شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 222-261
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 222-261
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فتيا فليتئد، فإن أمير المؤمنين قادم عليكم، فبه فأتموا، قال: فقدم عمر، فذكرت ذلك له فقال: إن نأخذ بكتاب الله فإن كتاب الله يأمرنا بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يحل حتى بلغ الهدي محله.
متفق عليه واللفظ لمسلم.
وفي رواية له قال: «هل سقت من هدي؟» قال: لا.
قال: «فطف بالبيت، وبالصفا والمروة ثم حل» وفي رواية له أيضا أن عمر قال: قد علمت أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد فعله وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رءوسهم» . 1665 - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «تمتع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد» . مختصر متفق عليه واللفظ لمسلم.
1666 - «وعن أبي سعيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: خرجنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

ونحن نصرخ بالحج صراخا، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة إلا من ساق الهدي، فلما كان يوم التروية ورجعنا إلى منى أهللنا بالحج» . رواه أحمد ومسلم.
1667 - وقد روي ذلك [أيضا من حديث أسماء، وعائشة، وابن عباس، وأنس بن مالك وكلها في الصحاح، وروي] أيضا عن البراء بن عازب وغيرهم، قال أبو عبد الله بن بطة: سمعت أبا بكر بن أيوب يقول: سمعت إبراهيم الحربي يقول - وسئل عن فسخ الحج فقال -: [قال] سلمة بن شبيب لأحمد: كل شيء منك حسن غير خلة واحدة، قال: ما هي؟ قال: تقول بفسخ الحج، قال أحمد: كنت أرى لك عقلا، عندي ثمانية عشر حديثا صحيحا أتركها لقولك.
انتهى.
ولا نزاع بين المسلمين أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر أصحابه بذلك، وإنما النزاع هل كان ذلك خاصا بأصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،

أو لمعنى آخر لا يشركهم فيه غيرهم، أو لأن إحرامهم وقع مطلقا.
فقيل - وهو أضعفها - لم يكونوا أحرموا بالحج.
1668 - قال: لأن الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - روى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه أحرموا مطلقا ينتظرون القضاء.
فلما نزل عليهم القضاء قال: «اجعلوها عمرة» ولا نزاع أن من لم يعين ما أحرم به له أن يجعله عمرة، وهذا ذهول أو مكابرة في الأحاديث، فإن في حديث جابر: لسنا نريد إلا الحج، لسنا نعرف العمرة.
وفي حديث أبي موسى أنه أهل كإهلال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد تقدم نسك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والخصم يدعي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان مفردا أو قارنا، وفي حديث أبي سعيد: نصرخ بالحج صراخا.
1669 - وفي «حديث أسماء في رواية لمسلم: قدمنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مهلين بالحج» . وفي حديث عائشة: «لا نرى إلا أنه الحج» . 1670 - وفي حديث أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بات بذي الحليفة حتى أصبح، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما» .

1671 - «وفي حديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرا، ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر، فقدم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه صبيحة رابعة، مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: «الحل كله» متفق عليه.
وهذه الأحاديث - مع جملة أيضا من الأحاديث - تنفي أنهم أحرموا مطلقا.
وقيل: لأن الفسخ كان لمعنى في حقهم، وهو معدوم في حقنا، وهو أنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج، بدليل حديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - المتقدم.
ورد بأنه لو كان كذلك لما خص بالفسخ من لم يسق الهدي، لأن الجميع كانوا في الاعتقاد على حد سواء، ولكان الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علل امتناعه من الفسخ بكونه يعتقد جواز العمرة، ولم يعلل بذلك، وإنما علل بسوق الهدي.
وقيل - وهو أقواها عندهم -: إن ذلك كان خاصا لأصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. 1672 - بدليل ما روي «عن الحارث بن بلال، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله أفسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال: «بل لنا خاصة» رواه الخمسة إلا الترمذي.

1673 - وعن أبي ذر قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد – - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاصة.
وفي رواية قال: كانت رخصة.
يعني متعة الحج، رواه مسلم، ولأبي داود: كان يقول - فيمن حج ثم فسخها بعمرة -: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقد أجاب أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن هذا، فقال عبد الله: قيل لأبي: حديث بلال بن الحارث؟ قال: لا أقول به، فلا يعرف هذا الرجل.
وقال في رواية الميموني: أرأيت لو عرف بلال بن الحارث، إلا أن أحد عشر رجلا من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يروي ما يروي، أين يقع بلال بن الحارث منهم؟ وقال في رواية أبي داود: ليس يصح حديث في أن الفسخ

كان لهم خاصة، وهذا أبو موسى الأشعري يفتي به في خلافة أبي بكر، وشطرا من خلافة عمر.
انتهى.
فقد أشار أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى ضعف الحديث، ثم على تقدير صحته عارضه بالجم الغفير من الصحابة الذي رووا خلاف ذلك، ويشهد بذلك حديث جابر «لا بل لأبد الأبد» وهذا خبر لا يقبل الفسخ والتغيير، ويؤيد هذا أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لم يذكر تخصيصا، وإنما استدل بظاهر الكتاب، وبفعل الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بل قد أقر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه فعلوا ذلك، واعتذر بما ذكر من أنهم يظلون معرسين، وقد تقدم الجواب عن قولهم، في أي الأنساك أفضل، وقول أبي ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - موقوف عليه، وهو مخالف لقول صاحب الشريعة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم قد خالفه أبو موسى وأفتى به في خلافة أبي بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وخالفه أيضا ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله

عنهما، بل كان من مذهبه أنه متى طاف بالبيت حل.
1674 - فعن عطاء قال: كان ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يقول: لا يطوف بالبيت حاج ولا غير حاج إلا حل.
قيل لعطاء: من أين يقول ذلك؟ قال: من قول الله سبحانه: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33] قيل لعطاء: فإن ذلك بعد المعرف، قال: فكان ابن عباس يقول: هو بعد المعرف وقبله، وكان يأخذ ذلك جوازا من أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حين أمرهم أن يحلوا من حجة الوداع.
إذا تقرر هذا فشرط جواز الفسخ عدم سوق الهدي، أما من ساق الهدي فإنه لا يجوز له الفسخ، لما تقدم من النصوص، (وشرطه) أيضا عدم الوقوف، أما بعد الوقوف فلا فسخ، لوجود معظمه، ولأنه إذا يشرع في تحلله، فلا يليق فسخه، مع أن النص لم يرد بذلك، ولو فسخ السائق أو الواقف لم ينفسخ.
ومعنى الفسخ أنه إذا طاف وسعى فسخ نية الحج، ونوى عمرة مفردة، فيصير متمتعا، فيقصر ويحل، هذا ظاهر الأحاديث، ومقتضى كلام الخرقي وأبي محمد، وعن ابن عقيل: الطواف بنية العمرة هو الفسخ، وبه حصل رفض الإحرام لا غير، فهذا تحقيق الفسخ وما ينفسخ به.
(قلت) : وهذا جيد، والأحاديث لا تأباه، والقاضي وأبو الخطاب وغيرهما لم يفصحا بالمسألة، بل قالوا: يفسخ

نيته بالحج، وينويان إحرامهما ذلك لعمرة، فإذا فرغا منها أحرما بالحج، ولا يغرنك كلام ابن المنجا فإنه قال: إن ظاهر كلام المصنف أن الطواف والسعي شرط في استحباب الفسخ، قال: وليس الأمر كذلك، لأن الأخبار تقتضي الفسخ قبل الطواف والسعي، ولأنه إذا طاف وسعى ثم فسخ يحتاج إلى طواف وسعي لأجل العمرة، ولم يرد مثل ذلك، قال: ويمكن تأويل كلام المصنف على أن (إذا) ظرف لأحببنا له أن يفسخ وقت طوافه، أي وقت جواز طوافه.
انتهى كلامه.
وقد غفل - رَحِمَهُ اللَّهُ - عن كلام الخرقي - وعن كلام الشيخ في المغني فإن نصه ما قلته، وكلام القاضي ومن وافقه لا يأبى ذلك، فإنهم لم يشترطوا للفسخ إلا عدم سوق الهدي والوقوف، وكلامه صريح بأنه لو فسخ بعد الطواف صح ذلك، وليس في كلامهم ما يقتضي أنه يطوف [طوافا] ثانيا كما زعم، ولا بدع أن ينقلب الطواف فيصير للعمرة، [كما ينقلب إحرامه للحج فيصير للعمرة] ، وقوله: إن الأخبار تقتضي

الفسخ قبل الطواف والسعي.
ليس كذلك، بل قد يقال: إن ظاهرها أن الفسخ إنما هو بعد الطواف، ويؤيد ذلك حديث جابر المتقدم، فإنه كالنص، فإن الأمر بالفسخ إنما كان بعد طوافهم.
انتهى.
وظاهر كلام الخرقي - وتبعه أبو محمد، وصاحب التلخيص [وغيرهم]- أن الفسخ على سبيل الاستحباب، وهو مقتضى النصوص، والقاضي وأبو الخطاب وأبو البركات جعلوا ذلك جائزا.
(تنبيه) : «اتئد في فتياك» «يظلوا معرسين بهن في الأراك، ثم يروحون في الحج تقطر رءوسهم» . «الفجور» الميل عن الواجب «الدبر» جمع دبرة وهي العقرة في ظهر البعير يقول: دبر البعير بالكسر، وأدبره القتب.
«وعفا الأثر» .

قال: ومن كان متمتعا قطع التلبية إذا وصل إلى البيت، والله أعلم.
ش: منصوص أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رواية الجماعة - الميموني، والأثرم، وحنبل، وأبي داود - أنه يقطع التلبية إذا استلم الحجر، لأنه إذا شرع في التحلل، أشبه الحاج إذا شرع في رمي جمرة العقبة.
1675 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يرفع الحديث: «أنه كان يمسك عن التلبية في العمرة حين يستلم الحجر» . رواه الترمذي وصححه.
1676 - وعنه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يلبي المعتمر حتى يستلم الحجر» رواه أبو داود، قال: وقد روي موقوفا عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وقول الخرقي: إذا وصل إلى البيت، يجوز أن يحمل على منصوص الإمام، لأن الرائي للبيت غالبا يشرع في الطواف،

وعلى هذا حمله [أبو محمد، ويجوز أن يحمل على ظاهره، وأن يقطع بمجرد الرؤية وإن لم يشرع في الطواف، وعلى هذا حمله] أبو البركات، وجوز القاضي في التعليق الاحتمالين، والله سبحانه وتعالى أعلم.

باب ذكر الحج

قال: وإذا كان يوم التروية أهل بالحج.
ش: ظاهر هذا الكلام أن كل من كان بمكة لم يحرم بالحج فإنه يحرم به يوم التروية، سواء كان من المقيمين بمكة، أو من المتمتعين الذين حلوا، أو لم يحلوا لسوق الهدي، ويحتمله كلام أبي البركات، وكلام صاحب التلخيص يقتضي أن من ساق الهدي من المتمتعين يحرم بالحج [عقب] طوافه وسعيه، قال: إلا أن يكون قد ساق الهدي، فيحرم بالحج إذا طاف وسعى لعمرته قبل التحلل منها، وكذلك قال القاضي قبله: المتمتع السائق للهدي إذا طاف وسعى لعمرته لا يحل منها، ولكن يحرم بالحج، ويحتمل هذا كلام أبي محمد، وأن استحباب الإحرام يوم التروية لمن كان حلالا، ويشهد لهذا حديث جابر المتقدم، قال: «فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية ووجهوا إلى منى أهلوا بالحج» . وظاهره أن الذين حلوا هم الذين أحرموا يوم التروية.
وقوله: أهل بالحج: يعني من مكة، لما تقدم له من أن ميقات أهل مكة من مكة، ولو أحرم من خارج مكة من الحرم جاز، لقول جابر: فأهللنا بالحج من الأبطح.
ويستحب أن يغتسل ويتنظف، ونحو ذلك مما يفعله عند الإحرام [ويطوف أسبوعا، ثم يصلي ركعتين، ويحرم، ولا يسن تطويف بعد الإحرام] . (تنبيه) : يوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك قيل: لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعده.
وقيل: لأن قريشا كانت تحمل الماء من مكة إلى منى للحاج تسقيهم وتطعمهم، فيرتوون منه وقيل: لأن الإمام يروي للناس

فيه من أمر المناسك.
وقيل: لأن إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تروى فيه في ذبح ولده، والله أعلم.

ذهاب الحاج إلى منى يوم التروية

قال: ومضى إلى منى فيصلي بها الظهر إن أمكنه، لأنه يروى عن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه صلى بمنى خمس صلوات» . ش: كذا في حديث جابر، قال: «فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، وأهلوا بالحج، فركب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصلى بها الظهر، والعصر والمغرب، والعشاء، والفجر» . وقول الخرقي: إن أمكنه.
لأن كثيرا من الناس يشتغل يوم التروية بمكة إلى آخر النهار، قال أبو محمد: وهذا كله على سبيل الاستحباب.
وظاهره أن المبيت بمنى في هذه الليلة لا يجب.
(تنبيه) : لو صادف يوم التروية يوم الجمعة وجب فعلها لمن تجب عليه [وأقام حتى زالت الشمس، وإلا لم تجب] ، والله أعلم.

الدفع إلى عرفة والوقوف بها

قال: فإذا طلعت الشمس دفع إلى عرفة.
ش: من المستحب أيضا أن لا يدفع من منى حتى تطلع الشمس، كما صنع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والله أعلم.

قال: فأقام بها حتى يصلي مع الإمام الظهر والعصر بإقامة لكل صلاة، وإن أذن فلا بأس.

ش: إذا دفع من منى إلى عرفة فالأولى أن يقيم بنمرة، ثم يخطب الإمام خطبة يعلم الناس فيها حكم الوقوف، والمبيت بمزدلفة، ويحثهم على المهم من أمر الإسلام، تأسيا بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقد ثبت ذلك عنه في حديث جابر، ثم ينزل الإمام فيصلي بهم الظهر والعصر، ويجمع بينهما بأذان يعقب الخطبة، ثم بإقامة لكل صلاة، كما في حديث جابر، وحكى صاحب التلخيص في الأذان روايتين، والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - خير في الأذان، وكذا قال أحمد، لأن كلا يروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وإطلاق الخرقي يشمل كل من كان بعرفة من مكي وغيره، وصرح به أبو محمد.
معتمدا على أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جمع فجمع معه من حضره، ولم يأمرهم بترك الجمع.
1677 - كما أمر بترك القصر في محل آخر، حيث قال «أتموا فإنا قوم سفر» وإلا يكون تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وكذلك من صلى مع الإمام.
وشرط القاضي وأصحابه ومتابعوهم - كأبي البركات وصاحب التلخيص كذلك - أن يكون ممن يجوز له الجمع.
(تنبيه) : «نمرة» موضع بعرفة، وهو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم، على يمينك إذا خرجت من مأزمي عرفة تريد الموقف، قاله المنذري، وبهذا يتبين أن قول صاحب التلخيص: أقام بنمرة، وقيل بعرفة.
ليس بجيد، إذ نمرة من عرفة، وكلام الخرقي قد يشهد لهذا، لأنه قال: دفع إلى عرفة.
ثم قال: ثم يسير إلى موقف عرفة.
والله أعلم.

قال: وإن فاته مع الإمام صلى في رحله.

1678 - ش: أي إذا فاته الجمع مع الإمام جمع في رحله، كذا يروى عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، ولأنه يجمع مع الإمام، فجمع وحده كغير هذا الجمع، والله أعلم.

قال: ثم يصير إلى موقف عرفة عند الجبل.
ش: كذا قال جابر: «ثم أذن ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصوى إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة» . والوقوف عند الجبل، واستقبال القبلة، ونحو ذلك من المستحبات، اتباعا للنبي – - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما سيأتي إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

قال: وعرفة كلها موقف، ويرفع عن بطن عرنة فإنه لا يجزئه الوقوف فيه.
1679 - ش: في رواية لمسلم في حديث جابر أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «نحرت ها هنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف» ورواه أحمد، وأبو داود وابن ماجه أيضا.
1680 - وعن مالك: بلغه أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، والمزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن محسر» . 1681 - وعن ابن الزبير من قوله كذلك، رواهما مالك في موطئه.

(تنبيه) : الوقوف بعرفة ركن إجماعا.
1682 - وقد روي «عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو واقف بعرفة، فسألوه، فأمر مناديا فنادى «الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فتم حجه، أيام منى ثلاثة أيام، ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203] وأردف رجلا ينادي بمنى» . رواه الخمسة.
وعن عروة بن مضرس نحو ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى، والمشترط الحصول بعرفة.
عاقلا، فلا وقوف لمجنون، ولا لمغمى عليه، ولا لسكران، قاله ابن عقيل وغيره، لعدم شعورهم بها، وفي النائم وجهان، أصحهما عند صاحب التلخيص - وبه جزم أبو محمد - الإجزاء لأنه في حكم المنتبه، وكذلك في الجاهل بكونها عرفة [وجهان] ،

الإجزاء، قطع به أبو محمد، وعدمه قاله أبو بكر في التنبيه.
1683 - ويشهد لقول أبي محمد عموم «حديث عروة بن مضرس الطائي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: أتيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالموقف، يعني بجمع قلت: جئت يا رسول الله من جبلي طيئ، فأكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه، وقضى تفثه» رواه الخمسة وهذا لفظ أبي داود وصححه الترمذي، ولا يشترط للوقوف طهارة، ولا نية،

ولا استقبال، ولا ستارة.
(تنبيه) : «جمع» اسم علم للمزدلفة.
1684 - وسميت بذلك قيل لاجتماع آدم بحواء فيه، كذا روى ابن عباس و «الحبل» بالحاء المهملة أحد حبال الرمل، وهو ما اجتمع منه واستطال، وروى «جبل» بالجيم.
1685 - و «التفث» قال الأزهري لا يعرف في كلام العرب إلا في قول ابن عباس وأهل التفسير، وقال غيره: هو قص الأظفار، والشارب، وحلق العانة، والرأس، ورمي الجمار والنحر، وأشباه ذلك.
وقيل: هو إذهاب الشعث والدرن، والوسخ مطلقا، والله أعلم.

قال: ويكبر ويهلل، ويجتهد في الدعاء إلى غروب الشمس.
1686 - ش: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: «أكثر دعاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم عرفة «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» رواه أحمد والترمذي ولفظه أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» » قيل لسفيان بن عيينة: هذا ثناء وليس بدعاء؟ فقال: أما سمعت قول الشاعر:

أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء انتهى.
1687 - «وعن أسامة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنت ردف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته، فسقط خطامها، فتناول الخطام بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى» . رواه النسائي.
ولمطلوبية الدعاء في هذا اليوم استحب الإفطار كما تقدم، وإن كان صومه يكفر سنتين.
1688 - وقد روى ابن ماجه عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، فإنه ليدنو عز وجل، ثم يباهي بكم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء» ؟» . وقول الخرقي: ويكبر ويهلل، ويجتهد في الدعاء إلى غروب الشمس.
التكبير والتهليل والدعاء مستحب، وأما الوقوف إلى غروب الشمس فواجب، ليجمع بين الليل والنهار، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقف حتى غربت الشمس كذا في حديث جابر، وفي حديث غيره، وقد قال: «خذوا عني مناسككم» والواجب عليه إذا وقف نهارا أن يكون قبيل الغروب بعرفة، لتغرب الشمس عليه وهو بها، فلو لم يأت عرفة إلا بعد الغروب فلا شيء عليه، وكذلك لو دفع منها نهارا ثم عاد قبل الغروب، فوقف إلى الغروب، هذا تحصيل المذهب.
والله أعلم.

الدفع من عرفة إلى المزدلفة والمبيت بها

قال: فإذا دفع الإمام دفع معه إلى مزدلفة.
ش: الإمام هو الذي إليه أمر الحج، ولا نزاع في مطلوبية

اتباعه، وأن لا يدفع إلا بعد دفعه، لأنه الأعرف بأمور الحج، وما يتعلق بها، وأضبط للناس من أن يتعدى بعضهم على بعض، ولا ريب أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه معه دفعوا من عرفة، وكان يأمرهم بالرفق في السير.
1689 - فعن «ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه دفع مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم عرفة، فسمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وراءه زجرا شديدا، وضربا للإبل فأشار بسوطه إليهم، وقال: «أيها الناس عليكم السكينة، فإن البر ليس بالإيضاع» متفق عليه، والإيضاع ضرب من سير الإبل سريع، والله أعلم.

قال: ويكون في الطريق يلبي ويذكر الله عز وجل.
ش: أما الذكر فلأنه مطلوب في كل وقت إلا أن يمنع منه مانع، وهنا أجدر، لكونه في عبادة.
1690 - وأما التلبية فلما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن أسامة كان ردف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عرفة إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: لم يزل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يلبي حتى رمى جمرة العقبة» .

1691 - وعن «محمد بن أبي بكر الثقفي قال: قلت لأنس غداة غرفة: ما تقول في التلبية هذا اليوم؟ قال: سرت هذا المسير مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، فمنا المكبر، ومنا المهلل، لا يعيب أحدنا على صاحبه» ، متفق عليهما، والله أعلم.

قال: ثم يصلي مع الإمام المغرب وعشاء الآخرة.
ش: يعني بمزدلفة، ولا نزاع والحال هذه [أن المطلوب] تأخير المغرب ليجمع بينها وبين العشاء بمزدلفة، كما فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كما تقدم في حديث جابر، ولو ترك ذلك صح، والله أعلم.

قال: بإقامة لكل صلاة، وإن جمع بينهما بإقامة فلا بأس.
ش: يجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، بإقامة لكل صلاة، بلا أذان.
1692 - لما روى أسامة بن زيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «دفع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عرفة، حتى إذا كان بالشعب نزل فبال، ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء، فقلت: الصلاة يا رسول الله؟ فقال «الصلاة أمامك» فركب فلما جاء المزدلفة نزل، فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء، فصلى ولم يصل بينهما» . متفق عليه.
وإن جمع بينهما بإقامة فلا بأس.
1693 - لأنه يروى عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «جمع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين المغرب والعشاء بجمع، صلى المغرب ثلاثا، والعشاء ركعتين، بإقامة واحدة» ، رواه مسلم.
والأول قال ابن المنذر: إنه قول أحمد، لأنه رواية أسامة، وهو أعلم بحال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإنه كان رديفه، وإنما لم يؤذن للأولى لأنها في غير وقتها، بخلاف المجموعتين بعرفة، قال أبو محمد: وإن أذن للأولى وأقام، ثم أقام لكل صلاة فحسن، لما تقدم في حديث جابر، وهو متضمن لزيادة، وكسائر الفوائت والمجموعات، قلت: وقد يقال: إن حديث جابر لا يخالف حديث أسامة، إذ قوله: ثم أقيمت الصلاة، أي دعي إليها، وذلك قد يكون بأذان وإقامة، والارتداف لا يرجح روايته والحال هذه، لأنه لم يخبر عن شيء وقع من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو رديفه، إنما أخبر بعد زوال الارتداف، والله أعلم.

قال: وإن فاته مع الإمام صلى وحده.
ش: أي يجمع منفردا كما يجمع مع الإمام، وهذا إجماع والحمد لله، إذ الثانية منهما تفعل في وقتها، بخلاف العصر مع الظهر، والله أعلم.

قال: فإذا صلى الفجر وقف مع الإمام عند المشعر الحرام فدعا.
ش: كذا في حديث جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «ثم اضطجع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله تعالى وكبره، وهلله، ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس» . وقد قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: 198] ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 199] وجميع هذا مستحب إلا المبيت بمزدلفة كما سيأتي، وفيه نظر، لأن الله سبحانه أمر بالذكر عند المشعر الحرام، وفعله المبين لكتاب ربه، مع قوله «خذوا عني مناسككم» وهذا لا يتقاصر عن الوجوب، بل قد قال بعض العلماء بركنيته، ويشهد له حديث عروة بن مضرس.
(تنبيه) : المشعر الحرام بفتح الميم، قال المنذري: وأكر كلام العرب بكسرها، وحكى القتيبي وغيره أنه لم يقرأ

بها أحد، وحكى الهذلي أن أبا السمال قرأ المشعر بالكسر، وسمي مشعرا لأنه من علامات الحج، وكل علامات الحج مشاعر، والله أعلم.

قال: ثم يدفع قبل طلوع الشمس.
ش: لما تقدم في حديث جابر.
1694 - وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير.
قال: فخالفهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأفاض قبل طلوع الشمس» . رواه البخاري وغيره، والله أعلم.

قال: فإذا بلغ محسرا أسرع ولم يقف فيه حتى يأتي منى.
ش: «محسر» قيل: واد بين عرفة ومنى، وهو مقتضى قول الخرقي، لأنه غيا الإسراع فيه إلى إتيان منى، وقيل: موضع بمنى، وقيل: ما صب [من محسر في المزدلفة فهو منها، وما صب] منه في منى فهو من منى، قال المنذري: وصوبه بعضهم، ويستحب الإسراع فيه إن كان ماشيا، أو يحرك دابته إن كان راكبا، تأسيا بمن المأمور اتباعه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، [قال أصحابنا: وذلك بقدر رمية حجر] . قال جابر في حديثه: حتى أتى محسرا فحرك قليلا.
قال المنذري: لعله سمي بذلك لأنه يحسر سالكيه ويتبعهم.
وقال الشافعي في الإملاء: يجوز أن يكون فعل ذلك لسعة الموضع.
وقيل: يجوز أن يكون فعله لأنه مأوى الشياطين.
وقيل: سمي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه أي أعيى.
والله أعلم.

قال: وهو مع ذلك ملب.
ش: يعني من الدفع من مزدلفة إلى منى، لما تقدم في الصحيحين من حديث ابن عباس، والله أعلم.

رمي الجمرات

قال: ثم يأخذ حصى الجمار من طريقه أو من مزدلفة.
ش: الرمي تحية منى، فلا يشتغل عند الوصول إليها بغيره، فلذلك ندب أن يأخذ الحصى من طريقه أو من مزدلفة.
1695 - ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه كان يأخذ الحصى من جمع.
1696 -[وفعله سعيد بن جبير، وقال: كانوا يتزودون الحصى من جمع] وعن أحمد: خذ الحصى من حيث شئت.
وهذا اختيار أبي محمد، وهو الذي فعله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. 1697 - «قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: قال لي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غداة العقبة وهو على راحلته «هات القط لي» فلقطت له حصيات من حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال «بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين» رواه النسائي وابن ماجه ولهذا الخبر قلنا: الالتقاط أولى من التكسير.
والله أعلم.

قال: والاستحباب أن يغسله.
ش: هذا إحدى الروايتين عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -. 1698 - لأنه يروى عن ابن عمر أنه غسله، وكان يتحرى سنة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (والثانية) : - واختارها أبو محمد - لا يستحب، وقال: لم يبلغنا أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعله.
انتهى، وهو مقتضى حديث ابن عباس السابق، وعلى هذا لو رمى بحجر نجس فهل يجزئه لوجود الحجرية، أو لا يجزئه لأنه يؤدي به عبادة، أشبه حجر الاستجمار؟ فيه قولان، والله أعلم.

قال: فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات.
ش: جمرة العقبة هي آخر الجمرات مما يلي منى، وأولها مما يلي مكة، وهي عند العقبة، وبها سميت، فإذا قدم من مزدلفة إلى منى فأول ما يبدأ برميها بسبع حصيات، كما فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال جابر: حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات.
وكذلك في حديث غيره.
وقول الخرقي: رمى.
يخرج منه ما لو وضعها بيده في المرمى، فإنه لا يجزئه، لعدم الرمي، نعم لو طرحها طرحا أجزأته، لوجود الرمي.
وقوله: حصيات.
المستحب كونها مثل حصى الخذف، لحديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وفي حديث جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بمثل حصى الخذف.
وفسره الأثرم بأن يكون أكبر من الحمص، ودون البندق.
1699 - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: مثل بعر الغنم.
وهو قريب

من ذلك، فإن خالف ورمى بحجر كبير أجزأه على قول، وهو المشهور، لوجود الحجرية، وعن أحمد: لا يجزئه حتى يأتي بما فعله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكذلك القولان في الصغير قاله أبو محمد، وشرطه على كل حال الحجرية، فلا يجزئ الرمي بغيره كالكحل، والجواهر المنطبعة، والفيروزج، والياقوت، ونحو ذلك، على المشهور والمختار من الروايات، (وعنه) : يجزئ مع الجهل دون القصد، والرخام والكذان والرام ونحو ذلك ملحق بالحجر عند أبي محمد، وعند القاضي بالفيروزج، وجعل الدراهم،

والدنانير، والحديد، والنحاس، والرصاص أصلا قاس عليه المنع.
ولا بد أن يقع الحصى في المرمى، فلو وقع دونه لم يجزئه، نعم لو وقعت الحصاة على [ثوب] إنسان فطارت فوقعت في المرمى أجزأه، لاختصاصه بالفعل، فلو نفضها الإنسان فوقعت في المرمى أجزأت، قاله أبو بكر في الخلاف، حاكيا له عن أحمد في رواية بكر بن محمد، ولم يجز عند ابن عقيل، والله أعلم.

قال: يكبر في أثر كل حصاة.
ش: في حديث جابر: يكبر مع كل حصاة، وكذلك في الصحيح من حديث ابن مسعود وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.

قال: ولا يقف عندها.
والله أعلم.
1700 - ش: لما روى سالم «أن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم فيسهل، فيقوم مستقبل القبلة طويلا ويدعو، ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال، فيسهل فيقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو ويرفع يديه، ويقوم طويلا، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها، ويقول: هكذا رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعله» . رواه البخاري وغيره.
والسنة أن

يستبطن الوادي، وأن يستقبل القبلة لهذا الخبر، كذا قال أصحابنا، وفيه نظر، إذ ليس في هذا الحديث أنه استقبل القبلة في جمرة العقبة ولا في غيرها.
1701 - وقد ورد في الصحيحين عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي قال: «رمى عبد الله بن مسعود جمرة العقبة من بطن الوادي، بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، وجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، فقيل له: إن ناسا يرمونها من فوقها.
فقال عبد الله: هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة» . 1702 - لكن قد ورد في رواية النسائي والترمذي «أنه استبطن الوادي، واستقبل الكعبة، وجعل يرمي الجمرة على حاجبه الأيمن، وقال: من ههنا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة» ، ولو رماها من فوقها جاز.

1703 - لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رماها كذلك للزحام، والله أعلم.

قال: ويقطع التلبية مع ابتداء الرمي.
1704 - ش: لما تقدم في الصحيحين عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، عن أسامة والفضل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أنهما قالا: «لم يزل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يلبي حتى رمى جمرة العقبة» . وفي رواية للنسائي «فلما رمى قطع التلبية» ، والله أعلم.

نحر الهدي

قال: وينحر إن كان معه هدي.
ش: في حديث جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر» . ولا فرق في ذلك بين الواجب والتطوع، فلو لم يكن معه هدي، وعليه هدي واجب اشتراه ونحره، وإلا فإن أحب الأضحية اشترى ما يضحي به.

وقوله: وينحر إن كان معه هدي.
النحر مختص بالإبل، وأما غيره فيذبح، وكأنه أشار بذلك إلى أن الأولى في الهدي أن يكون من الإبل، اقتداء بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولا إشكال في ذلك، وفي مسنونية سوقه، ووقفه بعرفة، والجمع فيه بين الحل والحرم، والله أعلم.

الحلق والتقصير

قال: ويحلق أو يقصر.
1705 - ش: عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر، ثم قال للحلاق «خذ» وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس» . متفق عليه، والسنة البداءة بالجانب الأيمن لهذا، ويخير بين الحلق والتقصير كما اقتضاه كلام الخرقي، ولا ريب فيه، وقد قال سبحانه: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] . 1706 - قال ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حلق في حجة الوداع وأناس من أصحابه، وقصر بعضهم» ، متفق عليه.
1707 - وثبت عنه أنه دعا للمحلقين بالرحمة، وفي رواية بالمغفرة ثلاثا، وللمقصرين مرة، [والأولى الحلق] ، ولهذا قدمه الخرقي، اقتداء بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

1708 - وقد قال – - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللهم اغفر للمحلقين» قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال: «اللهم اغفر للمحلقين» قالوا: يا رسول الله وللمقصرين؟ قال: «وللمقصرين» قال: ذلك في الثالثة أو الرابعة» . والحكمة في ذلك - والله أعلم - أنه أبلغ في العبادة، وأدل على صدق النية لله تعالى، لأن المقصر مبق على نفسه بعض الزينة التي ينبغي للحاج أن يكون مجانبا لها.
1709 - وقيل: إن سبب دعائه – - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للمحلقين ثلاثا أنه لما أمرهم يوم الحديبية [بالحلاق] لم يقم أحد منهم، لما في أنفسهم من أمر الصلح، فلما حلق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ودعا للمحلقين ثلاثا، وللمقصرين مرة، تبادروا إلى ذلك.

1710 - وقد ورد في مسلم من «حديث أم الحصين أنها سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دعا للمحلقين ثلاثا، وللمقصرين مرة» ، هذا يدل على أن الحديبية لم يكن لها اختصاص بذلك.
وهل يستثنى من ذلك من لبد أو عقص، أو ظفر؟ ظاهر كلام الخرقي وكثير من الأصحاب عدم استثنائه، وعموم كلام أحمد يقتضيه، قال في رواية حنبل والميموني: إن شاء قصر، وإن شاء حلق، والحلق أفضل، وذلك للعمومات المتقدمة، (وعن أحمد) - رَحِمَهُ اللَّهُ -: من فعل ذلك فليحلق.
1711 - وقد روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: من عقص رأسه أو ظفر أو لبد فقد وجب عليه الحلاق.
رواه مالك في الموطأ، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لبد رأسه وحلق.
1712 - ويروى عنه – - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من لبد فليحلق» قال أبو محمد: والأول أصح إلا أن يثبت الخبر.

1713 - إذ عمر خالفه ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فتسلم العمومات المتقدمة، وفعل الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لكون الحلاق أفضل لا لتعينه.
انتهى.
ولو لم يكن على رأسه شعر كالأصلع ومن رأسه محلوق، فظاهر كلام أحمد في رواية المروذي أنه يمر الموسى على رأسه، قال في رواية المروذي في المتمتع: إن دخل يوم التروية فأعجب إلي أن يقصر، فإن دخل في العشر فأراد أن يحلق حلق، [فإن دخل يوم التروية فحلق فلا بأس، ويمر الموسى على رأسه يوم الحلق] ، وحمله القاضي على الاستحباب، لقوله في رواية بكر بن محمد: لا يعتمر حتى يخرج شعره، فيمكن حلقه أو تقصيره.
قال: فدل على أن إمرار الموسى لا يجب، فلا يقوم مقام الحلق، وفي أخذ الاستحباب من هذا نظر، لكن في الجملة هو قول الأصحاب، لقول الله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] ، أي: شعور رءوسكم، فمن لا شعر له لم تتناوله الآية.
1714 - وإنما استحب له إمرار الموسى اقتداء بقول عمر: الأصلع يمر الموسى على رأسه، رواه النجاد.

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل