كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
جنسه، فلو كان عيبه من غير جنسه زال التخيير، وأما الحكم فيأتي، وهو أن الصرف يكون فاسدا.
وفي بعض النسخ - وعليها شرح ابن الزاغوني -: فله الخيار بين أن يرد، أو يأخذ قدر ما نقص بالعيب، وهذه واضحة، وفي أخرى: له الخيار بين أن يرد أو يقبل، إذا كان بصرف يومه، وكان العيب ليس بدخيل عليه من غير جنسه، أو يأخذ أرش ما نقص بالعيب، وعلى هذه النسخة يكون في الكلام أيضا تقديم وتأخير، أي له الخيار بين أن يرد بشرط كذا وكذا، وبين أن يقبل ويأخذ الأرش، ويكون «أو» بمعنى الواو.
وأما على النسخة التي كتبناها فالظاهر رجوع الشرط إلى الأرش، أي: له الخيار بين أن يرد أو يقبل ويأخذ الأرش،
بشرط كونه على حساب يوم اصطرفا [لا على أزيد منه، كما إذا كان الدينار يوم اصطرفا] بعشرة، فصار باثني عشر، ولا على أنقص، كما إذا صار بثمانية، وما ذاك إلا أن الثمن ينقسم على المثمن يوم العقد، فالفائت بالعيب فات على حساب يوم العقد، وهذا فرع من مسألة تقويم المبيع المعيب، وقد صرحوا بأنه يقوم يوم العقد، إلا ما كان من ضمان البائع فتقويمه يوم القبض، وعلى هذا يسلم من الاعتراض السابق، ومن دعوى تقديم وتأخير الأصل عدمه، بقي أنه عطف على ذلك كون العيب من جنس المعقود [عليه] ، فلو كان من غير الجنس لم يتصور أخذ الأرض كما سيأتي.
فإن قيل: ظاهر هذا أن العيب إذا كان من غير الجنس امتنع الأرش، وله القبول، قيل: إذا حصل التصريح بخلاف
ذلك فلا عبرة بالظاهر، انتهى.
وقول الخرقي: فوجد أحدهما فيما اشتراه عيبا.
يشمل العيب في الجميع وفي البعض، وهو كذلك، إلا أنه إذا اختار إمساك الصحيح ورد العيب فهل له ذلك؟ على قولي تفريق الصفقة، والله أعلم.
قال: وإذا تبايعا ذلك بغير عينه، فوجد أحدهما [فيما اشتراه] عيبا فله البدل، إذا كان العيب ليس بدخيل عليه من غير جنسه، كالوضوح في الذهب، والسواد في الفضة.
ش: هذا هو المعبر عنه بالصرف في الذمة، ومثاله: بعتك دينارا مغربيا، بعشرة دراهم ناصرية، ونحو ذلك، وهو جائز عندنا، لظاهر قوله «ولا تبيعوا منها غائبا بناجز» فمقتضاه جواز ما عدا ذلك، بشرط القبض في المجلس، بدليل الرواية الأخرى يدا بيد ونحو ذلك، إذا ثبت هذا فتصارفا في الذمة، ثم وجد أحدهما بما قبضه عيبا ليس من غير جنس المعقود عليه، بل من جنسه كما مثل الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فلا يخلو إما أن يجد ذلك قبل التفرق أو بعده، فإن وجده قبل التفرق فله المطالبة بالبدل الذي وقع عليه العقد وهو صحيح لا عيب فيه، وله الإمساك، إذ قصاراه الرضى بدون حقه، وله أخذ الأرش في الجنسين، لا في الجنس على المذهب فيهما، وإن وجده بعد التفرق واختار الرد فهل يبطل
العقد برده، وهو اختيار أبي بكر، لوجود التفرق قبل القبض، لأن البدل إنما يأخذه عوضا عما وقع عليه العقد، أو لا يبطل وله البدل في مجلس الرد، فإن تفرقا قبله بطل العقد، وهو اختيار الخرقي والخلال، والقاضي وأصحابه، وغيرهم، لأن القبض وقع صحيحا، وإلا لبطل العقد بالتفرقة مطلقا، وبدله يقوم مقامه؟ فيه روايتان، وحكى عنه ثالثة: أن البيع قد لزم، وهي بعيدة، لأنه يلزم منها إلزام العاقد بما لم يلتزمه.
فعلى الأولى إن وجد البعض رديئا فرده بطل فيه، وفي البقية قولا تفريق الصفقة.
وعلى الثانية: له بدل المردود في مجلس الرد.
انتهى، وإن اختار الإمساك فله ذلك بلا ريب، لكن إن طلب مع ذلك
الأرش فقال أبو محمد - بناء على ما تقدم -: له ذلك على الثانية لا الأولى، وأما على المحقق - وقد تقدم - فله ذلك في الجنسين على الروايتين، إذ الذي يأخذه عوض عن جزء فات من الثمن، ولا يجوز في الجنس الواحد مطلقا حذارا مما تقدم، والله أعلم.
قال: فأما إن كان عيب ذلك دخيلا عليه من غير جنسه، كان الصرف فيه فاسدا.
ش: لما فرغ الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - من بيان العيب إذا كان من الجنس شرع في بيانه إذا كان من غير الجنس، ثم إنه فصل
بين ما إذا تصارفا عينا بعين وبين ما إذا تصارفا في الذمة، وهنا أطلق فشمل كلامه المسألتين، ثم كلامه أيضا شامل لما قبل التفرق وبعده، وعلى ذلك جرى السامري مصرحا به، وزاعما أن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - نص عليه، وذكره الخرقي، والظاهر أن مستنده من كلام أحمد إطلاق، كما هو في كلام الخرقي، وكذلك تبعه أبو العباس، حتى أنه وهم جده في قوله: وعنه أنها لا تتعين فتبدل مع الغصب والعيب بكل حال، لشمول كلامه للعيب من الجنس ومن غيره، وفي توهيمه بهذا الإطلاق نظر، لأنه قد تقدم له قبل ذلك بأسطر أن المتصارفين إذا تفرقا فوجد أحدهما بما قبضه عيبا من غير الجنس بطل الصرف، فيحمل كلامه هنا على غير الصرف، توفيقا بين كلاميه.
وإذا عرف هذا فلا بد من التعرض للتفصيل، وبيان محل الوفاق من محل الخلاف، فنقول: إذا تصارفا مثلا ذهبا بفضة عينا بعين ثم وجدا أو أحدهما عيبا من غير جنس المعقود عليه - مثل أن ظهرت الدراهم أو بعضها رصاصا، أو الدنانير نحاسا، ونحو ذلك - فلا يخلو إما أن نقول: إن النقود تتعين بالتعيين، أم لا، فإن قلنا، لا تتعين.
فكما لو تصارفا في
الذمة على ما سيأتي، وإن قلنا: تتعين - وهو المذهب كما تقدم - فإنا نتبين فساد الصرف على المعروف المجزوم به لعامة الأصحاب، لأن البدل متعذر، لتعلق البيع بالعين، وكذلك الرضى بالموجود، لأنه غير ما وقع عليه العقد، فهو كما لو قال: بعتك هذه البغلة.
فإذا هي حمار، ونحو ذلك، وقيل عنه: يلزم العقد والحال هذه، تغليبا للإشارة، ولا معول عليه، فعلى المذهب إن ظهر البعض معيبا بطل فيه، وهل يبطل في غيره؟ قولا تفريق الصفقة، وإن تصارفا في الذمة ثم وجدا أو أحدهما العيب السابق، فإن كان قبل التفرق رد وأخذ بدله، والصرف صحيح، وفاقا لابن عقيل، والشيرازي وصاحب التلخيص، وأبي محمد، وهو ظاهر كلام أبي الخطاب، إذ المقبوض تبين أنه غير الذي وقع عليه العقد، وظاهر إطلاق
الخرقي - وهو الذي قاله السامري وأبو العباس - فساده كما بعد التفرق.
وإن كان بعد التفرق - وعليه عندي يحمل كلام الخرقي، نظرا للغالب فإنا نتبين فساد الصرف على المذهب المحقق، لأنهما تفرقا قبل قبض المعقود عليه فيما شرط له القبض، ولا قبض ما يصلح أن يكون عوضا عنه، وبهذا خرج إذا كان العيب من الجنس، لصلاحية المقبوض للعوضية عن ذلك، ولا أرش قبل التفرق ولا بعده لما قلناه من أن المقبوض لا يصلح
أن يكون عوضا، وأجرى أبو محمد في الكافي وصاحب التلخيص فيه هنا - والحال هذه - الروايتين اللتين فيما إذا كان العيب من الجنس، إحداهما أن العقد يبطل برده، والثانية لا يبطل، وبدله في مجلس الرد يقوم مقامه، فمجرد وجود العيب من غير الجنس عندهما بعد التفرق لا يبطل قولا واحدا، عكس المذهب، وليس بشيء، فعلى ما اختاره أبو محمد وغيره إن وجد العيب في البعض فقبل التفرق يبدل، وبعده يبطل فيه، وفي غير المعيب قولا تفريق الصفقة.
واعلم أن كلام الأصحاب في هذه المسألة فيه اضطراب كثير، وقد تقدم أن أبا العباس وهم جده فيها، مع أن في توهيمه ما فيه، وناهيك بهما، وقد بالغت في تحريره على غاية الضعف وبالله المستعان.
وقول الخرقي: وجد.
أي ظهر، فيخرج منه ما إذا علم حال العقد، والحكم فيه أن العيب إن كان من الجنس فالعقد لازم ولا كلام.
نعم إن كان الصرف في جنس، والعيب في البعض، فقد يبطله من يمنع بيع النوعين بنوع منه، وإن كان العيب من غير الجنس والصرف في جنسين انبنى على إنفاق [المغشوشة] ، وفيه روايتان، المختار منهما الجواز، وأبو محمد يحمل رواية الجواز على ما ظهر غشه، واصطلح عليه ورواية المنع على ما خفي غشه، ويقع في اللبس، ونحو ذلك قال ابن عقيل في الفصول.
وإن كان الصرف في جنسين، فإن كان العيب في أحد العوضين، ويخل بالمماثلة، ولا قيمة له، لم يجز، لإفضائه إلى عدم التماثل المشترط شرعا، وإن كان له قيمة خرج على مسألة مد عجوة، وإن كان العيب في العوضين وتساوى العيبان فقولان، أظهرهما عند أبي محمد الجواز، وقطع ابن عقيل في الفصول، والسامري بالمنع.
ثم اعلم أنا قد ذكرنا أصلا بنينا عليه ما تقدم، وهو: أن النقود هل تتعين بالتعيين أم لا؟ فنشير إلى بيان ذلك فنقول: المذهب المنصوص في رواية الجماعة، والمعمول عليه عند الأصحاب كافة، أن النقود تتعين بالتعيين كالعروض بالاتفاق، لأن ذلك عوض مشار إليه في العقد، فوجب أن يتعين
كالعروض، ولأن ما تعين في الغصب والوديعة تعين بالعقد كالعروض، ومعنى تعين ذلك في الغصب أنه لو طولب بذلك لزمه تسليمه بعينه، ولا يجوز العدول عنه.
1869 - ومما استدل به على ذلك أيضا حديث عبادة بن الصامت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين» .
ولو كان الذهب والفضة في الذمة لم يكن عينا بعين، وإنما يكون عينا بعين إذا ملكت عين كل واحد منهما، وفيه نظر، إذ يلزم منه أن لا يباع الذهب بمثله إلا عينا بعين، وقد حكي الإجماع على خلافه، والذي يظهر أن المراد من الحديث والله أعلم حضور الطرفين المصطرف عليهما، كما يحكى عن مالك أو تعيينهما بإقباضهما، وحضورهما في المجلس،
وكونهما حالين، كما يقوله أصحابنا وغيرهم، بدليل أن في رواية أخرى في هذا الحديث يدا بيد بدل عينا بعين وكذا في رواية أخرى يدا بيد وفي وراية أخرى «ولا تبيعوا منها غائبا بناجز» وقول القاضي وأبي الخطاب وغيرهما: إن رواية عبادة «يدا بيد، عينا بعين» وإن يدا بيد أن لا يكون نسيئة «وعينا بعين» تعينهما بالتعيين، لم أرهما مجموعين في روايته، ولا في رواية غيره، مع أنه معترض بما تقدم، انتهى.
ونقل أبو داود عن أحمد - وسأله عن عبد دفع إلى رجل مالا، وأمره أن يشتريه فاشتراه به فأعتقه - قال: يرد الدراهم على المولى، ويؤخذ المشتري بالثمن، والعبد حر.
فظاهر هذا أنه لم يحكم بتعيينه، وإلا لبطل العقد، ولم تقع الحرية، وتأول القاضي ذلك في تعليقه على أن قوله: اشتراه به.
أي نقده في ثمنه، واشترى في ذمته، توفيقا بين نصوصه، وأبى ذلك أبو الخطاب والجمهور، نظرا للظاهر، ووجه ذلك أنه لا غرض في أعيان الدراهم والدنانير، وإنما الغرض في مقدارها، فإذا عينت كان تعيينها كالمكيال والميزان، وكما لو استأجر أرضا ليزرعها حنطة، فإن الحنطة لا تتعين، بل له أن يزرع ما
هو مثلها ضررا، ولأن الفراء قال في قوله سبحانه: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: 20] الآية: الثمن ما يثبت في الذمة.
فجعل من صفة الثمن ثبوته في الذمة، ومن قال بالتعيين لم يجعلها تثبت في الذمة، وهي ثمن قطعا، ونقض الأول بالغصوب والعواري، فإنها لا تبدل وإن كان المعنى واحدا، وبما إذا باع قفيزا معينا من صبرة، لم يكن للبائع إبداله بمثله من تلك الصبرة، وإن لم يتعلق به غرض، على أنا نمنع أن التعيين لا غرض فيه، إذ قد يكون فيه غرض، وهو اعتقاد حلها ونحو ذلك، وقول الفراء لا يقبل في الأحكام، وإنما يقبل في ما طريقه اللغة، والتعيين وعدمه حكم شرعي.
وفائدة الخلاف - على ما قال أبو الخطاب في الانتصار - أن على المذهب لا يجوز للمشتري إبدالها، وإذا خرجت مستحقة بطل العقد، وإذا وجد البائع بها عيبا كان له الفسخ، وإذا تلفت قبل القبض تلفت من مال البائع، بناء على المذهب من أن المتعين، لا يفتقر إلى قبض.
وعلى المرجوح للمشتري إبدالها، ولا يبطل العقد بكونها مستحقة، ولا يفسخ البائع بالعيب فيها، ويجب إبدالها، وإذا تلفت كانت من مال المشتري، ما لم يقبض البائع.
(تنبيه) : في نسخة من التلخيص بخط الموفق المصري فيما أظن: الثمن إن عين تعين بالتعيين، في البيع وغيره من عقود المعاوضات، في أصح الروايتين، وينفسخ العقد بتلفه قبل القبض في كل معاوضة محضة، كالإجارة، والصلح بمعنى البيع، وإن لم يتمحض لم ينفسخ بتلفه كالمهر، وهذا سبق قلم منه أو من الناسخ، لأنه إذا تعين تلف من مال البائع كما تقدم، واستقر الملك فيه، أما إن لم يتعين فيتلف من مال المشتري، وينفسخ العقد فيه، والله أعلم.
قال: ومتى انصرف المتصارفان قبل التقابض فلا بيع بينهما.
ش: الصرف بيع الأثمان بعضها ببعض كما تقدم، والقبض في المجلس شرط لصحة العقد، نص عليه القاضي، وابن عقيل، والشيخان، وغير واحد، مع أن ابن المنذر قد حكاه إجماعا، فقال: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد، وقد شهد لذلك النصوص السابقة «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء» وغير ذلك، والمجلس هنا مجلس الخيار في البيع، فلا يضر طوله مع تلازمهما، فلو مشيا ولو يوما ونحوه إلى منزل أحدهما مصطحبين صح، وقبض الوكيل يقوم مقام قبض موكله، بشرط قبضه قبل مفارقة موكله المجلس، فإن
فارق الموكل المجلس فسد الصرف، وإن قبض الوكيل في المجلس، وموت أحد المتصارفين قبل القبض يفسد الصرف، لعدم تمام العقد، فإن قبض البعض دون البعض فلا بيع بينهما فيما لم يقبض، وفيما قبض قولا تفريق الصفقة.
واعلم أن عبارة الخرقي هنا أجود من عبارة من قال: بطل الصرف.
فإنه يوهم وجود عقد ثم بطلانه، وليس كذلك، إذ هنا القبض بمنزلة القبول، لا يتم العقد إلا به، والله سبحانه أعلم.
بيع العرايا
قال: والعرايا التي رخص رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيها هو أن يوهب للإنسان من النخل ما ليس فيه خمسة أوسق، فيبيعها بخرصها تمرا، لمن يأكلها رطبا.
1870 - ش: الرخصة التي رخصها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هي ما قال زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رخص [لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها من التمر، وفي رواية: رخص] في العرية، يأخذها أهل البيت بخرصها يأكلونها رطبا» .
1871 - وعن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن المزابنة بيع الثمر بالتمر إلا أصحاب العرايا فإنه أذن لهم» .
1872 - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نحوهما، متفق عليهن.
إذا عرف هذا فقد اختلف في العرية لغة، فقيل: إنها نوع من العطية، خصت باسم كالنحلة، لا بيع، قال الجوهري: العرية النخلة يعريها رجلا محتاجا، فيجعل تمرها
له عاما، فعيلة، بمعنى مفعولة وأنشد لسويد بن الصامت:
وليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السنين الجوائح
وقال غيره: إنه من عراه يعروه، إذا أتاه يطلب منه عرية، فأعراه أي أعطاه إياها، كما يقال: سألني فأسألته.
وهو نحو الأول، وعن أبي عبيد: العرية اسم لكل ما أفرد عن جملة، سواء كان للهبة، أو للبيع، أو للأكل.
ونحو
ذلك قال أبو بكر وغيره من أصحابنا، قال بعضهم: سميت بذلك هنا لأنها معرية من البيع المحرم، أي مخرجة منه.
واختلف الفقهاء من أصحابنا وغيرهم في العرية التي وقع الترخيص فيها شرعا، على نحو اختلاف أهل اللغة، فظاهر كلام الخرقي وتبعه صاحب التلخيص - تخصيصها بالهبة، وهو ظاهر كلام أحمد، قال أيضا في رواية سندي، وابن القاسم: العرية أن يهب الرجل للجار أو ابن العم النخلة والنخلتين، ما لا تجب فيه الزكاة، فللموهوب له أن يبيعها بخرصها تمرا للمرفق.
ومختار القاضي وجمهور الأصحاب عدم اختصاصها بالهبة، بل هي عندهم [في الجملة] شراء الرطب على رؤوس النخل، سواء كان ذلك موهوبا أو غير موهوب.
1873 - وقد روي «عن محمود بن لبيد قال: قلت لزيد: ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يتبايعون به رطبا، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم، يأكلونه رطبا» ، وهذا بظاهره - إن صح - يدل لما قاله الجمهور.
1874 - ويرشحه ما في الصحيح من حديث سهل «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رخص في بيع العرية أن تباع بخرصها تمرا، يأكلها أهلها رطبا» ، وقد يقال: إنه لا دليل في كليهما، إذ فيهما أنه رخص في بيع] العرايا، وليس في الحديث بيان العرايا ما هي.
1875 - ومما استدل به أيضا لقول القاضي ومن وافقه تفسير يحيى بن سعيد، أحد رواة الحديث، فإنه قال: العرية أن يشتري الرجل ثمر النخلات، لطعام أهله رطبا، بخرصها تمرا.
1876 - وعورض بتفسير ابن إسحاق، فإنه فسرها بالهبة، كذا نقل عنه أبو داود، مع أن كليهما غير صحابي، فلا حجة في
تفسيرهما.
وبالجملة يشترط لجوازها على كلا القولين شروط (أحدها) كونه رطبا على رؤوس النخل، لما تقدم، أما الرطب على وجه الأرض فلا يجوز بتمر، لنهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الرطب بالتمر، خرج منه ما تقدم بحكم الأخذ شيئا فشيئا، لحاجة التفكه كما دلت عليه قصة محمود بن لبيد، وهذا المعنى مفقود في الرطب المجذوذ، فيبقى فيه على المنع.
(الثاني) : كونها فيما دون خمسة أوسق.
1877 - لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رخص في العرايا بخرصها، فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق» . متفق عليه، شك داود بن الحصين، أحد الرواة، وهذا يخص ما تقدم من حديث زيد، ورافع
وسهل، وغيرهم، ويقضي عليها، فلا يجوز فيما زاد على خمسة أوسق، على المذهب المعروف، المجزوم به، وبعض الأصحاب يقول: رواية واحدة، وأغرب ابن الزاغوني في
وجيزه فلم يشترط الأوسق أصلا فيما إذا كان المشتري هو الواهب، بأن شق عليه دخول الموهوب له وخروجه في بستانه، أو كره الموهوب له دخول بستان غيره، ولا نظير لهذا.
أما على المذهب ففي الخمسة (روايتان) المختار منهما عند الأصحاب المنع، لأن النهي عن المزابنة مطلق، خرج منه ما دون الخمسة بيقين، ووقع الشك في الخمسة بيقين، فيبقى على مقتضى الأصل من المنع، (والثانية) الجواز، نظرا إلى عموم أحاديث الرخصة، خرج منها ما زاد على الخمسة بيقين، فما عداه يبقى على مقتضى الترخيص.
(الثالث) : كون ذلك بخرصه لا جزافا، لما تقدم من الأحاديث، وأيضا فالشارع أقام الخرص للحاجة مقام الكيل، فلا يجوز العدول عنه، كما لا يعدل عن الكيل فيما يشترط فيه الكيل، ثم هل الخرص على ما يؤول إليه عند الجفاف، وهو اختيار القاضي، وأبي محمد، وصاحب التلخيص، ارتكابا لأخف المفسدتين - وهو الجهل بالتساوي - دون أعظمهما - وهو العلم بالتفاضل - أو
على ما هو عليه إذا نظرا للتساوي في الحال، ولعله ظاهر الأحاديث وقيل: إنه المنصوص هنا؟ على روايتين.
(الرابع) : كون البيع بتمر، فلا يجوز بيعها بخرصها رطبا، لما تقدم من حديثي زيد وسهل، نعم لا إشكال في جواز البيع بنقد أو بعرض، لانتفاء المزابنة رأسا، ويشترط في التمر المشترى به (أن يكون) كيلا لا جزافا.
1878 - لأن في البخاري عن ابن عمر عن زيد مرفوعا: «ورخص في العرايا [أن تباع بخرصها كيلا» ، ولأن الأصل كما تقدم اعتبار الكيل من الجانبين، سقط في أحدهما، وأقيم الخرص مقامه للحاجة، ففي الآخر يبقى على مقتضى الأصل، (وأن يكون) التمر مثل ما حصل به الخرص، لا أزيد ولا أنقص.
1879 - لأن في الترمذي في حديث زيد: «أذن لأهل العرايا] أن يبيعوها بمثل خرصها» .
(السادس) اشتراط الحلول والقبض من الطرفين في مجلس العقد، نص عليه، لأنه بيع تمر بتمر، فاعتبر فيه جميع شروطه، عدا ما استثناه الشارع، وقبض كل منهما بحسبه، ففي النخلة بالتخلية، وفي التمر باكتياله، فإن سلم أحدهما ثم مشى الآخر فسلم جاز.
(السابع) اعتبار الحاجة،
لما تقدم من قصة محمود بن لبيد، وذكر الرخصة يؤذن بذلك.
ثم الحاجة [تارة] تكون للمشتري، بأن يحتاج إلى أكل الرطب، ولا ثمن معه إلا التمر، وهذا الذي في قصة محمود بن لبيد، وهو الذي قاله الخرقي، (وتارة) تكون للبائع، بأن يحتاج إلى أكل [التمر] ، ولا ثمن معه إلا الرطب، وهذه الصورة لم يذكرها الخرقي وطائفة من الأصحاب، ونص عليها أبو بكر، وأبو البركات، وغيرهما، وجوازها بطريق التنبيه، لأنه إذا جاز مخالفة الأصل لحاجة التفكه فلحاجة الاقتيات أولى، وهذا يعتمد أصلا، وهو جواز القياس على الرخصة، وعليه المعول، إن فهمت
[العلة] كمسألتنا، وعن ابن عقيل أنه جعل من صور الحاجة - إذا كانت موهوبة - أن يشق على الواهب دخول الموهوب له بستانه وخروجه، أو يكره الموهوب دخول بستان غيره، فيجوز إذا البيع، انتهى.
ويكتفى بالحاجة المتقدمة من جهة البائع أو المشتري على المشهور، والمختار لأبي محمد وغيره، وظاهر ما في التلخيص أنه يشترط مع حاجة المشتري المتقدمة أن يشق على الموهوب له القيام عليها، وحكى أبو محمد عن القاضي، وأبي بكر اشتراط [الحاجة من جانبي البائع والمشتري، والذي في (التنبيه) : العرية أن يكون للرجل النخلة والنخلتان حملهما دون خمسة أوسق، وهو محتاج إلى التمر] ، أو يكون إنسان يحتاج إلى الرطب ولا يمكنه شراؤه إلا بالتمر، فيتبايعان الرطب بالتمر، وهذا صريح في الاكتفاء بالحاجة من أحد الجانبين، [نعم اشتراط الحاجة من الجانبين] هو المقدم عند ابن عقيل.
(تنبيهات) : «أحدها» يتفرع على اشتراط الحاجة من الجانبين أنه لو باع رجل عريتين [من رجلين] ، فيهما أكثر من خمسة أوسق لم يجز، أما من اكتفى بالحاجة من أحد الجانبين فإنه ألغى جانب البائع، ولم يعتبر إلا المشتري، فيجوز للبائع أن يبيع مائة وسق في عقود متعددة، بالشروط السابقة، ولا يجوز للمشتري أن يشتري أكثر من خمسة أوسق، ولو في صفقتين.
(الثاني) (هل تختص) الرخصة بعرية النخل، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار ابن حامد، وابن عقيل، وأبي
محمد، اقتصارا على مورد النص، إذ غيرها لا يساويها في الحاجة، لجمعها بين المصلحتين، التفكه والاقتيات.
1880 - ثم في الترمذي في حديث رافع وسهل: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن المزابنة التمر بالتمر، إلا أصحاب العرايا، فإنه قد أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب، وعن كل ثمر بخرصه» .
(أو لا تختص) ، فتجوز في سائر الثمار وهو قول القاضي، إلحاقا لذلك بعرية النخل، بجامع الحاجة، أو يلحق العنب فقط، وهو احتمال لأبي محمد، لقوة شبهه بالرطب في الاقتيات والتفكه على ثلاثة أقوال، وخرج أبو العباس على ذلك بيع الخبز باليابس في برية الحجاز ونحوها، وكذلك بيع الفضة الخالصة بالمغشوشة، نظرا للحاجة.
1881 - (الثالث) المزابنة فسرها أبو سعيد الخدري، ورافع، وسهل، ببيع الثمر بالتمر وفي حديث سهل في الصحيح:
«أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: ذلك الربا، تلك المزابنة» .
1882 - وفسرها ابن عمر بأن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا، وإن كان كرما بزبيب كيلا، وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله.
متفق عليه، زاد مسلم: «وعن كل تمر بخرصه» .
(والمزابنة) : مفاعلة، مأخوذة من «الزبن» بفتح الزاي، وإسكان الموحدة، والزبن في اللغة الدفع الشديد، ومنه وصفت الحرب بالزبون، [لشدة الدفع فيها، وسمي الشرطي زبنيا، لأنه يدفع الناس بعنف وشدة، ومن ذلك أيضا]- والله أعلم - (الزبانية) ولما كان كل واحد من المتبايعين في هذه المبايعة يدفع الآخر عن حقه سميت بذلك، «والخرص» بكسر الخاء اسم للمخروص، وبفتحها المصدر، والرواية بالكسر، قاله القرطبي، وقال النووي: «بخرصها» بفتح الخاء وكسرها، الفتح أشهر، فمن فتح قال مصدر، ومن كسر قال اسم للشيء المخروص، وعلى هذا يترجح بل يتعين ما قاله القرطبي «ونهى عن بيع الثمر بالتمر» الأول بثلاث نقط، والثاني باثنتين، والمراد بذلك - والله أعلم - بيع الرطب بالتمر، «والرجبية» من النخل منسوبة إلى رجب،
جمع رجبة، كركبة وركب، قاله في الصحاح، وقال القزاز في جامعه: ومعنى البيت: ليست هذه النخلة كريمة علينا، ولكن نعريها الزائر والضيف، والترجيب التعظيم، وإن فلانا لمرجب، أي معظم، والله أعلم.
قال: فإن تركها حتى تتمر بطل البيع.
ش: الضمير في «تركها» يرجع للمشتري، وهذا هو المذهب من الروايتين، إذ بتأخره علمنا عدم الشرط، وهو عدم الحاجة إلى أكل الرطب، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: يأكلها أهلها رطبا أي حالها أن يأكلها أهلها رطبا، فإذا لم يأكلها أهلها رطبا انتفت صفتها التي هي حكمة الرخصة، ولا فرق بين الترك لعذر أو غيره، سدا للذريعة (والثانية) لا يبطل، لاستكمال الشروط حال العقد، وعن أحمد فيمن اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها ثم تركها، إن قصد ذلك حال العقد بطل، وإلا لم يبطل، فيخرج هنا كذلك، والقول بالبطلان كما دل عليه كلام الخرقي فيما إذا كانت الحاجة في الرطب للمشتري، أما إن كانت للبائع
في التمر فترك المشتري لها حتى تتمر وعدمه سيان، والله أعلم.
باب بيع الأصول والثمار
ش: «الأصول» جمع أصل، كفلس وفلوس والمراد هنا الأشجار «والثمار» جمع ثمر، كجبل وجبال، وواحدة الثمر ثمرة، وجمع الثمار ثمر، ككتاب وكتب، وجمع الثمر أثمار كعنق وأعناق، والله أعلم.
قال: ومن باع نخلا مؤبرا - وهو ما قد تشقق طلعه - فالثمرة للبائع متروكة في رؤوس النخل إلى الجذاذ، إلا أن يشترطها المبتاع.
ش: من باع نخلا مؤبرا فإن ثمرته تكون للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع.
1883 - على نص حديث عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع» متفق عليه وتكون للبائع متروكة في النخل إلى الجذاذ، ولا يلزمه قطعها في الحال، إذ النقل والتفريغ جار على العرف، كما لو باع دارا له فيها قماش ونحو ذلك، فلا يلزم بالنقل ليلا، ولا جمع دواب البلد لذلك، بل إنما ينقله على المعتاد، والمعتاد في الثمرة أخذها عند جذاذها، والمرجع في ذلك إلى العادة، فإن كان نخلا فحين تتناهى حلاوة ثمره، إلا أن تجري العادة بأخذه بسرا، أو يكون بسره خيرا من رطبه، فإنه يجذه حين استحكام حلاوة بسره، وإن كان فاكهة فأخذه حين [يتناهى] إدراكه، ويجذ مثله، وإن قيل: إن بقاءه خير له، فلو أصابت الثمرة آفة، بحيث لم يبق في بقائها فائدة، فهل يجب تفريغ الأشجار منها في الحال، لعدم الفائدة في بقائها إذا؟ فيه احتمالان، ولو خيف على الأصول ضرر كثير - كالجفاف ونحوه - فهل يجبر أيضا رب الثمرة على القطع حفظا للأصول، أو لا، لأن رب الأصول دخل على ذلك؟ فيه وجهان أيضا، وإن احتاجت الثمرة مدة بقائها على الأصول إلى سقي لم يلزم المشتري، لأن البائع لم يملكها من جهته، لكنه لا يملك منع البائع منه إن احتاجت إليه الثمرة،
وإن أضر بالأصل، لاقتضاء العقد البقاء، وكذلك إن احتاجت الأصول إلى سقي، لم يملك صاحب الثمرة منع ربها، وإن أضر بثمرته كذلك أيضا.
ومفهوم كلام الخرقي أن الثمرة إذا لم تؤبر فهي للمشتري بإطلاق العقد، وهو مفهوم الحديث أيضا.
والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنما حكم على النخل إذا أبر جميعه، أما إذا أبر بعضه فلم يتعرض له، والحكم أن النخلة الواحدة، ما لم يؤبر منها يتبع ما أبر، فيكون الجميع للبائع، بلا خلاف نعلمه، وكذلك الحكم في النوع عند ابن حامد، حذارا من سوء المشاركة، واختلاف الأيدي، والمنصوص أن لكل حكم نفسه نظرا لظاهر الحديث، فعلى الأول هل الجنس كالنوع، فيتبع النوع الذي لم يؤبر النوع الذي أبر جميعه وبعضه، ويكون الجميع للبائع إذا بيع جميع الجنس، أم لكل حكمه؟ فيه قولان، أشهرهما الثاني، أما الحائطان فلا يتبع أحدهما الآخر، ولهذه المسألة التفات إلى مسألة بدو الصلاح في البعض، ويأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى بما هو أتم من هذا.
(تنبيه) : أصل التأبير التلقيح، وهو وضع الذكر في الأنثى، والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فسره بالتشقق، لأن الحكم عنده منوط به، وإن لم يلقح، لصيرورته في حكم عين أخرى، وعلى هذا فإنما أنيط الحكم - والله أعلم - في الحديث بالتأبير لملازمته للتشقق غالبا، وهذا الذي قاله الخرقي هو أشهر الروايتين، وقد بالغ أبو محمد فقال: إنه لا اختلاف فيه بين العلماء.
(والثانية) : لا بد من التلقيح بعد التشقق وإلا يكون للمشتري، عملا بظاهر الحديث، وتمسكا بالمقتضى اللغوي، والله أعلم.
قال: وكذلك بيع الشجر إذا كان فيه ثمر باد.
ش: أي ظاهر كالتين ونحوه، والحكم في ذلك كالحكم فيما تقدم أنه إن ظهر فهو للبائع، لأنه قد صار كعين أخرى إلا أن يشترطه المبتاع، وإن لم يظهر فهو للمشتري، قياسا على ما تقدم، لمساواته له في المعنى، والأصحاب قد قسموا الشجر على أضرب ليس هذا موضع بيانها، والله أعلم.
قال: وإذا اشترى الثمرة دون الأصل ولم يبد صلاحها على الترك لم يجز، وإن اشتراها على القطع جاز.
ش: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بدون أصلها له ثلاثة أحوال.
(أحدها) أن تباع بشرط التبقية، فلا يصح إجماعا.
1884 - لما رواه عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع، وفي رواية قال: لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه» .
1885 - وعن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع التمر حتى تزهو، قلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: حتى تحمر وتصفر» .
قال: «أرأيت إن منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه» وفي رواية: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن لم يثمرها الله فبم تستحل مال أخيك» متفق عليه.
1886 - وروي نحو ذلك من حديث جابر، وأبي هريرة، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
(والثاني) : أن يشتريها بشرط القطع في الحال، فيجوز في قول العامة، لأمن المفسدة التي علل بها صاحب الشريعة، وهو منع الله الثمرة، واستحلال مال أخيه بغير شيء، وهنا الأخذ في الحال، فالاستحلال بما أخذ في الحال.
(الثالث) : اشتراها وأطلق، وهذا لم يتعرض الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - للحكم عليه بنفي ولا إثبات، وفيه قولان للعلماء، هما روايتان عن إمامنا، أشهرهما - وبه جزم الشيخان والأكثرون - لا يصح، لأن الإطلاق يقتضي النقل على ما جرت به العادة، والعادة في الثمرة كما تقدم قطعها إذا بدا صلاحها، فصار كأنه مشروط عدم القطع.
(والثانية) : يصح إن قصد القطع، ويلزم به في الحال، نص عليها في رواية عبد الله، حملا على عرف الشرع والحال
هذه، وتصحيحا لكلام المكلف ما أمكن، والشيرازي يحكي رواية بالصحة من غير اشتراط قصد القطع، وما حكاه السامري عن ابن عقيل في التذكرة - أنه ذكر في هذه المسألة أربع روايات - ليس بجيد، إنما حكى ذلك - على ما اقتضاه لفظه - فيما إذا شرط القطع ثم ترك، انتهى، أما بيعها مع أصلها فيجوز إجماعا، لأنها إذا تتبع الأصل، فأشبهت الحمل مع أمه، وأس الحيط، وأيضا قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع» . وإن بيعت لمالك الأصل - كما إذا باع أصولها بعد أن أبرت، ولم يشترطها المشتري، ثم باعها له، وكذلك لو وصى بنخل مؤبر ثم باع الورثة الثمرة للموصى له - فوجهان (أحدهما) : يصح، وهو اختيار السامري، وصاحب التلخيص فيه، لأنه اجتمع الأصل والثمرة للمشتري، فأشبه ما لو اشتراهما معا (والثاني) : - وهو
ظاهر كلام الخرقي - لا يصح، لعموم الحديث، ولأنه لا متبوع ولا تابع، وعلى هذا لو شرط القطع صح، قال أبو محمد: ولا يلزم الوفاء بالشرط، لأن الأصل له، ومقتضى هذا أن اشتراط القطع حق للآدمي، وفيه نظر، بل هو حق لله تعالى كما سيأتي.
(تنبيهان) : (أحدهما) : الزرع قبل اشتداده كالثمرة قبل بدو صلاحها، يجري فيها ما تقدم.
1887 - ولمسلم وأبي داود، والترمذي، في رواية في حديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري» .
1888 - وعن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد» ، رواه أبو داود والترمذي.
(الثاني) : «الزهو» قد فسره أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -،
وفيه لغتان: زهى يزهو، وأزهى يزهي، حكاهما أبو زيد، قال الأصمعي: لا يقال النخل يزهو.
وإنما يقال: يزهي، قال الخطابي: هكذا روي الحديث.
يعني «يزهو» ، والصواب في العربية «تزهي» قال ابن الأثير: وهذا القول منه ليس عند كل أحد، فإن اللغتين قد جاءتا عند بعضهم، وبعضهم لا يعرف في النخل إلا «أزهى» ، انتهى وابن الأعرابي فسر «زهى يزهو» بمعنى: ظهر.
«وأزهى يزهي» إذا احمر أو اصفر، «والحب» الطعام، واشتداد الحب قوته وصلابته، والله أعلم.
قال: فإن تركها حتى يبدو صلاحها بطل البيع.
ش: هذا هو المذهب المنصوص، والمختار من الروايات للأصحاب الخرقي، وأبي بكر، وابن أبي موسى، والقاضي وأصحابه، وغيرهم، لعموم نهيه عن بيع الثمرة حتى تزهو، خرج منه صورة اشتراط القطع، وفعله عقب العقد بما هو كالإجماع فيبقى فيما عداه على مقتضى النهي، ولأنه أخر قبضا مستحقا لله تعالى، فأبطل العقد، كتأخير [قبض] رأس مال السلم والصرف.