كتاب الوكالة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الوكالة بفتح الواو وكسرها: التفويض.
وفي الاصطلاح: التفويض في شيء خاص في الحياة، وهي جائزة بالإجماع، وسنده قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60] . ولهذا «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يبعث السعاة لقبض الصدقات» ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: 19] .
2074 - وأيضا «توكيل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عروة بن الجعد في شراء الشاة» .
2075 - «وتوكيل أبي رافع في تزويج ميمونة» .
2076 - «وعمرو بن أمية الضمري في تزويج أم حبيبة» .
ما تجوز فيه الوكالة
قال: ويجوز التوكيل في الشراء والبيع، ومطالبة الحقوق، والعتق، والطلاق؛ حاضرا كان الموكل، أو غائبا.
ش: يجوز التوكيل في الشراء، لما تقدم من الآية والخبر، ولذلك قدمه الخرقي، وفي البيع، لأنه في معناه، وكذلك ما في معناهما من الإجارة، والصلح، والرهن، والجعالة، والمساقاة، والنكاح، ونحو ذلك من عقود المعاوضات، ويجوز التوكيل في مطالبة الحقوق.
2077 - لأن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وكل عقيلا عند أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وقال: ما قضي له فلي، وما قضي عليه فعلي.
2078 - ووكل عبد الله بن جعفر عند عثمان، وقال: إن للخصومة قحما، وإن الشيطان ليحضرها، وإني لأكره أن أحضرها.
قال أبو زياد: القحم: المهالك.
ومثل هذا يشتهر، ولم ينقل إنكاره فكان إجماعا، ويجوز التوكيل في العتق، والطلاق، لأن الحاجة قد تدعو إليهما، أشبها ما تقدم، ولأنه إذا جاز التوكيل في الإنشاء؛ جاز في الإزالة بطريق الأولى، وفي معناهما الوقف، والهبة، والخلع، ونحو ذلك مما يزيل ملك المال، أو ملك البضع، وسواء في جميع ذلك حضور الموكل وغيبته، لعموم الأدلة، وإنما ذكر
المصنف ذلك تنبيها على مخالفة الإمام أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذ عنده أن للخصم الامتناع من محاكمة الوكيل إذا كان الموكل حاضرا، والله أعلم.
قال: وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه، إلا أن يجعل ذلك إليه.
ش: لا يجوز للوكيل التوكيل إلا بإذن، على المشهور من الروايتين، واختاره الخرقي، وأبو محمد، وغيرهما؛ إذ إذن الموكل إنما يتناول تصرف الوكيل بنفسه، فلا يتعداه إلى غيره، كما لو نهاه، فإنه ليس له التوكيل اتفاقا.
وعنه: له ذلك، لأن له أن يتصرف بنفسه، فله أن يفوض ذلك إلى نائبه كالمالك، أما إن جعل التوكيل إليه - إما بنص، ولفظ عام، بأن قال له: اصنع ما شئت.
أو قرينة حالية كأن يكون الوكيل لا يتولى مثله ذلك، لدناءة الموكل فيه، وشرف الوكيل، ونحو ذلك، أو يعجز عنه لكثرته - فإنه يجوز، اعتمادا على الإذن اللفظي أو العرفي، نعم هل يجوز التوكيل فيما يعجز عنه في الجميع، أو في القدر الذي يعجز
عنه فقط؟ فيه وجهان، وحيث جوز له التوكيل فإنه يتقيد بأمين، لأن ذلك هو الحظ دون غيره، والله أعلم.
قال: وإذا باع الوكيل ثم ادعى تلف الثمن، من غير تعد منه، فلا ضمان عليه، فإن اتهم حلف.
ش: الوكيل في البيع وكيل فيه وفيما ينشأ عنه، وهو حفظ الثمن، فإذا باع وقبض الثمن، ثم ادعى تلف الثمن، والحال أنه من غير تعد منه، فالقول قوله، لأنه أمين، والقول قول الأمين، والحكمة في ذلك أنه لو كلف إقامة البينة على ذلك؛ لتعذر عليه أو شق، فيمتنع الناس من الدخول في الأمانة مع الحاجة إليه، فيحصل الضرر، ولهذا قلنا: إذا ادعى التلف بأمر ظاهر - كحريق عام، ونهب جيش، ونحو ذلك مما تسهل إقامة البينة عليه - كلف إقامة البينة على وجود ذلك، ثم القول قوله في التلف، ويتفرع على أن القول قوله أنه لا ضمان عليه، أما لو ثبت تعديه ببينة أو إقرار؛ فإن الضمان عليه، لزوال أمانته، فهو كالغاصب، ومتى قلنا: القول قوله.
فأنكره الموكل فإنه يحلف، لأن ما ادعاه عليه محتمل، والله أعلم.
قال: ولو وكله أن يدفع إلى رجل مالا، فادعى أنه دفعه إليه، لم يقبل قوله على الآمر إلا ببينة.
ش: إذا وكل وكيلا أن يدفع إلى رجل مالا، فادعى أنه دفعه إليه، وأنكره من أمر بدفعه إليه، فإن قول الوكيل لا يقبل على الآمر، ويلزمه الضمان على المذهب، لأنه مفرط، حيث لم يشهد على الدفع، أشبه ما لو أمره بذلك فخالف، (وعنه) : يقبل قول الوكيل على الآمر، فلا ضمان عليه، حملا للتفريط على المالك، لأنه لم يحتط لنفسه، حيث لم ينص له على الإشهاد، ولهذا قلنا - على الصحيح -: أنه لو دفع المال بحضرته لم يضمن، لأن حضوره قرينة رضاه بالدفع بغير بينة، وقيل: لا ينتفي الضمان.
اعتمادا على أن الساكت لا ينسب له قول، (هذا كله) إذا لم يكن بينة، أما مع البينة فإن قوله يقبل على الآمر، وينتفي عنه الضمان، لعدم تفريطه، ولا فرق بين أن تكون البينة قائمة، أو غائبة، أو ميتة، إذا كانت على حال لو وجدت
قبلت، نعم لو كانت ممن اختلف في ثبوت الحق بشهادتها - كشاهد واحد، أو رجل وامرأتين - فهل يبرأ من الضمان؟ قال أبو محمد: يخرج على روايتين.
وقول الخرقي: ولو وكله أن يدفع إلى رجل مالا.
يشمل الدفع على أي صفة كان، فدخل في كلامه ما لو أمره بالإيداع، والأصحاب على أنه في الإيداع لا يلزمه الإيداع إذا لم يشهد، لعدم الفائدة في الإشهاد، إذ القول قول المودع في الرد والتلف، ويرد بأن فيه فائدة، وهو ثبوت الوديعة، فلو مات أخذت من تركته.
وقول الخرقي: لم يقبل قوله على الآمر.
دل بطريق التنبيه أنه لا يقبل قوله على من أمر بالدفع إليه، لأنه إذا لم يقبل قوله على من ائتمنه، فعلى من لم يأتمنه أولى.
ومقتضى كلام الخرقي: أن الآمر أنكر الوكيل، وعلى هذا لو صدق الآمر الوكيل في الدفع فلا ضمان عليه.
وصرح القاضي وغيره
من الأصحاب: أنه لا فرق في تضمين الوكيل بين تصديق الآمر له أو تكذيبه، لأن مناط الضمان كونه فرط، حيث لم يشهد، والله أعلم.
قال: وشراء الوكيل من نفسه غير جائز.
ش: هذا هو المشهور من الروايات، اختارها الخرقي، والشريف، وأبو الخطاب، وابن عقيل، وغير واحد، للتهمة، إذ الإنسان طبع على طلب الحظ لنفسه، ومقتضى الوكالة طلب الحظ للموكل، فيتنافى الغرضان، أو أن مقتضى الإذن في البيع أن يبيع من غيره، لا من نفسه، فكأنه قال: بع هذا ولا تبع من نفسك.
(والرواية الثانية) : يجوز، بشرط أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء، لانتفاء التهمة غالبا، ويلزم على هذه الرواية أن يقول بجواز التوكيل للوكيل، إما مطلقا، وإما مع وجود قرينة تدل
على ذلك.
(والرواية الثالثة) : يجوز، بشرط أن يوكل من يبيع، ويكون هو أحد المشتريين، معللا بأنه لا يأخذ بإحدى يديه من الأخرى.
(والرواية الرابعة) : يجوز أن يشارك فيه، لا أن يشتريه كله، لانتفاء التهمة أو ضعفها إذا، وعلى الروايات كلها إذا أذن له في الشراء من نفسه جاز له الشراء بلا نزاع، نعم على مقتضى تعليل أحمد - في الرواية الثالثة - لا يجوز؛ لأنه يأخذ بإحدى يديه من الأخرى، والله أعلم.
قال: وكذلك الوصي.
ش: حكم الوصي حكم الوكيل، لا يجوز له الشراء من مال موليه إلا حيث يجوز للوكيل، لاستوائهما معنى، فاستويا حكما، إذ كل منهما متصرف على الغير، والله أعلم.
قال: وشراء الرجل لنفسه من مال ولده [الطفل] جائز، وكذلك شراؤه له من نفسه.
ش: يجوز للأب أن يشتري لنفسه من مال ولده الذي تحت حجره، ويبيع له من ماله، لانتفاء التهمة في حقه غالبا، لكمال شفقته، والله أعلم.
قال: وما فعل الوكيل بعد فسخ الموكل أو موته فباطل.
ش: أما إذا علم الوكيل بفسخ الموكل أو موته، فلا شك في بطلان ما فعله بعد ذلك، وأما إذا لم يعلم، فظاهر كلام الخرقي - وهو اختيار الشريف، وأبي الخطاب، وابن عقيل وغيرهم -: أن تصرفه غير نافذ أيضا، لأنه متصرف بلا إذن، لزواله بالفسخ أو الموت، ولا ملك، أشبه الفضولي.
قال القاضي: وهذا أشبه بأصول المذهب وقياسه، لقولنا: إن الخيار إذا كان لهما كان لأحدهما الفسخ من غير محضر من الآخر، ولم يذكر عن أحمد نصا، والمنصوص عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رواية ابن منصور، وجعفر بن محمد، وأبي الحارث: أن تصرفه نافذ، اعتمادا على أن الحكم لا يثبت في حقه قبل العلم، كما نقول في الأحكام المبتدأة، قال
سبحانه: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: 275] ومقتضى كلام الخرقي أن الوكالة عقد جائز، لبطلانه إياها بالموت والفسخ، وهو صحيح.
(تنبيه) : القاضي وأبو محمد وغيرهما يجعلون الخلاف في نفس انفساخ عقد الوكالة قبل العلم، وأبو البركات وغيره - وهو مقتضى كلام الخرقي - يجعلون الخلاف في نفوذ التصرف، لا في نفس الانفساخ، وهذا أوفق لمنصوصات أحمد، قال أبو العباس: وهو لفظي، والله أعلم.
قال: وإذا وكله في طلاق زوجته فهو في يده، حتى يفسخ أو يطأ.
ش: الوكالة تنفسخ بما يدل على الفسخ من لفظ أو فعل، إناطة للحكم على المعنى، فإذا وكله في طلاق زوجته فإنه يملك ذلك مطلقا، لعدم تقييده له بزمان ولا مكان، إلى أن يفسخ أو يطأ، إذ وطؤه دليل رغبته فيها، وعلى هذا إذا باشرها دون الفرج، فقال أبو محمد: فيه احتمالان، بناء على التردد في حصول الرجعة بذلك، والله أعلم.
قال: ومن وكل في شراء شيء فاشترى غيره، فإن الآمر مخير في قبول الشراء، فإن لم يقبل لزم الوكيل، إلا أن يكون اشتراه بعين المال، فيبطل الشراء.
ش: من وكل في شراء شيء فاشترى غيره - كأن وكل في شراء عبد زيد، فاشترى عبد عمرو، أو في شراء عبد، فاشترى ثوبا، ونحو ذلك - فلا يخلو إما أن يقع الشراء بعين مال الموكل، أو في ذمة الوكيل، فإن وقع بعين مال الموكل فهل يبطل، وهو المذهب.
2079 - لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» ، أو يقف على إجازة المالك - لحديث عروة بن الجعد - فيه روايتان، وإن وقع في ذمة الوكيل بنية الشراء للموكل فهل الشراء صحيح - وهو المذهب المعروف المشهور، وجزم به الشيخان وغيرهما - إذ التصرف وقع في الذمة، وهي قابلة لذلك، أو باطل - كالشراء بالعين، حكاه القاضي في الروايتين؟ فيه خلاف، وعلى الأول فهل يلزم المشتري، لكونه اشترى لغيره بغير أمره،
أشبه ما لو لم ينوه له، أو يقف على إجازة الموكل، فإن أجازه لزمه، لأنه اشترى له، أشبه ما لو أذن فيه، وإن رده لزم الموكل لصدور الشراء منه؟ فيه روايتان، حكاهما أبو محمد، ثم شرط القاضي - وتبعه أبو البركات - أن لا يسمي الموكل في العقد إذا كان الشراء في الذمة، فإن سماه بطل، وظاهر كلام الخرقي وأبي محمد عدم اشتراط هذا الشرط، والله أعلم.
باب الإقرار
بالحقوق الإقرار: الاعتراف، وحده الإظهار لأمر متقدم، وليس بإنشاء، والأصل فيه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: 81] إلى قوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: 81] وقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 102] .
2080 - «وثبت أن النبي – - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجم ماعزا بإقراره، وقال: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» . وأجمع المسلمون على صحة الإقرار في الجملة.
الاستثناء في الإقرار
قال: ومن أقر بشيء واستثنى من غير جنسه، كان استثناؤه باطلا، إلا أن يستثني عينا من ورق، أو ورقا من عين.
ش: إذا أقر بشيء واستثنى من جنسه - كأن أقر بعشرة دراهم، واستثنى منها درهما ونحو ذلك - فإنه يصح بلا نزاع، ويكون مقرا بالباقي بعد المستثنى، لورود ذلك في الكتاب، والسنة، وكلام العرب، قال سبحانه: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14] .
2081 - «وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الشهيد: تكفر عنه خطاياه كلها إلا الدين» . ويدخل في كلام الخرقي ما إذا أقر بنوع من
جنس، واستثنى نوعا آخر، كأن أقر بتمر برني، واستثنى تمرا معقليا، ونحو ذلك، وهو أحد احتمالي [المغني.
والاحتمال الآخر - وهو الصحيح عند] أبي محمد -: لا يصح، لعدم دخول المعقلي في البرني.
وإن أقر بشيء واستثنى من غير جنسه؛ فلا يخلو إما أن يكون ذلك في الدراهم والدنانير، أو في غيرهما، فإن كان في غيرهما - كأن أقر بدراهم واستثنى منها ثوبا، أو بثياب واستثنى منها دراهم، أو بتمر واستثنى منه برا، ونحو ذلك - فالمذهب المعروف المشهور: أنه لا يصح، لأن الاستثناء؛ إما إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، أو ما يصلح أن يتناوله اللفظ، مأخوذ من قولهم: ثنيت فلانا عن رأيه: إذا صرفته عن رأي كان عازما عليه، وأحد الجنسين لا يتناوله الآخر، ولا يصح أن يتناوله إلا على سبيل المجاز، والأصل الحقيقة، وعن أبي الخطاب صحة ذلك، بناء على جواز استثناء أحد النقدين من الآخر.
انتهى.
وإن كان ذلك في الدراهم والدنانير - مثل أن أقر بمائة درهم، واستثنى منها دينارا، أو بدينار واستثنى منه خمسة دراهم - ففيه روايتان: (إحداهما) : لا يصح، اختارها أبو بكر، لما تقدم.
(والثانية) : يصح، اختارها الخرقي، لأنهما في معنى الجنس الواحد، لأن قدر أحدهما معلوم من الآخر، فإذا قال: له علي مائة درهم إلا دينارا، فمعناه إلا عشرين درهما، ويعبر بأحدهما عن الآخر، فمعنى: له علي دينار إلا درهمين، له علي عشرون درهما إلا درهمين.
إذ الدينار يعبر به عن عشرين درهما، ومهما أمكن حمل الكلام على وجه صحيح حمل عليه، فعلى هذا يرجع في تفسير
الدينار إلى المقر إن لم يكن للدينار بالبلد سعر معلوم، وإن كان له سعر فهل يرجع إلى سعره، أو إلى التفسير؟ فيه قولان، قال أبو محمد: ويمكن حمل الروايتين على اختلاف حالين، فالموضع الذي قال بالصحة فيه، إذا عبر بأحدهما عن الآخر، أو علم قدره منه، والموضع الذي قال بالبطلان فيه، إذا انتفى ذلك، والله أعلم.
قال: ومن ادعي عليه شيء فقال: قد كان ذلك وقضيته.
لم يكن ذلك إقرارا.
ش: هذا منصوص أحمد في رواية جماعة، وجزم به الجمهور، كالشريف، وأبي الخطاب، والشيرازي، وشيخهم، وقال: لم أجد رواية بغير هذا، وذلك لأن الكلام بآخره، والذي تضمنه مجموع كلامه أنه لا شيء له عليه، لأن الاستصحاب إنما يعمل عمله إذا لم يرد ما يخالفه.
وعن أحمد رواية أخرى اختارها أبو الخطاب، أنه يكون مقرا مدعيا للقضاء، ولا يقبل قوله في دعوى القضاء إلا ببينة؛ إذ كلامه انطوى على جملتين: إحداهما: كان له علي ألف.
(والثانية) : وقضيته.
فيقبل قوله فيما عليه، ولا يقبل قوله فيما له إلا ببينة.
وعنه رواية ثالثة، حكاها أبو البركات: أن هذا ليس بجواب صحيح، فيطالب برد الجواب، إذ إقراره الأول يناقضه دعوى القضاء ثانيا، وإذا تناقضا تساقطا، ولو قال: له علي ألف وقضيته.
ولم يقل «كان» ففيه الروايتان الأوليان، وثالثة أنه مقر بالحق، مكذب لنفسه في الوفاء، فلا يسمع منه، وإن أتى ببينة، لأن: له علي ألف.
يقتضي بقاءها في ذمته، ودعوى القضاء تناقض ذلك، ولو قال: كان له علي ألف.
ولم يقل: وقضيته.
فهو إقرار، وخرج عدمه، والله أعلم.
قال: ومن أقر بعشرة دراهم، ثم سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه، ثم قال: زيوفا، أو صغارا، أو إلى شهر.
كانت عشرة جيادا.
وافية.
حالة.
ش: إذا أقر بدراهم لزمته جياد وافية حالة، إذ هذا مقتضى الإطلاق، كما لو وقع البيع على ذلك، نعم إذا كان في بلد أوزانهم ناقصة، أو دراهمه مغشوشة، فهل يلزمه من دراهم البلد، كثمن المبيع بها - وهو مقتضى كلام ابن الزاغوني، وما صححه صاحب التلخيص - أو جياد وافية، إذ إطلاق الدراهم في الشرع ينصرف إلى ذلك، بدليل نصاب الزكاة - وهو مقتضى كلام الخرقي؟ فيه وجهان، وحيث قلنا مع الإطلاق يلزمه جياد وافية حالة، ففسرها بزيوف - وهي الرديئة - أو بصغار - وهي الناقصة - كدراهم طبرية، وهي أربعة دوانيق، بخلاف دراهم الإسلام فإنها ستة دوانيق - أو قال: مؤجلة.
فلا يخلو إما أن يكون بكلام متصل، أو ما في حكمه؛ كالسكوت لتنفس، أو عطاس، ونحو ذلك، أو منفصل، فإن كان بكلام منفصل لم يسمع منه، لإفضائه إلى إبطال بعض ما اقتضاه ظاهر إقراره، وهو الجودة، والحلول، والكمال، فإن كان [بمتصل ونحوه سمع
منه، إذ الكلام بآخره، فالإقرار إنما حصل على صفة، فلا يلزم غيرها، نعم إذا قال: زيوف.
وفسرها بما لا فضة فيه لم يسمع، لأن قوله: دراهم يناقضه، وشرط القاضي فيما إذا قال: صغار.
أن يكون للناس دراهم صغار، وإن لم يكن لهم دراهم صغار لم يسمع منه، وحكى أبو الخطاب احتمالا فيما إذا فسر بالتأجيل أنه لا يسمع منه، والله أعلم.
قال: ومن أقر بشيء واستثنى الكثير - وهو أكثر من النصف - أخذ بالكل، وكان استثناؤه باطلا.
ش: لا نزاع في جواز استثناء الأقل، ولا في منع استثناء الكل، ولا في أن المذهب المعروف المشهور أنه لا يجوز استثناء الأكثر، حتى إن أبا محمد قال: لا يختلف المذهب في ذلك، نظرا إلى أن هذا الذي ورد في كلام العرب.
قال الزجاج: لم يأت الاستثناء إلا في القليل من الكثير، ولو قال قائل: مائة إلا تسعة وتسعين.
لم يكن
متكلما بالعربية، وكان عيا من الكلام ولكنة
وقال القتيبي: يقال: صمت الشهر إلا يوما.
ولا يقال: صمت الشهر إلا تسعة وعشرين.
ولأن القليل في معرض النسيان، فقبل وإن خالف مقتضى ما نطقه به، بخلاف الكثير، فإن احتمال السهو فيه بعيد، وقيل: يجوز استثناء الأكثر، نظرا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42] والغاوون أكثر، بدليل ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103] ومنع أن الغاوين أكثر، إذ العباد يدخل فيهم الملائكة، والجن، والإنس، وعلى تقدير التسليم، فاستثناء الأكثر إنما يمتنع من عدد محصور، أما الاستثناء بالصفة من جنس فإنه يجوز وإن كان أكثر، وهذا أحد جوابي القاضي، والآخر أنه استثناء منقطع، بمعنى «لكن» ، ولما كان النصف حدا بين القليل
والكثير، تردد الأصحاب فيه، فمنعه أبو بكر، وجوزه الخرقي، والله أعلم.
قال: وإذا قال: له عندي عشرة دراهم.
ثم قال: وديعة.
كان القول قوله.
ش: لأنه فسر كلامه بما يوافق ظاهره لا بما يخالفه، وإذا يثبت لها حكم الوديعة، بحيث لو ادعى تلفها بعد ذلك أو ردها قبل منه، والله أعلم.
قال: ولو قال: له علي ألف، ثم قال: وديعة.
لم يقبل قوله.
ش: هذا هو المشهور لمخالفته ظاهر إقراره، لأن «علي» للإيجاب، فمقتضى اللفظ أنها في ذمته، والوديعة ليست في
ذمته، وعن القاضي: يقبل قوله على تأويل أن علي حفظها، أو ردها، ونحو ذلك، والله أعلم.
قال: ولو قال: له عندي رهن.
وقال المالك: وديعة.
كان القول قول المالك.
ش: لأن المقر يدعي على المالك عقدا، وهو ينكره، والأصل معه، ولأن إقراره يتضمن حقا عليه، وحقا له، فقبل فيما عليه دون ما له، والله أعلم.
قال: ولو مات فخلف ولدين، فأقر أحدهما بأخ أو بأخت، لزمه أن يعطي الفضل الذي في يديه لمن أقر له.
ش: إذا مات رجل وخلف ولدين، فأقر أحدهما بأخ أو بأخت، وكذبه الآخر؛ لم يثبت النسب اتفاقا، ويلزم المقر أن يدفع إلى المقر له ما فضل في يده عن ميراثه، لأن إقراره تضمن ذلك، وكما لو ثبت نسبه ببينة، ففي صورة الإقرار بأخ يلزمه أن يدفع إليه السدس، لأنهم إذا كانوا ثلاثة على زعم المقر، يكون المال بينهم أثلاثا، لكل واحد ثلثه، وفي يده النصف، فالفاضل عما يستحقه السدس، وفي مسألة الإقرار بأخت يدفع إليها نصف الخمس لأن المال بينهم على خمسة، لكل أخ خمسان، ولها خمس، وفي يده النصف،
فالفاضل عما يستحقه نصف الخمس، وعلى هذا فقس، والله أعلم.
قال: وكذلك إن أقر بدين على أبيه لزمه من الدين بقدر ميراثه.
ش: فإذا كان ميراثه النصف لزمه من الدين نصفه، وإن كان ميراثه الثلث لزمه منه الثلث، وعلى هذا، لأنه إقرار يتعلق بحصته وحصة أخيه، فلا يلزمه إلا ما يخصه، كالإقرار بالوصية، وإقرار أحد الشريكين على مال الشركة، والله أعلم.
قال: وكل من قلت: القول قوله.
فلخصمه عليه اليمين.
ش: أي في هذا الباب، نحو: له عندي مائة درهم.
وفسرها بوديعة، أو: له عندي رهن.
وقال المالك: وديعة: وما أشبهه، كالمضارب، والشريك، والراهن، ونحوهم، فمن القول قوله فلخصمه عليه اليمين؛ لأن ما ادعاه عليه محتمل.
2082 - وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» والله أعلم.
إقرار المريض
قال: والإقرار بدين في مرض موته، كالإقرار في صحته، إذا كان لغير وارث.
ش: إذا أقر بمال لغير وارث في مرضه المحجور عليه فيه كان كما لو أقر له في صحته، على المشهور من الروايات، والمختار عند الأصحاب، لانتفاء التهمة غالبا، ولاحتياجه إلى براءة ذمته، وقد ينحصر الطريق في ذلك.
والرواية الثانية: لا يقبل مطلقا؛ كالإقرار لوارث.
والثالثة: يلزم في الثلث فما دون، لا فيما زاد عليه، تنزيلا له منزلة الوصية.
ويدخل في كلام الخرقي - بطريق التنبيه -: الإقرار بغير مال، كالإقرار بالطلاق ونحوه، فإنه يصح بلا نزاع، فعلى الأولى - وهو المذهب - هل يحاص المقر له في المرض من ثبت دينه ببينة أو بإقرار في الصحة؟ فيه وجهان:
(أحدهما) : وبه جزم القاضي [في الجامع] والشريف، وأبو الخطاب، والشيرازي في موضع، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار التميمي: نعم، لأنه يجب قضاؤهما من رأس المال، أشبه ما لو ثبتا ببينة.
(والثاني) : واختاره أبو
الخطاب في الانتصار، وقال ابن البنا - تبعا لشيخه أظنه في المجرد إنه قياس المذهب -: لا، لنص أحمد في المفلس أنه إذا أقر وعليه دين ثبت ببينة أنه يبدأ به.
وعلى الرواية الثالثة يقدم دين الصحة بلا نزاع، لأنا نزلنا الإقرار منزلة الوصية، والله أعلم.
الإقرار للوارث بدين
قال: وإن أقر لوارث بدين لم يلزم باقي الورثة قبوله إلا ببينة.
ش: أما مع البينة فواضح، وأما مع عدمها فلا يلزم باقي الورثة القبول، لمكان التهمة، نعم لا يبطل الإقرار على المشهور من المذهب، بل يقف على إجازة الورثة، فإن أجازوه جاز، وإن ردوه بطل، ولهذا قال الخرقي: لم يلزم.
ومقتضى كلام الخرقي: أن الحكم منوط بحال الإقرار، فلو أقر لوارث فصار عند الموت غير وارث لم يصح إناطة بالتهمة، ولو أقر لغير وارث فصار عند الموت وارثا صح لانتفاء التهمة، نص عليه أحمد، معللا بما تقدم.
(وعنه) : الاعتبار بحال الموت كالوصية، والأول المذهب، والله أعلم.
باب العارية
العارية مضمونة
قال: والعارية مضمونة، وإن لم يتعد فيها المستعير.
ش: يعني: إذا تلفت أو نقصت.
2083 - لما روى الحسن، عن سمرة، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» . رواه الخمسة إلا النسائي.
2084 - «وعن صفوان بن أمية أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استعار منه أدراعا، فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: «بل عارية مضمونة» ، قال: فضاع بعضها، فعرض النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يضمنها، فقال: أنا اليوم في الإسلام أرغب» . رواه أحمد، وأبو داود.
وعموم كلام الخرقي يقتضي الضمان ولو شرط نفيه، وهو المشهور من المذهب، لمخالفة الشرط مقتضى العقد.
وعنه - واختاره أبو حفص -: يسقط الضمان، لأنه أبرأ من الضمان مع وجود سببه، أشبه ما لو أبرأه من السراية بعد الجراحة.
ومقتضى كلام الخرقي: أنه لا يضمن الولد، وهو الصحيح من الوجهين، عند أبي محمد، والله أعلم.
الفرق بين العارية والوديعة
(تنبيه) : العارية يد آخذة، والوديعة يد معطاة، فالعارية مثل القرض، فجميعا قابضهما ضامن، والفرق بينهما أن العين المستعارة لا يجوز استهلاكها، ولا هبتها، ولا تغييرها، ولا التصرف فيها، بخلاف القرض، والله سبحانه وتعالى أعلم.
باب الغصب
الغصب محرم بالإجماع، وقد دل عليه قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: 188] الآية.
2085 - وعن السائب بن يزيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا، ولا لاعبا، وإذا أخذ أحدكم عصا صاحبه فليردها عليه» . رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي.
وهو في اللغة: أخذ الشيء ظلما.
قاله الجوهري، وابن سيدة، وغيرهما.
وفي الاصطلاح قال أبو محمد في المقنع: أنه الاستيلاء على مال الغير قهرا بغير حق.
فالاستيلاء يستدعي القهر والغلبة، فإذا قوله:
«قهرا» زيادة في الحد، ولهذا أسقطه في المغني، لكن فيه زيادة إيضاح، يخرج بذلك المال المسروق، والمنتهب، والمختلس، لأنه لم يأخذه على وجه القهر.
وقوله: بغير حق.
يخرج الاستيلاء بحق، كاستيلاء الولي على مال الصبي، والحاكم على مال المفلس، ونحو ذلك.
وهو غير جامع، لخروج ما عدا المال من الحقوق؛ كالكلب، وخمر الذمي، ونحو ذلك، ثم إنه عرف «غير» بالألف واللام، والمشهور عدم تعريفها بهما، ولهذا لم يعرفها في المغني.
وقال أبو البركات: هو الاستيلاء على مال الغير ظلما.
ويرد عليه ما ورد على الأول، وأنه غير مانع، لدخول السرقة، والانتهاب، ونحو ذلك - كالاختلاس - فيه، والله أعلم.
تصرفات الغاصب في المغصوب
قال: ومن غصب أرضا فغرسها أخذ بقلع غرسه،
وأجرتها إلى وقت تسليمها، ومقدار نقصانها، إن كان نقصها الغرس.
ش: يصح غصب العقار على المذهب المعروف المشهور، حتى إن القاضي وعامة أصحابه لم يذكروا في المسألة خلافا، مع أن القاضي ذكر رواية ابن منصور، واستشكلها.
2086 - وذلك لما روي عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوق يوم القيامة من سبع أرضين» . متفق عليه.
وفي لفظ لأحمد: «من سرق» .
2087 - وعن الأشعث بن قيس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن رجلا من كندة ورجلا من حضرموت اختصما إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أرض باليمن، فقال الحضرمي: يا رسول الله أرضي اغتصبها هذا وأبوه.
فقال الكندي: يا رسول الله أرضي ورثتها من أبي.
فقال الحضرمي: استحلفه يا رسول الله أنه ما يعلم أنها أرضي وأرض والدي، اغتصبها أبوه، فتهيأ الكندي لليمين، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنه لا يقتطع عبد - أو رجل - مالا بيمينه إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم» . فقال الكندي: هي أرضه وأرض والده» . رواه أحمد.
ونقل عنه ابن منصور ما يدل على أن العقار لا يضمن بالغصب، إذ الغصب إثبات اليد على المال عدوانا، على وجه تزول به يد المالك، ولا يوجد ذلك في العقار، وفائدة الخلاف أنها لو غرقت بماء السماء ونحو ذلك، أو كان فيها بناء فانهدم، ضمن على الأول دون الثاني، ولو غصبها غاصب آخر، فهدم بناءها، أو نقل ترابها، فللمالك تضمين من شاء منهما على الأول، وعلى الثاني يضمن الثاني فقط، لوجود النقل والهدم منه.
إذا تقرر هذا فإذا غصب أرضا فغرسها، فإنه يؤخذ بقلع غرسه.
2088 - لما روى عروة بن الزبير، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أحيا أرضا فهي له، وليس لعرق ظالم حق» . قال: ولقد أخبرني الذي حدثني بهذا الحديث «أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفؤوس، وإنها لنخل عم» . رواه أبو داود، والدارقطني، قال أحمد: العم الطوال.
ويؤخذ بأجرتها إلى وقت تسليمها، وكذلك كل ما له أجر، بناء على أن منافع المغصوب مضمونة، إذ هي بمنزلة الأموال؛ ولهذا قلنا - على المشهور -: يجبر المفلس المحترف على إيجار نفسه لوفاء دينه، وسواء انتفع أو لم ينتفع، لتلفها تحت يده العادية.
ويؤخذ أيضا بنقص الأرض إن نقصها الغرس، وكذا لو نقصت بغيره، وكذلك الحكم في كل عين مغصوبة، على
الغاصب ضمان نقصها، كما يضمن جملتها، والنقص هو نقص القيمة في جميع الأعيان، اختاره الشيخان.
(وعنه) - وهو المشهور عنه -: أن في عين الدابة ربع قيمتها.
2089 - واعتمد في ذلك على ما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنه كتب إلى شريح - وقد كتب إليه يسأله عن عين الدابة -: إنا كنا ننزلها بمنزلة الآدمي، إلا أنا أجمع رأينا أن فيها ربع الثمن.
وهذا إجماع، وهو اختيار القاضي في التعليق، والشريف، وأبي الخطاب في خلافيهما، ثم الشيخان، وأبو الخطاب في الهداية والقاضي في روايتيه، جعلوا الخلاف في عين الدابة من الخيل، والبغال، والحمير، ونصوص أحمد على ذلك، والقاضي في تعليقه وفي جامعه، والشريف، وأبو الخطاب في خلافيهما، وصاحب التلخيص، والمستوعب، وأبو محمد في الكافي، خصوا الخلاف بعين الفرس.
(وعنه) : أن الرقيق يضمن بما يضمن به في الإتلاف، [وتفرد أبو محمد في المقنع عن الأصحاب، فخرج أنه يضمن بأكثر الأمرين من النقص أو مما يضمن به في
الإتلاف] ، وتحرير ذلك يحتاج إلى طول.
والله أعلم.
قال: وإن كان زرعها فأدركها ربها والزرع قائم، كان الزرع لصاحب الأرض، وعليه النفقة، وإن استحقت بعد أخذ الغاصب الزرع لزمته أجرة الأرض.
ش: إذا غصب أرضا فزرعها فإن أدركها ربها والزرع قائم، كان الزرع له وعليه النفقة، على ظاهر كلام أحمد - في عامة نصوصه - والخرقي، والشيرازي، وابن أبي موسى فيما أظن.
2090 - لما روى رافع بن خديج - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته» . رواه الخمسة إلا النسائي، وقال البخاري: هو حديث حسن.
وعليه اعتمد أحمد، فقال في رواية
علي بن سعيد: آخذ به.
وفي رواية حرب: أذهب إليه.
وقال القاضي، وعامة أصحابه، والشيخان: يخير مالك الأرض بين تركه إلى الحصاد بالأجرة، وبين أخذه بالنفقة، نظرا إلى رب الأرض، وحملا على الغاصب، إذ لو كلف الأخذ بالقيمة ربما شق ذلك عليه، وحكى أبو الخطاب احتمالا بأن الزرع للغاصب، لأنه نماء ملكه، وعليه الأجرة.
ولا نزاع أن رب الأرض لا يجبر الغاصب على قلع الزرع.
ثم هل النفقة قيمته - وهي التي صححها القاضي في التعليق، قياسا على ما إذا أتلفه - أو نفقته من البذر والمؤونة - وهو ظاهر كلام الخرقي لظاهر الحديث؟ فيه روايتان.
وقال ابن الزاغوني: أصلهما هل يضمن ولد المغرور بمثله
أو بقيمته؟ وإن أدركها ربها بعد أخذ الغاصب الزرع فقد استقر ملك الغاصب عليه، لأنه نماء ملكه، فيكون له على القاعدة، وإنما خرجنا عن ذلك في الزرع للحديث، وبعد الأخذ لا يشمله الحديث، لأنه إنما يكون زرعا ما دام قائما، وعليه الأجرة، ونقص الأرض إن كانت نقصت، لما تقدم.
ويدخل في عموم كلام الخرقي الزرع الذي يجز مرة بعد أخرى، كالنعنع ونحوه، وهو أحد احتمالي أبي محمد.
والاحتمال الثاني: أن حكمه حكم الغراس، والله أعلم.
الزيادة والنقصان في قيمة المغصوب
قال: ومن غصب عبدا أو أمة وقيمته مائة، فزاد في بدنه، أو بتعليمه، حتى صارت قيمته مائتين، ثم نقص بنقصان بدنه، أو نسيان ما علم، حتى صارت قيمته مائة، أخذه سيده من الغاصب، وأخذ مائة.
ش: خلاصته أن زوائد العين المغصوبة مضمونة على الغاصب، سواء كان ذلك ذاتا؛ كالسمن، أو معنى؛ كتعلم صناعة، ونحو ذلك، لأنها تحدث على ملك مالك العين، وقد تحصلت تحت يد الغاصب، فلزمه ضمانها كالأصل، فإذا غصب عبدا قيمته مائة، فسمن أو تعلم صناعة، فصارت قيمته مائتين، ثم عاد كما كان، بأن
هزل أو نسي الصناعة، فإنه يجب على الغاصب رده، ورد مائة في مقابلة ما ذهب من السمن أو الصناعة، والله أعلم.
وطء الجارية المغصوبة
قال: ومن غصب جارية فوطئها وأولدها، لزمه الحد، وأخذها سيدها وأولادها، ومهر مثلها.
ش: إذا غصب جارية فوطئها لزمه الحد، لأنه زان، إذ لا شبهة له في ذلك، ثم إذا قدر عليها سيدها أخذها، لأنها عين ملكه، وأخذ أولادها، لأنهم نماء ملكه، ولا يلحق نسبهم بالواطئ لأنه زان، وأخذ مهر مثلها لأنه بدل منفعة.
(وعنه) : لا مهر للثيب، وهو بعيد، ولا لمطاوعة وهو جيد، «لنهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن مهر البغي» ، والأول المذهب، لأن الحق للسيد، فلا يسقط بمطاوعتها، فإذا كانت بكرا فعليه أرش بكارتها على الصحيح، ولو اعتقد الغاصب حل الوطء، ومثله يجهل ذلك، لقرب عهده بالإسلام، ونحو
ذلك، فالحكم كذلك، إلا أنه لا حد عليه، وأولاده أحرار يفديهم كما سيأتي، والله أعلم.
قال: وإن كان الغاصب باعها فوطئها المشتري، وأولدها وهو لا يعلم، ردت الجارية إلى سيدها، ومهر مثلها، وفدى أولاده بمثلهم، وهم أحرار، ورجع بذلك كله على الغاصب.
ش: إذا باع الغاصب الجارية المغصوبة، فإن البيع فاسد على المذهب، وقيل عنه: يقف على الإجازة، وقيل عنه: يصح مطلقا، والتفريع على الأول، فنقول: لا يخلو المشتري إما أن يكون عالما بالغصب أو غير عالم، والمرجع في ذلك إليه، لأن ذلك مما يخفى، فإن كان عالما؛ فحكمه حكم الغاصب على ما تقدم، وإن لم يكن عالما؛ فإن الجارية ترد إلى مالكها، لأنها مال غيره في يده، وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» ، ويرد مهر مثلها، لأنه في مقابلة منفعتها غير المأذون فيها، وإن كان المشتري قد أولدها؛ فإن ولده حر، لاحق نسبه به، لمكان الشبهة، وعليه فداؤه على المذهب، لأنه فوت رقه على سيده، باعتقاده
حل الوطء، وعنه لا فداء عليه، لانعقاده حرا، ويفديه بمثله يوم الوضع على مختار القاضي، والشريف، وأبي الخطاب، والشيخين، وغير واحد، لأنه أول أوقات الإمكان، وقيل: يوم المحاكمة.
وهو ظاهر إطلاق أحمد في رواية ابن منصور، وجعفر بن محمد، ثم هل يفديه بمثله - وهو مختار الخرقي، والقاضي، وعامة أصحابه - أو بقيمته - وهو مختار أبي محمد، وصاحب التلخيص، أو يخير، وهو مختار أبي بكر في المقنع؟ على ثلاث روايات، وأصل الاختلاف اختلاف الصحابة، وهل المعتبر المثل في الصفات تقريبا - وهو ظاهر كلام الخرقي وأحمد - أو المثل في القيمة وهو اختيار عبد العزيز؟ فيه وجهان.