كتاب الجراح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الروايتين، والله أعلم.
قال: وفي كل أنملة منها ثلث عقلها، إلا الإبهام فإنها مفصلان، ففي كل مفصل خمس من الإبل.
ش: في كل أنملة من الأصابع ثلث عقل الإصبع لأن كل إصبع فيه ثلاث أنامل، فديته مقسومة عليها، إلا الإبهام فإنها مفصلان، فتقسم دية الإصبع عليهما، فيجب في كل مفصل نصف ديته، وهو خمس من الإبل.
قال: وفي البطن إذا ضرب فلم يستمسك الغائط الدية، وفي المثانة إذا لم يستمسك البول الدية.
ش: لأن كل واحد من هذين العضوين فيه منفعة ليس في البدن مثله، فوجب في تفويت منفعته دية كاملة، كسائر الأعضاء، وحكى ابن أبي موسى رواية في المثانة أن فيها ثلث الدية، والله أعلم.
قال: وفي ذهاب العقل الدية.
3007 - ش: لأن ذلك يروى عن عمر وزيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، ولأن به يتميز من البهائم، ويعرف به حقائق المعلومات، ويدخل به في التكليف، وهو شرط في ثبوت الولايات، وصحة التصرفات، وأداء العبادات، فكان بإيجاب الدية أحق من
بقية الحواس، وقد ادعى أبو محمد أن في كتاب عمرو بن حزم «وفي العقل الدية» ، ولم أر ذلك، والله أعلم.
قال: وفي اليد الشلاء ثلث ديتها، وكذلك العين القائمة، والسن السوداء.
ش: هذا إحدى الروايتين عن إمامنا، واختيار عامة أصحابنا.
3008 - لما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى في العين العوراء السادة لمكانها إذا طمست بثلث ديتها، وفي اليد الشلاء إذا قطعت بثلث ديتها، وفي السن السوداء إذا نزعت بثلث ديتها» ؛ رواه النسائي، ولأبي داود منه: «قضى في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية» .
3009 - وعن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قضى في العين القائمة إذا خسفت، واليد الشلاء إذا قطعت، والسن السوداء، إذا كسرت ثلث دية كل واحدة منهن.
(والرواية الثانية) في جميع ذلك حكومة، ولعله قال ذلك قبل أن يبلغه الخبر، أو قبل أن يثبت عنده، وإذا لا مقدر في ذلك، ولا يمكن إيجاب الدية فيه كاملة، لذهاب نفعه، فيجب فيه حكومة.
تنبيهان: (أحدهما) العين القائمة هي الباقية في موضعها صحيحة، وإنما ذهب نظرها وإبصارها، واليد الشلاء التي بطلت لآفة تعتريها، ومن ثم قال القاضي: الروايتان في السن السوداء التي ذهب نفعها، أما إن لم يذهب نفعها بالكلية، ففيها ديتها كاملة، وخالفه أبو محمد عملا بإطلاق أحمد، وبظاهر الحديث.
(الثاني) : الروايتان السابقتان جاريتان في الرجل الشلاء، والإصبع الشلاء، والذكر الأشل، والثدي الأشل، ولسان الأخرس، ولسان الصبي الذي أتى عليه أن يحركه بالبكاء ولم يحركه، والثدي دون حلمته، والذكر دون حشفته، والكف دون أصابعه، وقصبة الأنف، واليد والإصبع، والرجل والسن الزوائد [وذكر الخصي والعنين على رواية، إلا أن المختار لأبي محمد في اليد والأصبع والرجل والسن الزوائد] أن فيها حكومة، وكذلك مختاره في الذكر، دون حشفته، والكف دون أصابعه، والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - اقتصر على ما تقدم، إما لورود النص فيها دون غيرها، وإما لأن مختاره وجوب الحكومة فيما عداها.
واعلم أن أبا محمد جعل من صور الخلاف هنا شحمة الأذن، وكلامه في المغني في هذا الموضع يقتضي أن مختاره أن فيها حكومة، ولما تكلم في قطع الأذن، وأن في بعضها بالحساب من ديتها، قال: إنه روي عن أحمد أن في شحمة
الأذن ثلث ديتها، وأن المذهب الأول، وعلى هذا الثاني جرى أبو البركات، ولم يحك رواية الحكومة.
قال: وفي إسكتي المرأة الدية.
ش: الإسكتان بكسر الهمزة وفتحها شفرا الرحم، وقيل جانباه مما يلي شفريه، وفيهما الدية، لأن فيها جمالا ومنفعة، وليس في البدن غيرهما من جنسهما، فوجبت فيهما الدية كسائر ما في البدن منه شيئان، والله أعلم.
قال: وفي موضحة الحر خمس من الإبل.
ش: لما تقدم في حديث عمرو بن حزم.
3010 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «في الموضحة خمس من الإبل» رواه الخمسة.
وقوله: في موضحة الحر.
يحترز به عن موضحة العبد، فإن فيها نصف عشر قيمته أو ما نقص من قيمته، على اختلاف الروايتين والله أعلم.
قال: سواء كان رجلا أو امرأة.
ش: أي سواء كان المجني عليه رجلا أو امرأة، لعموم الحديث، ولما تقدم من أن جراحها تساوي جراح الرجل إلى الثلث، ونص الخرقي على ذلك لينبه على مذهب الشافعي
- رَحِمَهُ اللَّهُ - وهو أن موضحتها على النصف من موضحة الرجل.
جراح المرأة تساوي جراح الرجل إلى الثلث
قال: وجراح المرأة تساوي جراح الرجل إلى ثلث الدية، فإذا زادت صارت على النصف.
ش: قد تقدم الكلام على هذا بما فيه كفاية، ونزيد هنا أن مقتضى كلامه أنها تساويه في الثلث، وهذا اللفظ في هذا الموضع غير موجود في بعض النسخ.
قال: والموضحة في الوجه والرأس سواء.
ش: هذا إحدى الروايتين، واختيار القاضي وعامة أصحابه، لعموم ما تقدم.
3011 - وعن أبي بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: الموضحة في الرأس والوجه سواء.
(والرواية الثانية) : في موضحة الوجه عشر من الإبل، قال القاضي: نقلها حنبل انتهى.
. . واختارها الشيرازي، وذلك لأن شينها أكثر، لظهورها، بخلاف موضحة الرأس فإنه يسترها
الرأس والشعر، وأول أبو محمد هذه الرواية بعد أن زعم أن لفظها موضحة الوجه أحرى أن يزاد في ديتها.
بأن معناها أنها أولى بإيجاب الدية، لا أنها يجب فيها أكثر، وقوة كلام الخرقي يقتضي أنه لا مقدر في غير موضحة الرأس والوجه من المواضح، وهو كذلك، إذ اسم الموضحة إنما يطلق على الجراحة المخصوصة في الوجه والرأس، وغيرهما ليس في معناهما، لأن شينهما أكثر، وخطرهما أعظم والله أعلم.
قال: وهي التي تبرز العظم وتوضحه.
ش: هذا بيان للموضحة أنها التي تبرز العظم أي تظهره، سميت بذلك لأنها أبدت وضح العظم أي بياضه، ولا فرق بين قليل ذلك وكثيره، حتى لو أبدت من العظم قدر إبرة فهي موضحة، ولو كانت كل الرأس فهي موضحة، ومن ثم قال الأصحاب: لو شجه في رأسه شجة بعضها موضحة وبعضها دون الموضحة، لم يلزمه أكثر من أرش الموضحة.
قال: وفي الهاشمة عشر من الإبل.
3012 - ش: لأن ذلك يروى عن زيد بن ثابت، ولأنها شجة فوق الموضحة، تختص باسم، فكان فيها مقدر كالمأمومة، والله أعلم.
قال: وهي التي توضح العظم وتهشمه.
ش: هذا بيان للهاشمة، وسميت بذلك لهشمها العظم، وكان ابن الأعرابي يجعل بعد الموضحة المفرشة، وهي التي يصير منها في العظم صديع مثل الشعرة، ويلمس باللسان لخفائه، انتهى.
وتختص أيضا بالرأس والوجه كما في الموضحة، ولو هشمت العظم من غير إيضاح لم يجب أرش الهاشمة، على مقتضى كلام الخرقي، وهو كذلك بلا ريب، وهل تجب خمس من الإبل، لأنه الذي يخص الهشم، أو حكومة لأن زيدا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لم يحكم إلا في إيضاح وهشم؟ فيه وجهان.
قال: وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل.
ش: قد حكى ذلك ابن المنذر إجماعا، وشهد له حديث عمرو بن حزم، والله أعلم.
قال: وهي التي توضح وتهشم وتسطو حتى تنقل عظامها.
ش: المنقلة زائدة على الهاشمة، لأنها التي توضح العظم وتهشم وتزيد في الهشم، حتى تزيل العظام عن مواضعها، وبذلك سميت المنقلة، لنقلها العظام.
قال: وفي المأمومة ثلث الدية.
ش: لحديث عمرو بن حزم.
3013 - وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى في المأمومة بثلث العقل، ثلاث وثلاثون من الإبل، أو قيمتها من الذهب، أو الورق أو البقر، أو الشاء، والجائفة مثل ذلك» ، مختصر رواه أبو داود والنسائي.
قال: وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ.
ش: وتسمى أم الدماغ سميت بذلك لأنها تحوط الدماغ وتجمعه.
قال: وفي الآمة ما في المأمومة.
ش: الآمة والمأمومة حكمهما واحد، وهما شيء واحد، قال ابن المنذر: أهل العراق يقولون لها الآمة، وأهل الحجاز المأمومة أي لهذه الجراحة، وسميت بذلك لوصولها إلى جلدة الدماغ التي هي أم الدماغ.
(تنبيه) : فإن خرق جلدة الدماغ فهي الدامغة يعني بالغين المعجمة، وفيها ما في المأمومة، وقيل فيها مع ذلك حكومة لخرق الجلدة.
قال القاضي: ولم يذكرها أصحابنا لمساواتها المأمومة في أرشها.
قال أبو محمد: ويحتمل أنهم تركوا ذكرها لكون صاحبها لا يسلم غالبا والله أعلم.
قال: وفي الجائفة ثلث الدية.
ش: لما تقدم من حديث عمرو بن حزم وعمرو بن شعيب.
قال: وهي التي تصل إلى الجوف.
ش: وبذلك سميت، وقد خرج من كلام الخرقي إذا طعنه في خده فوصل إلى فمه، أنها لا تكون جائفة، وهو المذهب، لأن الفم في حكم الظاهر لا في حكم الباطن، ولأبي الخطاب احتمال أنه جائفة، لوصوله إلى جوفه، والله أعلم.
قال: فإن جرحه في جوفه فخرج من الجانب الآخر، فهي جائفتان.
3014 - ش: اقتداء بأبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فعن سعيد بن المسيب أن رجلا رمى رجلا بسهم فأنفذه، فقضى أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بثلثي الدية رواه سعيد بن منصور في سننه، وروى ذلك أيضا عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
حكم من وطئ زوجته وهي صغيرة ففتقها
قال: ومن وطئ زوجته وهي صغيرة ففتقها لزمه ثلث الدية.
ش: معنى الفتق أن يجعل مدخل الذكر، وهو مخرج المني والحيض والولد، ومخرج البول واحدا، وقيل: بل هو خرق
ما بين القبل والدبر، وبعده أبو محمد، لغلظ الحاجز بينهما، فيبعد ذهابه بالوطء، وفي ذلك ثلث الدية.
3015 - لأن ذلك يروى عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ولأنها جناية تخرق الحاجز بين مسلك البول والذكر، فكان موجبها ثلث الدية كالجائفة، ويجب ذلك في ماله إن تعمد، بأن يعلم أنها لا تطيقه، وإن وطأها يفضيها، أما إن لم يعلم ذلك، وكان مما يحتمل أن لا يفضي إليه فهو شبه عمد، تحمله العاقلة على الصحيح، وقيد الخرقي بالصغيرة، وفي معناها النحيفة التي لا تحتمل الوطء، ولتخرج الكبيرة المحتملة له، فإنه إذا وطئها فأفضاها لا شيء عليه، لأنه وطء مستحق له، فلم يجب ضمان ما تلف به كالبكارة، أو فعل مأذون فيه ممن يصح إذنه، فلم يضمن ما تلف بسرايته كما لو أذنت في مداواتها بما أفضى إلى ذلك.
وقال: زوجته لتخرج الأجنبية، فإنه إن زنا بها مطاوعة فلا شيء لها، وإن كانت مكرهة واستمسك البول وجب ثلث الدية، وإن لم يستمسك فالدية كاملة، وإن وطئها بشبهة فكذلك مع المهر.
قال: وفي الضلع بعير.
3016 - ش: يروى عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قضى في الضلع بجمل، وشرط أبو البركات لذلك أن يجبر مستقيما، ومفهوم
كلامه أنه لو لم يجبر مستقيما كان فيه حكومة، ولم أر هذا الشرط لغيره، وقد حكى القاضي في روايتيه أن أحمد قال: في الضلع بعير، وهذا لا قيد فيه.
قال: وفي الترقوة بعيران.
ش: الترقوة بفتح التاء، قال الجوهري: ولا تقل ترقوة بالضم، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وفيها بعيران على ظاهر كلام الخرقي، فيكون في الترقوتين أربعة أبعرة.
3017 - وهذا قول زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والمنصوص أن في الواحدة بعيرا، فيكون فيهما بعيران.
3018 - وهذا قول عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وهو المذهب عند القاضي وأصحابه، حتى إن القاضي قال: مراد الخرقي
بقوله: الترقوة: الترقوتان، وإنما اكتفى بلفظ الواحد لإدخال الألف واللام المقتضية للاستغراق، والله أعلم.
قال: وفي الزند أربعة أبعرة لأنه عظمان.
ش: هذا إحدى الروايتين عن أحمد، وقاله ابن عقيل في التذكرة، لما علل به الخرقي من أنه عظمان، ففي كل عظم بعيران.
والمنصوص في رواية صالح وأبي الحارث أن في الزند الواحد بعيران، وفيهما جميعا أربعة من الإبل، وعليه القاضي وأصحابه وحمل القاضي كلام الخرقي أيضا على الزندين.
3019 - وذلك لما روى سعيد: حدثنا هشيم، أخبرنا يحيى بن كثير، ثنا سعيد، عن عمرو بن شعيب، أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - في أحد الزندين إذا كسر، فكتب إليه عمر أن فيه بعيرين، وإذا كسر الزندين ففيهما أربعة من الإبل.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا مقدر في غير هذه العظام، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور.
3020 - وقيل له: إذا كسرت الذراع أو الساق، فقال: يروى عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في كل واحد فريضتان، ولا تكتبه،
وظاهر هذا أنه لم يأخذ به، ونص في رواية أبي طالب أن في كسر الساق وفي كسر الفخذ بعيران، كذا في روايتي القاضي، وظاهر كلام أبي البركات أن في رواية أبي طالب مع ذلك العضد والذراع، وأن أحمد نص في رواية صالح أن في كل واحد من الأربعة بعيرا، قال: ورواه عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. (والرواية الثانية) اختيار القاضي وابن عقيل وأبي الخطاب، وزاد على ذلك عظم القدم، فجعل فيه بعيرين.
(تنبيهان) : (أحدهما) حيث أوجبنا بعيرا أو بعيرين ونحو ذلك، فإن في ذلك من البقر ونحوها بحساب ذلك، ذكره ابن عقيل.
(الثاني) الزند بفتح الزاي، قال الجوهري: موصل طرف الذراع في الكف وهما زندان بالكوع والكرسوع، وهو طرف الزند الذي يلي الخنصر، وهو الناتئ عند الرسغ، والله أعلم.
دية الشجاج التي لا توقيت فيها
قال: قال أبو عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والشجاج التي لا توقيت فيها أولها (الحارصة) وهي التي تحرص الجلد يعني تشقه قليلا، وقال بعضهم: هي الحرصة ثم (الباضعة) وهي التي تشق اللحم بعد الجلد، ثم (البازلة) وهي التي يسيل منها الدم ثم (المتلاحمة) وهي التي أخذت في اللحم، ثم (السمحاق) وهي التي بينها وبين العظم قشرة
رقيقة، ثم (الموضحة) .
ش: الشجاج جمع شجة، وهي المرة إذا جرحه في رأس أو وجه، وقد تستعمل في غيرهما، والشجاج عشر، خمس فيها مقدر، وهي الموضحة، والهاشمة، والمنقلة، والمأمومة، والدامغة، وخمس لا مقدر فيها على المذهب المشهور، والمختار للأصحاب من الروايتين، وهي هذه المذكورة، لعدم التقدير فيها من جهة الشرع، وما لا مقدر فيه الواجب فيه حكومة.
3021 - ويروى عن مكحول قال: «قضى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الموضحة بخمس من الإبل، ولم يقض فيما دونها» .
3022 - ونقل أبو طالب عنه حكم زيد في البازلة ببعير، وفي الباضعة ببعيرين، وفي المتلاحمة بثلاثة، وفي السمحاق بأربعة، وأذهب إليه، وهذا حكم أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما حكموا في الصيد، وهذا اختيار أبي بكر، وحكى الشيرازي عن ابن أبي موسى أنه اختار ذلك في السمحاق، انتهى.
وعن القاضي أنه قال: متى أمكن اعتبار
هذه الجراحات من الموضحة، مثل أن يكون في رأس المجني عليه موضحة إلى جانبها، قدرت هذه الجراحة منها، فإن كانت بقدر النصف وجب نصف أرش الموضحة، وإن كانت بقدر الثلث وجب ثلث الأرش.
وعلى هذا، إلا أن تزيد الحكومة على ذلك، فيجب ما تخرجه الحكومة، مثاله الجراحة قدر نصف الموضحة، وشينها ينقص قدر ثلثيها، الواجب ثلثا أرش الموضحة، وإن نقص الشين عن النصف، فالواجب النصف، وملخصه أنه يوجب الأكثر مما تخرجه الحكومة أو قدرها من الموضحة.
قال أبو محمد: وهذا لا نعلمه مذهبا لأحمد، ولا يقتضيه مذهبه.
. . انتهى.
وأما تفسير هذه الشجاج وترتيبها (فأولها) الحارصة، قال الأزهري: هي التي تحرص الجلد أي تشقه قليلا ومنه: حرص القصار الثوب.
أي خرقه، بالدق، (ثم يليها) - على ما قال الخرقي، وتبعه ابن البنا - الباضعة، وهي التي تشق اللحم بعد الجلد، يعني ولا يسيل منها دم، بدليل ما ذكر بعد، وكذلك قال الجوهري، وابن فارس: الباضعة الشجة التي تقطع الجلد، وتشق اللحم، إلا أنه لا يسيل الدم، فإن سال فهي الدامية، وقال أبو محمد: الصواب الحارصة، ثم
البازلة، ثم الباضعة، وقال: لعل ما في النسخ غلط من الكتاب، قال: لأن الباضعة التي تشق اللحم بعد الجلد، ويسيل منها دم كثير في الغالب، بخلاف البازلة، فإنها الدامعة، لقلة سيلان دمها.
3023 - قال: ولأن زيدا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جعل في البازلة بعيرا، وفي الباضعة بعيرين، فدل على أن الباضعة أشد، انتهى.
وهذا قول الأصمعي والأزهري، وبالجملة اتفقوا فيما علمناه على تقديم الحارصة، وتأخير السمحاق، واختلفوا في البازلة مع الباضعة، أيهما يقدم على الأخرى - والبازلة فاعلة من: بزلت الشجة الجلد، أي شقته فجرى الدم، يقال: بزلت الخمر.
ثقبت إناءها فاستخرجتها، فالدم محبوس في محله، كالمائع في وعائه، والشجة بزلته، والسمحاق قشرة رقيقة فوق عظم الرأس، فإذا وصلت الشجة إليها سميت سمحاقا باسمها، والله أعلم.
دية ما لم يكن فيه من الجراح توقيت
قال: وما لم يكن فيه من الجراح توقيت، ولم يكن نظيرا لما وقتت ديته ففيه حكومة.
ش: الذي فيه من الجراح توقيت كالموضحة، والمنقلة، وكذلك الأنف واللسان، ونحو ذلك، والذي هو نظير الموقت كالهاشمة، والأليتين، ونحو ذلك، أي تقدير من جهة
الشرع، وما عدا هذين، وهو ما لا موقت فيه، ولا يمكن قياسه على الموقت، كجراح البدن سوى الجائفة، وكسر العظام سوى ما تقدم، كخرزة الصلب والعصعص، ونحو ذلك ففيه حكومة، حذارا من أن تخلو الجراحة من أرش.
تعريف الحكومة
قال: والحكومة أن يقوم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به ثم يقوم وهي به قد برأت، فما نقص من القيمة فله مثله من الدية، كأنه قيمته وهو عبد صحيح عشرة، وقيمته وهو عبد به الجناية تسعة، فيكون فيه عشر ديته.
ش: قال ابن المنذر: إن هذا قول كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وإنما كان كذلك لأن جملته مضمونة، فأجزاؤه مضمونة، كما أن المبيع إذا كان مضمونا على البائع، كانت أجزاؤه مضمونة عليه، ولو كان مضمونا على المشتري كانت أجزاؤه مضمونة عليه، فالأجزاء تابعة للأصل، وإذا كانت الأجزاء مضمونة، ولم يرد فيها تقدير من جهة الشرع، فالواجب سلوك هذه الطريقة، لنصل إلى الواجب، فيجعل الحر عبدا ليمكن تقويمه، إذ الحر ليس بمال، وغير المال لا يقوم، فيقال: كم قيمة هذا لو كان عبدا لا جناية به؟ فيقال مثلا: مائة، ويقال: وكم قيمته وبه الجناية؟ فيقال
مثلا: ثمانون.
فما بينهما من القيمتين هو الخمس، فيكون له خمس الدية، لأن ديته بمنزلة قيمته.
قال: وعلى هذا ما زاد من الحكومة أو نقص.
. .
ش: يعني إنما ذكرته مثالا، وقد تزيد الحكومة على مثاله كما مثلنا، وقد تنقص، كما لو قيل: قيمته وهو صحيح عشرة، وقيمته وبه الجناية تسعة ونصف، فما بينهما نصف عشر قيمته، فيكون فيه نصف عشر ديته.
قال: إلا أن تكون الجناية في رأس أو وجه، فتكون أسهل مما وقت ديته فيه، فلا يجاوز به أرش الموقت.
ش: يعني أن الواجب ما أخرجته الحكومة مطلقا، ويستثنى من ذلك إذا كانت الجراحة في شيء فيه مقدر، فإنه لا يجاوز به المقدر، حذارا من أن يجب في بعض الشيء أكثر مما يجب فيه كله، ولأن الضرر في الموضحة مثلا أكثر من الضرر في البازلة، وشينها أعظم، فلا يناسب أن يزيد أرش البازلة على أرش الموضحة، وفي بلوغ المقدر وجهان (أحدهما) - وهو ظاهر كلام الخرقي، وإليه ميل أبي محمد - يبلغ، نظرا إلى أن مقتضى الدليل وجوب ما أخرجته الحكومة، سقط الزائد على أرش الموضحة مثلا لمخالفة تنبيه النص، ففيما لم يزد يجب البقاء على الأصل.
(والثاني) - وهو اختيار الشريف، وابن عقيل، وقال القاضي في جامعه: إنه المذهب - لا يبلغه، بل ينقص عنه شيئا، حسب ما يؤدي إليه الاجتهاد، حذارا من أن يجب في البعض ما يجب في الكل، ونقضه أبو محمد بأن دية الأصابع فيها ما
في اليد، قال: وإن صح ما ذكر فينبغي أن ينقص أدنى ما تحصل به المساواة المحدودة، ومثال المسألة لو شجه بازلة أو سمحاقا، لم تبلغ بأرش ذلك (زيادة) على أرش الموضحة، وفي بلوغه أرش الموضحة وجهان، وكذلك لو جرحه في بطنه جرحا لا يصل إلى الجائفة، لا يزيد أرشه على أرش الجائفة، وفي مساواتها وجهان، وكذلك لو جرحه في أنملته جرحا لم يزد على أرش الأنملة، وفي مساواتها على الوجهين.
والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - اقتصر على ذكر الرأس والوجه، ومفهوم كلامه اختصاص الامتناع بهما، فعلى هذا يجوز أن يزيد أرش جرح الأنملة على ما فيها، وغيره من الأصحاب عدى الحكم إلى كل ما فيه مقدر كما تقدم.
(تنبيه) : التقويم بعد البرء قياسا على أرش الجرح المقدر، فإنه لا يستقر إلا بعد برئه، فإن لم تنقصه الجناية شيئا حال البرء، فعنه - وهو اختيار أبي محمد - لا شيء فيها، إذ الحكومة لأجل جبر النقص، ولا نقص، أشبه ما لو لطم وجهه فلم يؤثر (وعنه) وهو المنصوص، واختيار القاضي وغيره: بلى، لأن هذا جزء من مضمون، فلم يخل عن ضمان، كما لو أتلف منه مقدرا ولم ينقصه شيئا، فعلى هذا هل يقوم حال الجناية، أو قبيل الاندمال التام، فإن لم ينقص فحال الجناية؟ فيه وجهان، فإن لم ينقص حال الجناية أو
زادته حسنا كإزالة لحية المرأة، أو سن زائدة، فلا شيء على الأصح عند الشيخين، وقال أبو الخطاب في الهداية: يقوم كأنه عبد كبير له لحية فذهبت، وأشانته، فما نقص لزمه من دية المرأة بقسطه، قال: وفيه نظر.
وفي السن الزائدة قال أبو محمد على هذا القول: يقوم كأن لا سن له زائدة ولا خلقة أصلية، ثم يقوم وقد ذهبت الزائدة، قال: ولو كانت المرأة إذا قدرناها ابنة عشرين فنقصها ذهاب لحيتها يسيرا، وإذا قدرناها ابنة أربعين تنقصها كثيرا، قدرناها ابنة عشرين كما يقوم الجرح الذي لم ينقص بعد الاندمال أو قبله.
دية العبد والأمة والخنثى فيما ليس فيه توقيت
قال: وإن كانت الجناية على العبد مما ليس فيه من الحر شيء موقت، ففيه ما نقصته بعد التئام الجرح، وإن كان فيما جني عليه شيء موقت في الحر، فهو موقت في العبد.
ش: لا نزاع أن ما لا مقدر فيه من الحر يضمن العبد إذا جني عليه فيه بما نقص، لأن ضمانه ضمان الأموال، فيجب ما نقص كالبهائم، ولأنه مما يضمن بالقيمة، وإن كثرت فيضمن بما نقص، كسائر الأموال، واختلف فيما فيه مقدر من الحر، إذا جني على العبد فيه، (فعنه) - وهو اختيار الخلال - يضمن ما نقص أيضا، لما تقدم.
3024 - واعتمادا من أحمد على أنه قول ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -
و (عنه) - وهو اختيار الخرقي، وأبي بكر، والقاضي وأصحابه - أن ما كان مقدرا في الحر فهو مقدر في العبد من قيمته، نظرا إلى أنه آدمي، يضمن بالقصاص والكفارة، فكان في أطرافه مقدرا كالحر، ولأن له شبها بالآدميين وبالبهائم، كما هو مقرر في موضعه، فجعلناهم فيما لا مقدر فيه كالبهائم، وفيما فيه مقدر كالأحرار، إعمالا لكل من الشبهين.
3025 - وقد روي هذا عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
قال: ففي يده نصف قيمته، وفي موضحته نصف عشر قيمته، سواء نقصته الجناية أقل من ذلك أو أكثر.
ش: لا تفريع على الرواية الأولى، بل الواجب النقص مطلقا، أما على مختار الخرقي - وهو المذهب - ففي يد العبد نصف قيمته، كما في يد الحر نصف ديته وفي موضحته نصف عشر قيمته كما في موضحة الحر نصف عشر ديته، وفي لسانه أو ذكره، أو يديه جميع قيمته، مع بقاء الملك عليه، كما أن في الحر في كل واحد من هذه الدية، وعلى هذا، وسواء نقصته الجناية أقل من ذلك أو أكثر، إناطة بالتقدير، وعلى هذا لو جني عليه جناية لا مقدر فيها في الحر، إلا أنها في شيء فيه مقدر، كما لو جني عليه في رأسه أو وجهه دون الموضحة، هل يضمن بما نقص مطلقا، وإليه
ميل أبي محمد اعتبارا بالأصل، أو إن نقص أكثر من أرشها وجب نصف عشر قيمته، كالحر إذا زاد أرش شجته التي دون الموضحة على نصف عشر ديته؟ فيه قولان، والله أعلم.
قال: وهكذا الأمة.
ش: الأمة كالعبد فيما تقدم، لأنها مال كهو.
(تنبيه) : فإن بلغت جراحتها ثلث قيمتها، فقال أبو محمد: يحتمل أن يرد جنايتها إلى النصف، فيكون في ثلاثة أصابعها ثلاثة أعشار قيمتها، وفي الأربع خمس قيمتها، كالحرة تساوي الرجل في جراحها إلى الثلث، فإذا زادت ردت إلى النصف، قال: ويحتمل أن لا ترد إلى النصف؛ لأن ذلك في الحرة على خلاف الأصل، إذ الأصل زيادة الأرش بزيادة الجناية.
قلت: وهذا هو الصواب، إذ قياسها على الحرة إنما يقتضي أن تكون فيما نقص عن الثلث تساوي الذكر من الأرقاء في قيمته، ولا يتأتى هذا.
قال: فإن كان المقتول خنثى مشكلا ففيه نصف دية ذكر، ونصف دية أنثى.
ش: كما يرث نصف ميراث ذكر، ونصف ميراث أنثى، ولأنه يحتمل الذكورية والأنوثية، احتمالا واحدا، وقد يئس من انكشاف حاله، فوجب التوسط بينهما، حذارا من ترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجح.
(تنبيه) : جراحه ما لم يبلغ الثلث منها الواجب فيه دية
ذكر، وما زاد على الثلث الواجب فيه ثلاثة أرباعها نصف دية ذكر، ونصف دية أنثى، وفي الثلث قولان، والله أعلم.
قال: وإن كان المجني عليه نصفه حرا، ونصفه عبدا فلا قود.
ش: يعني إذا كان الجاني حرا، لعدم الكفاءة المعتبرة شرعا كما تقدم، ولو كان الجاني رقيقا وجب القود بلا ريب، لأن المجني عليه أكمل منه.
وكذلك لو كان نصفه حرا لتساويهما، ومن ثم لو كانت الحرية في القاتل أكثر فلا قود، لعدم التساوي.
قال: وعلى الجاني إذا كان عمدا نصف دية حر، ونصف قيمته.
ش: لأنه والحال ما تقدم نصفه حر، والواجب في الحر الدية، ففي نصفه نصفها، ونصفه رقيق، والواجب قيمة الرقيق، ففي نصفه نصفها، ويكون ذلك في مال الجاني، لأنه عمد، والعاقلة لا تحمل عمدا.
قال: وهكذا في جراحه.
ش: يعني يجب فيه نصف ما يجب في الحر، ونصف ما يجب في العبد، ففي لسانه نصف دية حر، ونصف قيمة عبد، وفي يده أو رجله ربع دية حر، وربع قيمة عبد.
وفي موضحته ربع عشر دية حر، وربع عشر قيمة عبد، وعلى هذا - هذا على مختار الخرقي الذي هو المذهب، في أن العبد يضمن بالمقدر، أما على الرواية الأخرى ففي لسانه نصف دية
حر، ونصف ما نقص، وفي يده أو رجله ربع دية حر، ونصف ما نقص، وفي موضحته ربع عشر دية حر، ونصف ما نقص، والله أعلم.
قال: فإن كان خطأ ففي ماله نصف قيمته.
ش: أي وإن كان القتل خطأ ففي مال الجاني نصف قيمته في ماله، لأنها وجبت بدل رقيق، والعاقلة لا تحمل رقيقا.
قال: وعلى عاقلته نصف الدية.
ش: لأنها بدل حر، والعاقلة تحمل الحر في الخطأ.
(تنبيه) : والحكم في الجراح أن ما كان عمدا كان في مال الجاني، وكذلك إن كان خطأ ولم يبلغ الثلث، وإن بلغه فعلى العاقلة.