كتاب النكاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
2621 - وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أصدق أم كلثوم ابنة علي أربعين ألفا، رواه أبو حفص، مع أن هذا إجماع حكاه ابن عبد البر وغيره، لكن الأولى تقليل المهر وتخفيفه.
2622 - لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة» رواه أحمد.
2623 - وعن أبي العجفاء، قال: لا تغالوا بصدق النساء، فإنه لو
كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، كان أولاكم بها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما أصدق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية.
رواه الخمسة، وصححه الترمذي.
وكماله عشرة دراهم، على ظاهر كلام القاضي أبي يعلى الصغير، خروجا من الخلاف، واتفق الكل على أن المستحب أن لا يزيد على صداق أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبناته، تأسيا به، وطلبا لبركته والاقتداء به، وهو من أربع مائة درهم إلى خمس مائة، لما تقدم عن عمر.
2624 - وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كم كان صداق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا، قالت: أتدري ما
النش؟ قلت: لا.
قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم، هذا صداق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأزواجه.
رواه مسلم، وكلام أحمد في رواية حنبل يقتضي أنه بلغه أن صداق بنات النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أربعمائة درهم.
وقد تضمن كلام الخرقي أن من شرط صحة التسمية الرضى ممن هو معتبر منه، ولا نزاع في ذلك، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: 24] .
2625 - ويروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «العلائق ما تراضى عليه الأهلون» ثم إن كان العاقد الأب وهي صغيرة فالرضى منوط به، وإن كانت بالغة رشيدة اعتبر رضاها، نعم للأب أن يزوجها بدون صداق مثلها، كما تقدم في أول كتاب النكاح، والله أعلم.
(تنبيه) وجوب المهر في ابتداء النكاح هل هو حق لله تعالى أو للآدمي؟ فيه وجهان: (أحدهما) : أنه حق للآدمي، قاله القاضي في التعليق، في ضمن مسألة أقل الصداق، وفي تزويج الدنيء بغير مهر، وفي فساد المهر، وهو قول كثير من أصحابه في الخلاف، وبنوا عليه تزويج عبده من أمته ولا مهر، وذلك لأنه يسقط بالعفو بعد وجوبه، ولو كان حقا لله تعالى لما سقط.
(والثاني) : أنه حق لله تعالى، قاله القاضي أبو يعلى الصغير، وابن عقيل في موضع، وهو قياس المنصوص في وجوب المهر فيما إذا زوج عبده من أمته، وذلك لأنه يجب مهر المثل للمفوضة، وإن رضيت بسقوطه، وهذا هو مأخذ المفوضة عند القاضي أبي يعلى الصغير، والقاضي يجيب عن ذلك بأنه إسقاط للحق قبل وجوبه فلذلك لم يسقط، والله أعلم.
قال: وإذا أصدقها عبدا بعينه، فوجدت به عيبا فردته به كان لها عليه قيمته.
ش: إذا أصدقها عبدا بعينه - كأن قال: تزوجتك على هذا العبد، فوجدت به عيبا، فإن لها رده وإن كان العيب يسيرا، بلا نزاع بين أصحابنا فيما نعلم، كالمبيع المعيب، فإذا ردته فلها قيمته صحيحا، لأنها قد رضيت ببذل نفسها بذلك، لا بما دونه، ولو كان الصداق مثليا والحال هذه، فردته فلها مثله،
فإن اختارت الإمساك وأخذ الأرش كان لها ذلك على المشهور، كالمبيع المعيب، ونقل عنه مهنا ما يدل على أنه لا أرش مع الإمساك، وأظن هذا أصل الرواية المذكورة في البيع، ولعله ظاهر كلام الخرقي هنا، وذلك لأن الأرش زيادة في الصداق لم يلتزمها الزوج، ولا رضي بها، والأرش هنا والله أعلم قيمة الجزء الفائت، ولو كان الصداق على عبد في الذمة، فسلمه لها فوجدت به عيبا، فالواجب إبداله لا أرش ولا قيمة، لأنا قد تبينا أنه قد سلم غير الواجب عليه، فالواجب باق في ذمته، فيجب دفعه، ووقع لأبي محمد في عوض الكتابة إذا بان معيبا أنه يخير بين الرد، والإمساك مع الأرش، وعوض الكتابة إنما يكون في الذمة، وهو سهو، والله أعلم.
قال: وكذلك إن خرج حرا أو استحق، سواء سلمه إليها أو لم يسلمه.
ش: كذلك إذا تزوجها على عبد بعينه فخرج حرا، أو استحق بأن بان غصبا ونحو ذلك، فإن لها قيمته، لأنه قد تعذر تسليمه، فوجب الرجوع إلى بدله، إذ البدل يقوم مقام المبدل عند تعذره، وتعتبر القيمة يوم التزويج، قاله القاضي في التعليق.
وقد تضمن كلام الخرقي صحة النكاح، ولا نزاع في ذلك، وتضمن كلام الخرقي أيضا وكلام الأصحاب والإمام أنها إذا ردت الصداق بالعيب في المسألة السابقة، أو خرج حرا أو مغصوبا أنها لا ترجع في مقابله وهو نفسها، فيفسخ النكاح، ولا يجب لها بدل ذلك، وهو مهر المثل، وعلل بأنها رضيت بما سمي لها، فلا ترجع إلا إلى بدله، وقد يقال: إن قاعدة المعاوضات خلاف هذا، لأنها متى فسخت في الثمن وتعذر الرجوع في العين المبيعة، فإنها ترجع ببدلها، لا ببدل الثمن، وذلك كما إذا بيع عبد بثوب بشرط الخيار ثلاثا فأعتق المشتري العبد أو تلف، وفسخ البائع البيع في الثوب، على إحدى الروايتين، فإنه يرجع ببدل العبد، لا بقيمة الثوب، وقياس هذا هنا أنه يرجع بمهر المثل، وقد يجاب عن هذا بأن ثم إنما وجب بدل العبد، لا بدل الثوب، لأن العقد انفسخ، ومع الانفساخ يرجع كل واحد منهما إلى ما خرج عنه، وقد تعذر الرجوع في العبد، فيرجع ببدله لمكان العذر، وليس هنا كذلك، إذ العقد لا ينفسخ بذلك، لأنه لا يفسد بفساد الصداق، ولا بعدمه، فبكونه معيبا أولى، وغايته أنه قد عدم الصداق في العقد، وذلك لا يفسده، وأبو العباس - رَحِمَهُ اللَّهُ - في بعض قواعده ينازع في هذا الأصل، ويختار أن للمرأة الفسخ، كما للبائع والمؤجر الفسخ مع العيب، والرجوع في العين المبيعة والمؤجرة، والجامع أنه عقد
معاوضة، بل هنا أولى، إذ المال والمنفعة يجوز بذلهما بغير عوض، أما النكاح فلا يجوز إلا بصداق، ولأن للمرأة الفسخ إذا ظهر الزوج معسرا قبل الدخول، كما لو ظهر معسرا بالثمن، فلها الفسخ إذا بان عيبه، أو ظهر معيبا بل أولى، ألا ترى أن العيب يثبت الفسخ في المبيع بالإجماع، وفي الإفلاس بالثمن بعد القبض نزاع، والبدل يقوم مقام المبدل في الاتلافات لتعذر الأصل، أما في العقود فالمقصود العين، فإذا لم تحصل فات الرضى المشروط، والقول بأن الصداق تابع لا مقصود لا يجدي، فإن الله سبحانه عظم شأن الصداق في كتابه، وأمر بإيتائه، وعلق الحل عليه، ونهى عن أخذ شيء منه إلا عند تعدي الحدود، فشأنه أعظم من شأن الثمن والأجرة، والوفاء به أوجب.
2626 - قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» والله أعلم.
قال: وإذا تزوجها على أن يشتري لها عبدا بعينه، فلم يبع، أو طلب به أكثر من قيمته، أو لم يقدر عليه فلها قيمته.
ش: هذا منصوص أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رواية الأثرم، وقاله القاضي، وأبو محمد وغيرهما، (وهو دال بتضمنه) على أن التسمية صحيحة إذا، غايته وقصاراه أنه أصدقها ملك الغير، وذلك لا يمنع الصحة، كما لو تزوجها على عبد فخرج حرا، ولأن هذا غرر يسير فيحتمل، إذ المعاوضة في الصداق ليست بمحضة، إذ المقصود الأعظم إنما هو الوصل والاستمتاع، ومقتضى كلام أبي بكر - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن هذه التسمية لا تصح، قال في مقنعه: النكاح كالبيع، لا يصح إلا على معلوم كالبيع، وذلك، لأنه عقد معاوضة، فأشبه البيع، (ودل بمنطوقه) على أنه متى لم يبع العبد سيده أو طلب فيه أكثر من قيمته، أو لم يقدر عليه لإباقه أو غير ذلك أن لها قيمته، لما تقدم في التي قبلها، وفيه البحث السابق في وجوب مهر المثل، وفي فسخ النكاح، وقد يقال في الزيادة اليسيرة غير المجحفة: يلزم الشراء كما في نظائره.
ومقتضى كلام الخرقي أنه لو قدر على الشراء فبذل القيمة لم يلزمها القبول، وهو اختيار أبي محمد، وقيل: يلزمها، ولعله بناء على ما إذا أصدقها عبدا موصوفا وجاءها بقيمته، والله أعلم.
قال: وإذا تزوجها على خمر أو ما أشبهه من المحرم وهما مسلمان ثبت النكاح، وكان لها مهر المثل أو نصفه إن كان طلقها قبل الدخول.
ش: إذا تزوجها على خمر أو ما أشبهه من المحرم، كالخنزير والميتة، والحال أنهما مسلمان، فالنكاح صحيح ثابت، على المشهور من الروايتين، والمختار لجمهور الأصحاب، الخرقي وابن حامد والقاضي، والشريف وأبي الخطاب، وابن عقيل وأبي محمد وغيرهم، حتى بالغ القاضي وأبو محمد فحملا الثانية على الاستحباب، وذلك لإطلاق «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» ظاهره الصحة وإن كان المهر فاسدا، ولأن فساده لا يزيد على عدمه، ولو عدم صح النكاح، فكذلك إذا فسد، ولأن النكاح قد يخلو عن مهر، بدليل تزويج عبده من أمته، على اختيار القاضي، وكثير من أصحابه، وتزويج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإذا انفرد عنه صح وإن فسد الصداق كالعقدين، (والرواية الثانية) : لا يصح، اختاره الخلال وصاحبه، والجوزجاني، لظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: 24] فجعل سبحانه الحل بالمال، وما ذكر ليس بمال، ولأن النكاح لا بد فيه من مهر، وما رضيا به لا يصح مهرا، وما جعله الشارع وهو مهر المثل لم يرضيا به، حيث سميا مهرا، وإذا يبطل، وتزويجه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من خصائصه، وتزويج عبده من أمته ممنوع، على
المنصوص، ولا تفريع على هذه الرواية، أما على الأولى فيجب لها مهر المثل، لتعذر المسمى، والرجوع في البضع، وإذا ينزل منزلة التالف، فتجب قيمته، وهو مهر المثل، كالمبيع المقبوض بعقد فاسد، وخرج ابن أبي موسى قولا أنه يجب مثل المثلي، وقيمة غيره، بناء على ما إذا جهلا ذلك، ونظرا إلى أن الرضى شيء رضي ببدله، وهذا اختيار أبي العباس، وظاهر إطلاق أحمد في رواية الأثرم إذا تزوج على شيء بعينه، فطلب ذلك الشيء فلم يقدر عليه، إما مملوك فأعتقوه أو رفعوا في ثمنه، وبلغوا به، فلها قيمته، فقيل له: ولا يكون لها صداق مثلها؟ فقال: كيف وقد تزوجت على شيء بعينه، إنما ذلك إذا تزوجها على حكمها فاختلفا؟ انتهى، ولو طلقها والحال هذه قبل الدخول وجب نصف مهر المثل لا المتعة، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى، والخلاف فيه.
وقول الخرقي: وهما مسلمان.
يحترز به عما إذا كانا كافرين، وقد تقدم له ذلك في نكاح أهل الشرك، وقوله: على خمر أو ما أشبهه من المحرم.
يحتمل: وما أشبه الخمر من محرم تحريمه لحق الله تعالى، كالخنزير والحر، فيخرج ما إذا كان تحريمه لحق الآدمي، كالمال المغصوب ونحوه، فإنه يصح بلا نزاع، وهذا اختيار
الشيخين، وبالغ أبو محمد فحكى الاتفاق عليه، ويحتمل: وما أشبه الخمر في التحريم، فيدخل ما تقدم، وبهذا صرح أبو بكر في التنبيه، وابن أبي موسى، وابن عقيل، وأبو الخطاب وغيرهم، وهو مقتضى نص أحمد الذي أخذ منه البطلان في الأصل، ومما يتبع أن الصداق لو فسد بجهالة أو عدم لا يفسد النكاح، وهو المعروف، حتى قال جماعة: رواية واحد، وشذ الشاشي في الحلية فحكى عن أحمد أن النكاح يفسد بجهالة العوض، وهو مقتضى إطلاق أبي عبد الله ابن تيمية، حيث قال: فإن فسد الصداق لم يؤثر في النكاح، على المشهور من الروايتين.
(تنبيه) محل الخلاف فيما إذا علما بذلك، أما إن جهلاه فإن النكاح يصح، قاله ابن أبي موسى والقاضي، والشيخان وغيرهم، والله أعلم.
قال: وإن تزوجها على ألف لها، وألف لأبيها، كان ذلك جائزا، فإن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف الألفين، ولم يكن على الأب شيء مما أخذ.
ش: إذا تزوجها على ألف لها، وألف لأبيها، جاز ذلك، ولزم الشرط والعقد، نص على هذا أحمد، معللا بأن له أن يأخذ من
مال ابنه ما شاء، وهو المذهب عند الأصحاب، القاضي، وابن عقيل، وأبي الخطاب، والشيخين وغير واحد، وذلك لقصة شعيب - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] فشرط الصداق رعي غنمه، وذلك شرط لنفسه، وإذا جاز اشتراط كل الصداق فبعضه أولى، وشرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد نسخه.
2627 - وأيضا عموم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» .
2628 - «المسلمون عند شروطهم» .
2629 - ثم يستدل على صحة هذا الشرط بخصوصه بقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنت ومالك لأبيك» وإنما يكون الابن لأبيه بمعنى أن منفعته
له، ومن له المنفعة له أن يستوفيها بنفسه وبغيره، والقول بأن المال لا يتبعه حتى يقبضه، يجاب عنه بأن ثبوت الولاية هنا على الأبضاع بمنزلة القبض، وحكى أبو عبد الله ابن تيمية رواية أخرى: يبطل الشرط، وتصح التسمية، وقيل: يبطل ويجب مهر المثل.
وعلى المذهب إذا قبضا الألفين ووجد الطلاق قبل الدخول رجع عليها بنصف الألفين، إذ الطلاق قبل الدخول يوجب ذلك ولا شيء على الأب للزوج، لأنه إنما أخذ من مال ابنته، ولا للبنت إذ ما انتفع به من مال ولده لا يضمنه.
ومقتضى كلام الخرقي أن غير الأب ليس له ذلك، وهو صحيح، فلا يصح اشتراطه، ويكون الجميع لها على المذهب، وقيل: تبطل التسمية، ويجب لها مهر المثل، وعموم كلام غيره يقتضي أنه يصح اشتراط الأب في جميع أحوال البنت، وظاهر إطلاقه أنه لا يشترط لجواز اشتراط الأب فيما تقدم أن لا يكون الأخذ مجحفا بمال ابنته، وهو ظاهر إطلاق أحمد، والقاضي في
تعليقه، وأبي الخطاب وطائفة، وشرط ذلك القاضي في المجرد، وابن عقيل وأبو محمد في المغني، وأشار أبو العباس إلى ضعف ذلك، بأنه لا يتصور الإجحاف، لعدم ملكها له، وعلى ما في المجرد ومتابعيه إذا لم يوجد الشرط حكم الأب إذا حكم الأجنبي.
(تنبيهان) أحدهما: حكم اشتراط الأب للكل حكم اشتراطه للبعض، قاله القاضي وغيره، فلو وجد الطلاق والحال هذه قبل الدخول وبعد القبض، رجع عليها بنصف المسمى إذ أخذ الأب إنما هو من مالها، قاله القاضي، ولأبي محمد احتمال أنه يرجع على الأب بنصف ما أخذ، وهكذا الخلاف لو ارتدت في مسألة الخرقي، هل يرجع على الأب بألف أو عليها بالمجموع؟ على القولين.
الثاني: يملك الأب ما اشترطه بنفس العقد، كما تملك هي، حتى لو مات قبل القبض ورث عنه، لكن يقدر فيه الانتقال إلى الزوجة أولا، ثم الانتقال إليه كأعتق عبدك عن كفارتي، ذكر ذلك ابن عقيل في العمد، وعند القاضي وأبي محمد إنما يملك ذلك بالقبض مع النية وضعف بأنه يلزم منه بطلان خصيصة هذه المسألة، ويتفرع من هذا على قول أبي محمد لو وجد الطلاق قبل القبض، فللأب أن يأخذ من الألف التي استقرت ما شاء،
والقاضي يجعل الألف بينهما نصفين، كجملة الصداق، والله أعلم.
قال: وإذا أصدقها عبدا صغيرا فكبر، ثم طلقها قبل الدخول، فإن شاءت دفعت إليه نصف قيمته يوم وقع عليه العقد، أو تدفع إليه نصفه زائدا، إلا أن يكون يصلح صغيرا لما لا يصلح له كبيرا، فيكون له عليها نصف قيمته يوم وقع عليه العقد، إلا أن يشاء أخذ ما بذلته له من نصفه.
ش: اعلم أنه قبل الخوض في كلام الخرقي نشير إلى قواعد: (أحدها) : أن المذهب المنصوص المعروف المجزوم به عند الأكثرين أن المرأة تملك الصداق جميعه بالعقد.
2630 - لظاهر قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قصة الموهوبة: «إزارك إن أعطيتها جلست ولا إزار لك» وأيضا قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] وظاهره الأمر بإيتاء الجميع ولأنه عقد يملك به المعوض بالعقد، فملك به العوض كاملا كالبيع.
وحكى القاضي وطائفة من متابعيه رواية أنها لا تملك إلا نصفه، وأخذها القاضي في تعليقه وغيره من رواية ابن منصور وقيل له: سئل سفيان عن رجل تزوج امرأة على خادم، ثم زوجها غلامه فولدت أولادا فطلق امرأته قبل الدخول، فلها نصف قيمتها وقيمة ولدها، قال أحمد: جيد.
قال القاضي: وظاهر هذا أنه
لم يحكم لها بملك جميعه، لأنه جعل لها نصف النماء، ولا تفريع على هذه الرواية، مع أن أبا البركات لم يعرج عليها، بل ظاهر كلامه إجراؤها على ظاهرها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(القاعدة الثانية) : إذا زادت العين المصدقة فلا يخلو إما أن تكون الزيادة متصلة، كالسمن وتعلم صناعة، أو منفصلة كالولد والكسب، فإن كانت متصلة فالمرأة مخيرة بين دفع النصف زائدا، فيكون ذلك إسقاطا لحقها من الزيادة، ويلزم الزوج القبول، لحصول حقه مع زيادة لا تضر ولا تتميز، وبين دفع نصف القيمة إذ الزيادة لها، لأنها نماء ملكها، فلا يلزمها بذلها، وإذا تعذر دفع الأصل فيصار إلى القيمة، وخرج أبو البركات رواية بوجوب دفع النصف بزيادته، من الرواية الآتية في الزيادة المنفصلة، وهو واضح، وقد يقال: إنه قياس البيع ونحوه، وقد أولع الفقهاء بقولهم: إن الزيادة المتصلة تتبع في الفسوخ والعقود، وقد فرق أبو محمد بين هذا والبيع بأن سبب الفسخ ثم العيب، وهو سابق على الزيادة، وسبب تنصف المهر الطلاق، وهو حادث بعد الزيادة، وبأن الزوج ثبت حقه في نصف المفروض دون العين، ولهذا لو وجدها ناقصة كان له الرجوع إلى نصف مثلها أو قيمتها، بخلاف المبيع المعيب، والمفروض لم يكن زائدا،
فلم يتعلق حقه به، والمبيع تعلق حقه بعينه، فتبعته زيادته، ويعترض على الأول بأنه لا أثر لتقدم السبب، إذ الفسخ للعقد من حينه على المذهب، فهو كالطلاق رفع للنكاح من حينه، وعلى الثاني بأن نصف المفروض هو نصف عين ما أصدقها، فحقه في الحقيقة تعلق بنصف العين، وكونه إذا وجدها ناقصة له الرجوع إلى نصف مثلها أو قيمتها ممنوع، بل الرجوع في ذلك وأخذ الأرش على ما سيأتي، وقد يفرق بأن في البيع لما اختار المشتري الفسخ، من غير أن يمكنه أخذ الزيادة، فقد رضي بإسقاطها، بخلاف هنا، فإن الفسخ جاء للمرأة بغير اختيارها، فلا يجب عليها بذل ملكها بغير رضاها، وقد يعترض على هذا بما إذا كان الفسخ من جهتها.
واعلم أن محل التخيير إذا كانت المرأة جائزة التبرع في مالها، فإن لم تكن كالصغيرة والسفيهة والمفلسة تعين للزوج نصف القيمة، يشارك في الفلس الغرماء، لامتناع التبرع من جهتها.
وإن كانت الزيادة منفصلة - كالولد الحادث بعد النكاح، والثمرة ونحو ذلك - فالزيادة للمرأة، وللزوج نصف الأصل، لأنها نماء ملكها، ولأن الله سبحانه وتعالى إنما جعل للزوج نصف المفروض، والنماء ليس مفروضا، وحكى أبو البركات رواية أن الزوج يرجع بنصف الزيادة، وكأنه أخذها من رواية ابن منصور المتقدمة، وقد تعلل بأن الطلاق رفع للعقد من أصله تقديرا،
وليس بشيء، ولعل الرواية التي في البيع أخذت من هنا، وفي هذه الرواية بحث ليس هذا موضعه، وبالجملة أبو محمد يستثني من النماء المنفصل ولد الأمة، فلا يجوز للزوج الرجوع في نصف الأمة، حذارا من التفريق في بعض الزمان، وظاهر كلام جماعة من الأصحاب وصرح به القاضي في التعليق عدم الاستثناء.
(القاعدة الثالثة) : إذا نقص الصداق بعد القبض، ثم طلقت قبل الدخول فإن الزوج يخير بين أخذه ناقصا، وبين أخذ نصف قيمته، لأنه إن اختار أخذه فقد رضي بإسقاط حقه، وله ذلك، وإن اختار نصف القيمة فله ذلك، لأن في قبوله ناقصا ضرر عليه، وإنه منفي شرعا، وإذا اختار أخذ النصف ناقصا فهل له أرش النقص - وهو مختار القاضي في تعليقه، كالمبيع المعيب، أو لا أرش له كواجد متاعه عند المفلس، وهو اختيار الأكثرين؟ فيه قولان.
إذا تقرر هذا فقول الخرقي: إذا أصدقها عبدا صغيرا فكبر، ثم طلقها قبل الدخول، فإن شاءت دفعت إليه نصف قيمته يوم وقع عليه العقد، أو تدفع إليه نصفه زائدا.
مبني على أنها ملكت الصداق بالعقد، وإذا الزيادة حدثت على ملكها،
فتخير بين دفع النصف زائدا وبين دفع نصف قيمته، لكن متى تعتبر القيمة؟ اعتبرها الخرقي - وتبعه أبو محمد في الكافي والمغني، وابن حمدان وأطلقوا - بيوم العقد، وحرر ذلك أبو البركات فجعل ذلك في المتميز إذا قلنا على المذهب يضمنه بالعقد، وعلى هذا يحمل قولهم، إذ الزيادة في غير المتميز صورة نادرة، ولذلك علل أبو محمد بأن ضمان النقص عليها، فعلم أن كلامه في المتميز، وجعل غير المتميز أو المتميز إذا قيل ضمانه على الزوج الواجب قيمة نصفه يوم الفرقة على أدنى صفاته من يوم العقد إلى يوم القبض، لأن ما نقص بعد العقد والحال هذه فهو على الزوج، وما زاد فهو لها، ثم إن أبا البركات أوجب القيمة يوم الفرقة بصفته وقت العقد، لأنه وقت الاستحقاق، وكلام الخرقي يقتضي وجوب القيمة يوم العقد بصفته إذ ذاك، ولأبي البركات تحرير آخر، وهو أن الواجب قيمة النصف، لأن الله سبحانه جعل له نصف المفروض، وإذا تعذر رجع في بدله، وهو نصف قيمته، والخرقي وجماعة جعلوا الواجب نصف القيمة.
انتهى.
وقوله: إلا أن يكون يصلح صغيرا لما لا يصلح له كبيرا، فيكون له نصف قيمته يوم وقع عليه العقد، إلا أن يشاء أخذ ما بذلته له من نصفه، مبني على القاعدة الثالثة، وهي ما إذا تعيب
الصداق، فإذا كان العبد يصلح صغيرا لشيء لا يصلح له كبيرا، كما إذا كان يقبل تعليم صناعة ونحوها وبالكبر امتنع ذلك منه، فإنه قد تعيب فيخير الزوج بين أخذ نصف قيمته، وبين أخذ ما بذلته له من نصفه، واعتبر الخرقي أيضا القيمة بيوم العقد، واعتبرها القاضي بيوم القبض، وفصل أبو البركات التفصيل السابق، فكأنه حمل كلام القاضي على غير المتميز، وكلام الخرقي يقتضي أن المرأة لها الامتناع من بذل النصف والحال هذه، ولم أره لغيره ولا قاعدة المذهب تقتضيه، إذ الواجد متاعه معيبا عند المفلس له الرجوع فيه، ولا يتوقف ذلك على رضى الغرماء مع أنه إنما جاز له الانتقال إلى القيمة دفعا للضرر عنه، فإذا رضي بالضرر فحقه في العين بحاله، والله أعلم.
حكم الاختلاف في مقدار الصداق
قال: ولو اختلفا في الصداق بعد العقد في قدره، ولا بينة على مبلغه، كان القول قولها ما لم يجاوز مهر مثلها.
ش: هذا إحدى الروايات، واختيار عامة الأصحاب، الخرقي، والقاضي، والشريف، وأبي الخطاب، وابن عقيل، والشيرازي، وغيرهم، لأن القول قول من الظاهر في جنبته، والظاهر والحال هذه في جنبة المرأة، لأن الظاهر وقوع النكاح على مهر المثل، وعلى هذه لو ادعت هي أكثر من مهر المثل، وادعى الزوج مهر المثل أو أزيد منه وأنقص منها، فالقول قوله، ولم يذكر أحمد اليمين،
فخرج أصحابه في وجوبها وجهين، بناء على أنه دعوى فيما يتعلق بالنكاح، مع كونه مالا، فمن نظر إلى المال أوجب اليمين، ومن نظر إلى أن النكاح غير مال لم يوجبها، وهذا قول القاضي أظنه في المجرد، والأول اختيار أبي الخطاب في الهداية وأبي محمد، وبه قطع أبو الخطاب والشريف في خلافيهما، ولو كان دعوى الزوج أقل من مهر المثل، ودعواها أكثر من مهر المثل، رد إليه وهل تجب اليمين إن أوجبناها فيما تقدم؟ ظاهر كلام الأكثرين لا، وكذلك قال أبو محمد، ولم يذكر أصحابنا يمينا.
قلت: وقد صرح بذلك أبو الخطاب في خلافه الصغير، وهو مقتضى ما حكاه عن شيخه في الهداية، وذلك لأن اليمين على حسب الدعوى، وكل منهما لا يستحق ما ادعاه، فلا يحلف عليه، وقال في المغني والأولى أن يتحالفا، وكذلك قال في الكافي: ينبغي أن يحلف الزوج على نفي الزائد عن مهر المثل، وتحلف هي على إثبات ما نقص منه، وهذا مقتضى قول أبي الخطاب في الهداية.
(والرواية الثانية) : القول قول الزوج مع يمينه، لأنه منكر، فيدخل في عموم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «واليمين على من أنكر» . (والرواية الثالثة) - حكاها
الشيرازي - يتحالفان، لأنه اختلاف في عوض، بمستحق عقد ولا بينة، فيسوغ التحالف كالمتبايعين.
وقول الخرقي: بعد العقد.
للتنصيص على مخالفة مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في قوله: إن التخالف إن كان قبل الدخول تحالفا وتفاسخا، وبعده القول قول الزوج، وقوله: في قدره، احترازا مما إذا اختلفا في عينه، كما إذا قال: أصدقتك هذا العبد.
قالت: بل هذه الأمة.
والحكم فيه أنه على الخلاف السابق، إلا أن الواجب القيمة، لا شيء من المعينين، على أحد الوجهين، وهو مقتضى احتراز الخرقي، وأورده أبو البركات مذهبا، لأنه إن أخذ بقول الزوج فيلزم من إيجاب معينه أن يدخل في ملكها ما لم تدعه، وإن أخذ بقولها فإنما قبل قولها في المهر لموافقة الظاهر، وذلك أجنبي عن التعيين.
(والثاني) : إن كان معين المرأة أعلى قيمة وهو كمهر المثل أو أقل، وأخذنا بقولها أعطيته، لأنه لما قبل قولها في القدر تبعه التعيين، والله أعلم.
قال: وإن أنكر أن يكون لها عليه صداق فالقول أيضا قولها قبل الدخول وبعده ما ادعت مهر مثلها إلا أن يأتي ببينة ببراءته منه.
ش: لأنها منكرة، والأصل معها، والقول قول المنكر، قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ولكن اليمين على المدعى عليه» ، والقول قول مدعي الأصل، وقول الخرقي: قبل الدخول وبعده، احترازا من قول مالك والفقهاء السبعة: إن كان بعد الدخول فالقول قول الزوج، وقوله: ما ادعت مهر مثلها.
بناء على ما تقدم له، والله أعلم.
الحكم لو تزوجها بغير صداق
قال: وإذا تزوجها بغير صداق لم يكن لها عليه إذا طلقها قبل الدخول إلا المتعة.
ش: قد تقدم للخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فيما إذا تزوجها على محرم كالخمر ونحوه، ثم طلقها قبل الدخول أن لها عليه نصف المهر، وقال: فيما إذا فقد الصداق أن لها عليه المتعة فقط، وهذا إحدى الروايات عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - واختيار أبي محمد، والشيرازي،
لقول الله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] نفى سبحانه الجناح من جهة الفرض عن التي لم تمس إلا أن يفرض لها فريضة، وأوجب لها المتعة، ثم أوجب بعد للمفروض لها نصف المفروض، وإطلاق الآيتين يشمل من فرض لها مطلقا، إلا أنه لما لم يمكن إعطاء نصف المفروض في التسمية الفاسدة، وجب نصف بدله، وهو نصف مهر المثل.
(والرواية الثانية) لا يجب إلا المتعة في الصورتين، وهو اختيار الشريف، وأبي الخطاب في خلافيهما، وأبي البركات، إذ التسمية الفاسدة وجودها كالعدم، فهي كمن لم يفرض لها، فلا يجب لها إلا المتعة لما تقدم.
(والرواية الثالثة) : وهي أضعفها يجب نصف مهر المثل فيهما، وظاهر الآي يخالف ذلك.
(تنبيهان) . أحدهما اختلف العلماء في تقدير الآية الكريمة السابقة، فمنهم من قدر (تفرضوا) معطوفا على المجزوم، أي: ما لم تمسوهن أو ما لم تفرضوا لهن.
واستشكل بأنه يصير معناه: لا جناح عليكم فيما يتعلق بمهور النساء في مدة انتفاء أحد هذين الأمرين، مع أنه إذا انتفى الفرض دون المسيس، لزم مهر المثل، وإذا انتفى المسيس دون الفرض لزم نصف المسمى، ومنهم من قدره منصوبا بأن مضمرة، وأو بمعنى (إلا) أي ما لم تمسوهن إلا أن تفرضوا لهن فريضة، أو: إلى أن تفرضوا لهن
فريضة، وهذا قول الزمخشري وهو جيد، ومنهم من جعل (أو) بمعنى الواو، أي ما لم تمسوهن وتفرضوا، وهذا أيضا في المعنى صحيح.
(الثاني) تخصيص الخرقي هذه بوجوب المتعة ظاهره أنه لا متعة لغيرها، وهو المشهور عن أحمد والمختار للأصحاب من الروايات، لأن الله سبحانه قسم النساء قسمين، فجعل للتي لم يفرض لها ولم يسم المتعة، وجعل للمفروض لها نصف المفروض، وظاهره أنه لا زيادة لها على ذلك لعموم ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ [البقرة: 241] أو تحمل هذه الآية على الاستحباب، وكذلك قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (أمتعكن) ونقل عنه حنبل، لكل مطلقة متاع، للآيتين الكريمتين، وإليها ميل أبي بكر، وقال: العمل عليها عندي.
لولا تواتر الروايات عنه بخلافها، والله أعلم.
قال: على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، فأعلاه خادم، وأدناه كسوة يجوز لها أن تصلي فيها، إلا أن يشاء أن يزيدها، أو تشاء هي أن تنقصه.
ش: متى تراضيا في المتعة على شيء اتبع ما تراضيا عليه إذا كانا من أهل التراضي، إذ الحق لهما لا يعدوهما، وإن تنازعا رجع الأمر إلى الحاكم، فيعتبر حال الزوج، فيجعل على الموسع قدر
سعته، وعلى المقتر قدر قتره، للآية الكريمة، ثم المشهور والمختار من الروايات للخرقي، والقاضي، وجماعة من أصحابه أنها مقدرة الأعلى والأدنى، فأعلاها خادم، وأدناها كسوة يجزئها أن تصلي فيها.
2631 - لأن ابن عباس ترجمان القرآن قال: أعلى المتعة خادم ثم دون ذلك النفقة، ثم دون ذلك الكسوة.
رواه أبو حفص بإسناده.
2632 - وعن عبد الرحمن بن عوف - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه طلق امرأته تماضر الكلبية فحممها بجارية سوداء يعني متعها.
وإنما اشترطنا في الكسوة أن تجزئ في الصلاة حملا على الكسوة الواجبة بمطلق الشرع، وهي الكسوة في الكفارة (والرواية الثانية) يرجع إلى اجتهاد الحاكم في ذلك، لأن التقدير من الشرع، ولم يرد.
(والرواية الثالثة) وهي أضعفها هي متاع بقدر نصف مهر
المثل، لأنها بدل عنه، ولا تليق هذه الرواية بمذهب أحمد، لأنه تنتفي فائدة اعتبار الموسع والمقتر ولا تبقى فائدة في إيجاب نصف مهر المثل أو المتعة إلا غايته أن ثم الواجب من النقدين، وهنا الواجب متاع، وهذه الرواية أخذها القاضي في روايتيه من رواية الميموني، وسأله كم المتاع؟ فقال: على قدر الجدة، وعلى من قال تمتع بمثل نصف صداق المثل، لأنه لو كان فرض لها صداقا كان لها نصف الصداق.
قال القاضي: وظاهر هذا أنها غير مقدرة، وأنها معتبرة بيساره وإعساره، وقد حكى قول غيره أن قدرها نصف مهر المثل ولم ينكره، وظاهر هذا أنه مذهب له انتهى، وهذا في غاية التهافت، لأنه إنما حكى مذهب غيره بعد أن حكى مذهبه، وإنما نقول على قول أنه إذا حكى عن غيره قولا يكون مذهبا له، إذا لم يبين في تلك الحكاية مذهبه، ثم يلزم من هذا أن يكون قال قولين مختلفين في وقت واحد، والله سبحانه أعلم.
قال: وإن طالبته قبل الدخول أن يفرض لها أجبر على ذلك.
ش: إذا طالبته المرأة التي لم يفرض لها قبل الدخول أن يفرض لها أجبر على ذلك، لأن حقها ثبت بالعقد، إذ النكاح لا يخلو
من مهر، وظاهر كلام الخرقي أن هذه المطالبة عند الحاكم، لأنه الذي إليه الإجبار، وإذا يفرض مهر المثل، لأنه بدل البضع فيقدر به كالسلعة إذا تلفت، فلو كانت المطالبة بغير حضرة الحاكم جاز ما اتفقا عليه، إذ الحق لهما لا يعدوهما، والله أعلم.
قال: فإن فرض لها مهر مثلها لم يكن لها غيره، وكذلك إن فرض لها أقل منه فرضيت به.
ش: قوله: فرض.
يحتمل أنه مبني للمفعول، والضمير راجع إلى الحاكم، ويرشحه أنه ساق ذلك بعد الإجبار؛ والإجبار مختص بالحاكم، ويحتمل أنه مبني للفاعل، والضمير راجع إلى الزوج، ويرجحه أن الضمير في قوله: وكذلك إن فرض لها أقل منه فرضيت به له، لأن الحاكم لا يفرض إلا مهر المثل، فعلى الثاني: متى فرض لها الزوج مهر المثل لم يكن لها غيره، لأنه الذي وجب لها بالعقد، وكذلك إن فرض لها أزيد منه بطريق الأولى، لكن قال أبو محمد: ولا يستقر لها ما لم ترض به، وفائدة عدم استقراره أنه لو مات قبل الدخول كانت باقية على عدم الفرض، فتجب لها المتعة، وإن فرض لها أقل من مهر المثل فرضيت وهي ممن يعتبر رضاها فلا شيء لها غيره، لأن الحق لها، وإن لم ترض رفع الأمر إلى الحاكم، وعلى الاحتمال الأول - وكذلك قد يجري على الثاني - إذا طلقت قبل الدخول لم يكن لها على ظاهر كلام الخرقي إلا نصف ما فرض لها، وهو إحدى الروايتين، اعتبارا بحالها الراهنة، وهي إذا مفروض لها، فتدخل تحت قوله
سبحانه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] (والرواية الثانية) : يسقط ما فرض لها، وتجب لها المتعة، نظرا إلى حالها في حال الابتداء، والله أعلم.
قال: ولو مات أحدهما قبل الإصابة وقبل الفرض ورثه صاحبه، وكان لها مهر نسائها.
ش: قيد الشيخ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هذا الحكم بقبل الإصابة وقبل الفرض، لأن ذلك محل التردد والخلاف، ولا نزاع في الإرث، لعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: 12] الآية، وهذه زوجة بلا ريب، وأما تكميل المهر فهو المذهب بلا ريب.
2633 - لما «روي عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا، ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود: لها صداق مثلها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث.
فقام معقل بن سنان الأشجعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقال: قضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في بروع بنت واشق - امرأة منا مثل ما قضيت.
ففرح بها ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -» . رواه الخمسة، وصححه جماعة منهم الترمذي، وهذا لفظه.
(وعن أحمد رواية أخرى) : لا يجب لها إلا نصف مهر المثل، قياسا لفرقة الموت على الطلاق، وهو باطل بالنص، وبأن الموت يتم به النكاح، ولذلك وجبت العدة به قبل الدخول، وكمل به المسمى، بخلاف الطلاق فيهما، انتهى، وإذا أوجبنا المهر فإن الواجب مهر نسائها كما في الحديث، أي أقاربها، ثم هل يعتبر جميع أقاربها من قبل الأب والأم، كأختها وعمتها، وبنت أخيها، وكأمها وخالتها، وهو اختيار أبي بكر وأبي الخطاب، والشريف في خلافيهما، والشيرازي، لعموم الحديث، أو لا يعتبر إلا نساء العصبات كأختها ونحوها وهو اختيار أبي محمد قال: لأن في بعض الروايات: مهر نساء قومها، ولأن الشرف معتبر في المهر، وشرف المرأة بنسبها، وذلك بالأب لا بالأم؟ على
روايتين، قال أبو محمد: وينبغي أن يعتبر الأقرب فالأقرب من نساء العصبات، فتقدم أخواتها، ثم عماتها، وعلى ذلك وتعتبر المساواة في العقل والدين، والجمال، وكل ما يختلف به المهر، حتى لو كان عادتهم التأجيل فرض مؤجلا في أحد الوجهين، وفي الآخر: لا يفرض إلا حالا، لئلا يخالف نظائره، وهو أبدال المتلفات، والله أعلم.
ما يترتب على خلوة الزوجين بعد العقد
قال: وإذا خلا بها بعد العقد فقال: لم أطأها، وصدقته لم يلتفت إلى قولهما، وكان حكمهما حكم الدخول في جميع أمورهما إلا في الرجوع إلى زوج طلقها ثلاثا، أو في الزنا فإنهما يجلدان ولا يرجمان.
ش: الخلوة بالمرأة بعد العقد في الجملة حكمها حكم الدخول في استقرار المهر وإن لم يطأ، على المذهب المعروف بلا ريب.
2634 - لما روى الإمام أحمد بسنده عن زرارة بن أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق بابا، وأرخى سترا، فقد وجب المهر، ووجبت العدة.
2635 - ورواه أيضا عن عمر وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وهو مشهور عنهما،
وكذلك عن زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عليها العدة، ولها الصداق، وهذه قضايا اشتهرت ولم ينقل إنكارها فكانت حجة، (وقيل عن أحمد) رواية أخرى أن المهر لا يتقرر إلا بالوطء.
2636 - ويحكى ذلك عن ابن مسعود وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] والمطلقة قبل الدخول وقبل الوطء لم تمس، ومثله قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49]
الآية، وأيضا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 21] علل سبحانه منع الأخذ بالإفضاء، والإفضاء الجماع، والمعلل بوصف عدم عند عدمه، وأجيب بالطعن فيما روي عن ابن عباس وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قال أحمد في حديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يرويه ليث وليس بالقوي، وقد رواه حنظلة خلاف ما رواه ليث، وحنظلة أقوى من ليث، وقال ابن المنذر في حديث ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - منقطع، وأما آيتا المس فيحتمل أن المراد بالمس حقيقته وكنى به عن سببه وهو الخلوة، ويحتمل أن المراد به حقيقته أو الجماع، وغايته أنه يدل على أنه قبل المسيس لا يتكمل المهر، ولا تجب العدة، وهو شامل للخلوة ولغيرها،
خرج منه الخلوة بقضاء الصحابة، وأما آية الإفضاء فلا نسلم أن المراد بالإفضاء الجماع، بل المراد الخلوة، نظرا إلى حقيقته، إذ هو مأخوذ من الفضاء وهو المكان الخالي، وكذلك يحكى عن الفراء أن المراد بالإفضاء الخلوة، ولو سلم أن ذلك كناية عن الوطء فإن المراد - والله أعلم - التشنيع والمبالغة في الانتهاء عن الأخذ في مثل هذه الحال أي كيف تأخذونه وقد حصل مباضعتكم لأزواجكم، ومثل ذلك يتعجب منه، وينكره أهل المروءات.
إذا تقرر هذا فقول الخرقي: وإذا خلا بها.
معنى الخلوة أن يخلو بها بحيث لا يحضرهما مميز مسلم، ولو أنه أعمى أو نائم، قاله ابن حمدان في رعايتيه، وقوله: بعد العقد.
يشمل العقد الصحيح والفاسد، وهو منصوص أحمد، ومختار عامة أصحابه، لعموم قضاء الصحابة، ولأن الابتذال يحصل بالخلوة في العقد الفاسد، كما في الصحيح، وخالفهم أبو محمد فاختار عدم الوجوب في النكاح الفاسد، نظرا إلى أن العقد ليس بموجب، وإنما الموجب الوطء ولا وطء.
وقوله: فقال: لم أطأها.
وصدقته لم يلتفت إلى قولهما،
دفعا لوهم من يتوهم أن الحق لها فيسقط برضاها، وذلك لأن الخلوة يتعلق بها أيضا حق لله تعالى كالعدة ونحوها، ثم قضاء الصحابة مطلق، ونقل عنه ابن بختان إذا صدقته المرأة أنه لم يطأها لم يكمل الصداق، وعليها العدة، إذ الصداق محض حقها.
وقوله: وكان حكمهما حكم الدخول، في جميع أمورهما إلا في الرجوع إلى زوج طلقها ثلاثا، أو في الزنا فإنهما يجلدان ولا يرجمان.
يعني في استقرار المهر كما تقدم، ووجوب العدة لقضاء الصحابة، وفي تحريم أختها، وأربع سواها إذا طلقها حتى تنقضي عدتها، قياسا على ما تقدم، لوجود مظنة الوطء، وفي ثبوت الرجعة له عليها في العدة، وإن ادعى أنه ما وطئها، على المنصوص والمختار للعامة، لعموم: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] ولم يثبت أبو بكر الرجعة بالخلوة، وفي نشر حرمة المصاهرة، وهو إحدى الروايتين، والمشهور خلافها، حملا لدخوله في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] على الوطء.
واستثنى الخرقي الرجوع إلى المطلق ثلاثا.
2637 - لحديث امرأة رفاعة القرظي: «لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك» ، واستثنى أيضا الإحصان، فلا يثبت بها، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الثيب بالثيب» والثيوبة لا تحصل إلا بالوطء، ثم الحد يدرأ بالشبهة وكأن مراد الخرقي بقوله: حكمهما حكم الدخول، يعني فيما يتعلق بالنكاح، فلا يرد عليه الغسل، فإنه لا يجب بها، ولا الخروج من الفيئة لأنه من باب الأيمان، والذي حلف عليه الوطء ولم يوجد، ولا تفسد بها العبادات، ولا تجب بها الكفارات حيث وجبت، نعم قد يرد عليه ما إذا خلا بها بعد ضرب المدة في العنة، فإنه لا يخرج من العنة، وبالوطء يخرج.
(تنبيه) : الخلوة المعتبرة هي خلوة من يطأ مثله، بمن يوطأ مثلها، مع علم الزوج بها كما نص عليه أحمد في المكفوف يتزوج امرأة فأدخلت عليه، فأرخى الستر، وأغلق الباب، فإن كان لا يعلم بدخولها عليه فلها نصف الصداق، وقد أهمل أبو البركات هذا الشرط، ولو خلا بشرطه فمنعته الوطء لم يتقرر الصداق، والله أعلم.
قال: وسواء خلا بها وهما محرمان أو صائمان، أو حائض، أو سالمان من هذه الأشياء.
ش: يعني أنه لا يشترط للخلوة خلوها من مانع، ومثل الخرقي
بالمانع الشرعي، وقد اختلفت الرواية عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في هذه المسألة (فعنه) فيها روايتان، إحداهما كما قال الخرقي، وهو مختار أصحابه في الجملة، لعموم قضاء الصحابة.
2638 - وعن عمر في العنين يؤجل سنة، فإن هو غشيها وإلا أخذت الصداق كاملا، وفرق بينهما، وعليها العدة (وعنه) لا يكمل بها الصداق، لأن المانع إن كان من جهتها فلم يتمكن من تسليمها، فأشبه ما لو منعته من نفسها، وإن كان من جهته فمظنة الوطء منتفية، واعلم أن الأصحاب قد اختلفت طرقهم في هذه المسألة، بعد اتفاقهم فيما علمت أن المذهب الأول، (فمن زاعم) أن الروايتين في المانع سواء كان من جهته أو من جهتها، شرعيا كان كما تقدم، أو حسيا كالجب والرتق، وهذه طريقة أبي الخطاب في خلافه الصغير، وأبي البركات، (ومن زاعم) أن محلهما فيما إذا كان المانع من جهتها، أما إن كان من جهته فإن الصداق يتقرر بلا خلاف، وهذه طريقة القاضي في الجامع، والشريف في خلافه، (ومن زاعم) أن محلهما فيما إذا منع الوطء ودواعيه، كالإحرام والصيام، أما إن منع الوطء، فقط كالحيض والرتق فيتقرر الصداق، وهذه طريقة القاضي في المجرد فيما أظن وأبي علي ابن البنا، (ومن زاعم) أن محلهما في
المانع الشرعي، أما المانع الحسي فيتقرر معه الصداق، وهذه طريقة القاضي في الروايتين، وهي قريبة من التي قبلها، ويقرب من ذلك طريقة أبي محمد في المغني، أن المسألة على ثلاث روايات، الثالثة إذا كان المانع متأكدا كالإحرام والصيام لم يكمل الصداق، وإلا كمل.
(تنبيه) : لم يجر أبو البركات الخلاف في العدة، بل خصه بالصداق، وأجراه أبو محمد فيها والله أعلم.
العفو عن الصداق أو الإبراء منه
قال: والزوج هو الذي بيده عقدة النكاح، فإذا طلق قبل الدخول فأيهما عفى لصاحبه عما وجب له من المهر - وهو جائز الأمر في ماله - برئ منه صاحبه.
ش: اختلفت الرواية عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الذي بيده عقدة النكاح (فعنه) ما يدل على أنه الزوج، وعليه أصحابه، الخرقي، وأبو حفص، والقاضي، وأصحابه، لأن الذي بيده عقدة النكاح بعد الزواج هو الزوج، لأنه الذي يملك الطلاق، ثم العفو إذا أطلق إنما ينصرف إلى عفو الإنسان عما يملكه، والولي لا يملك من المهر شيئا.
2639 - وروى الدارقطني بإسناده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «ولي العقدة الزوج» . ونقل عنه ابن منصور: إذا طلق امرأته وهي بكر، قبل أن يدخل بها، فعفى أبوها عن زوجها عن نصف الصداق، فما أرى عفوه إلا جائزا، فأخذ من ذلك القاضي وغيره أنه بيده عقدة النكاح أي أنه الولي لأنه الذي عقد عقدة النكاح، بعد الطلاق، والآية مسوقة في ذلك، وإرادة الزوج بذلك مجاز باعتبار ما كان، والأصل الحقيقة، والدليل على أن العقد هو العقدة قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235] وأيضا العفو حقيقة عن شيء وجب، وذلك واضح في الزوجة والولي، لأنهما اللذان يجب لهما المهر، إذ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] أي فعليكم نصف ما فرض، أو
فالواجب نصف ﴿مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: 237] أي النساء بلا نزاع ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] وهو الولي عما وجب له من القبض، وتسمية الزوج عافيا للمشاكلة مجاز، وعلى تقدير أنه ساق إليها المهر الأصل عدمه، ولأن الله سبحانه خاطب الأزواج مواجهة بقوله: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 237] ثم أتى بضمير الغيبة بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] فالظاهر أن الضمير لغيره، ولأن الله سبحانه بدأ بعفو الزوجة، وختم بعفو الزوج، فلو حمل (أو يعفو) على الزوج كان تكرارا، وهذا أظهر دليلا.
فعلى الأولى أيهما عفى لصاحبه عما وجب له من المهر - وهو جائز التبرع في ماله برئ منه، وعلى الثانية من شرط الولي (أن يكون) أبا، لكمال شفقته، وعدم تهمته، ولهذا قلنا: له أن يزوجها بدون مهرها، (وأن تكون) بكرا على ظاهر كلام أحمد، وصرح به غيره لملك إجبارها وقبض مهرها في رواية، وغفل أبو محمد في المقنع عن هذا الشرط تبعا لأبي الخطاب، (وأن تكون) مطلقة قبل الدخول، فلا يصح عفوه قبل الطلاق ولا بعد الدخول، لأن الآية وردت في ذلك.
(قلت) : وفي معنى المطلقة قبل الدخول كل مفارقة تنصف مهرها، وحكى ابن حمدان قولا أن للأب العفو بعد الدخول، ما لم تلد، أو تبقى في بيتها سنة، بناء، والله أعلم على بقاء الحجر عليها، واشترط أبو الخطاب وابن البنا، وأبو محمد في كتبه مع