كتاب العدد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين توفي أبو سلمة، وقد جعلت علي صبرا، فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب.
قال: «إنه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل، وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحنا، فإنه خضاب» قالت: قلت بأي شيء، أمتشط يا رسول الله؟ قال: «بالسدر تغلفين به رأسك» رواه أبو داود والنسائي.
(والزينة تشمل) زينة البدن، كالاختضاب وتحمير الوجه، وجعل الصبر عليه وتحفيفه، ونحو ذلك، لما تقدم في الأحاديث، وما لم يذكر فيها فبالقياس على ما ذكر، ولا تمنع مما يراد للتنظيف كالامتشاط بالسدر، لحديث أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وكتقليم الظفر، وحلق الشعر المندوب إلى حلقه، ونحو ذلك، (وتشمل) زينة الثياب، فيحرم عليها المصبوغ من الثياب للتحسين، كالمعصفر والمزعفر، والأزرق الصافي والأخضر الصافي، ونحو ذلك، لما تقدم من حديث أم سلمة وأم عطية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، ولا تمنع من مصبوغ لم يقصد
بصبغه حسنه، كالكحلي والأخضر المشبع ونحو ذلك، نظرا للمعنى، وتخصيصها به، ولا من غير مصبوغ وإن كان حسنا، لعدم دخوله في الحديث، ولأن حسنه من أصل خلقته، أشبه إذا كانت المرأة حسناء، فإنه لا يلزمها أن تشوه نفسها، وفي منعها مما صبغ غزله ثم نسج وجهان، بناء على تفسير ثوب العصب المستثنى في الحديث ما هو، وسيأتي إن شاء الله تعالى، (وتشمل) الزينة أيضا الزينة بالحلي، كالخلخال والسوار، حتى الخاتم، لعموم حديث أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ولا الحلي انتهى.
(وتجتنب) أيضا الكحل بالإثمد، وهو نوع من الزينة، وقد تقدم المنع في الأحاديث منه، ولا فرق بين السوداء وغيرها، نظرا للعموم، نعم إن اضطرت إلى التداوي بذلك جاز ليلا، وتمسحه نهارا، لما تقدم عن أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، ولا تمنع من الكحل بالتوتيا أو العنزروت ونحوهما، لعدم الزينة، والمنع ملحوظ فيه الزينة، (وتجتنب) أيضا النقاب، وكأنه لا نص في ذلك عن أحمد، لأن كثيرا من الأصحاب عزا ذلك إلى الخرقي، وذلك لأن المعتدة مشبهة بالمحرمة، والمحرمة تمنع من ذلك، وعلى هذا تمنع مما في معنى ذلك كالبرقع، ولو احتاجت إلى ما يستر وجهها سدلت عليه، كما تفعل المحرمة، وتجتنب) أيضا المبيت في غير منزلها.
2839 - لما «روي عن الفريعة بنت مالك بن سنان - وهي أخت أبي سعيد الخدري - أنها جاءت إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا، حتى إذا كانوا بطرف القدوم، لحقهم فقتلوه، فسألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أرجع إلى أهلي، فإني لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نعم» قالت: فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني، أو أمرني فدعيت له فقال: «ما قلت» ؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، قالت: فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، قالت: فلما أن كان عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به» ، رواه الخمسة وصححه الترمذي.
وتجب العدة في المنزل الذي مات الزوج وهي ساكنة فيه، سواء كان مملوكا لزوجها أو لم يكن، كحال فريعة، إلا أن تدعو ضرورة إلى خروجها منه،
بأن يحولها مالكه، أو تخشى على نفسها هدما أو غرقا أو عدوا ونحو ذلك، فلها أن تنتقل، لكن هل تنتقل إلى أقرب الأماكن إلى المسكن، وبه جزم أبو الخطاب في الهداية، وأبو البركات، أو حيث شاءت، وهو مختار أبي محمد، وحكاه عن القاضي، فيه وجهان، وقد ذكر أبو محمد من صور الأعذار المبيحة للانتقال إذا لم تجد أجرة المنزل إلا من مالها، فإن لها الانتقال، وذكر هو وغيره أنه لا يجب للمتوفى عنها سكنى إن كانت حائلا بلا نزاع، وفيما إذا كانت حاملا روايتان، وحاصل قوله - وقد صرح به - أن الواجب عليها فعل السكنى، لا تحصيل المسكن، وهو مقتضى قول القاضي في تعليقه، فإنه قال: إذا بذل لها المنزل فإنه يلزمها أن تعتد فيه، ولا يحل لها البيتوتة في غيره، نص عليه في رواية حنبل، وفرق بينها وبين المبتوتة، انتهى، وفي ما قالاه نظر، فإنه يفضي إلى إسقاط العدة في المنزل رأسا، فإن الورثة إذا لم يبذلوا السكن والمرأة إذا لم تبذل الأجرة سقط الاعتداد في المنزل، وظاهر الحديث يخالفه، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لها: «امكثي في بيتك» مع قولها: إنه لم يتركها في مسكن يملكه ولا نفقة، ولو كان لأمرها بالمكث في بيتها شرط، وهو بذل الورثة الأجرة، لبينه، ثم إن عامة الأصحاب يقولون: لا تخرج عن منزلها إلا لضرورة ووزن الأجرة ليس بضرورة عليها، ولفظ أحمد في رواية حنبل: لا تبيت المطلقة والمتوفى عنها إلا في
منزلهما يذهبان بالنهار، فإذا كان الليل أتيا المنزل الذي أدركهما فيه الوفاة، والطلاق أسهل، وهذا النص أيضا على وفق الحديث، والذي يظهر لي أنها يجب عليها بذل الأجرة من مالها إن قدرت على ذلك، وإلا فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
وظاهر كلام الخرقي أنها لا تجتنب الخروج نهارا، وهو كذلك، نص عليه أحمد كما تقدم والأصحاب، دفعا للحرج والمشقة، إذ الحاجة قد تدعو إلى ذلك.
2840 - وقد «روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: طلقت خالتي ثلاثا، فخرجت تجذ نخلها، فلقيها رجل فنهاها، فذكرت ذلك للنبي، فقال: «اخرجي فجذي نخلك، لعلك أن تصدقي منه أو تفعلي خيرا» رواه النسائي وأبو داود، لكن اشترط كثير من الأصحاب لخروجها في النهار الحاجة، وأحمد وجماعة لم يشترطوا ذلك، فلا حاجة في التحقيق إلى اشتراطه، لأن المرأة وإن لم يكن متوفى عنها تمنع من خروجها من بيتها لغير حاجة مطلقا، وقوله: وتجتنب الزوجة.
يخرج منه غير الزوجة كأم الولد ونحوها، فإنه لا إحداد عليها، ويدخل فيه كل زوجة، وإن كانت ذمية أو غير مكلفة، وهو كذلك، والمخاطب بتحصيل الإحداد على غير المكلف هو الولي.
(تنبيه) الإحداد المنع، فالمرأة تمنع نفسها مما كانت
تتهيأ به لزوجها، من تطيب وتزين، فقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تحد المرأة» وقوله بعد: «ولا تلبس ثوبا مصبوغا» إلى آخره، عطف تفسيري للإحداد، يقال: أحدث المرأة إحدادا فهي محد، وحدت تحد وتحد، بالضم والكسر، فهي حاد، وسمي الحديد حديدا لامتناعه به، أو لامتناعه على من يحاوله، و «العصب» برود يمنية يعصب غزلها، أي يجمع ويشد، ثم يصبغ بعد ذلك وتنسج، فيأتي موشيا لبقا، ما عصب منه أبيض، لم يأخذه الصبغ، هذا تفسير المنذري، والقاضي من أصحابنا وغيرهما، ولهذا أباح القاضي ما صبغ غزله مطلقا، وقال أبو محمد - تبعا للسهيلي - إنه نبت يصبغ به لا ينبت إلا باليمن، ومن ثم اختار أبو محمد تحريم ما صبغ غزله ثم نسج للتحسين، نظرا للمعنى، (والنبذة) القطعة من الشي (والقسط) العود الذي يتبخر به، وقيل هو طيب غيره، ويقال بالقاف والكاف (والأظفار) جنس من الطيب، لا واحد له من لفظه، وقيل واحدة ظفر، وروي: «قسط وأظفار» على العطف، وروي: أو أظفار، على الإباحة والتسوية، ورخص في ذلك لأجل قطع الرائحة الكريهة، لا على معنى التطيب (والممشقة) من الثياب المصبوغة بالمشق، بكسر الميم وفتحها، وهو المغرة بفتح الميم (وكحل الجلا) هو الإثمد،
وحكى فيه كسر الجيم وفتحها، والمد والقصر (والصبر) معروف الدواء المر (ويشب الوجه) أي يوقد اللون ويحسنه، من قولهم شببت النار، إذ أوقدتها، «وتغلفين» أي تلطخين، و «خدرة» بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة، بطن من الأنصار، «والقدوم» بفتح القاف وضم الدال المهملة موضع على ستة أميال من المدينة، ويشدد ويخفف.
إحداد المرأة المطلقة ثلاثا
قال: والمطلقة ثلاثا تتوقى الطيب والزينة والكحل بالإثمد.
ش: هذا إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار الخرقي والقاضي، وعامة أصحابه، لأنها معتدة، بائن من نكاح، فلزمها الإحداد كالمتوفى عنها، ولأن العدة تحرم النكاح، فحرمت دواعيه، كالإحرام والصيام، (والثانية) وهي اختيار أبي بكر في الخلاف وابن شهاب: لا يحرم عليها شيء من ذلك، لعموم الحديث، فإنه دل على أن كل امرأة لا تحد إلا امرأة توفي عنها زوجها.
وقول الخرقي: المطلقة ثلاثا: تخرج منه الرجعية، لأنها زوجة، ويلحق بالمطلقة ثلاثا كل بائن، وظاهر كلام الخرقي أنها لا تجتنب النقاب، وصرح بذلك أبو محمد في الكتاب
الكبير، وظاهر كلامه في كتابه الصغير، وكذلك أبو البركات منعها من ذلك، وظاهر كلام الخرقي أيضا أنه لا يجب عليها البيتوتة في منزل الطلاق، وهو أشهر الروايتين، والمجزوم به عند كثير من الأصحاب، القاضي وأبي محمد وغيرهما.
2841 - «لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر فاطمة بنت قيس أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم» . وحكي عنه أنها كالمتوفى عنها، وعلى الأول هل لها البيتوتة عن المنزل الذي تكون فيه، والسفر عن البلد؟ فيه روايتان، أنصهما: نعم، وهذا كله إذا لم يمنعها المطلق من ذلك، فأما إن أراد إسكانها في موضع يصلح لها، ولا محذور فيه، تحصينا لفراشه، لزمها ذلك.
قال: وإذا خرجت للحج فتوفي زوجها وهي بالقرب، رجعت لتقضي العدة، وإن كانت قد تباعدت مضت في سفرها.
ش: إذا سافرت المرأة إلى الحج، ثم توفي عنها زوجها، فلا يخلو إما أن تكون قريبة أو بعيدة، فإن كانت قريبة لزمها العود، لتأتي بالعدة في المنزل الذي وجبت فيه، لأن القريبة في حكم المقيمة.
2842 - وقد روى سعيد بن منصور: ثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن المسيب، قال: توفي أزواج نساء وهن حاجات أو
معتمرات، فردهن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من ذي الحليفة، حتى يعتددن.
وكلام الخرقي يشمل ما إذا أمكنها مع الرجوع الإتيان بالحج، وما إذا لم يمكن، ولا نزاع في ذلك مع الإمكان، اللهم إلا إذا لحقها في الرجوع ضرر، فإنها تمضي، كما لو تباعدت، وإن لم يمكن فهل (تقدم العدة) وهو ظاهر كلام أحمد في رواية حرب ويعقوب بن بختان، لعموم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لفريعة: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» وهذه في حكم المقيمة في البيت، (أو الحج) إن كانت قد أحرمت به قبل العدة، وهو اختيار القاضي، لمزيته بالسبق، ولعموم: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] ؟ على روايتين، فعلى الأول تتحلل لفوات الحج بعمرة كالمحصرة، وإن كانت بعيدة مضت في سفرها، لأنها تحتاج إلى سفر في رجوعها، فأشبهت من بلغت مقصدها.
وظاهر كلام الخرقي أن مضيها على سبيل الوجوب، وجعله أبو محمد على سبيل الجواز إن وصلت إلى منزلها قبل انقضاء
عدتها، وفصل أبو البركات فقال: إن أمكنها الرجوع لقضاء العدة، ثم الإتيان بالحج خيرت، وإن لم يمكنها قدمت الحج، فخصص إطلاق الخرقي.
(تنبيه) حد القريب ما لا تقصر فيه الصلاة، والبعيد عكسه، قاله القاضي.
قال: فإن رجعت وقد بقي عليها شيء من عدتها أتت به في منزلها.
ش: يعني إذا مضت في الحج ثم رجعت وقد بقي عليها شيء من عدتها، فإنها تأتي به في منزلها، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» .
قال: ولو توفي عنها زوجها أو طلقها وهو ناء عنها، فعدتها من يوم مات أو طلق، إذا صح ذلك عندها، وإن لم تجتنب ما تجتنبه المعتدة.
ش: هذا هو المذهب المشهور، والمختار للأصحاب من الروايتين، نظرا إلى أن العدة سببها ذلك، والمسبب يتعقب السبب، ولأن غاية ما فات القصد، وهو غير معتبر في العدة، بدليل الصغيرة والمجنونة تنقضي عدتها من غير قصد، ولأنها لو وضعت حملها غير عالمة بفرقة زوجها لانقضت عدتها، فكذلك سائر أنواع العدة، (والرواية الثانية) إن ثبت ذلك ببينة فكذلك لتحقق السبب، وإلا فعدتها من يوم بلغها الخبر، لعدم تعلق الحكم بها قبل ذلك، وقوله: إذا صح ذلك عندها.
لأنه إذا لم يصح فلا شيء من يقين أو غلبة ظن ينبني الحكم عليه، وقوله: وإن لم تجتنب ما تجتنبه المعتدة.
لأن العدة مرور زمن، وقد وجد، والله سبحانه وتعالى أعلم.