كتاب النكاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
2451 - وقد فسرته عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - بذلك، واليتيمة من لم تبلغ، ولا أب لها، ومن هذه حالها لا تزوج إلا بإذنها.
2452 - وروى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها» رواه الخمسة إلا ابن ماجه.
2453 - وعن أبي موسى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت لم تكره» رواه أحمد، وهذا يفيد أنها تزوج بإذنها وأن لها إذنا معتبرا.
2454 - وإنما قيدنا ذلك ببنت تسع، لقول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة.
رواه أحمد، وروي مرفوعا
عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ومعناه: في حكم المرأة، ولأنها تصلح بذلك للنكاح، وتحتاج إليه، أشبهت البالغة، (وعن أحمد) رواية أخرى لا إذن لها صحيح، فلا تزوج حتى تبلغ كإذنها في المال.
وقول الخرقي: فوضعها في كفاية.
مفهومه أنها إذا لم يضعها في كفاية أن النكاح غير ثابت، فيحتمل بطلانه، وهو مقتضى كلامه السابق، إذ من مذهبه أن الكفاءة شرط للصحة، ولا تفريع على هذا، أما إذا قلنا: إن الكفاءة شرط للزوم، ففي تزويج الأب والحال هذه روايتان: (إحداهما) : بطلان النكاح رأسا، لأنه نكاح محرم، أشبه نكاح المحرمة والمعتدة ونحوهما.
(والثانية) : لا تبطل، لأن النهي لحق آدمي، وقد أمكن تداركه بثبوت الخيار له، فأشبه تلقي الركبان ونحوه على المذهب، وقيل: إن علم بفقد الكفاية لم يصح للتحريم، وإلا صح في الحال، كالوكيل يشتري معيبا لم يعلم عيبه، وقيل: يصح إن كانت كبيرة، لاستدراك الضرر في الحال بثبوت الخيار لها، وإلا لم يصح، ومتى لم يبطل العقد فلها الخيار إن كانت كبيرة، دفعا للضرر الحاصل لها، قاله أبو محمد، ولا خيار لأبيها، لإسقاط حقه باختياره وإن كانت صغيرة فهل عليه الفسخ، لأنه لحظها أو لا فسخ له، ويمنع الزوج من الدخول بها حتى يصح إذنها، دفعا
للضرر الحاصل لها، فتختار؟ فيه وجهان، ولغير الأب من الأولياء الفسخ على الصحيح من الروايتين وقد تقدمتا، وعلى كل حال فلا يحل له أن يزوج من غير كفو، ولا من معيب.
وقول الخرقي: في كفاية.
يحتمل أن يريد به الكفو، ويحتمل أن يريد ما هو أعم منه، فيدخل فيه المعيب.
(الثالث) : نفست المرأة.
إذا ولدت، بضم النون وفتحها مع كسر الفاء فيهما، أما إن حاضت فبفتح النون لا غير، والله أعلم.
قال: وليس هذا لغير الأب.
ش: أي ليس لغير الأب من الأولياء تزويج البكر بدون إذنها، صغيرة كانت أو كبيرة، لما تقدم من قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها» ونحو ذلك مما يقتضي أن اليتيمة لا تزوج إلا بعد الإذن، وهو يدل بطريق التنبيه على أن البالغة لا تزوج إلا بإذنها، إذا تقرر هذا فالطفلة لا إذن لها بالاتفاق، وإذا يمتنع تزويجها لفوات الشرط، أما إن بلغت تسع سنين ففيها الروايتان المتقدمتان، والمذهب منهما صحة إذنها، وتزويجها به كما تقدم، ولا عبرة بقول ابن المنجا أن المذهب أنها لا تزوج، لأنه اعتمد في ذلك على تقديم أبي محمد، وما استدل به من قصة قدامة بن مظعون، وقوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هي يتيمة ولا تزوج إلا بإذنها» دليل عليه، لأن ظاهره أن اليتيمة لها إذن صحيح تزوج به، انتهى.
، أما إن بلغت
فلا إشكال في صحة إذنها وتزويجها به، (وعن أحمد) رواية أخرى أن لغير الأب من الأولياء تزويج الصغيرة، ولها الخيار إذا بلغت، لظاهر قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: 3] الآية مفهومه أنه إذا لم نخف لنا تزويج اليتيمة، وهو شامل لمن لها دون التسع، ويفيد النكاح على هذه الرواية الحل والإرث، قاله أبو البركات، فيكون النكاح صحيحا، وخيارها كخيار المعتقة تحت عبد، وظاهر كلام ابن أبي موسى أنه لا يفيدهما، لأنه جعله موقوفا، ثم قال: فإذا بلغت تسع سنين فأجازته جاز، وإن ردته بطل، ولم يقل انفسخ، ويؤيد هذا أن الأصحاب أخذوا من هذه الرواية وقف النكاح على الإجازة، وقد علم أن النكاح الموقوف على الإجازة لا يفيد حلا ولا إرثا كما تقدم، انتهى.
والمراد بالبلوغ البلوغ المعتاد، على ظاهر كلام أحمد، وهو قياس رواية عدم صحة إذن بنت تسع سنين، وقياس المذهب في صحة إذن ابنة تسع أنه بلوغ تسع سنين، وهو الذي قطع به ابن أبي موسى، والشيرازي، والله أعلم.
إذن الثيب والبكر في النكاح
قال: ولو استأذن البكر البالغة والدها كان حسنا.
ش: خروجا من الخلاف، وتطيبا لقلبها، ولهذا استحب استئذان المرأة في ابنتها.
2455 - قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «آمروا النساء في بناتهن» وقد يقال من هذا أن ظاهر كلام الخرقي أنه لا إذن لابنة تسع، وإلا لاستحب استئذانها، وقد يقال: استضعف الخلاف فيها فلم يعرج عليه، والله أعلم.
قال: وإن زوج ابنته الثيب بغير إذنها فالنكاح باطل وإن رضيت بعد.
ش: الضمير راجع للأب، ولا ريب أنه ليس له تزويج الثيب الكبيرة بدون إذنها، لما تقدم من قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الثيب أحق بنفسها من وليها» ونحوه، مع أن أحمد قال في رواية عبد الله: ليس بين الناس اختلاف في الثيب الكبيرة أنها لا تزوج إلا بإذنها.
واختلف هل له تزويج الثيب الصغيرة بدون إذنها؟ على قولين مشهورين، الذي عليه عامة الأصحاب - ابن بطة، وصاحبه أبو حفص بن مسلم , وابن حامد , والقاضي , والشريف , وأبو الخطاب، وابن عقيل، والشيرازي، وأبو محمد - لا، لعموم ما تقدم، (والثاني) نعم، لعموم الآية، إن قيل بعدم صحة إذن ابنة تسع، وقياسا على إجبار الصغير الذي لم يبلغ، قال ابن عقيل: أصل الوجهين في الثيب الصغيرة ما تقدم في الروايتين في البكر البالغ، إن قلنا: هناك لا تجبر البالغ مع البكارة.
قلنا هنا: تجبر الثيب مع الصغر.
وإن قلنا هناك: تجبر , فلا تجبر هنا، وهذا الذي اقتضى - والله أعلم - لأبي الخطاب في الانتصار , وأبي البركات حكاية الخلاف على روايتين، وأرادا مخرجتين، وإلا فعامة الأصحاب على حكاية وجهين.
(وهنا شيء آخر) وهو أن أبا البركات إنما حكى الخلاف في ابنة تسع، وجعل من لم تبلغها تجبر بلا خلاف، وهذه طريقة
أبي الخطاب في الانتصار، فإنه قال بعد ذكر الخلاف: وهذا إنما نقوله في حق المراهقة، ومن تستلذ بالوطء، لأنا نعلل بالاختيار ومن لا تستلذ لا تجبر، وعامة الأصحاب يطلقون الخلاف، فيشمل من لم تبلغ التسع، ويعين جريان الخلاف في ذلك أن أبا بكر قال في الخلاف: الثيب إذا كان لها دون تسع سنين لا يزوجها أحد إلا الأب يزوجها ولا يستأمرها، قال القاضي: فعلى قوله تجبر على النكاح إلا أن تبلغ سنا يصح إذنها فيها، وهو تسع سنين، والقاضي وأصحابه ينصبون الخلاف معه، وإذا كان هو إنما يقول بإجبار من لم تبلغ تسعا، فهم يقولون: لا تجبر.
ثم إن أبا بكر ظاهر كلامه أن الثيب إذا بلغت تسعا زوجت بإذنها، والأصحاب يوافقونه على هذا، وهذا في غاية الجودة، ولا يأباه طريقة أبي البركات، وبه يحصل الجمع بين الآية والأحاديث، إذ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] يشمل الثيب، فيحمل على من لم تبلغ تسعا، وقوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الثيب أحق بنفسها من وليها» «ليس للولي مع الثيب أمر» وغير ذلك يحمل على من بلغتها، وإلا لو قيل بإجبار الثيب غير البالغة مطلقا لزم خروج الأب من الأحاديث رأسا، ولو قيل بعدم إجبارها لزم خروجها من الآية رأسا، ولا يخفى أن الحمل على ما تقدم أقل تخصيص وأظهر في المعنى، وينتظم من هذا وما تقدم
في البكر أن المرجح أن للأب تزويج من لم تبلغ تسعا مطلقا وكذلك من بلغتها بإذنها كغيره من الأولياء.
وقول الخرقي: وإن رضيت بعد.
بناء على المذهب من أن النكاح لا يقف على الإجازة، وقوله: بغير إذنها.
مفهومه أنه إذا زوجها بإذنها أنه يصح، وهو يعتمد أن يكون لها إذن، وذلك في البالغة بلا نزاع، وفي ابنة تسع على الصحيح، وحكم غير الأب كالأب في ذلك.
(تنبيه) لم يصرح الخرقي بذكر المجنونة، وحكمها أن الأب يجبرها لو كانت عاقلة بلا نزاع بطريق الأولى، وهل يجبر من لا يجبرها لو كانت عاقلة؟ فيه وجهان: (أحدهما) : - وهو اختيار القاضي والشيخين وغيرهما - يجبرها، لأنها أسوأ حالا من الصغيرة.
(والثاني) : - وهو قول أبي بكر في الخلاف، وظاهر عموم قول الخرقي في هذه المسألة - لا يجبرها، لظاهر «ليس للولي مع الثيب أمر» وغير ذلك، وحكم وصي الأب في النكاح حكم الأب، أما غير الأب من الأولياء فقيل - وهو اختيار أبي الخطاب والشيخين -: لهم تزويجها بشرط أن يظهر منها الميل إلى الرجال، لحاجتها إذا لدفع ضرر الشهوة، وصيانتها عن الفجور، مع ما فيه من مصلحة تحصيل المهر والنفقة وغير
ذلك، قال أبو محمد: وكذلك ينبغي أن تزوج إذا قال أهل الطب إن علتها تزول بتزويجها، لأن ذلك من أعظم مصالحها، وقيل - وهو ظاهر كلام الخرقي -: ليس لهم ذلك، لأن هذه ولاية إجبار، فلا تثبت لغير الأب كالعاقلة، وقيل: يملك ذلك الحاكم، لكمال نظره، وولايته العامة، بخلاف غيره من الأولياء، ومحل الخلاف إذا لم يكن وصي في النكاح، أما مع وجوده فحكمه حكم الأب على ما تقدم.
والله أعلم.
قال: وإذن الثيب الكلام.
وإذن البكر الصمات.
ش: للأحاديث السابقة، فإنها نص في أن إذن البكر الصمات، وظاهرة في أن إذن الثيب الكلام، إذ تخصيص البكر بالصمات ظاهر في أن الثيب إذنها النطق.
2456 - وقد روى الأثرم عن عدي الكندي، عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «الثيب تعرب عن نفسها، والبكر رضاها صمتها» وقد دخل
في كلام الخرقي من ثابت بزنا، وصرح به الأصحاب، لعموم الحديث، ولأن الحكمة التي اقتضت التفرقة بينها وبين البكر مباضعة الرجال ومخالطتهم، وهذا موجود في المصابة بالزنا، ولهذا قال الأصحاب: إن البكارة لو زالت بإصبع أو وثبة فهو كما لو لم تزل، في بقاء إذن البكر، لعدم المباضعة والمخالطة، وعكس هذا لو عادت بكارتها بعد زوالها بوطء، هي في حكم الثيب، ذكره أبو الخطاب أنه محل وفاق لوجود المباضعة.
وعموم كلام الخرقي يشمل الأب وغيره، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الميموني، وصرح به أبو الخطاب في الانتصار، وشيخه في الجامع الكبير، وفي التعليق في موضع، وأبو محمد وغيرهم، وقال القاضي في التعليق في مسألة إجبار البالغة: من أصلنا أن إذن البكر في حق غير الأب النطق.
وقال ذلك أيضا فيمن رأى عبده يتجر فسكت، وكذلك قال في المجرد في نكاح الكفار، والمذهب الأول لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذن البكر صماتها» وهو عام، وقال: «تستأمر اليتيمة، فإن سكتت فهو إذنها» وفي لفظ فقد أذنت واليتيم من لا أب له.
(تنبيه) : قال أبو العباس: يعتبر في الاستئمار تسمية الزوج على وجه تقع المعرفة به، ولا تشترط تسمية المهر على الصحيح، والله أعلم.
الحكم لو زوج ابنته بدون صداق مثلها
قال: وإذا زوج ابنته بدون صداق مثلها فقد ثبت النكاح.
ش: هذا هو المنصوص والمختار لعامة الأصحاب.
2457 - لما روى أبو العجفاء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: خطبنا عمر، فقال: ألا لا تغالوا في صدق النساء، فإنه لو كان مكرمة في الدنيا، أو تقوى في الآخرة، كان أولاكم بها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما أصدق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية.
رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وهذا قاله بمحضر من الصحابة، ولم ينقل مخالفته، فينزل منزلة الإجماع، وظاهره أن كل أحد يصح أن يزوج موليته على مثل هذا المهر، وإن كان مهر مثلها أكثر، وإنما خصصنا ذلك بالأب لأنه الذي له الولاية التامة، ولما سيأتي.
2458 - وعن سعيد بن المسيب أنه زوج ابنته بدرهمين، وهو من سادات قريش شرفا وعلما ودينا، ومن متموليهم أيضا، ومن المعلوم أنه لم يكن مهر مثلها، ولأن المقصود من النكاح السكن، ووضع المرأة عند من يصونها، ويحسن عشرتها، لا العوض، والظاهر من الأب مع تمام شفقته أنه لا ينقص ابنته عن مهر مثلها إلا لهذه المعاني أو بعضها، لا سيما وهو غير متهم، وبهذا خرج سائر الأولياء، وخرج أيضا بيع الأب لسلعتها، لأن المقصود تحصيل العوض لا غيره، فلذلك لم يجز أن يبيع بدون ثمن المثل، وظاهر كلام ابن عقيل في الفصول اختصاص هذا الحكم بالأب المجبر، قال: وإذا زوج الأب ابنته التي يملك إجبارها - وهي الصغيرة رواية واحدة، والبكر البالغة في إحدى الروايتين - بدون مهر مثلها يثبت المسمى، وللقاضي في تعليقه احتمال بأن حكم الأب مع الثيب الكبيرة حكم غيره من
الأولياء، وحكى ابن حمدان في رعايتيه قولا أن على الزوج بقية مهر المثل، وأطلق.
وكلام الخرقي يشمل وإن كرهت، ونص عليه أحمد والأصحاب، وقد يستشكل بأن من لا يملك إجبارها إذا قالت: أذنت لك أن تزوجني على مائة درهم لا أقل، فكيف يصح أن يزوجها على أقل من ذلك، وقد يقال: إذنها في المهر غير معتبر فيلغى، ويبقى أصل إذنها في النكاح، والله أعلم.
قال: وإن فعل ذلك غير الأب ثبت النكاح، وكان لها مهر مثلها.
ش: إذا زوج غير الأب موليته بدون مهر مثلها، فإن النكاح صحيح، لأن قصاراه أن التسمية فاسدة، والنكاح لا يبطل بفساد التسمية، ويجب مهر المثل، جريا على القاعدة بأن التسمية إذا فسدت وجب مهر المثل.
وظاهر كلام الخرقي - وهو المذهب عند أبي الخطاب وأبي محمد وغيرهما - أن جميع مهر المثل على الزوج، وذلك لأن التسمية لما فسدت لعدم الإذن فيها شرعا وجب على الزوج مهر المثل، إذ هو بدل البضع، كما لو زوجها الولي على محرم، وحكى أبو البركات وغيره رواية، أن تمام مهر المثل على الولي، لأنه مفرط، أشبه الوكيل في البيع إذا باع بدون ثمن المثل أو بدون ما قدر له وصححناه على المنصوص، وأخذ ذلك - والله أعلم -
من قول أحمد: أخاف أن يكون ضامنا، وظاهره أن الوكيل يضمن ما نقص من مهر المثل، وفهم أبو محمد من هذا النص أن الولي يضمن الزوج، فقطع في المغني بوجوب مهر المثل على الزوج، وجعل الولي ضامنا له، وليس بالبين.
واعلم أنه قد يطلب الفرق - على المذهب - بين هذا وبين الوكيل، وقد يفرق بأن القاعدة عندنا أن النهي يقتضي الفساد، فالولي لما خالف ما أمر به فسدت التسمية، وإذا فسدت لم يفسد العقد، كما هو مقرر في موضعه، ووجب الرجوع إلى مهر المثل، ويجب جميعه على الزوج إذ القاعدة أن العوض يجب على من حصل له المعوض، والمعوض حصل للزوج، فوجب استقرار العوض عليه، (أما في البيع) فمن راعى هذين الأصلين من غير نظر إلى معنى آخر - كأبي محمد - أبطل البيع، (وأما على المنصوص) فنقول: النهي إذا كان لحق آدمي معين، وأمكن تداركه، لا يبطل العقد، كتلقي الركبان ونحوه، وهنا كذلك، لأنه أمكن زوال المفسدة التي لأجلها ورد النهي بأن يجعل على الوكيل ضمان النقص لتفريطه، ولا يمكن أن يجعل على المشتري، لأنه زيادة على الثمن الذي وقع العقد عليه مع
صحة الثمن، ولا أن تلغى التسمية، لأن العقد إذا يفسد، والأصل تصحيح كلام المكلف مهما أمكن، والله أعلم.
قال: ومن زوج غلاما غير بالغ أو معتوها لم يجز إلا أن يزوجه والده أو وصي ناظر له في التزويج.
ش: للأب أن يزوج ابنه الذي لم يبلغ على المذهب المنصوص.
2459 - لما روى الأثرم بإسناده عن ابن عمر أنه زوج ابنه وهو صغير، فاختصموا إلى زيد فأجازاه جميعا ولأنه يتصرف في ماله بغير تولية، فكان له تزويجه كابنته الصغيرة.
وظاهر كلام الخرقي وكثيرين أنه لا يشترط حاجة الصغير، وقال القاضي في المجرد: الصغير كالمجنون، إن كان محتاجا إلى النكاح زوجه وإلا فلا، فإن أراد الحاجة إلى النكاح - وهو الذي فهمه ابن عقيل لأنه قال: هذا إنما يتصور في المراهق - فظاهر كلام أحمد والأصحاب خلافه، وإن أراد الحاجة مطلقا فغير
مخالف لأن الأب وغيره تصرفهم منوط بالمصلحة.
انتهى.
وللأب أيضا أن يزوج ابنه المعتوه، أي المجنون، وهذا ظاهر كلام أحمد، واختيار أبي الخطاب والشيخين وغيرهما، لأنه غير مكلف، أشبه الصغير بل أولى، لأنه يتوقع منه النظر عند الحاجة إليه، بخلاف المجنون، وشرط القاضي لذلك أن يظهر منه أمارات الشهوة من تتبع النساء ونحو ذلك، وحمل كلام أحمد، والخرقي على ذلك، إذ تزويجه مع عدم ذلك إضرار به، لالتزامه حقوقا لا مصلحة في التزامها، ومنع أبو بكر في الخلاف من تزويج البالغ مطلقا، لأنه بالغ محجور عليه، أشبه المفلس.
ومحل الخلاف في المجنون المطبق، أما من يخنق أحيانا فلا يزوج إلا بإذنه، ومن زال عقله ببرسام ونحوه إن رجي زوال علته فكالمخنق، وإلا فكالمجنون، انتهى.
ووصي الأب في النكاح قائم مقامه، فيزوج الصغير والمجنون كالأب، لأنه قائم مقامه، ونائب منابه، وهذا يعتمد أصلا، وهو أن ولاية النكاح تستفاد بالوصية، (وهو إحدى الروايات)
عن أحمد، والمختار لجمهور الأصحاب، القاضي وولده أبي الحسين، والشريف، وأبي الخطاب، وابن عقيل، والشيرازي، وابن البنا، وأبي محمد وغيرهم، لأنها ولاية ثابتة، فجازت الوصية بها كولاية المال، ولأن له أن يستنيب في حياته، فكذلك بعد مماته كالمال، (وعنه) - واختاره أبو بكر - لا يستفاد بذلك، لأنها ولاية تنتقل إلى غيره، فلم تجز الوصية بها كالحضانة، يحققه أنه لا ضرر على الوصي في وضعها عند من لا يكافيها، فهو كالأجنبي.
2460 - واستدل لها بما روى «ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: توفي عبد الله بن مظعون وترك ابنة له من خويلة بنت حكيم، وأوصى إلى أخيه قدامة بن مظعون، قال عبد الله: وهما خالاي.
قال: فخطبت إلى قدامة بن مظعون ابنة عبد الله بن مظعون فزوجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة، يعني إلى أمها، فأرغبها في المال فحطت إليه، وحطت الجارية إلى هوى أمها، فأبيا حتى ارتفع أمرهما إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله، ابنة أخي أوصى بها إلي، فزوجتها ابن عمتها، فلم أقصر بها في الصلاح ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإنما حطت إلى هوى أمها.
قال: فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هي يتيمة، ولا تنكح إلا بإذنها» قال: فانتزعت والله مني بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة بن شعبة» ، رواه أحمد، والدارقطني.
ولو استفاد ولاية النكاح بالوصية لملك الإجبار كالأب، ولم يكن لها معه إذن، وحمله القاضي على أنه كان وليا في المال، ويرده تعليله بقوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هي يتيمة ولم يقل: ولايتك في المال، لا في النكاح، لكن قد يقال: إن هذه واقعة عين فيحتمل أن هذه اليتيمة كانت ابنة تسع، وهو الظاهر من القصة، ويلتزم أن ابنة تسع لا يزوجها أبوها إلا بإذنها، وكذلك وصيه في النكاح، بل قد يقال إن هذا الحديث يستدل به على أن ولاية النكاح تستفاد بالوصية، لأنه زوج بذلك، ولم ينكر عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك، وقد يقال: إنما لم ينكر عليه لأن له ولاية بالعمومة، لكن إذاً يبقى ذكر ابن عمر وابن مظعون الوصية ضائعا.
(وعن أحمد) رواية ثالثة - حكاها القاضي في الجامع الكبير، وهي اختيار ابن حامد - إن كان ثم عصبة لم تستفد، حذارا من إسقاط حقهم، وإلا استفيدت، لعدم ذلك، وشرط
الخرقي أن يكون وصيا في النكاح، فلو كان وصيا في المال لم تكن له ولاية التزويج، لأنها إحدى الوصيتين، فلا تملك بها الأخرى، كوصية النكاح، لا يملك بها المال.
ثم ظاهر كلام المصنف والإمام والأصحاب أنه لا خيار للصبي والحال هذه إذا بلغ، قال القاضي: ووجدت في رقعة بخط أبي عبد الله جواب مسألة إذا زوجه نظرا للصغير وهو وصي، ثبت نكاحه وتوارثا، فإذا بلغ فله الخيار، انتهى.
وليس لغير الأب والوصي - من حاكم ووصي - تزويج الصغير والمجنون، لأنه إذا لم يكن لهما تزويج الصغيرة فالصغير أولى، وهذا ظاهر كلام أبي الخطاب كما اقتضاه كلام الخرقي، وإليه ميل أبي محمد، وأجاز ذلك ابن حامد للحاكم خاصة، بشرط ميل المجنون للنساء، بأن يتتبعهن ونحو ذلك، وألحق أبو محمد بذلك ما إذا
قال أهل الخبرة إن علته تزول بتزويجه، وتبع القاضي في المجرد، وأبو البركات ابن حامد بغير شرط، لأنه يلي ماله، أشبه الأب، ومن هنا يخرج لنا قول أن الجد يزوج الصغير إن قلنا يلي ماله.
(تنبيهان) أحدهما كلام الخرقي فيما تقدم يشمل الأب الكافر، وصرح به القاضي، لأن الحظ والشفقة موجودة فيه، فأشبه المسلم، ولنا وجه في الكافر أنه لا يلي مال ولده الكافر، فيخرج هنا كذلك (الثاني) إطلاق الخرقي يقتضي أن للأب تزويج ابنه الصغير بأربع، وصرح به القاضي في الجامع الكبير، لأنه قد يرى المصلحة في ذلك.
قلت: وقال في المجرد: قياس المذهب أنه لا يزوجه بأكثر من واحدة، إذ حاجته تندفع بذلك.
والله أعلم.
قال: وإذا زوج أمته بغير إذنها لزمها النكاح وإن كرهت، كبيرة كانت أو صغيرة.
ش: هذا هو المذهب المعروف، المجزوم به عند الأصحاب، لأن النكاح عقد على منفعتها، وهي مملوكة له أشبه إجارتها ونقل أبو عبد الله النيسابوري عن أحمد أنه سئل هل يزوج الرجل جاريته من غلامه بغير مهر؟ فقال: لا يعجبني إلا بمهر وشهود.
قيل: فإن أبت هي، وقالت: لا أتزوج.
فللسيد أن يكرهها على ذلك؟ قال: لا إلا بإذنها.
قال أبو العباس: ظاهر هذا أن
السيد لا يجبر الأمة الكبيرة، بناء على أن منفعة البضع ليست بمال، بدليل أن المعسرة لا تلزم بالتزويج، ولا تضمن باليد اتفاقا، وملك السيد لها كملكه لمنفعة بضع زوجته، والقاضي ذكر هذا النص في الجامع الكبير، فيما إذا وجد أحدهما بالآخر عيبا به مثله، وقال: ظاهر هذا أنه لم يجعل للسيد إجبار أمته على نكاح العبد، وإن كان مساويا لها فيقتضي أن المساواة في النقص لا يمنع الفسخ، قال أبو العباس: وفي هذا نظر، إذ الرق من باب عدم الكفاءة، ولو زوجت المرأة بمن يكافئها في النسب ونحوه لم يكن لها فسخ بحال.
قلت: وتمام هذا أن العبد والحال هذه مكافئ للأمة، فلا يكون لها فسخ، وقد يقال: مسلم أنه لا فسخ لها لوجود المكافأة، وإنما لها الفسخ للعيب وهو الرق، إذ ليس للولي أن يزوج موليته بمعيب، كما هو مقرر في موضعه.
وقد شمل كلام الخرقي المدبرة، والمعلق عتقها بصفة، وأم الولد، والمكاتبة، وهو صحيح فيما عدا المكاتبة، لمساواتهن للأمة فيما تقدم، أما المكاتبة فليس له إجبارها على النكاح، لأنها قد ملكت منافعها عليه، ولهذا لا يجوز له وطؤها ولا إجارتها، والله أعلم.
قال: وإذا زوج عبده وهو كاره، لم يجز إلا أن يكون صغيرا.
ش: لا يملك السيد إجبار عبده الكبير على النكاح، نص عليه أحمد، وقاله الأصحاب، لأنه مكلف يملك الطلاق، فلا يجبر على النكاح كالحر، لأن النكاح خالص حقه، ونفعه له فأشبه الحر، وكذلك الصغير على وجه، قاله أبو الخطاب في الانتصار، والمذهب - وهو المنصوص - أن له إجباره قياسا على الابن الصغير بل أولى، لثبوت الملك له عليه، والحكم في العبد المجنون كالحكم في الصغير، قاله الشيخان، والله أعلم.
الحكم لو زوج الوليان المرأة من رجلين
قال: وإذا زوج الوليان فالنكاح للأول منهما.
2461 -.
ش: لما روى الحسن، عن سمرة، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما، وأيما رجل باع بيعين من رجلين فهو للأول منهما» رواه الخمسة، وحسنه الترمذي.
. . وروى الأثرم بسنده عن إبراهيم أن عليا قضى بذلك، لكن في سماع الحسن من سمرة خلاف.
وقد شمل كلام الخرقي وإن لم يعلم الثاني، ودخل بها، وهو كذلك خلافا لمالك، لعموم الحديث.
وقول الخرقي: زوج الوليان يعني بشرطه، وهو أن تأذن لهما في نكاحها، ويتساويان في الدرجة كالابنين والأخوين ونحوهما، وهذا قد علم مما تقدم، والله أعلم.
قال: فإن دخل بها الثاني وهو لا يعلم أنها ذات زوج فرق بينهما، وكان لها عليه مهر مثلها.
ش: إذا زوج الوليان فدخل بها الثاني، والحال أنه لا يعلم أنها مزوجة، فإنه يفرق بينهما، لترد إلى زوجها، وهذا تفريق حسي من غير فسخ، لبطلان النكاح، قاله أبو محمد، وكذلك قال ابن أبي موسى نزل عنها من غير طلاق، واستشكل بأن مالكا - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: تصير زوجة الثاني بالدخول، وإذا يجب الطلاق كالأنكحة الفاسدة، وأجيب بأن الإباحة حصلت بالوطء لا بالعقد، انتهى.
ويجب لها عليه المهر، لأنه وطء شبهة، أشبه المنكوحة بغير ولي.
2462 - ودليل الأصل قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها» الحديث، وهل يجب مهر المثل أو المسمى؟ قال الخرقي: مهر المثل.
وصححه أبو محمد، لأنه يجب بالإصابة لا بالتسمية، وقال أبو بكر في الخلاف: يجب المسمى.
قال القاضي: وهو قياس المذهب.
إذ من أصلنا أن النكاح الفاسد إذا حصل فيه دخول وجب المسمى، وحمل كلام الخرقي على أنه لا مسمى.
ومفهوم كلام الخرقي أنه إذا لم يدخل بها الثاني لا تفريق لوجوده حسا، ولا مهر، لأن وجوبه بالإصابة لا بالتسمية، ولا إصابة، ومقتضى قول القاضي وجوبه بالخلوة كما في النكاح الفاسد عنده، وقوله: وهو لا يعلم.
قد يقال: خرج مخرج الغالب، حملا لحال المسلم على السداد، وإذا لا مفهوم له، فيفرق بينهما أيضا، ويجب لها المهر، نعم إن كانت هي أيضا عالمة فلا مهر لها، لأنها إذا زانية، والله أعلم.
قال: ولم يصبها زوجها حتى تحيض ثلاث حيض بعد آخر وقت وطئها فيه الثاني.
ش: إنما لم يصبها زوجها حتى تحيض ما ذكر فلأنها معتدة من غيره، والمعتدة لا يجوز وطؤها، حذارا من اختلاط المياه.
2463 - قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره» وبيان لزوم العدة عليها أنها موطوءة بشبهة، والموطوءة بشبهة تلزمها العدة، لتحصل براءة رحمها، حفظا للأنساب، وتعتد عدة المطلقة، لاشتراكهما في لحوق النسب، ولو كان الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: تعتد عدة المطلقة.
لكان أجود لشموله.
ومفهوم كلام الخرقي أن له أن يستمتع بها لتخصيصه المنع بالإصابة، وهو أحد الوجهين، والله أعلم.
قال: وإن جهل الأول منهما فسخ النكاحان.
ش: هذا إحدى الروايتين عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - واختيار أبي محمد في المغني، لأن كل واحد منهما والحال هذه يحتمل أن نكاحه صحيح، ولا سبيل إلى الجمع، ولا إلى معرفة الزوج يقينا، والانتظار لا إلى غاية مجهول، فتعين فسخ النكاحين، لإزالة الضرر المنفي شرعا، (والرواية الثانية) : - وهي اختيار أبي بكر النجاد، والقاضي في التعليق، والشريف , وأبي
الخطاب، والشيرازي - يقرع بينهما، إذ القرعة تزيل الإبهام، وقد دخلت في السفر بإحدى نسائه، والبداءة بالمبيت عند إحداهن، فكذلك ها هنا، ولأن القرعة قد دخلت في استدامة النكاح، كما إذا طلق واحدة من نسائه لا بعينها، أو بعينها ثم أنسيها على المشهور، فكذلك في ابتدائه، وقال ابن أبي موسى: يبطل النكاحان.
وظاهره الحكم ببطلانهما من غير احتياج إلى فسخ، ولا إلى قرعة.
وكلام الخرقي يشمل ما إذا علم عين السابق ثم جهل، أو علم السبق ولم يعلم السابق، ولا إشكال في جريان الروايتين في هاتين الصورتين، وقد يشمل أيضا ما إذا جهل كيف وقعا، وقد اختلف الأصحاب في هذه الصورة، فعند أبي الخطاب والشيخين، والقاضي في الجامع فيما أظن أنها على الروايتين أيضا، وليس عند القاضي في التعليق والجامع الكبير إلا البطلان، وكذلك ابن حمدان في رعايتيه، إلا أنه في الكبرى حكى قولا بالبطلان ظاهرا لا باطنا.
وقد خرج من كلام الخرقي ما إذا وقعا معا، وللأصحاب فيه أيضا طريقتان: (إحداهما) : - وهي طريقة الأكثرين، أبي الخطاب في الهداية، وابن البنا، والشيخين، وابن حمدان وغيرهم - الجزم بالبطلان من غير فسخ ولا قرعة، إذ القرعة إنما تدخل لتمييز الصحيح، ولا صحيح.
(والثانية) : - وهي
طريقة القاضي في الروايتين - جريان الروايتين فيه، معللا بأنه إذا جازت القرعة مع العلم بفساد المتأخر، فأولى أن تجوز إذا لم يحكم بفساد أحدهما، ومستشهدا بأن القرعة تدخل بين العبيد الذين أعتقهم في مرضه، وإن كانوا دفعة، وله في تعليقه احتمالان كالطريقتين.
(تنبيهات) : أحدها على الرواية الأولى الفاسخ هو الحاكم، قاله القاضي في تعليقه، وفي جامعه الصغير، وأبو الخطاب والشيخان، لأنه فسخ مختلف فيه، والمختلفات ترجع إلى الحكام، وقال ابن عقيل، والسامري، وابن حمدان في رعايتيه: للزوجين الفسخ، ولعلهم يريدون بإذنه، وعن أبي بكر يطلقانها.
(الثاني) : على الرواية الثانية إذا أقرع بينهما، فمن خرجت قرعته فهي زوجته بالنكاح الأول، من غير تجديد عقد، على ظاهر كلام [أحمد في رواية ابن منصور يقرع بينهم، فمن وقعت عليها القرعة فهي له، وهو ظاهر كلام] الجمهور - ابن أبي موسى، والقاضي وأصحابه، وصرح به القاضي في الروايتين، وابن عقيل، معللا بأن القرعة جعلت في الشرع حكما للتمييز، وقال أبو بكر بن سليمان النجاد: من خرجت القرعة له جدد نكاحه.
وكذا قال الشيخان، قال أبو محمد: وينبغي أن لا تجبر المرأة على نكاح من خرجت له القرعة، بل لها أن تتزوج من شاءت منهما ومن غيرهما، وضعف هذا أبو العباس، لاتفاق الروايتين أيضا، وقد أشار إلى هذا ابن عقيل، فقال - بعد
ذكر قول النجاد -: وهذا استظهار حسن، غير أن اعتباره تعطيل للقرعة عن جهة الإباحة، قال أبو العباس: وإنما على هذا القول، يجب أن يقال: هي زوجة القارع، تجب عليه نفقتها وسكناها، ونحو ذلك، ولا يطأ حتى يجدد، فالتجديد لحل الوطء، قال أو يقال: لا يحكم بالزوجية إلا بالتجديد، ويكون التجديد عليه وعليها، انتهى.
(الثالث) : على هذه الرواية أيضا لا يؤمر من لم تخرج له القرعة بطلاق، ذكره القاضي في المجرد، وابن عقيل، معتمدين على أنه ظاهر كلام أحمد، وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى، وقال النجاد والقاضي في الروايتين، وفي الجامع، وأبو الخطاب في الهداية، والشيخان: يؤمر بالطلاق، لجواز أن تكون زوجته، كما يفسخ الحاكم النكاح الفاسد، المختلف فيه، وحكى المسألة ابن البنا على روايتين، وقد تبين أن من قال لا تجديد منهم، قال بالطلاق، فإذا في الفرعين ثلاثة أقوال، ثالثها يؤمر المقروع بالطلاق، ولا يجدد القارع، ولعله المذهب، والله أعلم.
قال: وإذا تزوج العبد بغير إذن سيده فنكاحه باطل.
ش: هذا هو المذهب بلا ريب.
2464 - لما روى جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه، فهو عاهر» رواه أبو داود، والترمذي وحسنه.
والعاهر الزاني، ولأن في ذلك تفويتا لمنفعة السيد الواجبة له، لانشغاله بحقوق الزوجية، وأنه لا يجوز، وقد حكى ابن المنذر هذا إجماعا، (وعن أحمد) رواية بالوقف على الإجازة وتحكى عن الحنفية، والله أعلم.
قال: وإن كان دخل بها فعلى سيده خمسا المهر، كما قال عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، إلا أن يجاوز الخمسان قيمته، فلا
يلزم سيده أكثر من قيمته أو يسلمه.
ش: إذا تزوج العبد بغير إذن سيده ودخل بها، وجب عليه شيء في الجملة كما اقتضاه كلام الخرقي، ونص عليه أحمد والأصحاب، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها» والعبد والحال هذه قد استحل فرجها، فيكون لها المهر، (وقد روى عنه حنبل) : إذا تزوج بغير إذن سيده فلا مهر.
قال أبو محمد: فيحتمل أن تحمل على إطلاقها، ويحتمل أن تحمل على ما قبل الدخول، ويحتمل أن تحمل على أن المهر لا يجب في الحال، بل يجب في ذمة العبد، يتبع به إذا عتق، وحملها أبو البركات على ما إذا كانا عالمين بالتحريم، وتبعه ابن حمدان، وزاد: قلت: أو علمت المرأة وحدها، وهذا حكاه أبو محمد عن القاضي.
2465 - (فعلى المذهب) الواجب خمسا المهر، اتباعا لقضاء عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وهو ما روى أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس، أن غلاما لأبي موسى تزوج مولاة - أحسبه قال - تيجان التيمي بغير إذن أبي موسى، فكتب في ذلك إلى عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فكتب إليه: أن فرق بينهما، وخذ لها الخمسين من صداقها، وكان صداقها خمسة أبعرة، قال قتادة: فذكرت ذلك لبلال، فقال: نعم ذاك غلامنا
تزوج أم رواح.
وهذه قضية في مظنة الشهرة، ولم ينقل إنكارها، فيكون حجة، ولأنها تخالف القياس، فالظاهر أنها
بتوقيف من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يقال: يجوز أن يكون خمسا المهر قدر مهر المثل، لأنا نقول هذا بعيد من الظاهر، لأن مهر المثل يحتاج إلى نظر وتأمل، ثم إنه لا يترك في الحديث ما الحكم منوط به، (وهذا إحدى الروايات) وأشهرها، واختيار القاضي، والشريف، وأبي الخطاب، والشيرازي، وغيرهم.
(والثانية) الواجب مهر المثل، اختارها أبو بكر، قياسا على سائر الأنكحة الفاسدة.
(والثالثة) الواجب المسمى، بناء أيضا - والله أعلم - على أن الواجب في الأنكحة الفاسدة ذلك، ويشهد له حديث المنكوحة بغير ولي، ولعل أصل هاتين الروايتين الروايتان ثم، وقد استشهد القاضي على وجوب مهر المثل هنا بقول أحمد في رواية المروذي: إذا تزوج بغير إذن سيده يعطي شيئا، قيل له: تذهب إلى قول عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؟ قال: أذهب إلى أن يعطي شيئا، وفي هذا نظر؛ لأن هذا إنما يدل على أنه يعطي شيئا، إما ما اصطلحا عليه، أو ما يراه الحاكم، انتهى.
(والرواية الرابعة) يجب الخمسان إن علمت عبوديته، وإلا فالمهر كاملا، حكاها أبو محمد، انتهى.
وقول الخرقي: وإن كان دخل بها.
أراد بالدخول - والله أعلم - الوطء، وكذا صرح به غيره، فعلى هذا لا يجب قبل الخلوة، وهو واضح، ولا بعدها وقبل الوطء، لعدم الجنابة، وقد يقال بالوجوب، كما في سائر الأنكحة الفاسدة، (وقوله) : خمسا المهر.
- اللام للعهد - أي المهر المسمى، وهذا كما في الحديث «لها المهر بما استحل من فرجها» وهو مقتضى قصة عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولأبي محمد احتمال في المغني أن الواجب خمسا مهر المثل، ولا تعويل عليه، ولو عدم المسمى فقال القاضي في تعليقه: ظاهر كلام أحمد في رواية المروذي أنها لا تستحق جميعه، (وقوله) : إلا أن يجاوز الخمسان قيمته فلا يلزم السيد أكثر من ذلك.
وذلك لأن الواجب عليه ما يقابل تلك الرقبة، بدليل ما لو سلم العبد لم يلزمه شيء، وفي هذا إشعار بأن الحق يتعلق برقبته، وهو واضح، لأنها جنايته، فتعلقت برقبته كبقية جناياته، (وقوله) : أو يسلمه.
الظاهر أنه معطوف على قوله: فعلى سيده خمسا المهر.
أي أو يسلمه.
وهذا أصل يأتي إن شاء الله تعالى في الجنايات، والله أعلم.
الحكم لو تزوج الأمة على أنها حرة فأصابها وولدت منه
قال: وإذا تزوج الأمة على أنها حرة، فأصابها وولدت منه فالولد حر، وعليه أن يفديهم والمهر المسمى.
ش: لا يبطل النكاح بالغرور في الجملة لأن المعقود عليه في
النكاح الشخص، والصفات تابعة له، فإذا وجدت بخلاف الشرط لم يبطل العقد، كمن باع عبدا على أنه صحيح، فبان معيبا، إذا تقرر هذا فإذا تزوج أمة وشرط أنها حرة، وأصابها وولدت منه فولده حر، لاعتقاده حريته، كما لو اشترى أمة فبانت مغصوبة بعد أن أولدها، وعليه فداؤهم على المذهب المعروف المنصوص في رواية الجماعة.
2466 - اتباعا لقضاء الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عمر، وعلي، وابن عباس، ولأنه نماء مملوكة، فسبيله أن يكون ملكا لمالكها، وقد فوته الزوج باعتقاده الحرية، فوجب عليه الضمان، كما لو فوته بفعله.
(ونقل عنه) ابن منصور: لا فداء عليه، لانعقاد الولد حرا، والحر لا يملك ووهى الخلال هذه الرواية، وقال: أحسبه قولا روي أولا لأبي عبد الله رجع عنه لأنهم اتفقوا عنه على الفداء، انتهى.
(ونقل عنه) حنبل يخير بين الفداء فيكون ولده حرا، وبين الترك فيكون ولده رقيقا.
2467 - وهو ظاهر ما نقل عن علي - كرم الله وجهه -، وشرط الضمان أن يوضع حيا لوقت يعيش لمثله، وصفة الفداء، ووقته قد تقدما في الغصب، ويجب عليه أيضا المهر المسمى بما استحل من فرجها، ولا إشكال في ذلك إن كان بعد الإصابة، وهو ممن يجوز له نكاح الإماء، لصحة النكاح، ووجود الإصابة فيه، وإن لم يكن ممن يجوز له نكاح الإماء فهو نكاح فاسد من أصله، فإذا هل الواجب فيه مهر المثل أو المسمى؟ فيه روايتان، ولو تبين له الحال قبل الإصابة وهو ممن يجوز له نكاح الإماء واختار الإمضاء تقرر المسمى عليه (ولنا قول آخر) أنه ينسب قدر مهر المثل لأجل ذلك إلى مهر المثل كاملا، فيكون له بقدر نسبته من المسمى، يرجع بذلك على من غره، فيقال: كم مهر مثلها إذا كانت أمة؟ فيقال مثلا: خمسون.
وحرة؟ فيقال: ستون.
نسبة ما بينهما السدس، فيرجع بسدس المسمى، وإن اختار الفسخ فلا شيء عليه، لأن الفسخ لعذر من جهتها.
وإن لم يكن ممن يجوز له نكاح الإماء فقبل الخلوة لا مهر، لفساد العقد، وكذلك بعد الخلوة على رأي أبي محمد، وعلى المشهور يجب، هذا قياس المذهب، والله أعلم.
قال: ويرجع بذلك على من غره.
ش: أي بما غرمه من فداء الأولاد ومن المهر، أما فداء الأولاد فلا نزاع فيه.
2468 - لقضاء الصحابة عمر، وعلي، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وأما المهر فلقضاء عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - به، وهذا (إحدى الروايتين) واختيار القاضي، وأبي محمد، وغيرهما، (والرواية الثانية) لا يرجع بالمهر، اختارها أبو بكر لأنه دخل على ذلك، لا سيما وقد استوفى المنفعة المقابلة له.
2469 - مع أن ذلك يروى عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وحيث قلنا: يرجع.
فإنما ذلك إذا لم يختر إمضاء النكاح حيث يكون له الإمضاء، أما إن اختار البقاء على النكاح حيث جاز له ذلك فلا رجوع إلا بنسبة ما بين المهرين على قويل تقدم.
وقول الخرقي: ويرجع بذلك على من غره.
إنما حكم بذلك في صورة الشرط، وهو ما إذا تزوجها على أنها حرة، فقد يقال: مفهومه أنه لا يرجع بذلك إذا ظنها حرة، وصرح بذلك أبو البركات، وتابعه ابن حمدان في رعايتيه، وقبلهما القاضي، بل قيل عن القاضي أنه لا يرجع إلا مع شرط مقارن للعقد، لا مع تقدمه، لأنه مفرط، حيث اعتمد على مجرد ظنه، وظاهر كلام
أحمد في رواية حرب يقتضي الرجوع مع الظن، قال فيمن تزوج بامرأة وظن أنها حرة فأصاب منها أولادا فإذا هي أمة، قال: يفرق بينهما، وأولاده أحرار، ولكن يفديهم، وإن كان غره إنسان فعلى الذي غره أن يفدي ولده.
وهذا اختيار أبي محمد، وأبي العباس، إذ الصحابة الذين قضوا بالرجوع لم يستفصلوا، ويحقق ذلك أن الأصحاب لم يشترطوا ذلك في الرجوع في العيب.
(تنبيه) الغار من علم أنها أمة ولم يبين، على ظاهر كلام أحمد في رواية ابن الحكم، فكاك ولده على الذي غره إذا كان علم الذي غره، فإذا إذا لم يعلم فالوكيل أو الدلال بينهما لا شيء عليه، وذكر أبو محمد فيما إذا علم بعض أولياء الحرة الغارة احتمالين، اختصاص الغرم بمن علم، والثاني يعم الجميع، لأن حق الآدمي يستوي فيه العمد والسهو، وضعفه أبو العباس بأن هذا مع المباشرة، أما مع التسبب فلا بد من تحريم السبب، انتهى.
ثم لا يخلو الغار من أن يكون السيد أو المرأة، أو وكيلهما أو أجنبيا، (فإن كان) السيد والغرور بلفظ الحرية عتقت، وزالت المسألة، وبغيرها لا تثبت حرية، ولا يجب له شيء، إذ لا فائدة في أن يجب له ما يرجع به عليه.
نعم إن قلنا: إن الزوج
لا يرجع بالمهر وجب للسيد، لانتفاء المحذور، ولا يتصور الغرور من السيد على قول القاضي، لأن شرط الرجوع عنده اشتراط الحرية مقارنا كما تقدم، (وإن كان) الغار المرأة ففي الرجوع عليها وجهان: (أحدهما) : - وهو ظاهر كلام الخرقي وجماعة، وقاله القاضي - يرجع عليها لمكان الغرور، ثم هل يتعلق برقبتها أو بذمتها؟ على وجهي استدانة العبد بغير إذن سيده، قال القاضي: وقياس قول الخرقي الثاني، كمخالعتها بدون إذنه، (والوجه الثاني) : - وهو ظاهر كلام أحمد في رواية جماعة - لا يرجع عليها، إذ الولد أو المهر ملك للسيد، وهي لا تملك بدل ذلك، أشبه ما لو أذنت في قطع طرفها، (وإن كان) الغار وكيل المرأة رجع عليه بلا تردد، (وإن كان) الغار أجنبيا رجع عليه، على ظاهر كلام أحمد بل صريحه في روايتي عبد الله، وصالح، وظاهر كلام القاضي عدم الرجوع، قال الغار وكيلها أو هي نفسها، والله أعلم.
قال: ويفرق بينهما إن لم يكن ممن يجوز له أن ينكح الإماء، وإن كان ممن يجوز له فرضي بالمقام فما ولدت بعد الرضى فهو رقيق.
ش: أما التفريق بينهما إن لم يكن الزوج ممن يجوز له نكاح الإماء
فلأنا تبينا فساد العقد، أشبه المنكوحة في العدة، أو بلا ولي، وأما ثبوت الخيار - كما اقتضاه كلام الخرقي - لمن يجوز له نكاح الإماء - وهو الحر بوجود الشرطين فيه، والعبد بشرط أن لا تكون تحته حرة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى - فلأنه غر بحريتها، فثبت له الخيار، كما لو غرت بحريته، ولما فيه من ضرر رق الولد، والضرر منفي شرعا، فعلى هذا إن اختار فسخ النكاح انفسخ ولا كلام، وإن اختار المقام على النكاح فما ولدت بعد رضاه فهو رقيق، لانتفاء الغرور إذا، وقد علم من هذا أن الولد يتبع أمه في الرق والحرية، ونص عليه أحمد.
2470 - محتجا بقول عمر: أيما عبد تزوج حرة فقد أعتق نصفه.
وقول الخرقي: فما ولدت.
ظاهره وإن كانت قد علقت به قبل الرضى، وقد وقع له نحو هذه العبارة في الردة، وأقره أبو محمد ثم على ظاهره، معللا بأن أكثر الأحكام إنما تتعلق بالوضع، أما هنا فجعل الحكم منوطا بالعلوق، وهو التخليق، وكذا صرح به أبو البركات.
واعلم أن الخرقي إنما ساق ثبوت الخيار مع الشرط، فقد يقال: ظاهره أنه لا يثبت مع عدمه، وهو أحد الوجهين، لتفريطه حيث لم يحترز بالشرط، وبالغ القاضي في بعض كتبه فشرط كون الشرط مقارنا للعقد، وهو في تعليقه كالخرقي، والصحيح الثبوت بالشرط وبالظن، ثم إن أبا محمد وغيره أطلقوا الظن، وقيده ابن حمدان تبعا لأبي البركات بما إذا ظنها حرة الأصل، وعموم كلام الخرقي يقتضي ثبوت الخيار للعبد كالحر وهو الصحيح، وقيل: لا خيار للعبد لتساويهما، والله أعلم.
قال: وإن كان المغرور عبدا فولده أحرار، ويفديهم إذا عتق ويرجع به أيضا على من غره.
ش: إذا كان المغرور عبدا فولده أيضا أحرار كالحر، إذ المقتضي لحرية الولد اعتقاد الواطئ الحرية، وهو موجود هنا، ويفديهم كالحر على ما تقدم، لكن الحر يجب الفداء عليه في الحال، كبقية الحقوق اللازمة له، أما العبد فلا مال له في الحال، فيتأخر الفداء إلى وقت ملكه ويساره وهو العتق، كذا قال الخرقي وغيره، ثم إن القاضي في الجامع بناه على استدانته، بغير إذن سيده هل يثبت في ذمته أو في رقبته؟ على وجهين، وبناه أبو محمد على خلع الأمة بغير إذن سيدها، وهو أوجه، إذ الخرقي يقول في الاستدانة: تتعلق برقبته فلا يجيء بناؤه عليها، أما في الخلع فيقول: يتعلق بذمتها، فيتحد البناء، ثم إن أبا محمد خرج وجها آخر أنه يتعلق برقبته كجنايته، انتهى.