في ذمته واجبتين، فيسقط ترتيبهما بالنسيان كالفائتتين، بخلاف الجمع بينهما في وقت الأولى، فإن الترتيب لا يسقط بالنسيان، وهل يسقط الترتيب هنا بضيق الوقت، بأن لا يبقى من وقت الثانية ما لا يتسع إلا لواحدة؟ أسقطه القاضي في المجرد، ولم يسقطه في تعليقه، وهو مختار أبي البركات، وهل يشترط للجمع في وقت الثانية الموالاة؟ على وجهين أصحهما: لا يشترط.
وقد أشعر كلام الخرقي بأن الجمع جائز، وليس بمندوب إليه، بخلاف القصر والفطر على ما تقدم، وهو المنصوص والمختار للأصحاب، خروجا من الخلاف، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يداوم عليه.
807 - ولهذا خفي على بعض الأكابر كابن مسعود، وعنه: الجمع أولى.
نظرا للسهولة والتخفيف، والله أعلم.
حكم من نسي صلاة في الحضر فذكرها في السفر
قال: وإذا نسي صلاة حضر، فذكرها في السفر، أو
صلاة سفر، فذكرها في الحضر، صلى في الحالتين صلاة حضر.
ش: أما إذا نسي صلاة حضر، فذكرها في سفر فصلاتها صلاة حضر بالإجماع، حكاه، أحمد، وابن المنذر، واعتبارا بما استقر في ذمته، وأما إذا نسي صلاة سفر، فذكرها في الحضر، صلاها صلاة حضر، قال أحمد: احتياطا.
وذلك لأنه اجتمع ما يقتضي القصر والإتمام، فغلب جانب الإتمام، كما لو أقام المسافر، ولأن القصر رخصة فبزوال سببها يعود إلى الأصل كالمريض.
وقد يفهم من كلام الخرقي بأنه إذا نسي صلاة سفر، فذكرها في السفر أيضا أنه يقصر، وهو كذلك، لشمول النصوص للمؤداة والفائتة، نعم لو ذكرها في سفر آخر فوجهان، أصحهما يقصر أيضا، والله أعلم.
قال: وإذا دخل مع مقيم وهو مسافر أتم.
ش: لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» الحديث.
808 - وعن ابن عمر وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: إذا دخل المسافر في صلاة المقيم صلى بصلاته.
حكاه أحمد، وابن المنذر، ولا يعرف لهما مخالف.
809 - وعن نافع، أن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان يصلي وراء الإمام أربعا، فإذا صلى بنفسه صلى ركعتين.
رواه مالك في الموطأ، وللصحيحين معناه.
وكلام الخرقي يشمل الإدراك القليل، حتى لو أدركه في التشهد أتم، وهذا إحدى الروايتين وأصحهما لما تقدم (والثانية) : أنه إذا لم يدرك معه ركعة قصر، جعلا له كالمنفرد، حيث لم يدرك ما يعتد به، كما في الجمعة، فعلى هذا لو أدرك المسافر تشهد الجمعة قصر، وعلى المذهب يتم، نص عليه أحمد [والله أعلم] .
صلاة المسافر والمقيم خلف المسافر
قال: وإذا صلى مسافر ومقيم خلف مسافر، أتم المقيم إذا سلم إمامه.
ش: هذا إجماع من أهل العلم.
810 - «وعن عمران بن حصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: غزوت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة،
لا يصلي إلا ركعتين، ويقول: «يا أهل البلد صلوا ركعتين فإنا سفر» رواه أبو داود.
قال: وإذا نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم.
ش: هذه إحدى الروايات، واختيار الخرقي، وأبي بكر، وأبي محمد.
811 - لما احتج به أحمد من حديث جابر، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بها الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الصبح في اليوم الثامن، ثم خرج إلى منى، وكان يقصر في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها» .
812 - ( «وعن) أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: خرجنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من المدينة إلى مكة، فصلى ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قال: وأقمنا بها عشرا» . متفق عليه، قال أحمد: إنما وجه حديث أنس عندي أنه حسب مقام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمكة ومنى، وإلا فلا وجه له غير هذا، وإذا حسبت هذه المدة
كانت إحدى وعشرين صلاة، فمن أقام مثل هذه الإقامة قصر، وإن زاد أتم، لأن القياس الإتمام في الحضر مطلقا، لأنه الأصل، وقد زال بسبب الرخصة.
(والرواية الثانية) إن نوى إقامة أكثر من عشرين صلاة أتم، وإلا قصر، اختارها القاضي في تعليقه، لأن الذي تحقق أنه نواه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو إقامة أربعة أيام، لأنه كان حاجا، والحاج لا يخرج من مكة قبل يوم التروية، فثبت أنه نوى إقامة الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وأما أول الثامن فيحتمل أنه لم ينوه ابتداء، فلا يعتبر مع الشك.
(والرواية الثالثة) : إن نوى إقامة أربعة أيام أتم، وإلا قصر.
813 - لقوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا» وقد كان حرم على المهاجر المقام بمكة، فلما رخص له في هذه المدة علم أنها ليست في حكم الإقامة.
814 - وما «روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: أقام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تسع عشرة يقصر الصلاة، فنحن إذا سافرنا فأقمنا تسع عشرة قصرنا، وإن زدنا أتممنا» . رواه البخاري وغيره.
محمول
على أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم ينو المقام، قال أحمد: أقام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثماني عشرة زمن الفتح، لأنه أراد حنينا، ولم يكن ثم إجماع على المقام، [قال: وأقام بتبوك عشرين يوما يقصر، ولم يكن ثم إجماع على المقام] .
وظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق بين أن ينوي الإقامة ببلد مسلمين أو كفار، وهو كذلك.
(تنبيه) : يحتسب عندنا بيوم الدخول والخروج، والله أعلم.
قال: وإن قال: اليوم أخرج، أو غدا أخرج.
قصر وإن أقام شهرا [والله أعلم] .
ش: لما تقدم في حديث عمران «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقام في الفتح ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين» .
815 - وعن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أقام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة» . رواه أحمد، وأبو داود.
816 - وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: يقصر الذي يقول: أخرج اليوم، أخرج غدا.
شهرا.
817 - وعن سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أقام في بعض قرى
الشام أربعين يوما يقصر الصلاة.
رواهما سعيد.
ولا فرق إذا لم ينو الإقامة، أو نواها مدة لا تمنع القصر بين أن يكون البلد منتهى قصده أو لم يكن، على ظاهر كلام الخرقي، وهو المنصوص، واختيار الأكثرين، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قصر في حجه مدة إقامته بمكة، وكانت منتهى قصده، وكذلك خلفاؤه بعده - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وقال بعض أصحابنا: إذا كان منتهى قصده لم يقصر حتى يخرج منه، لانتهاء سفره.
وهذا كله إذا كان البلد غير وطنه أما وطنه فيمنع القصر بمجرد دخوله إليه، وكذلك إذا كانت له فيه زوجة، أو تزوج فيه، ونقل عنه ابن المنذر: أو مر ببلد ماشية كانت له فيه، وعنه رواية أخرى يتم إلا أن يكون مارا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
باب صلاة الجمعة
ش: الجمعة مثلثة الميم حكاه ابن سيده، والأصل الضم، واشتقاقها قيل: من اجتماع الناس للصلاة.
قاله ابن دريد، وقيل: بل لاجتماع الخليقة فيه وكمالها.
818 - ويروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنها سميت بذلك لاجتماع آدم فيه مع حواء في الأرض.
819 - وروى الدارقطني بإسناده عن سلمان الفارسي، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إنما سميت الجمعة لأن آدم جمع فيها خلقه» .
820 - ولأحمد في مسنده معناه من رواية أبي هريرة.
وقيل: إن
أول من سماه يوم الجمعة كعب بن لؤي، واسمه القديم يوم العروبة، قيل: سمي بذلك لأن العرب كانت تعظمه، قال الله تعالى: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: 37] .
والأصل في فرضية الجمعة قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] الآية.
821 - (وعن) أبي الجعد الضمري - وكانت له صحبة - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه» رواه الخمسة.
822 - وفي الموطأ عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال مالك: لا أدري أعن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أم لا - نحوه.
823 - (وعن) الحكم بن ميناء أن عبد الله بن عمر، وأبا هريرة حدثاه أنهما سمعا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول على منبره: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين» . 824 - (وعن) صفوان بن سليم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لقوم يتخلفون عن الجمعة «لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم» رواهما مسلم، والنصوص في الباب كثيرة، سيأتي منها إن شاء الله تعالى جملة [والله أعلم] .
وقت صلاة الجمعة
قال: وإذا زالت الشمس يوم الجمعة صعد الإمام على المنبر.
ش: لما كان المقصود بالذات هو بيان صفة الصلاة بدأ به الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - تعالى فقال: وإذا زالت الشمس، والمراد بهذا على طريق الأولوية، أما الجواز فسيأتي له أنه في السادسة أو الخامسة، وإنما كان الأولى فعلها إذا زالت الشمس.
825 - لما «روى سلمة بن الأكوع - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: كنا نجمع مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفيء.
متفق عليه، وفي رواية: نصلي مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يستظل به» .
826 - وعن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس» ، رواه البخاري، وأبو داود، والترمذي، ولأن فيه خروجا من الخلاف، فإن الإجماع على أن ما بعد الزوال وقت للجمعة.
وفي كلام الخرقي إشعار بأنها تفعل عقب الزوال صيفا وشتاء، وذلك لما تقدم.
827 - وقد «قال سهل بن سعد: كنا نصلي مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم تكون القائلة، وفي رواية: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة» . متفق عليه، ولأن الجمعة يجتمع لها الناس، فلو انتظر لها الإبراد شق عليهم.
وقول الخرقي: صعد الإمام على المنبر.
فيه استحباب المنبر، ولا نزاع في ذلك.
828 - وقد ثبت أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتخذ منبرا، وخطب عليه ولذلك توارثته الأمة بعده، ولأن ذلك أبلغ في الإعلام، وهو حكمة مشروعية المنبر.
829 - قال أبي بن كعب: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب إلى جذع إذ كان المسجد عريشا، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله هل لك أن نجعل لك شيئا تقوم عليه يوم الجمعة، حتى يراك الناس، وتسمعهم خطبتك؟ قال: «نعم» فصنع له ثلاث درجات، فلما صنع المنبر وضع في موضعه الذي وضعه فيه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما أراد أن يأتي المنبر مر عليه، فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدع وانشق، فرجع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فمسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر» . رواه أحمد.
قال: فإذا استقبل الناس سلم عليهم.
830 - ش: لما روي عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا صعد المنبر سلم» . رواه ابن ماجه.
831 - وعن أبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وابن الزبير كذلك، رواه عنهم الأثرم، وكذلك روى النجاد عن عثمان، ولا نزاع فيما نعلمه أن يسلم عليهم إذا خرج عليهم كغيره.
وقول الخرقي: إذا استقبل [الناس] فيه إشارة إلى استحباب استقبال الخطيب: الناس، وهو كالإجماع قاله ابن المنذر، وينحرف الناس إليه.
832 - «قال ابن مسعود: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا» . رواه الترمذي، ومنصوص أحمد أن الاستقبال وقت الخطبة، وقال أبو بكر في التنبيه: يستقبل إذا خرج.
[والله أعلم] .
قال: وردوا عليه [السلام] .
ش: الرد عليه واجب كما في غيره، ويجزئ رد البعض.
833 - قال زيد بن أسلم: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يسلم الراكب على الماشي، وإذا سلم أحد من القوم أجزأ عنهم» رواه مالك في الموطأ.
قال: وجلس.
ش: لما سيأتي إن شاء الله تعالى من حديث السائب.
قال: وأخذ المؤذنون في الأذان.
834 - ش: لما روى السائب بن يزيد قال: «كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر، وعمر، فلما كان في خلافة عثمان وكثروا أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك» . رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
البيع وقت أذان الجمعة
قال: وهذا الأذان الذي يمنع البيع، ويلزم السعي، إلا لمن منزله في بعد فعليه أن يسعى في الوقت الذي يكون فيه مدركا للجمعة.
ش: الأذان للجمعة في الجملة يمنع البيع، ويلزم السعي، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] الآية.
والمؤثر في ذلك هو الأذان الذي بين يدي الإمام على المنبر، لأنه هو الذي كان على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فالآية وردت عليه، فيتعلق الحكم به.
(وعن أحمد) رواية أخرى أن المنع من البيع ولزوم السعي يتعلق بالأذان الأول، الذي أحدثه عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لعموم الآية.
835 - مع الأمر باتباع سنة خلفائه الراشدين من بعده، رضي الله
عنهم.
(وعنه) رواية ثالثة أن المنع يتعلق بالزوال، لأنه أمر منضبط، لا يختلف، بخلاف الأذان، ولدخول وقت الوجوب، قال أبو البركات: وقياس هذا وجوب السعي إذا للتمكن، والأول المذهب.
ووجوب السعي بالأذان في حق من منزله قريب، يدرك بذلك، أما من منزله بعيد فعليه أن يسعى في الوقت الذي يكون به مدركا للجمعة، لأن ما لا يتم الواجب إلا به واجب، والجمعة واجبة، ولا تتم إلا بالسعي إليها قبل النداء، فيجب السعي إذ ذاك، وهذا في السعي الواجب، أما المسنون فمن طلوع الفجر عندنا.
836 - لقوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « «من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» متفق عليه، ولمالك في الموطأ «ثم راح في الساعة الأولى» » وذكر الساعات بالألف واللام ينصرف إلى المعهودات.
837 - ولقوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « «من غسل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنى من الإمام، واستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها» رواه الخمسة.
وما قيل: من أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال مؤول بأن المراد بالرواح القصد إليها، كما يقال للخارج للحج حاج، والله أعلم.
وقول الخرقي: وهذا الأذان الذي يمنع البيع [أي] في حق من تلزمه الجمعة، لأنه هو المأمور بالسعي، فلا يحرم على امرأة، وعبد، ونحوهما، نعم يكره ذلك [منهما] في الأسواق ونحوها، حذارا من الاستخفاف بحرمة الأذان، ولما فيه من تغرير من لا علم عنده بذلك، وحكى ابن أبي موسى
رواية في بيع من لا تلزمه الجمعة من المقيمين أنه لا يصح، والأول المذهب.
وقوله: يمنع البيع.
أي يمنعه بالكلية، فلا يصح، نظرا لقاعدة النهي في اقتضائه الفساد، وقيل: يصح مع التحريم.
وقد شمل كلام الخرقي جميع أنواع البيع، من الصرف، والسلم، والتولية، والإقالة إن قيل: إنها بيع، ونحو ذلك، وكذلك الإجارة، قاله ابن عقيل، وشمل بيع القليل والكثير، وهو كذلك، حتى شرب الماء ونحوه، [وقوله لشخص: أعتق عبدك عني.
قاله ابن عقيل] .
واستثني من كلام الخرقي إذا اضطر إلى البيع في ذلك الوقت، لجوع، أو عطش شديد، يخاف منه الهلاك، أو التضرر في نفسه تضررا يباح [في] مثله استعمال الأبدال، فإنه يجوز له الشراء، ويجوز للمالك البيع.
وكذلك يستثنى شراء كفن، وحنوط لميت يخشى عليه الفساد، وكذلك شراء أبيه ليعتق [عليه] وشراء ما يستعين به على حضور الجمعة، كشراء أعمى عبدا يأخذ بيده، ونحو ذلك، على احتمال فيهما ذكره ابن عقيل.
[ومقتضى كلامه أنه لو جاء وقت النداء ولم يناد - لعذر
للإمام، أو لفتنة، ونحو ذلك - لم يمنع البيع، وهو كذلك، وأن النداء لغيرها من الصلوات لا يمنع.
وهو أحد احتمالي ابن عقيل، وظاهر كلام الأصحاب.
والثاني: يمنع النداء لغيرها، كما يمنع لها، وينبغي أن يكون المراد بهذا النداء الإقامة] .
وخرج منه غير البيع، من النكاح ونحوه، وهو أصح [الوجهين أو] الروايتين، وقيل: الصحيح العكس.
وكذلك خرج فسخ العقد، وإمضاؤه، وهو كذلك، إذ ليس ببيع [قال ابن عقيل، وقد يتخرج فيه ما يخرج في الرجعة في حق المحرم، وأن فيها روايتين، وأشار بأن الخيار [قد] يفضي إلى المنع من الجمعة، كما أن الرجعة قد تفضي إلى النكاح، ثم أشار أيضا إلى أنا إذا جعلنا الرجعة كالعقد، فأولى أن نجعل الارتجاع كالبيع، لأن الرجعية ملكه، بخلاف المبيع، ثم قال: والصحيح الأول] .
(تنبيه) : لو وجد أحد شقي العقد قبل النداء، والآخر بعده، أو كان أحد العاقدين لا جمعة عليه، لم يصح العقد، لأن بعض المنهي ككله، قاله صاحب التلخيص، وابن عقيل، وبالغ فقال: لو نودي بالصلاة بعد ما شرع في
القبول لم يتمه، وأورد أبو محمد المذهب أنه يحرم في حق من تلزمه الجمعة، [ويكره في حق غيره، ولو كان للبلد جامعان يصح إقامة الجمعة] فيهما، فسبق النداء في أحدهما، فهل يحرم البيع مطلقا، أو لا يحرم إلا إذا كان الجامع الذي نودي فيه من جنب داره، أما لو كان من الجانب الذي داره ليس فيه فلا يحرم؟ فيه احتمالان، ذكرهما ابن عقيل، والله سبحانه أعلم.
الخطبة من شروط صحة الجمعة
قال: فإذا فرغوا من الأذان خطبهم قائما.
ش: لا إشكال في مشروعية الخطبة، إذ ذاك مما استفاضت به السنة الصحيحة، ومذهبنا ومذهب الجمهور أن الخطبة شرط لصحة الجمعة، لأن الله أمر بالسعي إلى ذلك بقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] والمراد به - على ما قال المفسرون - الخطبة، وظاهر الأمر الوجوب، والسعي الواجب لا يكون إلا إلى واجب، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - داوم على ذلك، مع قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صلوا كما رأيتموني أصلي» .
838 - ولأن الخطبتين بدل عن الركعتين، كذا روي عن عمر، وابنه، وعائشة، وغيرهم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
وقول الخرقي: قائما.
ظاهره الوجوب، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
839 - لما روى جابر بن سمرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، فمن قال: إنه كان يخطب جالسا.
فقد كذب، فلقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة» . رواه مسلم وغيره.
840 - ودخل كعب بن عجرة، وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا، فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: 11] رواه مسلم والنسائي، وبهذا استدل أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -. (والرواية الثانية) - وهي المشهورة عند الأصحاب - يجوز أن يخطب جالسا، والقيام سنة، لظاهر الآية الكريمة، فإن الذكر قد أطلق ولم يقيد، والمقصود حاصل بدونه، وفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحمل على الفضيلة، والله أعلم.
قال: فحمد الله [عز وجل] وأثنى عليه، وصلى على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[وقرأ شيئا من القرآن ووعظ] .
841 - ش: أما الحمد والثناء على الله تعالى، فلما روي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» رواه أبو داود.
842 - وعن جابر بن عبد الله قال: «كانت خطبة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم الجمعة يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله» . وذكر الحديث رواه مسلم، (وأما الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فلأن الخطبة اشترط فيها ذكر الله تعالى، فيشترط فيها ذكر رسوله كالأذان.
843 - «وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وذكر إسراء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وذكر فيه قول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] قال: «فلا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي» رواه الخلال في كتاب العلم، وكتاب السنة.
844 - (وأما قراءة شيء من القرآن) فلما روى جابر بن سمرة قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب قائما، ويجلس بين الخطبتين، ويقرأ آيات، ويذكر الناس» . رواه أحمد ومسلم.
قال: ثم جلس.
ش: [لا إشكال] في سنية هذا الجلوس بين الخطبتين، اقتداء بفعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما تقدم في حديث جابر بن سمرة.
845 - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس» ، ولا يجب على المذهب المشهور، لحصول المقصود بدونه.
846 - وعن المغيرة بن شعبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه لم يجلس بين الخطبتين.
ذكره أحمد، وابن المنذر.
847 - وروى النجاد عن أبي إسحاق قال: رأيت عليا يخطب على المنبر، فلم يجلس حتى فرغ، والظاهر أنه قد حضرهما جماعة من الصحابة، ولم ينقل إنكار، وذهب أبو بكر النجاد من أصحابنا إلى وجوبه، لمداومته على ذلك، والله أعلم.
قال: وقام فأتى أيضا بالحمد لله، والثناء عليه، والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقرأ ووعظ.
ش: قوله: قام.
يعني يخطب خطبة ثانية، ولا إشكال أن المذهب وجوب الثانية كالأولى، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يخطب خطبتين، وفعله وقع بيانا لمجمل الذكر المأمور به في الآية الكريمة، ولأن الخطبتين بدل الركعتين، فليكونا واجبتين كهما.
(وقيل) : عن أحمد ما يدل على أن الواجب خطبة واحدة، ولا عمل عليه.
(ثم) الثانية تشتمل على ما اشتملت عليه الأولى من الحمد، والصلاة، والقراءة، لما تقدم، وزاد الخرقي في الثانية الموعظة، لحديث جابر بن سمرة: ويذكر الناس.
ولأنه المقصود من الخطبة، والمهتم به.
واعلم أن هذه الأربع من الحمد، والصلاة، والقراءة، والموعظة، أركان للخطبتين، لا تصح واحدة من الخطبتين إلا بهن، [إلا أن القراءة لا تجب إلا في خطبة واحدة، ومن الأصحاب من يشترط الإتيان بلفظ الحمد] ، وقد تقدمت الإشارة إلى دليل ذلك، ولأبي محمد احتمال بأنه لا يجب إلا الحمد والموعظة.
وظاهر كلام الخرقي أن الموعظة لا تجيء إلا في الثانية، وفي المذهب قويل: أن القراءة لا تجب إلا في خطبة، ومن الأصحاب من يعين الأولى.
848 - لما روي عن الشعبي أنه قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس، وقال: «السلام عليكم» ويحمد الله ويثني عليه ويقرأ سورة ثم يجلس» ، ثم يقول: فيخطب، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه.
رواه الأثرم.
وظاهره أن القراءة في الأولى، والموعظة في الثانية، والأول المذهب (ولا يشترط) الإتيان بلفظ الوصية، بل إذا قال: أطيعوا الله.
ونحو ذلك أجزأه، ولهذا قال الخرقي: ووعظ.
(ويتشرط) الإتيان بلفظ الصلاة على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند العامة، وعند أبي البركات، يكتفي بنحو: وأن محمدا عبده ورسوله.
فالواجب عنده ذكر الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا لفظ الصلاة، اعتمادا
على ظاهر حديث أبي هريرة في ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] .
والواجب في القراءة قراءة آية على المشهور، وعنه يكتفى بقراءة بعض آية، وهو ظاهر كلام الخرقي، ونظر أبو البركات إلى المعنى، فاكتفى ببعض آية يحصل المقصود، نحو ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18] ولم يكتف بآية لا تحصله، نحو ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: 1] و ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر: 22] ولا يعبر عن القراءة بغيرها كـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] في الصلاة، نعم من لا يحسنها، ولم يوجد غيره، فهل يبدلها بفضل ذكر، كما في الصلاة، وكما يأتي ببقية الأركان بلغته، أو تسقط عنه القراءة رأسا، لحصول معناها من بقية الأركان؟ فيه احتمالان.
ويبدأ بالحمد، ثم بذكر الرسول ثم بالموعظة، ثم بالقراءة، فإن نكس فوجهان (ويشترط) للخطبتين أيضا تقديمهما على الصلاة، اقتداء بفعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحضور العدد المعتبر للجمعة، لسماع أركانهما، لأنهما بدل الركعتين، فإن فات السماع لنوم، أو ضجة، أو غفلة لم يؤثر، وإن فات لبعدهم عنه، أو لخفض صوته أثر، وكان كما لو خطب وحده، وإن فات لصمم بهم وهم بقربه، ووراءه من لا
يسمعه للبعد، ولا صمم به فوجهان، ويشترط لهما أيضا الوقت، لأنهما كبعض الصلاة، ويشترط أيضا الموالاة في الخطبة، وبين الخطبتين، وبينهما وبين الصلاة، على الأصح، بأن لا يفرق بينهما تفريقا فاحشا.
وهل يشترط النطق للخطبة؟ فيه قولان، أصحهما نعم، فلو كانوا كلهم خرسا صلوا ظهرا، والثاني: لا.
فيخطب أحدهم بالإشارة.
(وهل) يشترط أن يتولاهما من يتولى الصلاة؟ فيه ثلاث روايات: أصحها عند أبي البركات عدم الاشتراط، وأشهرها عند صاحب التلخيص الاشتراط، والثالثة يجوز للعذر كالحدث والحصر والعزل دون غيره فحيث جاز فهل يشترط أن يكون المستخلف ممن شهد الخطبة؟ فيه روايتان أصحهما لا؛ هذا إن كان العدد تاما بدون المستخلف الذي لم يشهد الخطبة، أما إن لم يتم إلا به فإن التجميع لا يجوز لهم بحال.
وهل يشترط لهما الطهارة؟ أما الطهارة الصغرى فلا تشترط، على ما جزم به الأكثرون، القاضي، والشريف، وأبو الخطاب في خلافيهما، والشيرازي، وأبو البركات وغيرهم، وحكى أبو محمد رواية بالاشتراط، وأخذها من قول أبي الخطاب في الهداية: ومن سننهما الطهارة، وأن يتولاهما من يتولى الصلاة، وعنه أن ذلك من شرائطهما، فرجع بالإشارة إلى المسألتين وأما أبو البركات فرجع
بالإشارة إلى الثانية، وجعل الأولى محل وفاق، وهذا أولى، توفيقا بين كلام الأصحاب، إذ لم نر أحدا حكى الخلاف في ذلك إلا صاحب التلخيص، فإن كلامه ظاهر في حكاية قول بالاشتراط.
(وأما الطهارة الكبرى) فمنصوص أحمد أيضا في رواية صالح صحة الخطبة مع فقدها، قال: إذا خطب بهم جنبا، ثم اغتسل وصلى بهم، أرجو أن تجزئه.
وتبع إطلاق المنصوص الشريف، وأبو الخطاب في خلافيهما، وقيده القاضي في جامعه، وفي تعليقه، وصاحب التلخيص فيه: بأن يكون المنبر خارج المسجد، لأن لبثه فيه معصية تنافي العبادة، وقال صاحب التلخيص، وأبو محمد: لا تصح خطبته مطلقا، بناء على الصحيح في اعتبار الآية للخطبة، ومنع الجنب منها، وقال الشريف: إنه [قياس] قول الخرقي، وكأنه أخذ ذلك من عدم اعتداده بأذان الجنب، وأبو البركات خرج المنع من الصلاة في الدار المغصوبة، حيث حرمت القراءة، أما لو اغتسل ثم قرأ الآية، أو نسي الجنابة، فإن الخطبة تصح، لعدم تحريم القراءة، ولا أثر عنده للبث، لأنه قد يتوضأ فيباح له، وقد ينسى جنابته، وحيث حرم عليه لا أثر له في شيء من واجبات العبادة، فهو كما لو أذن جنبا في المسجد.
والله أعلم.