شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 549-588
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصيام

صفحات 549-588
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ش: الصيام والصوم مصدر «صام» وفي اللغة: عبارة عن الإمساك، قال الله سبحانه: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] وقال الشاعر: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما أي ممسكة عن الصهيل.
وفي الشرع: إمساك مخصوص، في وقت مخصوص، [على وجه مخصوص] وهو من أركان الإسلام المعلومة من دين الله تعالى بالضرورة، وقد شهد لذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183] إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] الآية.
1277 - وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» الحديث إلى غير ذلك من الأحاديث، والله أعلم.

ما يثبت به هلال رمضان

قال: وإذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوما طلبوا الهلال.

ش: يستحب للناس أن يتراءوا الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، احتياطا لصومهم، وحذارا من الاختلاف.
1278 - وقد روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام» . رواه أحمد وأبو داود، والدارقطني وقال: هذا إسناد صحيح.
والله أعلم.

قال: فإن كانت السماء مصحية لم يصوموا ذلك اليوم.
ش: أي طلب الناس الهلال، فإن رأوه وجب صيامه، وهذا إجماع، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] . وإن لم يروه فإن كانت السماء مصحية [لم يصوموا ذلك اليوم] لأنه (إما يوم شك) وهو منهي عن صيامه.
1279 - قال صلة بن زفر: كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه، فأتي بشاة، فتنحى بعض القوم، فقال عمار: من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رواه أبو داود، والنسائي،

وابن ماجه [والترمذي] وصححه.
(أو غير شك) وقد نهي عنه أيضا.
1280 - فروى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين، إلا أن يكون صوم يصومه رجل، فليصم ذلك اليوم» رواه الجماعة.
1281 - وعن حذيفة بن اليمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تقدموا الشهر، حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة، ثم تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة» رواه النسائي وأبو داود.
وهذا المنع على طريق [الكراهة] عند القاضي وأبي الخطاب، والأكثرين.

ولأبي محمد في الكافي احتمال بالتحريم، وهو ظاهر كلام الخرقي، وكلام صاحب التلخيص في يوم الشك [قال: صيام يوم الشك] منهي عنه، وفي صحته مع النهي ما في الصلاة في أوقات النهي.
انتهى وهو مقتضى نصوص أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال في رواية أبي داود: الشك على ضربين، فالذي لا يصام إذا لم يحل دون منظره سحاب ولا قتر، والذي يصام إذا حال دون منظره سحاب أو قتر، وفي رواية المروذي: سئل عن نهي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن صيام [يوم] الشك، فقال: هذا إذا كان صحوا لم يصم، وأما إن كان في السماء غيم [صام] . وفي رواية الأثرم: ليس ينبغي أن يصبح صائما إذا لم يحل دون منظر الهلال شيء من سحاب ولا غيره.
انتهى وذلك لظواهر النصوص.

ويستثنى من المنع النذر، والورد، كمن عادته صوم يوم الخميس فوافق آخر الشهر، أو صوم يوم وفطر يوم للحديث.
«تنبيه» : يوم الشك [قال بعض المتأخرين] : اليوم الذي يتحدث الناس برؤيته ولا يثبت، وحرر القاضي ذلك في تعليقه بأن يكون في الصحو، وزاد عليه: إذا لم يتراء الناس الهلال [حتى جاوز وقت الرؤية أو لم تكن السماء مصحية، وقلنا: لا يجب الصوم] أما إن قلنا بوجوبه فليس بشك [عند القاضي، وهو شك] عند الخلال فيما أظن، وهما روايتان عن أحمد، والله أعلم.

قال: وإن حال دون منظره غيم أو قتر وجب صيامه، وقد أجزأ إن كان من شهر رمضان.
ش: هذا هو المذهب المشهور، المختار لعامة الأصحاب، الخرقي، وابن أبي موسى، والقاضي وأكثر أصحابه.
1282 - لما روى عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إذا رأيتموه فصوموا، وإن رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له» متفق عليه.
أي فضيقوا له العدد، من

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7] الآية أي ضيق عليه رزقه ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: 26] أي يضيق عليه ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: 11] أي ضيق ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: 87] أي لن نضيق عليه.
وتضييق العدد، بأن يجعل شعبان تسعة وعشرين.
1283 - ويدل على هذا ما في سنن أبي داود وغيره عن نافع قال: وكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعا وعشرين نظر له، فإن رؤي فذاك، وإن لم ير، ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر، أصبح مفطرا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما، قال: وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب وهو راوي الحديث وأعلم بمعناه فيرجع إلى تفسيره، كما رجع إلى

تفسيره في «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» فكان إذا بايع رجلا بشيء مشى خطوات لا سيما وهو من أتبع الناس [للسنة] ، ويجوز أن يكون معنى «فاقدروا له» أي اقدروا طلوعه.
1284 - يدل عليه أن في مسلم وسنن أبي داود في الحديث: «إنما الشهر تسع وعشرون، فإذا رأيتموه فصوموا» ، فقوله: «الشهر تسع وعشرون» كالتوطئة [لقوله] : «فاقدروا له» . أي لا تظنوا أن الشهر ثلاثون، إنما هو تسع وعشرون، فإذا مضى تسع وعشرون وغم عليكم، فاقدروا طلوعه، وهذا معنى الذي قبله، لأنا إذا قدرنا طلوعه، فقد ضيقنا شعبان.
1285 - (فإن قيل) : ففي هذا الحديث في مسلم: «فإن أغمي عليكم فاقدروا ثلاثين» ؛ وفي البخاري: «فأكملوا العدة ثلاثين» .

(قيل) : يحمل الأول [على] فضيقوا عدة شعبان، أو قدروا طلوع الهلال، لتصوموا ثلاثين.
والثاني [على] فأكملوا عدة رمضان ثلاثين، لأنه أقرب مذكور، فالألف واللام بدل من المضاف إليه، جمعا بين الأدلة.
1286 - ويؤيده أن في الصحيح كما سيأتي إن شاء الله تعالى: «فصوموا ثلاثين» . 1287 - وعلى هذا ما في الصحيحين وغيرهما عن عمران بن حصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لرجل: «هل صمت من سرر هذا الشهر شيئا؟» قال: لا.
قال: «فإذا أفطرت فصم يوما» ، وفي رواية: «يومين» ؛ وسرار الشهر: آخره.
سمي بذلك لاستسرار القمر فيه فلا يظهر، محمول على حال الغيم ونحوه.
وحديث أبي هريرة: «لا تقدموا رمضان» على الصحو.
ليتوافقا [إذ] في حال الغيم لا يعلم أنه تقدم رمضان بيوم ولا يومين، فلا يدخل تحت النهي، ولأن هذا قول جماعة من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. 1288 - فعن مكحول: أن عمر كان يصوم يوم الشك إذا كانت السماء

في تلك الليلة متغيمة، ويقول: ليس هذا بالتقدم، ولكنه بالتحري.
رواه أبو حفص بسنده.
1289 - وكانت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - تقول إذا غم: لأن أصوم يوما من شعبان، أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان.
وقد تقدم عن ابن عمر أنه كان يصوم يوم [الغيم.
1290 - وعلى هذا يحمل ما روي عن أسماء، وأبي هريرة، وعمرو بن العاص، ومعاوية، وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - من صوم يوم] الشك على وجود الغيم ونحوه، وهؤلاء من أكابر الصحابة، وعلمائهم، وهم رواة أحاديث الباب، فلا يظن بهم مخالفتها، ولا مخالفة ظاهرها، ولأن الصوم في ذمته بيقين، ولا يبرأ منه بيقين إلا بصوم ذلك، كما لو كانت عليه صلاة من يوم لا يعلم عينها، وجب عليه أن يصلي خمس صلوات.
وعن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - (رواية ثانية) : لا يصام هذا اليوم، بل

ينهى عنه، لأنه يوم شك، وقيل: إن هذا اختيار ابن عقيل، وأبي الخطاب، في خلافيهما، والذي نصره أبو الخطاب في الخلاف الصغير هو الأول، فلعل هذا في الكبير وذلك لما تقدم [من] أنه يوم شك، ويوم الشك منهي عنه لما تقدم، ولما تقدم من حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فإن فيه: عد ثلاثين يوما ثم صام.
وحديثي أبي هريرة، وحذيفة، في النهي عن التقدم.
1291 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» رواه البخاري.
ولمسلم: «فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين» . وقوله في حديث ابن عمر: «فاقدروا له» أي قدروا له عدد ثلاثين حتى تكملوها.
يدل عليه بقية الروايات، وكون [التقدير] التضييق ممنوع، إنما هو غير التضييق والتوسيع.
1292 - كما قيل في قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: 11] لا توسع الحلقة ولا تضيقها، ولا ترقق المسامير ولا تغلظها، وفي ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7] أي جعل بقدر لا ينقص، ولا يفضل عن حاجته.
وفي

﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: 87] أي نضيق عليه.
وفعل الصحابة لعله عن اجتهاد وظن، كما ظنه غيرهم.
1293 - ثم قد روي عن بعضهم [وعن غيرهم] خلاف ذلك، والاحتياط في الوجوب إنما يكون فيما علم وجوبه، أما ما شك فيه فلا يجب، وإلا يلزم الوجوب بالشك، وعلى هذا فهل النهي نهي تحريم أو تنزيه على قولين.
ومن نصر الأول قال: لا نسلم أن هذا يوم شك، مع أن عمارا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لم ينقل لنا عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفظا، فيجوز أن يكون قاله عن اجتهاد، بناء على النهي عن التقدم، وأما حديثا أبي هريرة وحذيفة في التقدم فتقدم الجواب عنهما، وهو غلط من الراوي، وأن سائر الرواة لم يذكروا ذلك، مع أن في المسند ومسلم والنسائي في هذا الحديث: «فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين» ، وفي لفظ لأحمد والترمذي وصححه، «فعدوا ثلاثين ثم أفطروا» ؛ والحديث واحد فتتعارض الروايتان ويتساقطان.
ثم على تقدير صحة الأول فيحمل على ما إذا غم رمضان، بعد أن غم شعبان، فإنا لا نفطر، ونعد شعبان إذا ثلاثين يوما ورمضان ثلاثين يوما، ويكون الصوم أحدا وثلاثين.
وعن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - رواية ثالثة: الناس تبع للإمام في الصوم والفطر.
1294 - لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس» رواه الترمذي وصححه.
قال أحمد: السلطان أحوط في هذا، وأنظر للمسلمين، وأشد تفقدا، ويد الله على الجماعة.
وقيل عن أحمد رواية أخرى باستحباب الصوم، لا بإيجابه، ولا بالمنع منه، وهذا اختيار أبي العباس، وقال: إن المنقول

عن أحمد أنه كان يصومه، أو يستحب صيامه، اتباعا لابن عمر، قال: ولم أقف من كلام أحمد على ما يقتضي الوجوب، وحملا للأوامر بإتمام شعبان، ونحو ذلك على بيان الواجب، وما ورد من صيام ذلك على الاستحباب، لا سيما وفيه احتياط لعبادة، وأصول الشريعة لا تمنع من ذلك.
وقيل عنه رواية بالإباحة، قال بعضهم: تحكى فيه الأحكام الخمسة.
وقول سادس وهو التبعية.
فعلى الأولى: يشترط له النية من الليل، على أنه من رمضان حكما، فإن تبين أنه من رمضان أجزأه، وإلا فهو نفل، وهل تصلى التراويح ليلته؟ فيه وجهان: قال صاحب التلخيص: أظهرهما لا.
وحكي عن أحمد وعن التميمي أنه ينويه جزما، وإذا تصلى التراويح.
ولو نوى: إن كان غدا من رمضان فهو فرض، وإلا فهو نفل، لم يجزئه إن قيل باشتراط التعيين في النية لفواته، وإلا أجزأه بطريق الأولى، لمكان العذر هنا، وهل تثبت بقية الأحكام من الأجل المعلق برمضان، والطلاق المعلق به، ونحو ذلك؟ فيه احتمالان، ذكرهما القاضي في التعليق، فالثبوت للحكم برمضانيته، والمنع لأنه حق لآدمي.

«تنبيه» : «الغيم» قال ابن سيده: الغيم السحاب.
وقيل: أن لا ترى شمسا من شدة الدجى.
وجمعه غيوم وغيام.
و «القتر» جمع قترة وهي الغبار، ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: 41] . 1295 - قال ابن زيد: الفرق بين الغبرة والقترة أن القترة ما ارتفع من الغبار فلحق بالسماء، والغبرة ما كان أسفل في الأرض.
و «فاقدروا له» قد تقدم معناه والصواب عند أهل اللغة والتفسير المعنى الثاني، وهو بالوصل، وكسر الدال وضمها، و «سرر الشهر» و «سراره» وسراره ثلاث لغات، قال الفراء: والفتح أجود.
ويقال فيه أيضا: سر الشهر.
وجاءت به السنة، وقد تقدم معناه، وقيل: سره وسطه، وسر كل شيء جوفه ويدل عليه أن في بعض الروايات «أصمت من سرة هذا الشهر؟» وفسر ذلك بأيام البيض والله أعلم.

النية في الصوم

قال: ولا يجوز صيام فرض حتى ينويه أي وقت كان من الليل.
ش: أما أصل النية في الصوم وإن كان تطوعا فمجمع عليها، لأنه عبادة فيدخل تحت قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] وعمل فيدخل تحت قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنما الأعمال بالنيات» ، ثم إن كان [الصوم] فرضا كرمضان وصوم الكفارة والنذر اشترط أن ينويه من الليل.
1296 - لما روي عن ابن عمر عن حفصة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له» رواه الخمسة، وفي لفظ: «من لم يجمع الصيام» ، وروي موقوفا على ابن عمر.

1297 - وعن عمرة عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قالت: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له.» رواه الدارقطني وقال: إسناده كلهم ثقات.
وما يورد من صوم عاشوراء فوجوبه كان في النهار فلذلك أجزأت فيه النية.
1298 - – [على أن أبا حفص قد قال] : إنه لم يكن واجبا، بدليل حديث معاوية سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إن هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وإني صائم فمن شاء فليصم» ورد بأن معاوية إنما أسلم عام الفتح.
1299 - ووجوب عاشوراء كان في الثانية من الهجرة، يوما واحدا ثم

نسخ بصوم رمضان في ذلك العام فهو إنما سمع ذلك بعد النسخ، ولا شك أنه إذ ذاك غير مكتوب.
انتهى.
وفي أي وقت نوى من الليل أجزأه، لإطلاق الحديث، وسواء وجد بعد النية مناف للصوم، كالجماع والأكل، أو لم يوجد [على المذهب] عملا بإطلاق الحديث، وقيل: يبطله المنافي من الأكل، ونحوه، كما لو فسخ النية، ولا بد مع النية من تعيين ما يصومه، فينوي الصوم عن كفارته، أو نذره، أو فرض رمضان، على ظاهر كلام الخرقي هنا، لقوله: ولا يجوز صيام فرض حتى ينويه.
أي ينوي ذلك الفرض، وهو إحدى الروايتين، وأنصهما عن أحمد، وهي اختيار أبي بكر، وأبي حفص، والقاضي، وابن عقيل، والأكثرين، لظاهر قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما الأعمال بالنيات» ومن أطلق لم ينو صوم رمضان، وكذلك من نوى تطوعا بطريق الأولى (والرواية الثانية) : لا يشترط تعيين النية لرمضان، حكاها أبو حفص عن بعض الأصحاب، وهي اختيار الخرقي في شرح المختصر، قال في صوم يوم الشك: إن قيل: كيف يجوز أن ينويه [من رمضان] وهو غير متحقق؟ قيل: ليس يحتاج أن ينوي من رمضان ولا غيره، لأن

من أصلنا: لو نوى أن يصوم تطوعا فوافق رمضان أجزأه، لأنه يحتاج أن يفرق بين الفرض والتطوع، لما يصلح لها، وشهر رمضان لا يصلح أن يصام فيه تطوع.
انتهى.
وذلك لما أشار إليه الخرقي بأن هذا الزمن متعين لصوم رمضان، لا يتأتى فيه غيره، فلا حاجة إلى النية، وصار هذا كمن عليه حجة الإسلام فنوى تطوعا، وفرق بأن الحج آكد حكما، بدليل المضي في فاسده، وانعقاده مع الفساد، فلذلك لم يعتبر له تعيين النية، بخلاف الصوم ثم نص الرواية إنما هو في من نوى وأطلق، والقاضي وجماعة يحكون الرواية في من أطلق، أو نوى تطوعا.
وفي المسألة قول ثالث اختاره أبو العباس: أنه مع العلم يجب عليه تعيين النية، وألا يكون عاصيا لله بقصد ما لا يحل له، ومع عدم العلم كمن لم يعلم أن غدا من رمضان، ونوى صوما ما مطلقا أو مقيدا، فتبين أنه من رمضان، لا يجب التعيين، بل يجزئ الإطلاق [ونية غير رمضان عنه] لمكان العذر، ونص الخرقي في شرحه، وكذلك كلام أحمد [في] رواية: الإجزاء إنما هو في مثل هذا.
انتهى.
وهل يكفي نية من أول الشهر عن جميعه؟ فيه روايتان: أشهرهما عن أحمد - وأصحهما عند الأصحاب - لا، والله أعلم.

قال: ومن نوى من الليل، فأغمي عليه قبل طلوع الفجر، فلم يفق حتى غربت الشمس، لم يجزه صيام ذلك اليوم.
ش: لأن الصوم الشرعي مركب من إمساك مع النية.
1300 - بدليل قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه، وشرابه من أجلي» متفق عليه؛ فأضاف ترك الطعام والشراب إليه، ومن أغمي عليه جميع النهار لم يضف إليه إمساك النية، فلم يصح صومه، إذ المركب ينتفي بانتفاء جزئه.
وقد فهم من كلام الخرقي أنه لو أفاق قبل غروب الشمس أجزأه، وهو صحيح، لوجود الإمساك في الجملة.
ودل كلامه على أن المغمى عليه يجب عليه الصوم، ولا نزاع في ذلك، لأن الولاية لا تثبت عليه، فلم يزل به التكليف كالنوم، ولهذا جاز على الأنبياء، والله أعلم.

قال: ومن نوى صيام التطوع من النهار - ولم يكن طعم - أجزأه.
1301 - ش: لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «دخل على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟» قلنا: لا.
قال: «فإني إذا صائم» ؛ مختصر رواه مسلم.
وفيه دليلان (أحدهما)

طلبه الأكل، والظاهر أنه كان مفطرا، وإلا يلزم إبطال العمل المطلوب إتمامه.
(والثاني) : قوله: «إني إذا» ؛ و (إذا) للاستقبال، وبهذا يتخصص قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر.
. .» الحديث، وشرط هذا أن لا يوجد مناف غير نية الإفطار، اقتصارا على مقتضى الدليل، ونظرا إلى أن الإمساك هو المقصود الأعظم، فلا يعفى عنه أصلا.
وظاهر كلام الخرقي والإمام أحمد أنه لا فرق بين [قبل] الزوال وبعده، وهو اختيار ابن أبي موسى، والقاضي في الجامع الصغير، وأبي محمد، لأن ما صحت النية في أوله، صحت في آخره كالليل، وعن أحمد: لا يجزئه بعد الزوال، واختاره القاضي في المجرد، وابن البنا في الخصال، لأنه قد مضى معظم اليوم، ومعظم الشيء في حكم كله في كثير من الأحكام، فكذلك ها هنا.
«تنبيه» : يحكم له بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية، على المنصوص والمختار لأبي محمد وغيره، إذ «ليس لامرئ إلا ما نوى» بنص الرسول، وعند أبي الخطاب يحكم له بالصوم من أول النهار نظرا إلى أن الصوم لا يتبعض، وهو ممنوع، والله أعلم.

صوم المسافر

قال: وإذا سافر إلى ما تقصر فيه الصلاة فلا يفطر حتى يترك البيوت وراء ظهره.
ش: يجوز الفطر في السفر بنص الكتاب، قال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس من البر الصوم في السفر» . ومن شرط الفطر أن يكون [سفره] تقصر في مثله الصلاة، وهو ستة عشر فرسخا فأزيد، إذ ما دون ذلك في حكم المقيم لما تقدم في قصر الصلاة، وأن يترك البيوت وراء ظهره، أي يتجاوزها [لأنه ما لم يتجاوزها] فهو حاضر غير مسافر، فيدخل تحت قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] والله أعلم.

ما يوجب القضاء ولا يوجب الكفارة في الصيام

قال: ومن أكل، أو شرب، أو احتجم، أو استعط، أو أدخل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان، أو قبل فأمنى أو

أمذى، أو كرر النظر فأنزل، أي ذلك فعل [عامدا] وهو ذاكر لصومه، فعليه القضاء بلا كفارة، إذا كان صومه واجبا، وإن فعل ذلك ناسيا فهو على صومه، ولا قضاء عليه.
ش: أما الفطر بالأكل والشرب فبدلالة قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] أباح سبحانه الأكل إلى غاية هي تبين الخيط الأبيض، من الخيط الأسود ثم أمر سبحانه بالإمساك عنهما إلى الليل، وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي» ، فدل على أن الصوم حالته هذه، ولا فرق بين مغذ وغيره، لظاهر إطلاق الكتاب.
1302 - وأما الفطر بالاحتجام فلما «روى شداد بن أوس أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتى على رجل وهو بالبقيع، وهو يحتجم، وهو آخذ بيدي، لثمان عشرة خلت من رمضان فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه والحاكم وصححه، وصححه أيضا الإمام أحمد وإسحاق، وابن المديني، والدارمي وغيرهم.

1303 - وعن رافع بن خديج - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه أحمد، والترمذي، وقال أحمد: إنه أصح حديث في الباب.
وفي رواية: إسناده جيد.

1304 - ولأحمد وأبي داود من حديث ثوبان مثله.
وقال ابن المديني: إنه وحديث شداد أصح شيء في الباب.
وقال الأثرم: ذكرت لأبي عبد الله حديث ثوبان وشداد بن أوس صحيحان هما عندك؟ [قال: نعم] . 1305 - ولأحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة مثله.

1306 - ولأحمد من حديث عائشة، وأسامة بن زيد مثله.
1307 - «وعن الحسن عن معقل بن يسار الأشجعي، أنه قال: مر علي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأنا أحتجم في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» .

1308 - وروى أحمد بسنده مثل ذلك من حديث مصعب بن سعد، عن أبيه.
1309 - ومن حديث بلال، ومن حديث صفية، ومن حديث أبي موسى الأشعري، ومن حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده ذكر ذلك ابنه عبد الله في مسائله [عنه] فهؤلاء اثنا عشر صحابيا رووا هذا الحديث، وهذا يزيد على رتبة المستفيض، قال الإمام ابن خزيمة: ثبتت الأخبار عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه

قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» . انتهى.
وما يذكر من أنهما كانا يغتابان، بعيد، لأنهما من الصحابة، إذ الظاهر تنزيههما عن ذلك، وقد ذكر هذا لأحمد فقال: لو كان للغيبة ما كان لنا صوم.
أي أنا لا نسلم من ذلك، فكيف يحمل الحديث على أمر يغلب وقوعه، ثم إن هذه الأحاديث كلها ليس فيها ذكر الغيبة، فكيف يجوز أن يترك من الحديث ما الحكم [منوط] به، ثم لو قدر وجودها في الحديث فالاعتبار بعموم اللفظ.
1310 - ثم قد روى أحمد في مسائل ابنه عبد الله الإفتاء بهذا اللفظ عن علي، وعائشة، وأبي هريرة، وصفية، وابن عمر.

1311 - وعن الحسن عن عدة من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهذا يدل على تثبته والأخذ بعمومه عندهم.
1312 - وما روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرم» رواه البخاري، وفي لفظ: «احتجم وهو محرم صائم» رواه أبو داود والترمذي وصححه،

وقد طعن فيه أحمد في رواية الأثرم فقال: هو ضعيف، لأن [راويه محمد بن عبد الله] الأنصاري ذهبت كتبه [في الفتنة] فكان يحدث من كتب غلامه أبي حكيم، ثم لو صح فلا

حجة فيه، لأنه كان محرما، فهو مسافر، إذ لم يثبت أنه كان محرما مقيما قط، والمسافر يجوز له الفطر، ويجوز أن يكون صومه تطوعا، ويجوز أن يكون به عذر، وكلاهما مبيح للإفطار.
1313 - وقد روى أبو بكر بإسناده عن ابن عباس قال: «احتجم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من شيء كان وجده» . 1314 - وروى أيضا بسنده عن جابر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث إلى أبي طيبة أن يأتيه ليحجمه عند فطر الصائم، وأمره أن يضع محاجمه عند غيبوبة الشمس» . وهذا يدل على أنه وضع المحاجم نهارا وحجمه ليلا، وبدون هذه الاحتمالات يسقط الاستدلال، ثم على تقدير انتفاء الاحتمالات فتلك الأحاديث أكثر رواة، وقد عضدها عمل الصحابة، فتقدم على الفذ الواحد، ثم لو سلم التساوي فحديث ابن عباس فعل، وتلك قول، والقول مقدم بلا ريب، لعدم عموم الفعل، واحتمال خصوصيته به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[ثم] على تقدير عمومه لنا بدليل دعوى النسخ، نسخ حديث ابن عباس

أولى، لأنه موافق لحكم الأصل، فنسخه يلزم منه مخالفة الأصل [مرة واحدة، ونسخ «أفطر الحاجم والمحجوم» يلزم منه مخالفة الأصل] مرتين، لأن هذا القول خلاف الأصل، ونسخه خلاف الأصل.
انتهى.
ويفطر الحاجم كما يفطر المحجوم بنص الحديث، وكان حق الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن ينبه على ذلك، والحجم في الساق كالحجم في القفا، نص عليه أحمد، ولا يشترط خروج الدم، بل يناط الحكم بالشرط، وفي الفصد وجهان.
أصحهما - وبه قطع القاضي في التعليق - لا يفطر.
وعلى الوجه الآخر في الشرط احتمالان.
والله أعلم.
وأما الفطر بالاستعاط - وهو أن يجعل في أنفه سعوطا، وهو دواء يجعل في الأنف، والمراد هنا ما يدخل في الأنف من دواء وغيره: 1315 - فلقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق [إلا أن تكون صائما» فلولا أن المبالغة في الاستنشاق] تؤثر في الصوم لم ينه عنه.
وأما الفطر بكل ما دخل إلى الجوف من أي موضع كان، سواء وصل من الفم على العادة أو على غير العادة كالوجور، أو من الأنف كالسعوط، أو دخل من الأذن إلى الدماغ، أو

دخل من العين إلى الحلق كالكحل الحاد، أو دخل إلى الجوف من الدبر كالحقنة، أو وصل من مداواة جائفة أو مأمومة إلى جوفه، أو [إلى] دماغه ونحو ذلك، وسواء كان ذلك [الداخل] مغذيا أو غير مغذ، حتى لو أوصل إلى جوفه سكينا أفطر، لأنه [في الجميع] أوصل إلى جوفه ما هو ممنوع من إيصاله إليه، أشبه ما لو أوصل إليه مأكولا.
1316 - وقد روي في حديث أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أمر بالإثمد عند النوم، وقال: «ليتقه الصائم» رواه أبو داود وغيره.
وقول الخرقي: [أو أدخل إلى جوفه شيئا] من أي موضع كان.
من عطف العام على الخاص، لاختصاص الخاص - وهو الأكل والشرب، والاستعاط - بمعنى لم يوجد في العام وهو النص.
1317 - وأما الفطر بالقبلة مع الإمناء والإمذاء فلما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه أملككم لإربه» . متفق عليه واللفظ لمسلم، وفي لفظ له: «يقبل في رمضان وهو صائم» . وفيه إشارة إلى أن من لا يملك إربه يضره ذلك.

1318 - «وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: هششت فقبلت وأنا صائم [فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم] قال: «أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم؟» قلت: لا بأس به.
قال: «فمه» رواه أبو داود.
شبه القبلة بالمضمضة من حيث إنها مقدمة للشهوة بالمضمضة، والمضمضة إذا لم يكن معها نزول ماء لم يفطر، ومع النزول يفطر، كذلك القبلة، إلا أن أحمد ضعف هذا الخبر ولأنه إنزال بمباشرة، أشبه الإنزال بالجماع.
ومفهوم كلام الخرقي أن القبلة إذا خلت عن [إنزال لم يفطر، ولا ريب في ذلك، لما تقدم من الحديثين، وحكم الاستمناء باليد حكم القبلة.
وأما الفطر بتكرار النظر مع] الإنزال - أي إنزال المني، إذ هذا العرف في الإنزال - فلأنه عمل يمكن التحرز منه، ويتلذذ به، أشبه الإنزال باللمس، وخرج بذلك إنزال المذي، فلا يفطر به على الصحيح، لأنه إنزال لا عن مباشرة فلم يلتحق المذي بالمني لضعفه [عنه] وعن أبي بكر: يفطر.
وخرج أيضا بطريق التنبيه إذا لم ينزل.

ومفهوم كلام الخرقي: أنه لو أنزل بنظره لم يفطر، ولا يخلو إما أن يقصد النظر أو لا، فإن لم يقصد لم يفطر بلا ريب، وإن قصده فكذلك، على ظاهر كلام أبي محمد، وأبي الخطاب وغيرهما، وظاهر كلام أبي البركات أن في المذي في النظر وجهان فالإمناء أولى، وقطع القاضي بالفطر.
ومقتضى كلام الخرقي أن الفكر لا أثر له، وهو كذلك إن غلبه، وكذلك إن استدعاه على أصح الوجهين.
1319 - لعموم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم» . وشرط الإفطار في جميع ما تقدم أن يكون عامدا أي قاصدا للفعل، فلو لم يقصد - بأن طار إلى حلقه ذباب، أو غبار، أو ألقي في ماء فوصل إلى جوفه، أو صب في حلقه، أو أنفه شيء كرها، أو حجم كرها، أو قبلته امرأة بغير اختياره، ونحو ذلك - لم يفطر.
1320 - لما روى أبو هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء» رواه الخمسة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما، والدارقطني وقال: رواته كلهم

[ثقات] . نفى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - القضاء لسبق القيء لانتفاء الاختيار، فيلحق به ما في معناه.
1321 - ولقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عفي لأمتي عن الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» ولأن من لم يقصد غافل، والغافل غير مكلف، وإلا يلزم تكليف ما لا يطاق.

وأن يكون ذاكرا لصومه، فلو كان ناسيا لم يفطر في شيء مما تقدم.
1322 - لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» متفق عليه.
وفيه دليلان: أحدهما أنه قال: «فليتم صومه» فاقتضى أن ثم صوم يتم.
والثاني قوله: «فإنما أطعمه الله وسقاه» فأضاف الفعل إلى الرب سبحانه وتعالى، فدل على أنه لا أثر لذلك الفعل بالنسبة [إليه] . 1323 - مع أن الدارقطني قد روى في الحديث من طرق قيل إنه صحح بعضها «فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه» وفي لفظ له: «ولا قضاء عليه، لأن الله أطعمه وسقاه» » . وإذا ثبت هذا في الأكل والشرب قسنا عليه ما عداه، لأنه في معناه.
1324 - مع أن الدارقطني والحاكم رويا: «من أفطر من شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة» وصحح ذلك الحاكم ويؤيد ذلك

عموم قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» الحديث (وعن أحمد) رواية أخرى أن الحجامة تفطر مع النسيان، لإطلاق الحديث، ولعدم استفصاله من معقل بن يسار وغيره، وفي الاستمناء وجه، إلحاقا له بالجماع.
ومقتضى كلام الخرقي أن الجهل بالتحريم لا أثر له، وهو اختيار الشيخين، لظاهر حديث معقل بن يسار، لأنه كان جاهلا بالتحريم وجعله صاحب التلخيص تبعا لأبي الخطاب كالمكره والناسي.
«تنبيه» : النائم كالناسي، لعدم قصده، أما المكره بالوعيد فقال القاضي في تعليقه: ليس عن أصحابنا فيه رواية.
ثم حكى [فيه] احتمالين، وحكى ابن عقيل عن الأصحاب أنه كالملجأ [لعموم الحديث قال] : ويحتمل عندي أن يفطر، لأنه لدفع ضرر عنه، أشبه من شرب لدفع عطش.
انتهى.
ومن حكم بفطره ممن تقدم فعليه القضاء إن كان صومه واجبا، لأن الصوم ثابت في ذمته، فلا تبرأ إلا بأدائه ولم يؤد، فيجب

قضاؤه، والواجب في القضاء عن كل يوم؛ يوم، إذ القضاء يحكي الأداء.
1325 - وفي حديث المجامع في رمضان «صم يوما مكانه» رواه أبو داود.
ولا كفارة في شيء مما تقدم.

1326 - أما في الأكل والشرب فلعموم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس في المال حق سوى الزكاة» ، ولأن الأصل براءة الذمة، فلا يثبت الشغل إلا بدليل من نص، أو إجماع، أو قياس، ولم يوجد [واحد] منها، والقياس على الجماع ممنوع، لأنه أفحش، فالحاجة إلى الزجر عنه أبلغ، وقيل: تجب الكفارة على من أكل أو شرب عمدا كالجماع، (وأما) في الاحتجام فلما تقدم، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[لم يلزمه بالكفارة و] لو كانت واجبة لبينها (وعنه) إن كان عالما بالنهي وجبت وإلا

فلا، وعلى هذه هل هي كفارة وطء أو مرضع؟ فيه روايتان، (وأما) في الاستعاط، ومن أدخل إلى جوفه شيئا من أي موضع كان، فلما تقدم في الأكل والشرب.
(وأما) في القبلة وتكرار النظر فلأنه إفطار بغير مباشرة، أشبه الإفطار بالأكل والشرب، واعتمادا على الأصل، وهذا إحدى الروايتين، واختيار الخرقي، وأبي بكر، وابن أبي موسى.
(والرواية الثانية) : تجب الكفارة، واختارها القاضي في تعليقه، لأنه إفطار باستمتاع، أشبه الفطر بالجماع.
وحكم الاستمناء حكم القبلة، قاله في التلخيص، وجزم القاضي في التعليق بعدم الكفارة فيه، معتمدا على نص الإمام في رواية ابن منصور، وفرق بينه وبين ما تقدم، بأن الاستمناء ليس بإنزال عن مباشرة، إذ المباشرة لا تكون إلا بين شخصين.
ومفهوم كلام الخرقي في قوله: إذا كان صوما واجبا؛ أن الصوم لو لم يكن واجبا لا قضاء فيه، وهو المذهب بلا ريب، وستأتي المسألة إن شاء الله تعالى.
وقوله: وإن فعل كل ذلك ناسيا فهو على صومه، ولا قضاء عليه.
[هو] مفهوم «ذاكرا» وقد تقدم الكلام عليه.

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل