كتاب الكفارات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ش: إذا حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه - كما إذا حلف لا يأكل هذا الرغيف، أو لا يشرب ماء هذا الإناء، فأكل أو شرب بعضهما - ففيه روايتان مشهورتان: (إحداهما) - وهي اختيار الخرقي والقاضي وغيره وأبي بكر، والشريف وأبي الخطاب في خلافيهما، والشيرازي وابن البنا، وابن عقيل في التذكرة، وغيرهم -: يحنث بفعل البعض، لأنه منع نفسه من فعل المحلوف عليه، فوجب أن يمتنع من كل جزء منه كالنهي والجامع المنع فيهما.
ودليل الأصل قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» ، وقد رد هذا بأن النهي عن الشيء ليس نهيا عن أجزائه، كالنهي عن خمس ركعات في الظهر، نعم النهي عن الشيء نهي عن أجزائه، كالنهي عن الحرير، نهي عن الأسود والأبيض منه، فالقياس على النهي غير صحيح، (والرواية الثانية) - واختارها أبو الخطاب فيما قاله أبو محمد - لا يحنث إلا بفعل الجميع.
3734 - لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يخرج رأسه إلى عائشة - رضي الله
عنها - وهو معتكف فتغسله وهي حائض» والمعتكف ممنوع من الخروج من المسجد.
3735 - ويروى «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأبي بن كعب: «لا أخرج من المسجد حتى أعلمك سورة من القرآن» ، فلما أخرج رجله من المسجد علمه إياها، ولأن اليمين تناولت الجميع فلم يحنث بالبعض
كالإثبات، وبهذا استدل أحمد فقال: الكل لا يكون بعضا، والبعض لا يكون كلا، وقد يجاب عن هذا بأن الاعتكاف عبارة عن ملازمة المسجد للطاعة، ومن أخرج بعضه يصدق عليه أنه ملازم للمسجد، لا أنه مفارق له، على أن هذه واقعة عين، فيحتمل أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استثنى هذا القدر، وهذا هو الجواب عن قصة أبي بن كعب إذ هي واقعة عين، فيحتمل أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ترك ذلك ناسيا، ولعله الظاهر، فلما ذكر حين خرج استدرك فعلمه في الحال.
إذا تقرر هذا (فمن صور) الخلاف إذا حلف لا يلبس ثوبا من غزلها أو نسجها أو شرائها فلبس ثوبا شوركت في غزله أو نسجه أو شرائه، أو لا يبيع أمته أو لا يهبها فباع بعضها ووهب بعضها، وما أشبه ذلك، واختلف الأصحاب فيما إذا قال: لا ألبس من غزلها، فلبس ثوبا فيه منه، فقال القاضي وأبو الخطاب في الهداية: إنه على الروايتين، لأن المعنى لا ألبس ثوبا من غزلها لأن الغزل لا يلبس بمفرده، واختار الشيخان تحنيثه على الروايتين، لأنه يصدق أنه لبس من غزلها، (ومن صور) المسألة عند الأكثرين والقاضي
وغيره مسألة الخرقي، وهو ما إذا حلف لا يدخل دارا فأدخلها بعض جسده، يده أو رجله ونحو ذلك، لأنه منع نفسه من الدخول، وإذا تساويا معنى تساويا حكما، كمنع نفسه من أكل الرغيف مثلا، ولا ريب أن المسألة فيها روايتان منصوصتان وإنما اختلف الأصحاب في المختار منهما، فالقاضي والأكثرون على التحنيث كالمسألة السابقة، تسوية بينهما، وأبو بكر وأبو الخطاب في الهداية اختارا عدم التحنيث، بخلاف المسألة السابقة، فإن أبا بكر يختار فيها الحنث كالجماعة، وكأن الفرق أن الحالف لا يدخل دارا إذا أدخلها بعض جسده لا يصدق عليه أنه دخل، وإنما أدخل يده أو رجله مثلا، فلا يكون مخالفا ليمينه.
(تنبيهان) : «أحدهما» : محل الخلاف كما تقدم في اليمين المطلقة، أما إن نوى الجميع أو البعض اعتمدت نيته، وكذلك إذا قامت قرينة تقتضي أحد الأمرين كما إذا حلف لا يشرب النهر، أو: لا أكلت الخبز، أو لا كلمت المشركين، أو لا أهنت الفقراء؛ ونحو ذلك، فإن يمينه تتعلق ببعض ذلك وجها واحدا، وعكس هذا إذا حلف لا يصوم يوما، أو لا يصلي صلاة، أو علق طلاق امرأته على وجود حيضة ونحو ذلك، فإن يمينه تتعلق بالجميع.
«الثاني» مما مثل به أبو محمد في الكافي، وابن عقيل في التذكرة للمسألة: إذا حلف لا يأكل رغيفا فأكل بعضه، وترجمها الشريف وأبو الخطاب في خلافيهما: إذا حلف لا يفعل شيئا ففعل بعضه، وظاهر هذا أنه لا فرق بين أن تكون اليمين على شيء معين أو مبهم، والله أعلم.
قال: ولو حلف أن يدخل لم يبر حتى يدخل جميعه.
ش: لا نزاع في هذا فيما نعلمه، إذ اليمين تناولت فعل الجميع، فلم يبر إلا به، كما لو أمر بشيء فإنه لا يخرج عن عهدة الأمر إلا بفعل الجميع بلا ريب، ومثل هذا إذا حلف ليأكلن هذا الرغيف ونحوه، فإنه لا يبر إلا بأكل جميعه والله أعلم.
قال: ولو حلف أن لا يلبس ثوبا هو لابسه، نزعه من وقته، فإن لم يفعل حنث.
ش: أما نزعه من وقته فليمتثل ما حلف على تركه، وأما تحنيثه إذا لم ينزع في الحال فلأن استدامة ذلك يسمى لبسا، ولذلك يقال: لبست هذا الثوب شهرا ويرشح هذا منع الشارع من استدامة المخيط في الإحرام كابتدائه، وحكم: لا يركب دابة هو راكبها كذلك، بخلاف: لا يتزوج، ولا يتطيب، ولا يتطهر، فإنه لا يحنث باستدامة ذلك على المذهب، لأنه لا يقال: تزوج شهرا، إنما يقال: منذ شهر، وكذلك في التطيب والتطهير، وحنثه القاضي في كتاب إبطال الحيل، والله أعلم.
قال: وإن حلف أن لا يأكل طعاما اشتراه زيد، فأكل طعاما اشتراه زيد وبكر، حنث إلا أن يكون أراد أن لا ينفرد أحدهما بالشراء.
ش: أما مع النية فواضح، وأما مع عدمها فاختلف الأصحاب في ذلك، فعن بعضهم أنه خرجها على الروايتين في فعل بعض المحلوف عليه، لأن الضمير في: اشتراه.
يرجع إلى الطعام، والطعام لم ينفرد زيد بشرائه، إنما اشترياه معا.
واختار الشيخان أنه يحنث على الروايتين، لأن زيدا مشتر لنصفه، ونصفه طعام، فوجب أن يحنث به لوجود المحلوف عليه، كما لو انفرد زيد بشرائه، وهذا مقتضى قول القاضي في جامعه، والشريف وأبي الخطاب في خلافيهما، وابن البنا وغيرهم، فإنهم جزموا في هذه الصورة بالحنث، مع حكايتهم الخلاف في الصورة السابقة، وكذلك قطع هؤلاء بالحنث فيما إذا قال: لا آكل مما طبخه زيد، أو لا ألبس ثوبا خاطه زيد، أو لا أدخل دارا لزيد، مع حكايتهم الخلاف في الأصل السابق، ووافقهم أبو محمد في الأولى، وخالفهم في اللتين بعدها، فأجرى فيهما الخلاف، والله أعلم.
قال: ولو حلف أن لا يكلمهما أو لا يزورهما، فكلم أو زار أحدهما حنث، إلا أن يكون أراد أن لا يجتمع فعله بهما.
ش: أما إذا كانت له نية فلا إشكال في اعتمادها، كما إذا قصد أن لا يجتمع فعله وهو الزيارة أو الكلام بأحدهما، فإنه لا يحنث إلا بزيارتهما أو كلامهما، ولو قصد ترك كلام أو زيارة كل منهما منفردا حنث بكلام أو زيارة أحدهما، وإن أطلق خرج على الروايتين في فعل بعض المحلوف عليه، لأن
الحالف على كلام شخصين أو زيارتهما إذا كلم أو زار أحدهما فعل بعض المحلوف عليه، قال أبو محمد: ويمكن أن يقال: إن تقدير يمينه: لا كلمت هذا، ولا كلمت هذا؛ لأن المعطوف يقدر له بعد حرف العطف فعل وعامل مثل العامل الذي قبل المعطوف عليه، فيصير كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] أي وحرمت عليكم بناتكم، وإذا يصير كل واحد منهما محلوفا عليه منفردا، كما لو صرح بذلك.
قلت: هذا على القول الضعيف للنحاة من أنه يقدر للمعطوف عامل مثل عامل المعطوف عليه، أما على القول المشهور من أن العامل فيهما واحد - وهو الأول - فلا يمشي ما قاله، وحكم: لا آكل خبزا ولحما ونحو ذلك حكم ما تقدم، أما: لا أدخل هاتين الدارين، ولا أعصي الله في هذين البلدين ونحو ذلك ففيه الروايتان بلا ريب، ولا يجري فيه تردد أبي محمد، إذ لا عاطف ومعطوف، أما إن كان تعليق على شيئين، كأن
قال لزوجته: إن كلمت زيدا وعمرا فأنت طالق، أو قال لامرأتيه: إن حضتما فأنتما طالقتان.
ونحو ذلك، فعن بعض الأصحاب تخريجه على الخلاف، واختار أبو محمد في المغني - وهو احتمال له في الكافي - أنه لا يحنث إلا بفعل الشيئين، إذ المشروط لا يوجد إلا بتكامل مشروطه، وجعل في الكافي مسألة: إن حضتما.
مسألة اتفاق، في أنه لا يحنث إلا بوجود الحيض منهما.
والله أعلم.
قال: ولو حلف أن لا يلبس ثوبا، فاشترى به أو بثمنه ثوبا فلبسه حنث إذا كان ممن امتن عليه بذلك الثوب، وكذلك إن انتفع به أو بثمنه.
ش: هذه المسألة من فروع اعتبار سبب اليمين، وأن الحكم قد يتعدى لغير الملفوظ به، نظرا لسبب اليمين الجاري مجرى العلة الشرعية، فإذا امتنت عليه زوجته بثوب، فحلف أن لا يلبسه، والباعث له على ذلك المنة، فإن يمينه تتعدى سبب ذلك إلى غير الثوب، فإذا اشترى به أو بثمنه ثوبا حنث، وكذلك إن انتفع بثمنه، لوجود المنة بالثوب، إذ بدل الشيء يقوم مقامه، وخرج ما إذا انتفع لها بثوب آخر، لأن المحلوف عليه ثوب بعينه، فتعلقت اليمين به.
وقول الخرقي: إذا كان ممن امتن عليه بذلك الثوب، يحترز عما إذا لم يمتن عليه به، ولا قصد هو أيضا قطع منتها، فإن يمينه تتعلق بلبسه خاصة، اعتمادا على اللفظ المجرد.
قال: ولو حلف أن لا يأوي مع زوجته في دار، فأوى
معها في غيرها، حنث إذا كان أراد بيمينه جفاء زوجته، ولم يكن للدار سبب هيج يمينه.
ش: هذا من فروع اعتبار النية، فإذا حلف لا يأوي مع زوجته في دار عينها، يقصد بذلك جفاءها، ولم يكن للدار سبب هيج يمينه، فأوى معها في غيرها حنث، لأن وجود الدار والحال هذه كعدمها، لما اقتضته نيته من جفائها الموجود بالإيواء معها في كل دار، وإن كان للدار سبب باعث على اليمين، كأن امتن عليه بها ونحو ذلك، لم يحنث بالإيواء معها في غيرها، لعدم ما يقتضي التعدية إلى غيرها، فصار ذلك كما لو عدمت النية والسبب، فإن يمينه لا تتجاوز ما حلف عليه، وهو الإيواء معها في تلك الدار.
(تنبيه) : معنى الإيواء المبيت والله أعلم.
قال: ولو حلف أن يضرب عبده في غد فمات الحالف من يومه فلا حنث عليه.
ش: لأن اليمين على الغد، وفي الغد لم يكن الحالف مكلفا، فلم يتعلق به حنث، وكذلك لو جن في اليوم واستمر به ذلك إلى فوات الغد، لما تقدم من خروجه عن التكليف في وقت اليمين.
(قلت) : وهذا بخلاف ما لو أغمي عليه، فإنه يحنث، لبقاء التكليف، أما لو ارتد فينبغي بناؤه على تكليف الكفار بالفروع، والمذهب التكليف.
ومقتضى كلامه أنه لو مات الحالف في غد أنه يحنث،
وهو يشمل وإن لم يتمكن من ضربه، وهو المذهب، لأنه أدرك وقت الفعل وهو من أهل التكليف، ويشهد لهذا من قاعدتنا أن الوجوب في الصلاة والزكاة ونحوهما يتعلق بأول الوقت، وإن لم يتمكن من الفعل، وقيل: لا يحنث مطلقا، وقيل: إن تمكن من الضرب في الغد حنث، وإن لم يتمكن فلا، لأن الترك لم يكن باختياره فهو كالمكره، وهذه الأقوال الثلاثة لم أرها مصرحا بها في هذه المسألة بعينها، لكنها تؤخذ من مجموع كلام أبي البركات وغيره.
ومقتضى كلام الخرقي أيضا أنه لو لم يمت الحالف في اليوم لكنه مرض فيه أو نحو ذلك، بحيث تعذر عليه الفعل في الغد أنه يحنث، وهو كذلك والله أعلم.
قال: فإن مات العبد حنث.
ش: لا نزاع في هذا إذا كان موت العبد باختيار الحالف، كما إذا قتله، أما إن كان بغير اختياره فلا يخلو إما أن يكون قبل الغد أو فيه، فإن كان قبل الغد ففيه قولان، المذهب المنصوص منهما الحنث أيضا، كما قاله الخرقي، لعدم المحلوف عليه في وقته، أشبه ما لو ترك الضرب مع بقاء العبد لصعوبته عليه، ونحو ذلك.
(والثاني) : لا يحنث، لأن عدم ضربه بغير فعل منه، أشبه المكره.
وحيث حنث فهل يحنث في الحال - وهو المذهب المنصوص - لأن يمينه منعقدة وقد تحقق عدم الفعل، فأشبه
ما لو لم يوقت بوقت، أو لا يحنث إلا إذا جاء الغد، أو لا يحنث إلا في آخر الغد؟ على ثلاثة أقوال، وإن كان في الغد بعد التمكن من ضربه حنث، وكذلك قبله على المذهب، ثم هل يحنث عقب التلف، أو في آخر اليوم؟ فيه القولان السابقان والله أعلم.
قال: وإذا حلف أن لا يكلمه حينا، فكلمه قبل ستة أشهر حنث.
ش: الحين عند الإطلاق يحمل على ستة أشهر، نص عليه أحمد والأصحاب، فإذا حلف لا يكلمه حينا، وكلمه قبل ستة أشهر حنث، لمخالفته لما حلف عليه، وإن كلمه بعدها لم يحنث، لأنه وفى بمقتضى يمينه، وهو عدم كلامه حينا، وإنما قلنا: الحين عند الإطلاق ستة أشهر - وإن كان الحين في أصل الوضع زمنا مبهما، يطلق على القليل والكثير - لأن الله سبحانه أطلقه وفسر بذلك في قَوْله تَعَالَى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: 25] .
3736 - كذا قال سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، ويروى ذلك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وناهيك به لمعرفته بالقرآن إن صح عنه، وما أطلق والمراد به أكثر من ذلك،
كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: 35] فإنه عبر به عن عدة سنين، قيل: ثلاث عشرة سنة.
فما ذكرناه هو الأقل وهو المتيقن، ولا يرد نحو قوله سبحانه: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17] لقيام القرينة الدالة على أن المراد وقت المساء ووقت الصباح، ولا نحو: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: 88] أي يوم القيامة، لقيام القرينة أيضا على إرادة الزمن الطويل، والله أعلم.
قال: وإذا حلف أن يقضيه حقه في وقت، فقضاه قبله لم يحنث، إذا كان أراد بيمينه أن لا يجاوز ذلك الوقت.
ش: كما إذا حلف ليقضينه حقه في رمضان، فقضاه في شعبان ونحو ذلك، وهذه المسألة من فروع اعتبار النية، فإنه إذا قصد أن لا يتجاوز رمضان، فمعنى يمينه أني لا أؤخر القضاء لبعد رمضان، فما قبل رمضان كله ظرف للقضاء، فإذا قضاه في شعبان مثلا لم يحنث، لوجود القضاء
في وقته، وكذلك إذا كان السبب يقتضي ذلك، لقيامه مقام النية، كما تقدم ذلك للخرقي، أما إن عدما فظاهر كلام الخرقي وأبي البركات واختاره أبو محمد أنه لا يبر إلا بالقضاء في الوقت الذي حلف عليه، وهو رمضان على ما مثلنا، اعتمادا على اللفظ، وقال القاضي: يبر مطلقا، نظرا للعرف، فإنه يقضي بالتعجيل في مثل هذه اليمين، والله أعلم.
قال: ولو حلف أن لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه حنث، إلا أن يكون أراد أن لا يشربه كله.
ش: هذه المسألة قد تقدم الكلام عليها عند قوله: إذا حلف لا يدخل دارا فأدخلها بعض جسده، فلا حاجة إلى إعادتها والله أعلم.
قال: ولو قال: والله لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك، فهرب منه لم يحنث.
ش: لأن يمين الحالف انصبت على أنه لا يفارقه، فهي على فعل نفسه، فمتى هرب منه المحلوف عليه لم يوجد منه فعل، فلم يحنث، ومنصوص أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رواية جعفر بن أحمد بن شاكر أنه يحنث لأن المقصود من نحو هذه
اليمين أن لا يحصل بيننا مفارقة، فاليمين توجهت على فعل الحالف والمحلوف فيحنث، فهو كما لو قال: لا افترقنا، واختار أبو البركات متابعة لما جزم به أبو محمد في الكافي أنه متى أمكنه متابعته وإمساكه فلم يفعل حنث، لأنه والحال هذه مختار للمفارقة، فينسب إليه، بخلاف ما إذا لم يمكنه ذلك، فإنه لم توجد منه المفارقة ولا نسبت إليه.
(تنبيه) : لو فلسه الحاكم وحكم عليه بفراقه، فهل يحنث نظرا إلى أن المفارقة وإن كان سببها من غيره قد وجدت منه، أو لا يحنث لأن الفعل والحال هذه لا ينسب إليه، لعدم اختياره له؟ يخرج على روايتي ما إذا فارقه مكرها بضرب، وما أجري مجراه والله أعلم.
قال: ولو قال: لا افترقنا.
فهرب منه حنث.
ش: قد تقدمت الإشارة إلى هذا، وأن المحلوف عليه هنا عدم المفارقة منهما، وقد وجدت مع الهرب، فيحنث، نعم لو أكرها معا على الفرقة ففي الحنث خلاف كما تقدم.
(تنبيه) : الفرقة ما يعده الناس فراقا كما في البيع، والله أعلم.
قال: ولو حلف على زوجته أن لا تخرج إلا بإذنه فذلك في كل مرة، إلا أن يكون نوى مرة واحدة.
ش: إذا حلف على زوجته أنها لا تخرج إلا بإذنه، أو بغير إذنه، أو حتى يأذن لها، فخرجت بغير إذنه حنث، لوجود المخالفة فيما حلف عليه، وانحلت يمينه بلا نزاع، إذ حرف «أن» لا يقتضي التكرار، وإن أذن لها فخرجت لم يحنث
بلا ريب، لعدم المخالفة، ثم هل يحتاج بعد ذلك في كل خروج إلى إذن أو قد انحلت يمينه بالإذن الأول؟ فيه روايتان، المذهب منهما الأول، وهذا معنى قول الخرقي: فذلك في كل مرة، أي إذا لم يحنث، وأصل الخلاف والله أعلم من قوله: إن خرجت.
معناه خروجا، وخروجا نكرة في سياق الإثبات، لكنها في سياق الشرط، فمن لحظ كونها في سياق الشرط - وهو التحقيق - قال: تعم كل خروج، فكل خروج محلوف عليه أنها لا تخرج إلا على صفة، وهو الإذن فإذا خرجت بغير إذنه حنث، وإن كان قد أذن لها في خروج سابق، ومن لحظ كونها نكرة في سياق الإثبات، مع قطع النظر إلى الشرط، قال: إنما تناولت خروجا واحدا على صفة وهو الإذن، فإذا أذن لها فخرجت زالت اليمين، لوجود المحلوف عليه، هذا كله مع الإطلاق، أما مع التقييد باللفظ، كما إذا قال: حتى آذن لك مرة، أو في كل مرة، فلا ريب في اعتماد ذلك، وتقوم مقام اللفظ النية، لأنه نوى بلفظه ما يحتمله.
(تنبيه) : أخذ أبو الخطاب في الهداية الرواية الثانية من قول عبد الله عن أبيه: إذا حلف أن لا تخرج امرأته إلا بإذنه، إذا أذن لها مرة فهو إذن لكل مرة، وتكون يمينه على ما نوى، وإن قال: كلما خرجت فهو بإذني، أجزأه مرة واحدة، وهذا ظاهر في الأخذ، وكذلك تبعه أبو البركات، وأبو محمد
في المقنع على حكاية الرواية، إلا أن قول أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في: كلما خرجت فهو بإذني، أنه يجزئه مرة واحدة، فيه نظر، لأن هذا صريح في العموم، وقد يحمل قوله: أجزأه مرة واحدة.
إذا نوى بالمرة الإذن في كل مرة، أو أنه عبر بالعام - وهو كل خروج - عن الخاص، وهو خروج واحد مجازا، اهـ. وقطع أبو محمد في المغني بالرواية الأولى، وجعل رواية عبد الله فيما إذا أذن لها مرة أنه يسمع منه، وكأنه أخذ ذلك من قوله في الرواية: وتكون يمينه على ما نوى.
والظاهر خلافه والله أعلم.
قال: ولو حلف أن لا يأكل هذا الرطب، فأكله تمرا حنث، وكذلك كلما تولد من ذلك الرطب.
ش: أصل هذه المسألة إذا اجتمع في المحلوف عليه التعيين والصفة، أو التعيين والاسم، فهل يغلب التعيين - كما اختاره الخرقي وعامة الأصحاب، منهم ابن عقيل في تذكرته، ولهذا كان التعريف بالإشارة من أعرف المعارف - أو الصفة والاسم، وهو اختيار ابن عقيل على ما حكاه عنه أبو البركات، وأومأ إليه أحمد في رواية مهنا، فيمن حلف لا يشرب هذا النبيذ، فثرد فيه وأكله أنه لا يحنث، لأن ذلك بمنزلة العلة، فيزول الحكم بزوالها.
على قولين.
ويدخل تحت ذلك صور (منها) مسألة الخرقي وهي ما إذا حلف لا يأكل هذا الرطب، فصار تمرا أو دبسا أو خلا، ونحو ذلك؛ (ومنها) : إذا حلف لا آكل هذه الحنطة؛ فصارت دقيقا، أو خبزا، أو هريسة أو نحو ذلك.
(ومنها) : لا آكل هذا اللبن، فصار جبنا، أو كشكا ونحو ذلك، أو لا آكل هذا الحمل، فصار كبشا، أو لا أدخل هذه الدار، فصارت فضاء أو حماما، ونحو ذلك، أو لا أكلم هذا الصبي، فصار شيخا، أو لا أكلم زوجة فلان هذه، أو عبده سعيدا ونحو ذلك، فطلق الزوجة، وباع العبد، أو: لا لبست هذا القميص فصار سراويل أو رداء ونحو ذلك، واستثنى أبو محمد من ذلك إذا استحالت الأجزاء، أو تغير الاسم، مثل أن يحلف لا آكل هذه البيضة، فتصير فرخا، أو الحنطة، فتصير زرعا، فهذا لا يحنث بأكله، قال: وعلى قياسه الخمر إذا صارت خلا، وعن ابن عقيل أنه طرد القول حتى في البيضة والزرع، ولعله أظهر، إذ لا يظهر بين صيرورة البيضة فرخا وصيرورة الرطب خلا ونحو ذلك فرق طائل، وأبعد من ذلك الخمر إذا صارت خلا، فإن الماهية باقية، وإنما تغيرت الصفة، وقد قال أبو البركات: إذا حلف ليأكلن من هذه البيضة أو التفاحة ثم عمل منها ناطفا أو شرابا، بر على القول بتقديم التعيين، ولا يبر على القول
باعتبار الصفة، وليس في الشراب إلا مائية ماء من التفاح.
(تنبيه) : محل الخلاف مع عدم النية والسبب، أما مع وجود أحدهما فالحكم له كما تقدم، والله أعلم.
قال: وإذا حلف أن لا يأكل تمرا فأكل رطبا لم يحنث.
ش: هذا واضح، إذ المحلوف عليه التمر، والرطب غيره فلا يحنث به، والله أعلم.
قال: ولو حلف أن لا يأكل اللحم، فأكل الشحم أو المخ أو الدماغ لم يحنث، إلا أن يكون أراد اجتناب الدسم، فيحنث بأكل الشحم.
ش: أما مع عدم الإرادة فلأن الشحم والمخ - وهو الذي في العظام - والدماغ وهو الذي في الرأس في قحفه ليسوا بلحم حقيقة ولا عرفا، فالحالف لا يأكل لحما لا يحنث بذلك، لعدم تناول يمينه له، وعلى قياس ذلك الألية وكل ما لا يسمى لحما، كالكبد والطحال، والرئة والمصران، والكرش والقانصة، والقلب والأكارع والكلية، وكذلك ما كان لحما إلا أنه اختص باسم، إما لغة أو عرفا، كلحم خد الرأس، على ظاهر كلام أحمد، واختيار القاضي،
وكاللسان على أظهر الاحتمالين، وعن أبي الخطاب: يحنث بأكل لحم الخد، وهو مناقض لاختياره في الهداية، فيما إذا حلف لا يأكل رأسا؛ لا يحنث إلا بأكل رأس جرت العادة بأكله منفردا، فغلب العرف، مع أنه قد يقال: إنه عرف فعلي ولم يغلب هنا العرف مع أنه نقلي، وقد ناقض القاضي أيضا قوله هذا فقال - تبعا لابن أبي موسى - فيما إذا أكل هنا مرقا يحنث، لأنه لا يخلو من أجزاء لحم تذوب فيه، وجرى أبو الخطاب على الصواب، وتبعه الشيخان فقالا: لا يحنث؛ لأنه على تقدير تسليم أن فيه أجزاء لحم ذائبة فذلك لا يسمى لحما، لا حقيقة ولا عرفا، وأحمد قال في رواية صالح لا يعجبني.
اهـ.
وأما مع إرادة الدسم، فظاهر كلام الخرقي أنه لا يحنث بشيء من ذلك إلا بالشحم، لأنه المتبادر من إرادة الدسم، وقال الشيخان وغيرهما من الأصحاب: يحنث بجميع ذلك، لوجود الاسم فيه.
(تنبيه) : اختلف في بياض اللحم - كسمين الظهر ونحوه - (هل حكمه حكم اللحم) فيحنث من حلف لا يأكل لحما فأكله، وهو قول ابن حامد والقاضي، وظاهر كلام أبي البركات أن المسألة اتفاقية، لدخوله في مسمى اللحم، ولهذا لو اشتراه من وكل في شراء لحم لزم موكله، (أو حكم الشحم) فيحنث من حلف لا يأكل شحما فأكله، وهو اختيار أكثر الأصحاب، القاضي والشريف، وأبي الخطاب
والشيرازي وابن عقيل، واختيار أبي محمد، وقال: إنه ظاهر كلام الخرقي، وقول طلحة العاقولي، لشبهه للشحم في صفته وذوبه، ولأن الله تعالى استثناه من الشحم حيث قال: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: 146] الآية؛ على قولين، وفي كلا الدليلين نظر؛ إذ مجرد شبه الشيء بالشيء لا يقتضي أن يسمى باسمه، ويعطى حكمه، على أن شبه سمين الظهر بالألية أقرب من شبهه بالشحم، وأما الاستثناء فقال البغوي وغيره: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: 146] أي ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما؛ اهـ. فالمستثنى شحم حقيقة وعرفا، إلا أن الله تعالى أرخص لهم فيه دفعا للحرج عنهم، والله أعلم.
قال: فإن حلف أن لا يأكل الشحم فأكل اللحم حنث، لأن اللحم لا يخلو من شحم.
ش: قد ذكر الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - الحكم وذكر دليله، وهو أن اللحم لا يخلو من شحم، فالحالف لا يأكل الشحم يمينه تشمل كل شحم، وهذا شحم فيدخل في يمينه، وقال عامة الأصحاب: لا يحنث، لأن وجود هذا والحالة هذه كالعدم، فاليمين لا تتناوله عرفا.
(تنبيه) : استنبط أبو محمد من هذا أن الشحم عند الخرقي كل ما يذوب بالنار، قال: وهذا ظاهر قول أبي الخطاب،
وقول طلحة، قال: ويشهد له ظاهر الآية والعرف، وبنى على هذا أنه يحنث بأكل الألية، وقال القاضي وغيره: إن الشحم هو الذي يكون في الجوف، من شحم الكلى أو غيره، فعلى هذا لا يحنث بأكل الألية واللحم الأبيض، ونحو ذلك، وهذا هو الصواب، وقد تقدم أن الآية لا تدل على ما ادعاه، وأن العرف عكس هذا، والله أعلم.
قال: وإن حلف أن لا يأكل لحما ولم يرد أكل لحم بعينه، فأكل من لحم الأنعام أو الطائر أو السمك حنث.
ش: أما إذا أكل من لحم الأنعام أو الطائر فلا نزاع فيما نعلمه في حنثه، لدخول المحلوف عليه، وهو اللحم حقيقة وعرفا، وأما إذا أكل من لحم السمك ففي الحنث به وجهان، المشهور منهما - وهو اختيار الخرقي والقاضي، وعامة أصحابه - الحنث.
(والثاني) - وهو اختيار ابن أبي موسى -: عدمه، ولعله الظاهر، لأن لحم السمك وإن كان لحما حقيقة، بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: 14] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: 12] إلا أن أهل العرف خصصوا ذلك، كما خصصوا لفظ الدابة بذوات الأربع، وصاروا لا يسمونه لحما، وإنما يسمونه سمكا، ولهذا لا يكادون يقولون إذا أكلوا سمكا: أكلنا لحما.
وإنما يقولون: سمكا، ولا ريب أن العرف ناسخ للحقيقة اللغوية،
إذ هي بالنسبة إليه مجاز، ولعل هذا الخلاف مبني على أنه هل وصل إلى حد النقل أم لا؟ فيكون الخلاف في تحقيق المناط، والظاهر وصوله، لأن ضابط المنقول أن يتبادر الذهن عند الإطلاق للمنقول إليه، ولا ريب أن إطلاق اللحم لا يفهم منه عند الإطلاق السمك، اهـ.
وظاهر إطلاق الخرقي أنه يحنث بأكل كل لحم، فيدخل في ذلك اللحوم المحرمة، كلحم الخنزير ونحوه، وهو أشهر الوجهين، وبه قطع أبو محمد، لدخوله في مسمى اللحم حقيقة وعرفا.
(والثاني) : لا يدخل ذلك، لأن قرينة حال المسلم تقتضي أنه لا يريد ذلك، والقرائن تخصص، وينبغي على هذا التعليل أن يدخل ذلك في يمين الكافر وجها واحدا، وقد يدخل في كلام الخرقي أيضا لحم الخد، ولحم اللسان، وقد تقدم الكلام على ذلك، والله أعلم.
قال: وإذا حلف أنه لا يأكل سويقا فشربه، أو لا يشربه فأكله حنث، إلا أن يكون له نية.
ش: أما مع النية فلا كلام كما تقدم غير مرة، وأما مع عدمها ففيه ثلاثة أقوال.
(أحدها) : الحنث كما قاله الخرقي، لأن مقصود اليمين في مثل ذلك الاجتناب، فكأنه حلف أن يتجنب ذلك عن إيصاله إلى باطنه.
(والثاني) : عدم الحنث، أخذا من قول أحمد في رواية مهنا - فيمن حلف لا يشرب هذا النبيذ، فثرد فيه وأكل -: لا يحنث، لأن أنواع الأفعال
كالأعيان، ولا ريب أنه لو حلف على نوع من الأعيان لم يحنث بغيره، فكذلك الأفعال.
(والثالث) : إن عين المحلوف عليه: كلا أكلت هذا السويق.
حنث بشربه تغليبا للتعيين كما تقدم، بخلاف ما إذا لم يعين: كلا أكلت سويقا.
فإنه لا يحنث، وهذا قول القاضي في المجرد، وعنده في الروايتين أن محل الخلاف مع التعيين، أما مع عدمه فلا يحنث قولا واحدا، وخرج أبو الخطاب وأبو محمد الخلاف في كل ما حلف لا يأكله فشربه، أو لا يشربه فأكله، حتى قال أبو محمد - فيمن حلف لا يشرب شيئا فمصه ورمى به -: أنه يجيء على قول الخرقي أنه يحنث، ونص أحمد في رواية إبراهيم الحربي - فيمن حلف لا يشرب شيئا، فمص قصب السكر -: ليس عليه شيء، وكذلك لو حلف لا يأكل شيئا، فمص قصب السكر، لم يكن عليه شيء، على ما يتعارفه الناس أن الرجل لا يقول: أكلت قصب السكر، وتبع النص ابن أبي موسى.
والله أعلم.
قال: وإذا حلف بالطلاق أن لا يأكل تمرة، فوقعت في تمر، فإن أكل منه واحدة منع من وطء زوجته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت اليمين عليها، ولا يتحقق حنثه حتى يأكل التمر كله.
ش: مسألة الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذا شك في التمرة التي أكلها هل هي المحلوف عليها أم لا، واختياره والحال هذه اجتناب
الزوجة، للشك في تحريمها، أشبه ما لو اشتبهت أخته بأجنبية، وتبعه على ذلك ابن البنا، وقال أبو الخطاب وغيره: إنه لا يجب عليه اجتنابها، بل الأولى له ذلك، إذ الأصل الحل، فلا يزول بالشك، وفارق المقيس عليه، إذ الأصل عدم الحل، إلا بعقد يتحقق صحته، بوجود شروطه، وانتفاء موانعه ولم يوجد، أما إذا علم أكل التمرة التي حلف عليها، بأن أكل التمر كله، أو الجانب الذي وقعت فيه، ونحو ذلك فلا ريب في حنثه، وإن علم أن التمرة التي أكلها غير المحلوف عليها فلا ريب أيضا في عدم حنثه، وحل زوجته.
وقول الخرقي: من حلف بالطلاق؛ يشمل البائن والرجعي، وهو مبني على قاعدته في تحريم الرجعية، أما على قول غيره في حلها فلا اجتناب، إذا كان الطلاق رجعيا لأن قصاراه وطء رجعية وهو مباح، والله أعلم.
قال: ولو حلف أن يضربه عشرة أسواط، فجمعها فضربه بها ضربة واحدة، لم يبر في يمينه.
ش: هذا هو المذهب المشهور، لأن الأسواط آلة أقيمت مقام المصدر، فمعنى الكلام: لأضربنه عشر ضربات بسوط، ولو قال كذلك لم يبر إلا بعشر ضربات، فكذلك هذا، يحقق ذلك أنه لو ضربه عشر ضربات بسوط بر اتفاقا، ولو عاد إلى السوط لم يبر بالضرب بسوط واحد، كما لو حلف ليضربنه بعشرة أسواط.
3737 - ولا ترد قصة أيوب - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وإن قلنا: شرع من قبلنا
شرع لنا؛ لأن ذلك رخصة في حقه، رفقا بامرأته، لإحسانها إليه، ولذلك امتن عليه بذلك، ولو كان الحكم عاما له ولغيره لما اختص بالمنة، وكذلك الكلام في المريض الذي يخشى تلفه، يقام عليه الحد بعثكال من النخل ونحوه، ترخيصا من الشارع، رفعا للحرج والمشقة، ولهذا لا يجوز أن يضرب في حال الصحة بالسياط المجموعة بلا ريب، (وعن ابن حامد) أنه يبر بذلك، أخذا من قول أحمد في المريض عليه الحد: يضرب بعثكال النخل، يسقط عنه الحد، واستدلالا بقصة أيوب - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. 3738 - وبقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المريض الذي زنا: «خذوا له عثكالا، فيه مائة شمراخ، فاضربوه بها ضربة واحدة» ، وقد تقدم الجواب عن ذلك، ثم كان من حق ابن حامد أن
يسوي بين الأصل والفرع، فلا يقول بالبر إلا في حق من له عذر يبيح ضربه في الحد بالعثكال، وإذا كان يقرب قوله، ولهذا قال أبو محمد: لو قيل بهذا كان له وجه، والله أعلم.
قال: ولو حلف أن لا يكلمه فكتب إليه أو أرسل إليه رسولا حنث، إلا أن يكون أراد أن لا يشافهه.
ش: أما إذا قصد بيمينه أن لا يكلمه مشافهة، أو كان السبب يقتضي ذلك، فلا إشكال في أنه لا يحنث بمكاتبته أو مراسلته، لعدم التكليم مشافهة، وإن قصد ترك مواصلته، أو كان السبب يقتضي ذلك، فلا ريب أيضا في حنثه بمكاتبته ومراسلته، لوجود مواصلته المحلوف على تركها، وإن عريت اليمين عن قصد وسبب ففيه روايتان، حكاهما في الكافي (إحداهما) - وهي التي حكاها في المغني عن الأصحاب -: الحنث أيضا، لأن الظاهر من هذه اليمين هجرانه، فتحمل يمينه عليه، اعتمادا على الظاهر؛ (والثانية) - وإليها ميل أبي محمد -: عدم الحنث والحال هذه، لأن ذلك ليس بكلام حقيقة، ولهذا يصح نفيه فيقال: ما كلمته، وإنما كاتبته، ولأن الله تعالى امتن على موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فقال سبحانه: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: 144] ولو كانت الرسالة تكليما لشارك موسى غيره من الرسل، وأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: 51] فاستثنى الرسول من التكليم، وذلك بالنظر إلى الاشتراك في أصل معنى التكليم وهو التأثير، إذ هو مأخوذ من الكلم وهو الجرح، ولا شك أن المراسلة والمكاتبة يؤثران في المرسل إليه والمكتوب له، ولذلك جعل سبحانه الكلام قسيما للوحي في
موضع آخر، لا من أقسامه فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: 163] الآية إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164] نظرا إلى أن كلا منهما يختص عند الإطلاق باسم، وبالجملة ميل أبي محمد هنا إلى الحقيقة، وميل الأصحاب إلى المعنى، وهو أوجه، والله أعلم.
ثانيا: كتاب النذور
كتاب النذور ش: النذور جمع نذر، كفلس وفلوس، يقال: نذرت أنذر وأنذر بفتح الذال في الماضي، وكسرها وضمها في المضارع، ونذرت بالقوم أنذر، بالكسر في الماضي، والفتح في المضارع، إذا علمت بهم، واستعددت لهم، ولا نزاع في صحة النذر، ولزوم الوفاء به في الجملة، وقد شهد لذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7] وقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] . 3739 - وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» وهو عبارة عن قول يلتزم به المكلف المختار لله تعالى حقا، والله أعلم.
أنواع النذر
قال: ومن نذر أن يطيع الله عز وجل لزمه الوفاء به، ومن نذر أن يعصيه لم يعصه وكفر كفارة يمين، ونذر الطاعة الصلاة والصيام، والحج والعمرة، والعتق والصدقة، والاعتكاف والجهاد، وما كان في هذه المعاني، سواء نذره مطلقا، بأن يقول: لله علي أن أفعل كذا وكذا.
أو علقه بصفة، مثل قوله: إن شفاني الله عز وجل من علتي، أو شفى فلانا، أو سلم مالي الغائب، أو ما كان في هذا المعنى، فأدرك ما أمل بلوغه من ذلك، فعليه الوفاء به، ونذر المعصية أن يقول: لله علي أن أشرب الخمر، أو أقتل النفس المحرمة، وما أشبهه، فلا يفعل ذلك، ويكفر كفارة يمين لأن النذر كاليمين؛ وإذا قال: لله علي أن أركب دابتي، أو أسكن داري، أو ألبس أحسن ثيابي، وما أشبهه، لم يكن هذا نذر طاعة ولا معصية، فإن لم يفعل كفر كفارة يمين، وإذا نذر أن يطلق زوجته، استحب له أن لا يطلق، ويكفر كفارة يمين.
ش: النذر أولا على ضربين، مطلق ومقيد (فالمطلق) أن يقول: لله علي نذر، ولا ينوي شيئا، فيجب عليه كفارة يمين.
3740 - لما روى عقبة بن عامر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «كفارة النذر إذا لم يسم شيئا كفارة يمين» رواه أبو داود والترمذي وصححه، ومسلم والنسائي ولم يقولا: «إذا لم يسم شيئا» .
3741 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا أطاقه فليف به» رواه أبو داود، (والمقيد) على ضربين (أحدهما) : ما يقصد به المنع من الشيء، أو الحمل عليه، ويسمى نذر اللجاج والغضب، وقد تقدم الكلام عليه في الأيمان؛ (والثاني) : ما ليس كذلك، وهو على خمسة أقسام (أحدها) : أن ينذر قربة تستحب ولا تجب، من صوم وصلاة ونحوهما، فيجب الوفاء به بلا خلاف نعلمه عندنا، سواء نذره مطلقا، كقوله: لله علي صوم يوم، أو صلاة ركعتين، أو مقيدا كقوله: إن شفاني الله أو شفى ولدي فلله علي الحج، فوجد القيد، وسواء كانت القربة مما لها أصل وجوب في الشرع كما تقدم، أو لم تكن كالاعتكاف، وهو إجماع في المقيد، وفيما له أصل وجوب، وقول الجمهور في
الآخرين، ويشهد للجميع عموم حديث ابن عباس، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] الآية.
3742 - وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» وفي رواية: «فليف بنذره، ومن نذر أن يعصي الله فلا يف به» رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
3743 - ويشهد لغير المقيد ولما لا أصل لوجوبه في الشرع ما روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أن «عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة، - وفي رواية - يوما في المسجد الحرام.
فقال: «أوف بنذرك» متفق عليه.
3744 - وعن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن «رجلا قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله: إني نذرت لله عز وجل إن فتح الله عليك مكة أن أصلي صلاة في بيت المقدس.
فقال: «صل ها هنا» ثم أعاد عليه، فقال: «صل ها هنا» ثم أعاد عليه، فقال: «فشأنك إذا» . رواه أبو داود، وله في رواية: فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والذي بعث محمدا بالحق لو صليت ها هنا لأجزأ عنك كل صلاة في بيت المقدس» » .
(الثاني) : أن ينذر معصية، كشرب الخمر، وقتل النفس التي حرم الله بغير حق، وصوم يوم الحيض، والتصدق بمال الغير، ونحو ذلك، فلا يجوز الوفاء به إجماعا، ويشهد له حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - المتقدم.
3745 - ولأبي داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا نذر إلا فيما يبتغى به وجه الله تعالى، ولا يمين في قطيعة رحم» .
3746 - وللنسائي عن عمران بن حصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم» ثم فيه روايتان (إحداهما) : أنه لاغ ولا شيء فيه،
قال أحمد - فيمن نذر ليهدمن دار غيره لبنة لبنة -: لا كفارة عليه.
وذلك لما تقدم.
3747 - ولأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأبي إسرائيل حين نذر أن يقوم في الشمس، ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم: «مروه فليتكلم، وليجلس وليستظل، وليتم صومه» رواه البخاري وغيره.
3748 - «وقال للمرأة التي نذرت أن تنحر ناقته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد» رواه مسلم وغيره، وظاهر هذا أنه لا نذر صحيح في معصية الله، أو لا نذر مشروع، وغير المشروع وجوده كعدمه، مع أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يأمر في ذلك بكفارة، ولو وجبت لبينها.
(والرواية الثانية) وهي المذهب المعروف عند الأصحاب أنه منعقد.
3749 - لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين» رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
3750 - وعن عمران بن حصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «النذر نذران فما كان نذر طاعة فذلك لله فيه الوفاء، وما كان نذر معصية فذلك للشيطان ولا وفاء فيه، ويكفره ما يكفر اليمين» . رواه النسائي، وهذا المبين يقضي على ذلك المجمل ويبين أن المراد به: لا وفاء لنذر في معصية الله.
وكذلك جاء مصرحا به في مسلم في التي نذرت نحر ناقة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لها: «لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملكه العبد» .
3751 - وقد استشهد ترجمان القرآن لذلك من الكتاب، فعن يحيى بن سعيد، أنه سمع القاسم بن محمد يقول: أتت امرأة إلى عبد الله بن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فقالت: إني نذرت أن أنحر ابني.
فقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: لا تنحري ابنك، وكفري عن يمينك.
فقال شيخ عند ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: كيف يكون في هذا كفارة؟ فقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 3] ثم جعل فيه من الكفارة ما رأيت.
رواه مالك في الموطأ، فعلى هذه الرواية إن لم يفعل ما نذره من
المعصية وجبت عليه كفارة يمين، وإن فعل ذلك أثم ولا شيء عليه على المعروف، كما لو حلف على فعل معصية ففعلها، ولأبي محمد احتمال بوجوب الكفارة مطلقا، وهو ظاهر كلام الخرقي، وظاهر الحديث.
(الثالث والرابع) : نذر مكروها أو مباحا، كطلاق زوجته من غير حاجة ونحوه، أو ركوب دابة، أو لبس ثوب له ونحوها، وفي ذلك أيضا روايتان، (إحداهما) : أنه لاغ لا شيء فيه، لما تقدم من قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله» ، وهذا لم يبتغ به وجه الله تعالى، ولحديث أبي إسرائيل، فإنه نذر أفعالا تكره المداومة عليها وقد تحرم، ولم يأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بكفارة.
3752 - وعن «عقبة بن عامر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاستفتيته فقال: «لتمش ولتركب» » .
3753 - وعن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رأى شيخا يهادى بين ابنيه، فقال: «ما بال هذا؟» قالوا: نذر أن يمشي.
قال: «إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني» وأمره أن يركب» ، متفق عليهما، ولم يأمره في ذلك بكفارة، ولو وجبت
لبينها.
(والثانية) - وهي المذهب أنه منعقد، لأن في حديث عقبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: «إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا، فلتحج راكبة، ولتكفر عن يمينها» . رواه أبو داود، وفي رواية له أيضا وللترمذي: ولتصم ثلاثة أيام؛ وهذه زيادة فيجب قبولها، ولعموم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كفارة النذر كفارة يمين» فعلى هذه الرواية إن لم يفعل ما نذره وجبت عليه الكفارة، وإن فعل فلا شيء عليه، إلا أنه في المكروه لا يستحب له الفعل، وفي المباح يتخير بين الفعل وتركه قاله الأصحاب.
3754 - وقد روى أبو داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن «امرأة قالت: يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف.
قال: «أوفي بنذرك» » .
(القسم الخامس) : نذر الواجب، كقوله: لله علي أن أصوم رمضان، أو أحج حجة الإسلام، ونحو ذلك، فحكى أبو محمد عن الأصحاب عدم انعقاد النذر والحال هذه، لأن النذر التزام، والواجب لازم له، فالتزامه تحصيل الحاصل، وحكى في المغني احتمالا - وجعله في الكافي قياس المذهب - أنه ينعقد موجبا للكفارة إن لم يفعله، كما لو حلف على ذلك.
3755 - وقد سمى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك يمينا فقال: «النذر حلف» ولا نسلم أن نذر الواجب تحصيل الحاصل، لاختلاف جهة الإيجاب، إذ الواجب بالشرع غير الواجب بإيجاب المكلف، ولهذا لو ترك الناذر صوم رمضان والحال ما تقدم لزمه كفارة يمين، ولو تركه من غير نذر لم يلزمه غير القضاء، وقال في المغني في موضع آخر: إن قياس قول الخرقي الانعقاد،
وقول القاضي عدمه، فيما إذا نذر صوم يوم يقدم فلان، فوافق قدومه يوما من رمضان، وأبو البركات حكى المسألة على روايتين، وأورد المذهب بالانعقاد كنذر المباح.
(تنبيه) : قد علم من كلام الخرقي أن الطلاق مكروه، وهذا مع عدم الحاجة إليه، وهو المذهب، (وعنه يحرم) والحال هذه، كالطلاق في حال الحيض، وطلاق الثلاث في رواية، أما عند الحاجة إليه فيباح، وقد يستحب، كما إذا كان بقاء النكاح ضررا، وقد يجب كالمولي إذا امتنع من الفيئة.
ما يلزم من نذر التصدق بجميع ماله
قال: ومن نذر أن يتصدق بكل ماله أجزأه أن يتصدق بثلثه لما روي عن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال لأبي لبابة - حين قال: إن من توبتي يا رسول الله أن أنخلع من مالي - فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يجزئك الثلث» » .
ش: لما تقدم للخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن نذر الطاعة يلزم الوفاء به، والصدقة طاعة وقربة، أراد أن ينبه على هذه المسألة، وإلا لاقتضى كلامه وجوب الصدقة بالجميع، والذي قاله الخرقي هو المذهب المعروف.
3756 - لما ذكره من حديث «أبي لبابة - وهو رفاعة بن عبد المنذر - أنه قال: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي وأساكنك، وأن أنخلع من مالي صدقة لله عز وجل ولرسوله.
فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يجزئ عنك الثلث» » رواه أحمد.
3757 - وعن كعب بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي.