شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 126-165
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الكفارات

صفحات 126-165
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ش: أجمع المسلمون على مشروعية الكفارة، وقد شهد لذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 89] ومن السنة ما تقدم من قوله: «فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك» ونحوه، والله أعلم.

خصال الكفارة في اليمين على التخيير

قال: وإذا وجبت عليه بالحنث كفارة يمين فهو مخير إن شاء أطعم.
ش: لما تقدم للخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - اليمين الموجبة للكفارة شرع يبين الكفارة، فقال: ومن وجبت عليه بالحنث كفارة يمين فهو مخير إن شاء أطعم، وهذا والحمد لله إجماع في أنه إن شاء أطعم، وإن شاء كسى، وإن شاء أعتق، وقد شهد النص المتقدم لذلك، وهو واضح، إذ أصل موضوع، «أو» للتخيير بين شيئين أو أشياء.
3721 - ولهذا قال ترجمان القرآن - كما ذكره عنه الإمام أحمد في

التفسير -: كل ما كان في كتاب الله «أو» فهو للتخيير، وما كان (فمن لم يجد) فالأول الأول، والله أعلم.

الإطعام في كفارة اليمين

قال: عشرة.
ش: الكلام في الإطعام في ثلاثة أمور: (أحدها) : في عددهم، وهو عشرة بنص الكتاب، نعم هل يقوم تكرار إطعام الواحد مقام تعداد الأشخاص، أم لا، أو يفرق بين العدم والوجود؟ فيه خلاف يأتي إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

قال: مساكين مسلمين أحرارا، كبارا كانوا أو صغارا، إذا أكلوا الطعام.
ش: هذا (الأمر الثاني) مما يتعلق بالإطعام وهو صفة المطعمين، وقد اشترط الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - لهم أربعة أوصاف: (الأول) : أن يكونوا مساكين، اعتمادا على ما تقدم من الآية، وعلى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60] الآية.
ويدخل في المسكين الفقير، لأنه مسكين وزيادة على قاعدتنا، ولما تقدم من أن الفقير والمسكين في غير الزكاة صنف واحد، لأن

جهة استحقاقهم واحدة وهي الحاجة، وإنما جعلا صنفين في الزكاة للتفريق بينهما في الاسم والعطف المقتضي للمغايرة، ويخرج ما عدا هذين، وإن كان من أهل الزكاة، نعم يجوز الدفع للغارم لإصلاح نفسه لاحتياجه، فهو كالمسكين، وكلام أبي محمد يوهم المنع.
(الثاني) : أن يكونوا مسلمين، وقد تقدم هذا في الظهار فلا حاجة إلى إعادته.
(الثالث) : أن يكونوا أحرارا، وهذا أيضا قد تقدم في كفارة الظهار، ونزيد هنا بأن ظاهر كلامه أنه لا يجوز دفعها إلى مكاتب، لأنه ليس بحر، وهذا (إحدى الروايتين) واختيار القاضي في المجرد، وأبي الخطاب في الهداية، وأبي محمد، لأنه صنف آخر غير المساكين، والله سبحانه إنما جعل الإطعام للمساكين، ولأنه يأخذ ليفك رقبته، لا لتحصيل كفايته كالمسكين.
(والثانية) : - وهي اختيار القاضي، والشريف، وأبي الخطاب في خلافاتهم - يجوز، لأنه محتاج للأخذ فأشبه المسكين.
(الرابع) : أن يكونوا قد أكلوا الطعام، فلا يجوز دفعها إلى صغير لم يأكل الطعام، وهذا (إحدى الروايتين) واختيار القاضي، لظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِطْعَامُ﴾ [المجادلة: 4] فظاهره أن الواجب إطعامهم، فإذا لم يعتبر ذلك فلا أقل من اعتبار إمكانه ومظنته، ولا يتحقق المظنة فيمن لم يأكل.
(والثانية) - وهي اختيار

أبي الخطاب - لا يشترط ذلك، إذ حقيقة الأكل ليس بشرط، والإطعام مصدر أريد به المطعوم، فالواجب مطعوم عشرة مساكين، بأن يملكهم ذلك، وهذا يمكن في حق من لم يأكل الطعام، بأن يقبض له وليه فيحصل له الملك، كما يقبض للصغير الذي قد أكل الطعام.

قال: لكل مسكين مد من حنطة أو دقيق، أو رطلان بالعراقي خبزا، أو مدان تمرا أو شعيرا.
ش: هذا الأمر الثالث، وهو في قدر ما يدفع للمساكين وهو مد حنطة، أو نصف صاع تمر أو شعير، وقد تقدمت هذه المسألة في الظهار، وتقدم أن غيره قال: يجزئ في الكفارة ما يجزئ في الفطرة، وقد نص الخرقي هنا على جواز إخراج الدقيق، ولم يتعرض له في الظهار، ولا ريب في إجزائه في الكفارتين، كما يجزئ في الفطرة، ومراد الخرقي بالدقيق دقيق الحنطة، أما دقيق الشعير فالواجب منه مدان، ثم المعتبر في الدقيق الوزن لتفرق أجزائه في الطحن، ولهذا قال أحمد: يجزئه بالوزن رطل وثلث، ولا يجزئه إخراج مد دقيق بالكيل، اهـ. نعم لو طحن مد الحنطة وأخرجه أجزأه،

وكذلك إن أخرج من الدقيق ما يعلم أنه مد.
ونص هنا أيضا على جواز إخراج الخبز، (وهو إحدى الروايتين) عن أحمد، واختيار القاضي وعامة الأصحاب، لدخول ذلك في قوله: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] والخبز من أوسط طعام أهلينا، وعلى هذا جرى السلف.
3722 - فروى الإمام أحمد في التفسير، عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] قال: الخبز واللبن، وفي رواية عنه، قال: الخبز والتمر، والخبز والزيت، والخبز والسمن.

3723 - وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الخبز والتمر، الخبز والسمن، الخبز واللحم.
3724 - وعن الأسود بن يزيد: الخبز والتمر.
3725 - وعن ابن سيرين كانوا يقولون: إن أفضله الخبز واللحم، وأوسطه الخبز والسمن، وأخسه الخبز والتمر.
وهذا يقرب من حكاية الإجماع، وفارق زكاة الفطر ونحوها، لأن النص هنا تناول الخبز، بخلاف ثم، فإن قول الراوي: فرض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صدقة الفطر صاعا من تمر.
لا يتناوله، مع أنه لو قيل بالإجزاء في زكاة الفطر دون غيرها لكان متوجها، لأن قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» الملحوظ فيه سد حاجتهم، وحاجتهم تندفع بدفع الخبز، وهذا بخلاف غير زكاة الفطر، فإن الدفع يراد للاقتيات في جميع

العام، فيحتاج إلى الادخار ولا بد في المدخر من أن يكون على صفة يمكن ادخاره، (والرواية الثانية) : لا يجوز إخراج الخبز، لخروجه عن حال الكمال والادخار، أشبه الهريسة ونحوها.
فعلى المذهب لا بد أن يدفع رطلي خبز بالعراقي، لأن ذلك لا يكون أقل من مد، نعم لو طحن مدا وخبزه ودفع خبزه أجزأه، نص عليه أحمد.

تنبيهان: (أحدهما) : شرط إجزاء المخرج في الكفارة أن يكون سالما من العيب، بأن لا يكون مسوسا، ولا فيه تراب يحتاج إلى تنقية، لأنه مخرج في حق الله تعالى عما في الذمة، أشبه الشاة المخرجة في الزكاة.
(الثاني) : قال أبو محمد: الأفضل البر، خروجا من الخلاف، قلت: وهذا كأنه على مختاره في الفطرة.
وعلى المذهب ثم الأفضل التمر، فكذلك هنا، وقد قال أحمد: التمر أعجب إلي، والدقيق ضعيف، والتمر أحب إلي.
ولأبي محمد احتمال بأفضلية الخبز على غيره، نظرا لرفع الكلفة عن المسكين وهو واضح والله أعلم.
قال: ولو أعطاهم مكان الطعام أضعاف قيمته ورقا لم يجزئه.
ش: لما ذكر صفة الدفع للفقراء في الإطعام أراد أن يبين أنه لا يجزئ إخراج قيمة ذلك، وأرشد إلى ذلك بمثال، وهو

أنه لا يجزئ إخراج أضعاف قيمة ذلك من الورق، وذلك لما فيه من العدول عن المنصوص، لأن المطعوم أو الثياب ليسا بورق ولا ذهب، ولأن الشارع خير بين ثلاثة، وجواز إخراج القيمة يفضي إلى التخيير بين أربعة، وهو خلاف النص أيضا، وقد حكى أبو محمد في المقنع وغيره من الأصحاب رواية بالجواز، وقطع في المغني هنا بالمنع، وكأنه بنى ذلك على المذهب.
والله أعلم.

قال: ويعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه من زكاة ماله.
ش: لأنه حق لله واجب، فجرى مجرى الزكاة، فعلى هذا لا يجوز الدفع للوالدين وإن علوا، أو للولد وإن سفل، وفي بقية الأقارب الواجبة نفقتهم روايتان، ويجوز الدفع إلى من عدا ذلك من الأقارب.

قال: ومن لم يصب إلا مسكينا واحدا ردده عليه في كل يوم تتمة عشرة أيام.
ش: إذا ردد الكفارة على مسكين واحد عشرة أيام في كفارة اليمين، أو ستين يوما في كفارة الظهار ونحوها، فهل يجزئه؟ فيه ثلاث روايات (إحداها) - وهي اختيار أبي بكر وابن بطة فيما حكاه عنه أبو حفص في تعاليقه -: يجزئه مطلقا، نظرا إلى أن تكرار الإطعام قائم مقام تكرار الأشخاص، ولأنه لو أطعم كل يوم مسكينا حتى كملت

العدة جاز بلا ريب، فكذلك إذا كرر إطعام الواحد، لأنه صدق عليه أنه أطعم كل يوم مسكينا.
(والثانية) - وهي اختيار ابن شهاب -: لا يجزئه مطلقا، اعتمادا على قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89] فمن لم يطعم عشرة لم يمتثل الأمر.
(والرواية الثالثة) - وهي اختيار الخرقي، والقاضي وأصحابه، وعامة الأصحاب -: لا يجزئه مع الوجود، لما تقدم في التي قبلها، ويجزئه مع العدم، إناطة بالعذر، إذ معنى الشيء يقوم مقامه عند تعذره، كما أقيم التراب مقام الماء عند تعذره، وكذلك غيره من المبدلات والله أعلم.

الكسوة في كفارة اليمين

قال: وإن شاء كسا.
ش: قد تقدم الدليل على التخيير بين الإطعام والكسوة والعتق.
قال: عشرة مساكين، للرجل ثوب يجزئه أن يصلي فيه، وللمرأة درع وخمار.
ش: الكلام في الكسوة على ثلاثة أشياء؛ (أحدها) : في عدد المكسوين وذلك عشرة بنص الكتاب.
(والثاني) : في صفتهم بأن يكونوا مساكين، وهو بنص الكتاب أيضا، وقد تقدم إيضاح ذلك في الإطعام، إذ هؤلاء المساكين هم الذين في

الإطعام فيشترط لهم ما يشترط لهم.
(والثالث) : في صفة ما يدفع إليهم من الكسوة، وهو ما تصح صلاة الفريضة معه، إذ الكفارة عبادة، تعتبر فيها الكسوة، فلم يجز فيها أقل مما ذكرناه كالصلاة ولأن اللابس لما لا يستر عورته ليس بمكتس شرعا، إذا تقرر هذا فيدفع للرجل ثوب يستر عورته وعاتقه أو بعضه، على الخلاف في الواجب في المنكب، وللمرأة ما يستر عورتها وهي جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها على إحدى الروايتين، ولما كان ذلك لا يحصل غالبا إلا بدرع وهو القميص، وخمار، ذكر الخرقي ذلك، وإلا لو أعطاها ثوبا واسعا يستر بدنها ورأسها أجزأه ذلك، إناطة بستر عورتها المعتبرة في الصلاة، وقد وقع لابن البنا أنه يدفع للرجل قميص ومنديل، وفيه نظر، والله أعلم.

العتق في كفارة اليمين

قال: وإن شاء أعتق.
ش: قد تقدم الإجماع على التخيير في ذلك.

قال: رقبة مؤمنة قد صلت وصامت، لأن الإيمان قول وعمل، وتكون سليمة ليس فيها نقص يضر بالعمل.
ش: الكلام في العتق في شيئين: (أحدهما) في عدد المعتق وهو رقبة واحدة بالإجماع، وشهادة الكتاب والسنة.

(والثاني) : في صفة الرقبة، ويعتبر لها أمران (أحدهما) : أن تكون مؤمنة، وهو اتفاق في كفارة القتل، لنص الكتاب عليه، وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] أما في غيرها من الكفارات فروايتان تقدمتا في الظهار، والمذهب منهما بلا ريب عند الأصحاب اشتراط ذلك أيضا، وأبو بكر يختار عدم الاشتراط كالرواية الأخرى، ومبنى ذلك على أنه هل يحمل المطلق على المقيد مع الاختلاف في السبب، والاتحاد في الحكم أم لا؟ وفيه ثلاثة أقوال، ثالثها - وهو اختيار أبي الخطاب - يحمل بضرب من القياس، وبيانه هنا أن الإعتاق يتضمن تكميل أحكامه، ومن تكميل أحكامه بل هو رأسها الإسلام، فاشترط فيه ذلك، كالمعتق في كفارة القتل وحيث اشترط الإيمان فهل يشترط له الصوم والصلاة أم لا؟ فيه عن أحمد ما يدل على روايتين (إحداهما) - وهي اختيار الأكثرين - لا يشترط ذلك، فعلى هذا يجوز عتق الطفل الصغير، لأنه محكوم بإيمانه شرعا، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: 21] .

3726 - وفي الصحيح من حديث «معاوية بن الحكم أنه أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بجارية، فقال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» » ، فحكم لها بالإيمان بهذا القول، وكذلك في حديث أبي هريرة، ولأن أحكام الإسلام جارية على الطفل في إرثه وغسله، ودفنه والصلاة عليه، وغير ذلك، فكذلك في عتقه في الكفارة، وعلى هذه الرواية لا يجزئ الجنين، لعدم ثبوت أحكام الدنيا له.
(والثانية) وهي اختيار الخرقي يشترط ذلك، وعللها الخرقي - تبعا لأحمد في رواية الأثرم - بأن الإيمان قول وعمل، وإذا لا بد من وجود العمل،

إما حقيقة، وإما تأهلا، وعلى هذا هل يشترط حقيقة العمل أو التأهل لذلك؟ فيه أيضا عن أحمد ما يدل على قولين (أحدهما) : المشترط التأهل، وهو ظاهر كلامه في رواية حنبل: أحب إلي أن يكون كبيرا، وهو الذي اعتمده القاضي، وأبو البركات، فحكيا الرواية على أنه لا يجزئ من له دون سبع سنين، ويجزئ من بلغها لتأهله لعمل ذلك.
(والثاني) : المشترط العمل، وهو ظاهر كلام الخرقي، وأحمد في رواية الأثرم، وقد تقدمت، فعلى هذا من صام وصلى وصح ذلك منه أجزأ وإن كان صغيرا، ومن لا فلا وإن كان كبيرا، اهـ. وحيث لم يشترط الإيمان فأحمد إنما نص على إجزاء اليهودية والنصرانية، وكذلك قال أبو محمد (وعنه) تجزئ الذمية، وهذا ربما أعطى أنه لا يجزئ غير الذمية بلا خلاف، وبعض الأصحاب يطلق الخلاف في اشتراط الإيمان في غير كفارة القتل وعدمه، اهـ. (الأمر الثاني) : أن تكون الرقبة سليمة، ومعنى سلامتها أن لا يكون فيها نقص يضر بالعمل، وقد تقدم ذلك في الظهار، فلا حاجة إلى إعادتها والله أعلم.

قال: ولو اشتراها بشرط العتق وأعتقها في الكفارة عتقت ولم تجزئه عن الكفارة.
ش: هذا هو المشهور من الروايتين، والمختار للأصحاب، لأن عتقه مستحق بسبب آخر فلم يجزئه، كما لو اشترى قريبه ينوي به عتقه عن الكفارة، أو علق عتقه على شرط، ونواه عند وجوده.
(والثانية) : تجزئ لأن عتقه لم يتحتم، أشبه المعلق عتقه بصفة قبل وجودها، ولعل هذا يلتفت إلى أن شرط العتق هل هو حق لله تعالى بحيث يجبر المشتري عليه، وإذا لا يجزئ في الكفارة، أو لآدمي، فلا يجبر المشتري عليه، بل للبائع الفسخ، وإذا يجزئ في الكفارة؟ فيه قولان.
وقد فهم من كلام الخرقي جواز اشتراط هذا الشرط في البيع، وصحة البيع المشروط فيه هذا الشرط، ولنشر إلى المسألتين، (فأما) جواز اشتراط العتق في البيع ففيه روايتان، (المذهب منهما) عند الأصحاب جواز ذلك وصحته.
3727 - لما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق، فاشترطوا ولاءها، فذكرت ذلك لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق» متفق عليه.
إلا أن البخاري لم يذكر لفظ: أعتقيها.
(والثانية) لا يصح ذلك، وهي ظاهر كلام صاحب الوجيز، لأنه شرط مناف لمقتضى البيع، أشبه اشتراط أن لا يبيعه ولا يهبه، ونحو ذلك على المذهب، (فعلى الأولى) هل يجبر المشتري على العتق إن أباه، وهو المشهور، أو يكون للبائع الفسخ؟ فيه قولان مبنيان على ما تقدم، (وعلى الثاني) : هل يبطل البيع، وهو اختيار أبي الخطاب في خلافه، لأن فواته يفوت الرضى الذي هو شرط لصحة البيع قطعا، أو لا يبطل، وهو اختيار أبي محمد، لحديث بريرة، فإن أهلها اشترطوا الولاء، ولم يبطله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فيه روايتان، والله أعلم.

قال: وكذلك لو اشترى بعض من يعتق عليه إذا ملكه، ينوي بشرائه الكفارة، عتق ولم يجزئه.
3728 - ش: أما العتق فلعموم: «من ملك ذا رحم محرم عتق عليه» » ، وأما عدم الإجزاء في الكفارة فلأن الواجب تحرير الرقبة، كما نص الله عليه سبحانه، والتحرير فعل العتق، ولم يحصل هنا، إنما الذي حصل الشراء، ولأنه لم يخلص العتق

لله سبحانه، أشبه ما لو أعتقه رياء وسمعة، والله أعلم.

قال: ولا يجزئ في الكفارة أم ولده.
ش: هذا هو المشهور والمختار للأصحاب من الروايتين، لأن عتقها مستحق بسبب آخر، أشبه المعلق عتقه بصفة عند وجودها ونحوه.
(والثانية) : يجزئ لدخول ذلك تحت قوله سبحانه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92] والله أعلم.

قال: ولا مكاتب قد أدى من كتابته شيئا.
ش: هذا إحدى الروايات، واختيار القاضي وأصحابه وغيرهم، لأنه إذا أدى فقد حصل العوض عن بعض الرقبة في المعين، فلم يجز كما لو أعتق بعضها، وإذا لم يؤد فهي رقبة كاملة لم يؤد عن شيء منها عوض، أشبهت المدبرة.
(والثانية) : وهي اختيار أبي بكر يجزئ مطلقا، لأنه عبد ما بقي عليه درهم، كما ثبت بالنص فأجزأ عتقه كغيره، ولدخوله تحت قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92] . (والثالثة) : لا يجزئه مطلقا، لأن عتقه مستحق بسبب آخر، أشبه أم الولد، ولا نزاع أنه لو أعتق عبدا على مال يأخذه منه لم يجزئه عن الكفارة، والله أعلم.

قال: ويجزئ المدبر.
ش: لدخوله تحت قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92] ولأن التدبير إما وصية أو تعليق بصفة، وأيا ما كان فإنه يجزئ كما يجزئ الموصى به، والمعلق عتقه بصفة قبل وجودها.
قال: والخصي.
ش: لأن ذلك لا يضر بالعمل، فأشبه الفحل، ولا فرق بين المقطوع والأشل والموجوء، لتساويهم في المعنى والله أعلم.

قال: وولد الزنا.
ش: لدخوله تحت قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92] ولأنه كغيره في جواز بيعه وعتقه، وقبول شهادته ونحو ذلك، فكذلك في إعتاقه عن الكفارة.
3729 - وما ورد من قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ولد الزنا شر الثلاثة» فقد قال الطحاوي: المراد به الملازم للزنا، كما يقال: ابن السبيل، للملازم لذلك، وقال غيره: هو شر

الثلاثة أصلا ونسبا وعنصرا، لخبثه، وهو نشوءه من ماء الزنا، على أن الكلام في أحكام الدنيا، وليس في الحديث تعرض لذلك، والله أعلم.

الصيام في كفارة اليمين

قال: فمن لم يجد من هذه الثلاثة واحدا صام ثلاثة أيام.
ش: إذا لم يجد واحدا من الثلاثة السابقة - وهي الإطعام والكسوة والعتق - بأن لا يجد ذلك أصلا أو وجده وتعذر عليه شراؤه لعدم الثمن، أو لكونه محتاجا إلى ما هو أهم منه، كما هو مفصل في موضعه، فإنه ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام بالإجماع، وشهادة الكتاب والله أعلم.

قال: متتابعة.
ش: قدر الصيام ثلاثة أيام بنص الكتاب والإجماع، وشرطها التتابع على المشهور والمختار للأصحاب من الروايتين.
3730 - نظرا إلى أن ذلك قد ورد في قراءة أبي وعبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ذكره الإمام أحمد في التفسير

وغيره، وناهيك بهما، وهو وإن لم يثبت كونه قرآنا - لعدم تواتره - فلا أقل من أن ينزل منزلة خبر الآحاد، على أنهما سمعاه من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على سبيل التفسير، فظناه قرآنا، وإذا فهو حجة يجب المصير إليه.
(والثانية) : لا يجب التتابع فيها، عملا بإطلاق الآية الكريمة، والصحابي إنما نقل ذلك على كونه قرآنا، وإذا لم يثبت كونه قرآنا سقط اعتباره رأسا، وأصل ذلك أن ما صح من القراءة الشاذة هل يكون حجة، بحيث يخصص العام، ويقيد المطلق، ونحو ذلك أم لا؟ فيه قولان للعلماء، وهما روايتان عن إمامنا أشهرهما نعم، وهو مذهب الحنفية، والثانية: لا، وهو مذهب الشافعية، وحيث اشترطنا التتابع فأفطر فيها فلا يخلو إما أن يكون لعذر أو لغير عذر، وبيان ذلك قد تقدم مفصلا في الظهار والله أعلم.

قال: ولو كان الحانث عبدا لم يكفر بغير الصوم.
ش: قد تقدم الكلام على هذا في الظهار بما فيه كفاية، ونزيد هنا بأن ظاهر كلامه صحة يمين العبد، ولا ريب في

ذلك، لدخوله تحت الخطاب، وأن السيد ليس له منعه من الصيام وإن أضر به، وهو كذلك، لأنه حق لله تعالى، فأشبه صوم رمضان أو قضائه، وهذا بخلاف الحج، لأن الضرر كثير، لطول مدته، وفوات خدمته والله أعلم.

قال: ولو حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق فعليه الصوم ولا يجزئه غيره.
ش: هذا ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم، في عبد حلف فحنث وهو عبد، ولم يكفر حتى عتق: يكفر كفارة عبد، لأنه إنما يكفر ما وجب عليه يوم حنث، ولو افترى وهو عبد ثم أعتق فإنما يجلد جلد العبد؛ وقد ذكر أحمد الحكم ودليله، وملخص القياس أن هذا حق تعلق به وهو رقيق فلم يتغير بحريته كالحد، وأيضا فإن الذي خوطب به وتعلق به هو الصوم، لا سيما على قول الخرقي، فإنه لو أذن له في التكفير بالمال لم يكن له ذلك، فإذا فعل غير ما خوطب به لم يجزئه.
[كما لو وجبت عليه صلاة الصبح فصلى بدلها مائة ركعة أو أكثر فإنها لا تجزئه] . وسيأتي لذلك تتمة إن شاء الله تعالى.
واعلم أن هذا على مختار الخرقي من أنه ليس له التكفير

بغير الصوم، أما من قال: يجوز له التكفير بالمال في الجملة في حال رقه فبعد عتقه أولى، ولهذا قال القاضي في قول الخرقي: إن فيه نظرا، قال: لأن المنصوص أنه يكفر كفارة عبد، أي لا يلزمه التكفير بالمال فإن كفر به أجزأه.
(قلت) : ولا نظر في ذلك على قول الخرقي، إنما النظر لو كان الخرقي يجوز له التكفير بالمال في حال رقه، كما يقوله القاضي، ثم قال ذلك، اهـ. وظاهر كلام الخرقي أن الاعتبار في الكفارات بحال الوجوب، إذ لو اعتبر أغلظ الأحوال لأوجب على العبد التكفير بالمال إذا قدر عليه قبل أن يأتي بالصوم، وقد اختلف عن إمامنا - رَحِمَهُ اللَّهُ - في هذه المسألة، (فعنه) - كما هو ظاهر كلام الخرقي - الاعتبار بحال الوجوب، وهذا اختيار القاضي في تعليقه، والشريف وأبي الخطاب في خلافيهما، وابن شهاب وأبي الحسين، والشيرازي، وابن عقيل وغيرهم، لأنه حين الاستقرار في الذمة، لأنه لو فعل ما وجب عليه إذ ذاك لأجزأه بلا ريب، ولأن الكفارة وجبت على وجه الطهرة، فاعتبرت بحال الوجوب كالحد (وعنه) : الاعتبار بأغلظ الأحوال، اختارها القاضي في روايتيه، وحكاها الشريف وأبو الخطاب عن الخرقي، وكأنهما أخذا ذلك من قوله: ومن دخل في الصوم ثم أيسر لم يكن عليه الخروج من الصوم إلى العتق أو الإطعام إلا أن يشاء.
إذ

ظاهره أن من لم يدخل في الصوم كان عليه الانتقال إلى العتق أو الإطعام، وما تقدم أظهر (وبالجملة) وجه هذا القول بأنه حق يجب في الذمة بوجود مال، فاعتبر بأغلظ الحالين كالحج، والجواب القول بالموجب في الحج، لأنه ليس له حالتان، إنما له حالة واحدة، وهي حالة اليسار، يجب فيها ويستقر، وقبل ذلك لا يخاطب به أصلا، والكفارة يخاطب بها على كل حال، (وعنه) رواية ثالثة حكاها الشيرازي: الاعتبار بحال الأداء، قياسا على الوضوء، فالجامع أنه حق له بدل من جنسه، فكان الاعتبار فيه بحال الأداء كالوضوء.
إذا تقرر هذا (فعلى الرواية الأولى) يعتبر اليسار والإعسار حال الوجوب عليه، فإذا كان موسرا إذ ذاك ففرضه العتق لا يجزئه غيره، وإن كان معسرا ففرضه الصوم، ولا يجب عليه العتق بعد وإن أيسر، (وعلى الثانية) متى وجد رقبة من حين الوجوب إلى حين التكفير لم يجزئه إلا العتق، (وعلى الثالثة) الاعتبار بحال الأداء، فإذا كان موسورا إذًا وجب عليه العتق، وإن كان حين الوجوب معسرا، ولو كان حين الأداء معسرا أجزأه الصوم، وإن كان حين الوجوب موسرا، اهـ. وقول الخرقي: ولو حنث وهو عبد.
إلى آخره إشعار بأن حالة الوجوب هي حالة الحنث، وهو كذلك قطعا، فعلى هذا لو حلف العبد ولم يحنث حتى عتق فحكمه حكم الأحرار، وهذا في اليمين، أما في الظهار والقتل فوقت الوجوب العود والزهوق، والله أعلم.

قال: ويكفر بالصوم من لم يفضل عن قوت عياله يومه وليلته مقدار ما يكفر به.

ش: قد تقدم أن من لم يجد واحدا من الثلاثة المتقدمة - وهي العتق، والإطعام والكسوة - انتقل إلى الصيام، وبيان عدم الوجدان أن لا يفضل عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته مقدار ما يكفر به، لأنه إذا يدخل تحت قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: 196] بخلاف ما إذا وجد ما يكفر به فاضلا عما تقدم، فإنه واجد، فلا يدخل تحت الآية الكريمة.
وعموم كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - يقتضي أن من وجد ما يكفر به فاضلا عما تقدم لا يجوز له أن يكفر بالصوم، وإن كان ماله غائبا، وهو كذلك بلا نزاع فعلمه، فيما إذا أمكنه الشراء بنسيئة، وكذلك إن لم يمكنه كما هو مقتضى كلام الخرقي، ومختار عامة الأصحاب، حتى أن أبا محمد، وأبا الخطاب والشيرازي وغيرهم جزموا بذلك، وقيل: يجوز والحال هذه العدول إلى الصوم، وهو الذي أورده أبو البركات مذهبا، وقيل: إنما يعدل إليه في كفارة الظهار خاصة إذا رجا إتمامه قبل حصول المال، وحكم الدين المرجو الوفاء حكم المال الغائب قاله أبو محمد.
وعموم كلامه أيضا يقتضي أن الدين لا يمنع وجوب الكفارة، وهو إحدى الروايتين، والرواية الثانية –

وصححها أبو محمد - يمنعها، ثم أن أبا محمد في المغني جعل محلهما في الدين غير المطالب به، أما المطالب به فيمنعها بلا خلاف، وغيره يطلق الخلاف.

قال: ومن له دار لا غنى له عن سكناها، أو دابة يحتاج إلى ركوبها، أو خادم يحتاج إلى خدمته، أجزأه الصيام في الكفارة.
ش: لأن ذلك من حوائجه الأصلية، أشبه الطعام المحتاج إليه، وفي معنى ما تقدم ما يلبسه ولو للتجمل، وما يحتاج إليه من كتب علم ونحو ذلك.
ومقتضى كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنه متى استغنى عن سكنى الدار، أو لم يحتج إلى دابة أو عبد، فإن الصيام لا يجزئه، وهو كذلك في الجملة، كما إذا كان له داران أو عبدان أو دابتان ونحو ذلك، يستغني بإحداهما، فإنه يبيع الأخرى، وينتقل إلى التكفير بالمال، وكذلك إذا كان له دار واحدة أو دابة واحدة، ونحو ذلك، وأمكنه بيعها وشراء ما يسكنه مثله أو يركبه مثله، ويفضل ما يشتري به رقبة، فإنه يلزمه ذلك، جمعا بين الحقين، وكذلك إذا كان مثله يخدم نفسه وله خادم، فإنه يلزمه عتقه، قاله أبو محمد، لأنه غير محتاج إليه، وعلى قياسه لو كان له دار يسكنها، ومثله يسكن بالأجرة، ولا ضرر عليه في ذلك، فإنه يلزمه بيعها والتكفير بالمال، ويستثنى من ذلك إذا كان له سرية يمكنه بيعها وشراء

سرية ورقبة يعتقها، فإنه لا يلزمه ذلك، وينتقل إلى الصيام، لتعلق الغرض بعينها، وكذلك إذا تعذر عليه بيع ما تقدم، أو أمكن البيع وتعذر الشراء، فإن له الانتقال إلى الصوم، لتعذر الجمع بين الحقين، فأشبه ما لو لم يكن له فضل، وتمام الكلام على ذلك له محل آخر، والله أعلم.

قال: ويجزئه إن أطعم خمسة مساكين وكسا خمسة.
ش: مناط المسألة أن يطعم بعضا ويكسو بعضا، بحيث يستوفي من المجموع عشرة، والخرقي ذكر صورة على سبيل المثال، وإنما أجزأ ذلك لأن كل فقير من العشرة مخير فيه بين إطعامه وكسوته، فإذا أطعم مثلا خمسة وكسا خمسة، فقد قام بالواجب عليه، فوجب أن يجزئه، ولأن كلا من الطعام والكسوة يقوم مقام الآخر في جميع العدد، فكذلك في بعضه، كالتيمم لما قام مقام الماء في البدن كله في الجنابة، قام مقام البعض فيما إذا كان بعض البدن صحيحا وبعضه جريحا.
ويتخرج لنا وجه آخر أنه لا يجزئه، كما لو أعطى في الجبران شاة وعشرة دراهم، لاستلزامه التخيير ثم بين ثلاثة أشياء، وهنا بين أربعة أشياء، والشارع إنما خيره ثم بين شيئين، وهنا بين ثلاثة أشياء.
(تنبيه) : لو أطعم المسكين بعض الطعام وكساه بعض الكسوة لم يجزئه بلا ريب، لأنه لم يأت بالواجب من أحدهما، والله أعلم.

قال: وكذلك إن أعتق نصفي عبدين، أو نصفي أمتين، أو نصفي عبد وأمة أجزأ عنه.
ش: هذا اختيار القاضي في تعليقه، وعامة أصحابه كالشريف وأبي الخطاب في خلافيهما، وابن البنا والشيرازي، لأن نصف الشيئين بمنزلة الشيء الواحد، بدليل ما لو كان له نصف ثمانين شاة مشاعا، وجبت عليه الزكاة كما لو ملك أربعين، واختار ابن حامد فيما حكاه القاضي في روايتيه، وأبو بكر وحكاه نصا عن أحمد أنه لا يجزئه ذلك، لأن إطلاق الرقبة ينصرف إلى الكاملة، ثم إن المراد من العتق تكميل الأحكام ولا يحصل من ذلك، وفي المذهب وجه ثالث اختاره الشيخان: إن كان نصفهما حرا أجزأ لتكميل الأحكام، إذ بذلك يحصل تكميل عبدين لا عبد واحد، فهو بالجواز أولى، وإلا لم يجزئ لما تقدم في دليل أبي بكر، والله أعلم.

قال: وإن أعتق نصف عبد، وأطعم خمسة مساكين أو كساهم لم يجزئه.
ش: لأن الأصل عدم التلفيق، لأنه عدول عن

المنصوص، وإنما قلنا به في الإطعام والكسوة لتساويهما في المعنى، وهنا لم يتساويا، بل تباينا، إذ القصد من العتق تكميل الأحكام، وتخليص الرقبة من الرق، والقصد من الإطعام والكسوة سد الخلة بدفع الحاجة، ودفع ضرر الحر والبرد مع ستر العورة، وهما متباينان، بخلاف الطعام والكسوة، فإنهما لتقاربهما أجريا مجرى الجنس الواحد، والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - نص على جواز التلفيق من الطعام والكسوة، وعلى منع ذلك في العتق مع أحدهما، وبقي عليه لو أتى ببعض واحد من الثلاثة ثم عجز عن تمامه، هل له التتميم بالصوم؟ ليس له ذلك قاله أبو محمد، قال: لأنه إذا لم يجز تكميل أحد نوعي المبدل من الآخر وهو الطعام أو الكسوة فتكميله بالمبدل أولى.
(قلت) : وقد يقال بذلك كما في الغسل والوضوء مع التيمم، فإنه لو وجد ماء يكفي لبعض طهارته لزمه استعماله ثم تيمم للباقي، وأبو محمد استشعر هذا، وأجاب عنه بأن التيمم لا يأتي ببعضه عن بعض الطهارة، وإنما يأتي به بكماله، قال: وها هنا لو أتى بالصيام جميعه أجزأه.
قلت: وهذا الجواب فيه نظر، فإنه وإن أتى به بكماله، فإنه إنما يأتي به عن بعض الطهارة لا عن كلها، ولهذا لو قدر على الماء لزمه غسل ما بقي من بدنه ولا يلزمه غسل الجميع وإنما كان يأتي به بكماله، لأنه التيمم ليس له إلا صفة واحدة ويرجح هذا أيضا قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» .

قال: ومن دخل في الصوم ثم أيسر لم يكن عليه الخروج من الصوم إلى العتق أو الإطعام إلا أن يشاء.
ش: هذا المذهب المجزوم به عند عامة الأصحاب، منهم أبو محمد في المغني، لأنه بدل لا يبطل بالقدرة على المبدل، فلم يلزمه الخروج إلى المبدل بعد الشروع فيه، كالمتمتع العاجز عن الهدي إذا شرع في صوم السبعة الأيام، فإنه لا يلزمه الخروج اتفاقا، وفارق التيمم فإنه يبطل بالقدرة على الماء بعد فراغه منه، وليس كذلك الصوم، فإنه لا يبطل إذا قدر على العتق وأيضا فإن الصوم يجري كل يوم منه مجرى عبادة منفردة، بدليل افتقاره إلى نية، وعدم تعدي فساده إلى ما قبله، وليس كذلك الصلاة.
ولأبي محمد في المقنع احتمال أنه يلزمه الانتقال، لقدرته على المبدل قبل إتمام البدل، فأشبه المتيمم إذا قدر على الماء قبل إتمام الصلاة، وقد تقدم الفرق.
وصريح كلام الخرقي أن له أن ينتقل إلى العتق والإطعام إذا شاء ذلك، لأنه إنما سقط عنه ذلك للرفق به، فإذا أتى به أجزأه، كالمريض الساقط عنه حضور الجمعة إذا حضرها، وقد تقدم للخرقي في العبد أنه إذا أعتق لا يجزئه غير الصوم، والفرق أن العبد ليس له أهلية التكفير بغير

الصوم كما تقدم، بخلاف الحر المعسر، وخرج أبو الخطاب في الحر المعسر قولا أنه كالعبد لا يجزئه غير الصوم، نظرا إلى أنهما إنما خوطبا بالصوم، ففعل غيره يكون عدولا عما وقع به الخطاب، ويتلخص أن في العبد والحر المعسر ثلاثة أقوال: (ثالثها) : للحر الانتقال بخلاف العبد، وهو اختيار الخرقي.
(تنبيه) : قال الشريف وأبو الخطاب في خلافيهما: فائدة هذه المسألة إذا قلنا: الاعتبار بأعلى الحالين، أما إن قلنا بحال الوجوب فلا، لأنه إذا لو قدر على العتق قبل الشروع في الصوم لم يلزمه.
(قلت) : ومن هنا قالا: إن مذهب الخرقي أن الاعتبار بأعلى الحالين، والذي يظهر أن الخرقي إنما نص على هذه المسألة للخلاف فيها؛ إذ مذهب الحنفية لزوم الانتقال والحال ما تقدم، ومن هنا يقال: إنه لا مفهوم لقوله: ومن دخل في الصوم ثم أيسر لم يكن عليه الخروج منه.
والله سبحانه أعلم.

باب جامع الأيمان

الرجوع في الأيمان إلى النية أم العرف

ش: الأولى قراءة باب، أي هذا باب جامع الأيمان، لأن المقصود الحكم على أيمان مختلفة، لا الحكم على من جمع أيمانا والله أعلم.
قال: ويرجع في الأيمان إلى النية.
ش: وذلك لما تقدم في المعاريض من حديث سويد بن حنظلة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. 3731 - وعن «أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: أقبل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شاب لا يعرف، قال فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل.
فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق؛ وإنما يعني سبيل الخير» . رواه أحمد والبخاري.
3732 - وفي «حديث ركانة الذي في السنن أنه لما طلق امرأته ألبتة، وقال للنبي: والله ما أردت إلا واحدة: فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والله ما أردت إلا واحدة؟» : فقال: «والله ما أردت إلا واحدة» ؛ وأيضا قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» وأيضا فإن كلام الشارع ورد على لغة العرب، ولا ريب أنه محمول على مراده الثابت بالدليل.
3733 - كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: 173] ؛ والمراد نعيم بن مسعود ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: 173] والمراد أبو سفيان وأصحابه، وهو كثير لا يكاد يحصى، فكذلك كلام غيره يحمل على مراده، إذا تقرر هذا فشرط الرجوع إلى النية احتمال اللفظ لها كما سيأتي إن شاء الله تعالى، أما إذا نوى باللفظ ما لا يحتمله أصلا، كأن حلف لا يكلم زيدا، وأراد لا يدخل بيتا ونحو ذلك فهذه نية مجردة، لا ارتباط لها باللفظ، فوجودها كعدمها، ثم النية تارة توافق ظاهر اللفظ، كما إذا نوى بالعموم العموم، وبالخصوص الخصوص، وبالإطلاق الإطلاق، ونحو ذلك، فهذه مؤكدة للفظ ومقوية له، كالشرط الموافق في العقد لمقتضاه، وتارة تخالف ظاهره، كأن يريد بعام خاصا، أو بمطلق مقيدا، أو بخاص عاما، ونحو ذلك مثل أن يحلف لا يأكل لحما ويريد لحم الإبل مثلا لا غيره، أو ليعتقن عبدا، ويريد عبدا بعينه، أو لا يأوي

مع امرأته في دارها مثلا، ويريد جفاءها بترك اجتماعه معها في جميع الدور ونحو ذلك.
(تنبيه) : رجوع الحالف إلى نيته هو فيما بينه وبين الله تعالى، بشرط احتمال اللفظ له كما تقدم، وعدم ظلمه كما تقدم أيضا، أما عند الحاكم فإن قرب ما ادعاه أنه قصده من الظاهر سمع منه، وإن بعد لم يسمع، وإن توسط فروايتان، والناظر الفهم في مظان ذلك لا يخفى عليه ما قلناه والله أعلم.

قال: فإن لم ينو شيئا رجع إلى سبب اليمين وما هيجها.
ش: إذا لم ينو شيئا - لا ظاهر اللفظ ولا غير ظاهره كما تقدم - رجع إلى سبب اليمين وما هيجها، أي أثارها، فإذا حلف مثلا أن لا يأوي مع امرأته في هذه الدار، وكان سبب يمينه غيظا من جهة الدار، لضرر لحقه من جيرانها، أو منة حصلت عليه بها ونحو ذلك اختصت يمينه بها كما هو مقتضى اللفظ، وإن كان لغيظ من المرأة يقتضي جفاءها، ولا أثر للدار فيه، تعدى ذلك إلى كل دار، المحلوف عليها بالنص، وما عداها بعلة الجفاء التي اقتضاها السبب، (وكذلك) : إذا حلف لا يدخل بلدا لظلم رآه فيه، أو لا يكلم زيدا لشربه الخمر مثلا، فزال الظلم، وترك زيد شرب الخمر، جاز له الدخول والكلام، لزوال العلة المقتضية لليمين، وذلك لأن السبب يدل على النية؛ لأنه الداعي للحالف على الحلف، والداعي إلى الشيء تتعلق الإرادة

به فيصير مرادا، ولهذا لما قال الحطيئة يهجو بني عجلان: ولا يظلمون الناس حبة خردل كان ذلك هجاء قبيحا، ولو قاله في مقام المدح كان مدحا حسنا، وما ذاك إلا لاختلاف المقام.

وكلام الخرقي يشمل ما إذا كان اللفظ خاصا والسبب يقتضي التعميم كما مثلناه أولا، أو عاما والسبب يقتضي التخصيص كما مثلناه ثانيا، ولا نزاع بين الأصحاب فيما علمت في الرجوع إلى السبب المقتضي للتعميم لما تقدم، واختلف في عكسه فقيل فيه وجهان، وقيل روايتان، وبالجملة فيه قولان أو ثلاثة: (أحدها) - وهو المعروف عن القاضي في التعليق، وفي غيره، واختيار عامة أصحابه، الشريف وأبي الخطاب في خلافيهما - يؤخذ بعموم اللفظ، وهو مقتضى نص أحمد في رجل حلف لا صدت من هذا النهر.
وكان سبب يمينه ظلم السلطان فزال السلطان، لم

يصطد فيه، وكذلك قال فيمن حلف لا يدخل بلدا لظلم رآه فيه فزال الظلم، فقال: النذر يوفى به، وقال أيضا في رواية المروذي فيمن قالت له زوجته: قد تزوجت علي، فقال: كل امرأة لي طالق، فإن المخاطبة تطلق مع نسائه مع أن دلالة الحال تقتضي إخراجها، إذ القصد إرضاؤها، ووجه ذلك الاعتماد على ظاهر اللفظ وهو العموم، والسبب لا ينافيه ولا معارضة بينهما، وصار هذا كألفاظ الشارع العامة، على المعروف عندنا وعند الأصوليين، تحمل على مقتضاها من العموم، ولا تخصص بأسبابها، وبنى أبو الخطاب ذلك على ما إذا اجتمع التعيين والإضافة.
والقول الثاني - وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي محمد، وحكي عن القاضي في موضع -: يحمل اللفظ العام على السبب، ويكون ذكر السبب مبنيا على أن العام أريد به خاص، لما تقدم، وأيضا فإن السبب هو العلة المقتضية للحكم، فيزول الحكم بزوالها، وخرج عن ذلك ألفاظ الشارع، فإن العلة في وجودها ليس السبب، ثم المقصود في ألفاظ الشارع تقرير الحكم وتعميمه لجميع المكلفين وفي جميع الصور، بخلاف غيره.
والقول الثالث: لا يقتضي التخصيص فيما إذا حلف لا يدخل البلد لظلم رآه فيه، ويقتضي التخصيص فيما إذا دعي إلى غداء فحلف لا يتغدى، أو حلف لا يخرج عبده أو زوجته إلا بإذنه والحال يقتضي ما داما كذلك، وقد أشار القاضي إلى هذا في التعليق، فقال - بعد ذكر صورة الغداء، وفيما إذا تأهبت امرأته للخروج فقال: إن خرجت فأنت

طالق -: لا يعرف الرواية عن أصحابنا في هذا، وقياس المذهب أن يمينه لا تقصر على الخروج الذي تأهبت له، ولا على الغداء عنده، لعموم اللفظ، ولقول أحمد - وذكر مسألة الصيد من النهر - قال: وقيل تقصر يمينه على الغداء عنده، وعلى الخروج الذي تأهبت له لأنه لا عموم لهذا اللفظ، إذ قوله: إذا خرجت، يقتضي خروجا واحدا، وكذلك: إن تغديت، يقتضي غداء واحدا، فيختص ذلك الواحد المنكر بدلالة الحال.
تنبيهان: (أحدهما) : هذا الذي قاله الخرقي - من تقديم النية على السبب - هو الذي اعتمده عامة الأصحاب، وعكس ذلك الشيرازي، فقدم السبب على النية.
(الثاني) : إذا اختلف السبب والنية، كأن تمن امرأته عليه بغزلها، فحلف: لا لبست ثوبا من غزلها؛ وقصده اجتناب اللبس خاصة، دون الانتفاع بالثمن، قدمت النية على السبب وجها واحدا، لموافقتها مقتضى اللفظ، وإن قصد ثوبا واحدا فكذلك في ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي محمد، إذ السبب إنما اعتبر لدلالته على القصد، فإذا خالف حقيقة القصد كان وجوده كعدمه، وقدم القاضي والحال هذه السبب لموافقته العموم، فيجتمع ظاهران على مخالفة النية، قلت: وهذا متوجه في الحكم.

(الثالث) : بحث شهاب الدين القرافي بحثا ملخصه الفرق بين النية المخصصة والمؤكدة، وقال: إن أهل العصر لا يكادون يفرقون بينهما، فالحالف إذا حلف لا يلبس ثوبا ونوى الكتان لا يحنثوه بغيره، قال: وهو خطأ بالإجماع، إذ العام إذا أريدت به أفراده حصل التحنيث بها في اللفظ والنية المؤكدة، وإن لم ترد حنث باللفظ، وإن نوى بعض الأفراد غافلا عن البعض الآخر حنث في المنوي باللفظ والنية المؤكدة وفي البعض الآخر باللفظ، وإن أطلق العام ونوى إخراج بعض أفراده لم يحنث بالمخرج، ثم بين ذلك بقاعدة، وهي أن من شرط المخصص أن يكون منافيا للمخصص ومعارضا له، وقصد البعض مع الغفلة عن الباقي لا معارضة فيه، ونظر ذلك بـ (اقتلوا الكفار، اقتلوا اليهود) فاقتلوا اليهود، لا يعارض الأول، بل يؤكد بعض أنواعه، ولو قال: لا تقتلوا أهل الذمة؛ لخصص لحصول المنافاة،

ثم أورد على نفسه أن العلماء يستعملون العام في الخاص وهو ما تقدم، وأنه لو قال: لا لبست ثوبا كتانا، اختصت يمينه بالكتان، وأجاب عن الأول بأن معنى قولهم، إطلاق اللفظ، وإخراج بعض مسمياته عن الحكم المسند للعموم، لا قصد بعض العموم، وعن الثاني بأن المستقل إذا لحقه غير مستقل صيره غير مستقل، والصفة هنا وهي «كتانا» لا تستقل، فإذا لحقت مستقلا وهو الموصوف قبلها صيرته غير مستقل فأبطلت عمومه، وأورد على هذا لم لا تجعل الصفة مؤكدة للعموم في البعض، ويبقى الباقي على عمومه كما في النية، إذ التأكيد يكون باللفظ إجماعا، وأجاب بأن الصفة لفظ له مفهوم مخالفة، وهو دلالته على العدم عن غير المذكور، والمفهوم من دلالة الالتزام، والنية لا دلالة لها، لا مطابقة ولا تضمنا ولا التزاما، لأنها من المعاني، والمعاني مدلولات، فليس فيها ما يقتضي إخراج غير المنوي، فبقي الحكم للعموم.
وهذا البحث الذي قاله حسن، إلا أن ظاهر قول الفقهاء من أصحابنا وغيرهم يخالفه، والظاهر أن مثل هذا من باب إطلاق العام وإرادة الخاص، وقوله: إن معنى ذلك إطلاق اللفظ وإخراج بعض مسمياته؛ منازع فيه، بل هو إطلاق العام مريدا لخاص، كإطلاق الثوب مريدا به الكتان، وقد وقع للقاضي من أصحابنا أن اللفظ في نفسه لا يتصف بعموم ولا خصوص إلا بقصد المتكلم، فإذا قال

الحالف: لا لبست ثوبا، يقصد الكتان، فقصده لا يتناول غير الكتان، فلا يحنث إلا به، وقد حكى القاضي عبد الوهاب - وناهيك به - أن العموم هل يقصر على مقصوده، أو يحمل على عموم لفظه؟ على قولين لأصحابه وغيرهم، ونصر قصره، وهذا هو هذه المسألة بعينها والله أعلم.

قال: ولو حلف لا يسكن دارا هو ساكنها خرج من وقته، فإن تخلف عن الخروج حنث.
ش: لأن يمينه اقتضت المنع من السكنى، فمتى تأخر عن الخروج حنث، لأنه يصدق عليه أنه ساكن، (وظاهر) إطلاق الخرقي يقتضي أنه لو أقام لنقل متاعه وأهله، أو لخوف من الخروج، ونحو ذلك أنه يحنث، والمعروف خلاف هذا، إذ الانتقال عرفا إنما يكون بالأهل والمال وعلى وجه يمكنه، فهو غير داخل في اليمين، (وظاهر) إطلاقه أيضا أنه لو خرج دون أهله ومتاعه أنه لا يحنث، والمعروف حنثه أيضا في الجملة، اعتمادا على العرف كما تقدم، إذ العرف أن السكنى تكون بالأهل والمال، ألا ترى أنه يقال: فلان ساكن في كذا.
وهو غائب عنه، وفرق أبو محمد في المغني، فحنثه

بالأهل دون المتاع، واتفق هو والأصحاب فيما علمت أنه لو أودع متاعه أو أعاره، أو أزال ملكه عنه، أو أبت امرأته من الخروج ولم يمكنه إكراهها أنه لا يحنث بالخروج وحده.
(تنبيه) : هذا مع عدم النية والسبب، أما مع وجود أحدهما فالاعتماد عليه كما تقدم، وكذلك في كل صورة تأتي والله أعلم.

قال: ولو حلف لا يدخل دارا فحمل وأدخلها ولم يمكنه الامتناع لم يحنث.
ش: لأن الفعل غير منسوب إليه ولا موجود منه، وخرج من كلامه ما إذا دخلها من غير حمل فإنه يحنث مطلقا، حتى لو دخلها في ماء أو من ظهرها، لوجود المحلوف عليه، نعم يستثنى من ذلك ما إذا دخلها ناسيا على المذهب، إلا في الطلاق والعتاق، أو مكرها على أشهر الروايتين، وخرج التفرقة بين الطلاق والعتاق وغيرهما وخرج أيضا ما إذا أمكنه الامتناع ولم يمتنع فإنه يحنث، وهو أحد الوجهين، واختيار أبي محمد، لأن له نوع اختيار، أشبه ما لو كان الدخول بأمره؛ (الوجه الثاني) - وحكي عن القاضي -: لا يحنث، لأن الفعل منسوب إلى غيره، وحيث لم نحنثه بالدخول ففي حنثه بالاستدامة وجهان، والله أعلم.

قال: ولو حلف لا يدخل دارا فأدخل يده أو رجله أو رأسه أو شيئا منه حنث.

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل