كتاب العتق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الذي دفعه العبد فالشراء باطل على المذهب، بناء على أن العقد والحال هذه لا يقف على الإجازة، وأن النقود تتعين بالتعيين، ولبيان هذين الأصلين موضع آخر، أما إن قيل يوقف نحو هذا على الإجازة، فقد يقال: إن إجازة السيد إذا تضمنت تمليك العبد هذا المال وإذنه في شراء نفسه منه به، وفي صحة هذا شيء، فإن قيل بصحته فالولاء للسيد لأنه المعتق، ولو قيل إن النقود لا تتعين بالتعيين فهو كما لو اشترى في ذمته على ما تقدم، وهذا البناء الثاني [بناه أبو محمد وابن حمدان، ولم يتعرض للأول، والله سبحانه أعلم] .
كتاب التدبير
ش: التدبير مصدر دبر تدبيرا إذا علق العتق بالموت، سمي بذلك لأنه يعتق بعدما يدبر سيده، والممات دبر الحياة، قال ابن عقيل: هو مشتق من إدباره من الدنيا، انتهى.
وهو لفظ خص به العتق، فلا يستعمل في كل شيء بعد الموت من وصية ونحوها.
3901 - والأصل في جوازه ما «روي عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رجلا أعتق غلاما له من دبر، فاحتاج، فأخذه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «من يشتريه مني؟» ، فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا، فدفعه إليه» ، متفق عليه مع أن ذلك والحمد لله إجماع في الجملة حكاه ابن المنذر، والله أعلم.
حكم التدبير
قال: وإذا قال السيد لعبده أو لأمته: أنت مدبر، أو قد
دبرتك، أو أنت حر بعد موتي.
فقد صار مدبرا.
ش: أما صيرورته مدبرا بلفظ التدبير نحو: أنت مدبر أو دبرتك، فلأنه أتى بلفظه الموضوع له فصح به، كلفظ العتق فيه، وأما صيرورته مدبرا إذا أتى بصريح العتق معلقا له بالموت - نحو أنت حر أو محرر، أو حررتك بعد موتي، أو معتق أو عتيق بعد موتي - فلأنه أتى بحقيقة التدبير، إذ حقيقته تعليق العتق بالموت، وإذا أتي بحقيقة الشيء حصل ذلك الشيء.
ومقتضى كلام الخرقي أنه لا يفتقر في ذلك إلى نية، وهو كذلك، والخرقي لم يتعرض إلا للتدبير المطلق، ويصح أيضا مؤقتا نحو: أنت مدبر اليوم.
نص عليه أحمد، ومعلقا على شرط نحو إذا قدم زيد.
أو إذا جاء رأس الشهر فأنت مدبر.
ونحو ذلك.
والله أعلم.
وقال وله بيعه في الدين.
ش: أي العبد المدبر، بدليل ما يأتي بعد، وهذا هو المعروف في المذهب، حتى إن عامة الأصحاب لا يحكون فيه خلافا، لما تقدم من حديث جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وأطلق أحمد المنع في رواية حرب، وسأله في رجل دبر عبده ثم كاتبه يجوز، لأنه يملكه بعد، وأما بيعه من غيره [فلم يجوزه، وفرق بين بيعه من غيره وكتابته، لأنه إذا كاتبه فهو بعد في ملكه، وإذا باعه
من غيره] فقد خرج عن ملكه، قلت: ولو كاتب عبده ثم دبره؟ قال: هو جائز.
3902 - وروى أحمد عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه كره بيعه، وهذا الأثر - والله أعلم - مستند أحمد في المنع، (ومفهوم كلام الخرقي) أنه لا يجوز بيعه في غير الدين، وهو إحدى الروايتين.
3903 - لأن في لفظ في حديث جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رواه النسائي قال: «أعتق رجل من الأنصار غلاما له عن دبر، وكان محتاجا، وكان عليه دين، فباعه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بثمانمائة درهم فأعطاه، فقال: «اقض دينك، وأنفق على عيالك» » فالنص ورد في ذلك،
والأصل عدم غيره، قياسا على أم الولد، بجامع أن كلا منهما عتقه معلق بالموت.
(والرواية الثانية) يجوز بيعه مطلقا، وهي المذهب عند الأصحاب، اختارها القاضي، والشريف وأبو الخطاب، والشيرازي وأبو محمد وغيرهم، لأن التدبير إما وصية أو تعليق للعتق على صفة، وأيما كان لا يمنع البيع، وقد أشار إلى هذا التعليل وبيع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للمدبر في صورة الحاجة لا يمنع من بيعه مطلقا، لا سيما من قاعدتنا أن الأصل في العقود والشروط الصحة، ما لم يدل دليل على المنع، كما هو مقرر في موضعه.
(تنبيه) ظاهر كلام الخرقي اختصاص الجواز بالدين فقط، وعدم ما سواه، وهو ظاهر كلام أبي محمد في المقنع، وأبي البركات على هذه الرواية وهو ظاهر كلام أحمد، قال في رواية حنبل وعبد الله: أرى بيع المدبر في الدين إذا كان فقيرا لا يملك شيئا غيره، وظاهر كلام القاضي في جامعه وروايتيه وأبي محمد في الكافي إناطة ذلك على هذا القول بالحاجة، ولا يخفى أنه أعم من الأول، والله أعلم.
قال: ولا تباع المدبرة في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ -، والرواية الأخرى الأمة كالعبد.
ش: توجيه الفرق بين المدبرة والمدبر على الأولى أن في جواز بيعها إباحة لفرجها، وهو مختلف فيه، والفروج يحتاط لها، وقد أشار أحمد إلى هذا فقال: لا أجترئ على بيع المدبرة، لأنه فرج يوطأ.
(وتوجيه التسوية) وأن حكم الأمة حكم العبد، تباع في الدين على رأيه ومطلقا على رأي غيره.
3904 - أن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - باعت مدبرة لها سحرتها، وما
تقدم لا يصلح دليلا للمنع، نعم يصلح دليلا للكراهة، ولهذا حمل أبو محمد الرواية الأولى على الورع، انتهى، وحكم نقل الملك فيها بهبة أو وقف حكم بيعها، والله أعلم.
قال: فإن اشتراه بعد ذلك رجع في التدبير.
ش: إذا اشترى السيد عبده المدبر بعد أن باعه رجع العبد في التدبير، لأن عتقه معلق بصفة، فإذا خرج عن ملكه ثم عاد إليه عادت الصفة، كما لو قال: أنت حر إن دخلت الدار.
ثم باعه ثم اشتراه كذا بناه القاضي، قال فإن قلنا: إن التدبير وصية بطل بالبيع، ولم يعد بالشراء، كما إذا أوصى بشيء ثم باعه، والصحيح عند أبي محمد رجوعه في التدبير مطلقا، جعل التدبير راجعا للمعنيين، التعليق بصفة والوصية، فيثبت حكمهما فيه، وإذا إذا كانت الوصية تقتضي عدم العود فالتعليق يقتضي العود، فيعمل بمقتضاه إذا وجد، والله أعلم.
قال: ولو دبره وقال: قد رجعت في تدبيري.
أو قال: قد أبطلته لم يبطل.
لأنه علق العتق بصفة في إحدى الروايتين،
والرواية الأخرى: يبطل التدبير.
ش: الرواية الأولى هي المذهب عند الأصحاب، اختارها القاضي قال في روايتيه: إنها أجودهما، وصححها ابن عقيل في التذكرة، وأبو محمد وغيرهما لما علل به الخرقي، من أن التدبير عتق معلق بصفة وهو الموت، فلم يبطل بالرجوع فيه، كما لو كان معلقا على صفة في الحياة (والثانية) أومأ إليها أحمد في رواية ابن منصور، لأن نفوذه يعتبر من الثلث، ويتوقف على الموت، فأشبه الوصية، وأبو محمد يقول: لا يمتنع اجتماع الأمرين فيه كما تقدم، فيثبت حكم التعليق، ويحصل عتقه بالموت بالشيئين، وقد توقف أحمد في رواية حرب.
(تنبيه) على الرواية الثانية إذا رجع وهي حامل هل يكون رجوعا في حملها؟ فيه وجهان، والله أعلم.
قال: وما ولدت المدبرة بعد تدبيرها فولدها بمنزلتها.
3905 - ش: لأنه يروى عن عمر وابنه وجابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أنهم قالوا: ولدها بمنزلتها.
ولم يعرف لهم مخالف من
الصحابة، فكان ذلك حجة أو إجماعا، ولأن الأم تعتق بموت سيدها، فتبعها ولدها كأم الولد، ونقل حنبل عن أحمد فيما نقله القاضي في روايتيه، أنه قال: ولد المدبرة إذا لم يشترط يكون للمولى عبدا، وظاهر هذا أنه لا يصير مدبرا معها، وهذا قد يخرج على أن التدبير وصية، ولا شك أن ولد الموصى بها لا يتبعها، ولم يعرج أبو البركات إلى هذه الرواية، وإنما ذكر تخريجا تبعا لأبي الخطاب بعدم التبعية من المعلق عتقها بصفة، فإن تبعية ولدها الحادث بعد الوصية والتدبير لها على قولين.
وقول الخرقي: بعد تدبيرها.
يخرج ما ولدته قبل ذلك فإنه لا يكون مدبرا بكونه مدبرا معها، وكأنه أخذها وهذا المذهب بلا ريب، لأنه لا يتبع في العتق المنجز، ولا في الاستيلاد،
ففي التدبير أولى، وحكى أبو الخطاب رواية من رواية حنبل قال: سمعت عمي يقول في الرجل يدبر الجارية ولها ولد قال: ولدها يكون مدبرا معها.
وأبو محمد حمل هذا على الولد بعد التدبير، توفيقا بين جميع كلامه، والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنما حكم على ولد المدبرة، أما ولد المدبر فلا يتبع أباه مطلقا على المذهب، لأن الولد إنما يتبع أمه في الحرية والرق لا أباه، (وعن أحمد رواية أخرى) وظاهر كلامه في المغني الجزم بها في ولده من أمته المأذون له في التسري بها يكون مدبرا، لأنه ولده من أمته، فتبعه كالحر، وحيث قيل: إن الولد بمنزلة والده فإنه يصير مدبرا، حكمه حكم ما لو دبر عبدا آخر، بحيث لو لم يخرج من الثلث إلا أحدهما أقرع بينهما، والله أعلم.
قال: وله إصابة مدبرته.
ش: لأنها مملوكته، فتدخل في عموم قوله سبحانه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] .
3906 - وقد قال الإمام أحمد: لا أعلم أحدا كره ذلك غير الزهري، والله أعلم.
قال: ومن أنكر التدبير لم يحكم عليه به إلا بشاهدين عدلين، أو شاهد ويمين العبد.
ش: أما كون السيد إذا أنكر التدبير لا يحكم عليه إلا بشاهدين فيهما شروط الشهادة فلعموم ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وأما كونه يحكم عليه بشاهد ويمين فلما تقدم للخرقي من أن العتق فيه ذلك، وقد تقدمت المسألة فلا حاجة إلى إعادتها، وقد تضمن كلام الخرقي والأصحاب صحة دعوى العبد التدبير، ولأبي محمد احتمال بعدم صحة دعوى ذلك، بناء على أن التدبير وصية، وأن إنكار الوصية رجوع عنها في وجه، وأن الرجوع في التدبير يبطله، والصحيح عنده صحة الدعوى وفاقا للجماعة، وهو الصواب، لأنه بعد تسليم أن الرجوع في التدبير يبطله، وأن الإنكار رجوع، قد يجيب بالإقرار، فلم يتعين الإنكار جوابا، وهذا كله إذا كانت الدعوى بين السيد والعبد، أما بينه وبين ورثته فالدعوى صحيحة بلا نزاع لعدم ملكهم الرجوع، والله أعلم.
قال: وإذا دبر عبده ومات وله مال غائب، أو دين في ذمة موسر أو معسر، عتق من المدبر ثلثه، وكلما اقتضي من دينه شيء، أو حضر من ماله الغائب شيء، عتق من العبد بقدر ثلث ذلك، حتى يعتق كله من الثلث.
ش: إذا دبر عبده ومات ولا مال له سواه عتق ثلثه فقط كما تقدم وإن كان له مال حاصل بحيث يتمكن الورثة منه عتق جميعه إن خرج من الثلث، وإلا عتق منه بقدر الثلث، وإن كان له مال لكن الورثة غير متمكنين منه لكونه غائبا أو دينا، لم يعتق جميعه في الحال، لجواز أن لا يحصل للورثة من المال شيء، فيكون العبد كل التركة، وإذا كان هو كل التركة لم يجز أن يحصل على جميعها، ولكنه يتنجز عتق ثلثه، إذ أسوأ الأحوال أن لا يحصل من المال شيء، فيكون له ثلث التركة، وللورثة ثلثاها، ثم كلما اقتضي من الدين شيء، أو حضر من المال الغائب شيء، عتق منه بقدر ثلثه، فإذا كانت قيمته مائة، وحصل من المال مائة، عتق ثلثه الثاني، ثم إذا حصلت مائة أخرى عتق باقيه، لوجود المقتضي للعتق، وانتفاء المانع، ولا يضر ما بقي بعد ذلك من المال، لخروج المدبر من ثلث الموجود، وإذا عتق تبينا أنه كان حرا حين الموت، فيكون كسبه له، لأن عتقه بالموت، وإنما أوقفناه للشك في خروجه من الثلث، وقد زال
الشك، ومن ثم لو لم يحصل شيء من المال تبينا رق ثلثيه، وإن كان الحاصل لا يخرج المدبر من ثلثه عتق منه بقدر ثلثه، والله أعلم.
قال: وإذا دبر قبل البلوغ كان تدبيره جائزا إذا كان له عشر سنين فصاعدا، وكان يعرف التدبير.
ش: التدبير بالنسبة إلى التصرف في المال وصية بلا إشكال، فيعطى حكمها، فيصح ممن تصح منه، ويبطل ممن تبطل في حقه، وقد تقدم ذلك فلا حاجة إلى إعادته.
قال: وما قلته في الرجل فالمرأة مثله، إذا صار لها تسع سنين فصاعدا.
ش: هذا منصوص أحمد، وهو بناء على صحة وصية من لم يبلغ، وعلى تقييد ذلك بسن، وإنما جعل السن تسعا لأنه الذي يتعلق به كثير من أحكامها، كحيضها وصحة إذنها على المذهب وغير ذلك، فكذلك في وصيتها.
(تنبيه) حيث صحت وصية من لم يبلغ صح رجوعه كالبالغ، والله أعلم.
قال: وإذا قتل المدبر سيده بطل تدبيره.
ش: لأنه استعجل ما أجل له، فعوقب بنقيض قصده، كقاتل مورثه، ولأن التدبير وصية، فبطل بالقتل كالوصية
بالمال، ولأن ذلك قد يتخذ وسيلة إلى القتل المحرم لأجل العتق، فمنع العتق سدا للذريعة ولا ترد أم الولد، لأن إبطال الاستيلاد فيها يفضي إلى جواز نقل الملك فيها، وإنه متعذر، بخلاف المدبر، ولأن سبب حرية أم الولد الفعل، والبعضية التي حصلت بينها وبين سيدها بواسطة ولدها، وهذا آكد من القول، ولهذا نفذ إيلاد المجنون، دون إعتاقه وتدبيره، ونفذ إيلاد المعسر وكان من رأس المال، والعتق بخلاف ذلك، واعلم أن البطلان هنا مفرع على المذهب.
في أن الوصية تبطل بالقتل نظرا للعتق، أما إن قلنا لا تبطل بالقتل فالتدبير أولى، نظرا للعتق، والله أعلم.
كتاب المكاتب ش: المكاتب مأخوذ من المكاتبة، والمكاتبة في الاصطلاح عتق على مال منجم نجمين فصاعدا، إلى أوقات معلومة، وأصلها من الكتب وهو الجمع، لأنها تجمع نجوما، ومنه سمي الخراز كاتبا، لأنه يضم أحد الطرفين إلى الآخر بخرزه، والرمل المجتمع كتيبة، لانضمام بعضه إلى بعض، وقيل لأن السيد يكتب بينه وبينه كتابا.
وهي مشروعة بالإجماع، وقد شهد لذلك قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] الآية وقصة بريرة، وقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» وغير ذلك من الأحاديث، والله أعلم.
أحكام المكاتب
قال: وإذا كاتب عبده أو أمته على أنجم فأديت الكتابة فقد صار حرا.
ش: عملا بمقتضى [موضوع] الكتابة، إذ مقتضاها وموضوعها الحرية عند تمام العقد، فعمل على ذلك، كسائر مقتضيات العقود، ولأن رقبته بالأداء تمحضت له، فوجب أن
يعتق، لاستحالة أن يملك الإنسان نفسه (ومقتضى: كلام الخرقي أنه لا يشترط مع ذلك أن يقول: فإذا أديت إلي فأنت حر.
ولا نيته، وهو المذهب المجزوم به لعامة الأصحاب، لأنه أتى بصريح لفظ العقد، أشبه ما إذا قال: دبرتك، ولأبي الخطاب في الهداية احتمال أنه يشترط قول ذلك أو نيته، لأن لفظ الكتابة يحتمل المخارجة، فاحتاج إلى مميز ككنايات الوقف ونحو ذلك، (ومقتضى) كلامه أيضا أن من شرط صحة الكتابة التأجيل، لقوله: على أنجم، فلا تصح الكتابة الحالة، وهذا هو المذهب أيضا بلا ريب، لأنه عقد معاوضة يلحقه الفسخ، من شرطه ذكر العوض، فإذا وقع على صفة يتحقق فيها العجز عن العوض غالبا ما يصح، كما لو أسلم في شيء لا يوجد في المحل إلا نادرا، ويؤيد ذلك أن جماعة من الصحابة عقدوا الكتابة ولم ينقل عنهم أنهم
عقدوها حالة، وقيل: يصح أن تكون حالة كالقول في السلم، والبابان باب واحد، ومن ثم اشترطنا في الأجل أن يكون له وقع في الثمن، حذارا من أن يتخذ ذكره حيلة، والعلم به كما تقدم، وكأن الأقيس عند أبي محمد واختيار ابن أبي موسى أنها تصح على نجم واحد كالسلم، والمذهب عند القاضي وأصحابه والأكثرين أنه لا بد من نجمين فصاعدا، محافظة على معناها، إذ قد تقدم أنها مشتقة من الضم، ولا يحصل الضم إلا بنجمين فصاعدا، ونظرا للأثر.
3907 - فعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: الكتابة على نجمين، والإيتاء من الثاني، (وكلام الخرقي) ربما أوهم اشتراط ثلاثة أنجم فصاعدا، ولا أعرف ذك قولا في المذهب، (ومقتضى كلامه) أيضا أنه لا يعتق إلا بأداء جميع مال الكتابة، لا أنه يعتق منه بقدر ما أدى، ولا بأداء بعض مال الكتابة، ولا بملك الوفاء، (أما الحكم الأول) وهو أنه لا يعتق منه بقدر ما أدى فلا أعلم فيه في المذهب خلافا.
3908 - لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه من الكتابة درهم» رواه أبو
داود وعنه أيضا أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أيما عبد كاتب على مائة أوقية، فأداها إلا عشر أواق فهو عبد، وأيما عبد كاتب على مائة دينار، فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد» رواه الخمسة وصححه الحاكم (وأما الحكم الثاني) وهو أنه لا يعتق بأداء بعض مال الكتابة فهو المذهب المنصوص لما تقدم، وذكر الدرهم والعشرة على سبيل التقليل، لا على سبيل التحقيق، وقيل: إذا أدى ثلاثة أرباع المال فأزيد، وعجز عن الباقي عتق، لأنه عجز عن حق له فلم تتوقف حريته على أدائه، كأرش جناية سيده عليه، وهذا القول حكاه أبو محمد في الكافي عن الأصحاب، وفي المقنع عن القاضي وأصحابه، وفي المغني عن أبي بكر والقاضي وأبي الخطاب، وفي هذه الحكاية نظر، فإن لفظ الهداية: لم يجز للسيد الفسخ، ذكره أبو بكر، ولا يلزم من امتناع الفسخ حصول العتق، بل ظاهر هذا أنه لا يعتق،
ولهذا لم يحك أبو البركات هذا القول عن أحد من هؤلاء، وحكى قول أبي الخطاب على ظاهره فقال: وظاهر كلام أبي الخطاب عدم العتق، ومنع السيد من الفسخ، وهذا ظاهر كلام ابن البنا أيضا، وحكى ابن أبي موسى رواية بما يقرب من هذا، وهو أنه إذا أدى أكثر مال الكتابة لم يرد إلى الرق، واتبع بما بقي (وأما الحكم الثالث) وهو أنه لا يعتق بملك الوفاء فهو المشهور من الروايتين، والمختار للقاضي وأبي محمد وغيرهما، لما تقدم من حديثي عمرو بن شعيب (والرواية الثانية) أنه يعتق بملك الوفاء.
3909 - لما روت أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: قال لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا كان لإحداكن مكاتب فكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه» » رواه الخمسة، وصححه الترمذي إلا أن بعض الحفاظ قال: إنه قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة.
وعلى تقدير صحته فيحمل الأمر بالاحتجاب على الندبية، توفيقا بين الأحاديث، والله أعلم.
قال: وولاؤه لمكاتبه.
ش: قد تقدمت هذه المسألة في الولاء، وإنما ذكرها هنا على سبيل التكميل لحكم المسألة استطرادا، والله أعلم.
قال: ويعطى مما كوتب عليه الربع، لقول الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33] .
ش: قد ذكر الشيخ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الحكم ودليله، وهو الأمر، وظاهر الوجوب.
3910 - وقد روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال في تفسير الآية الكريمة:
ضعوا عنه الربع.
وروي ذلك عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكلام الشيخ يشمل وإن كان العبد المكاتب ذميا، وهو كذلك، صرح به القاضي، ووقت وجوب الدفع إذا أدى، ويجوز من أول الكتابة، بأن يضع عنه بقدر ذلك، لأنه السبب، وقد شهد لذلك ما تقدم عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولأن الغرض التخفيف عنه وهو حاصل، والله أعلم.
تعجيل نجوم الكتابة
قال: وإن عجلت الكتابة قبل محلها لزم السيد الأخذ، وعتق من وقته في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
ش: إذا عجل المكاتب مال الكتابة قبل وقت الحلول، لزم السيد الأخذ وعتق العبد إذا.
3911 - لما روي عن أبي سعيد المقبري قال: اشترتني امرأة من بني ليث، بسوق ذي المجاز بسبعمائة درهم، ثم قدمت فكاتبتني على أربعين ألف درهم، فأديت إليها عامة المال، ثم حملت ما
بقي إليها فقلت: هذا مالك فاقبضيه، قالت: لا والله حتى آخده منك شهرا بشهر، وسنة بسنة.
فخرجت به إلى عمر بن الخطاب، فذكرت ذلك له فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ارفعه إلى بيت المال، ثم بعث إليها فقال: هذا مالك في بيت المال، وقد عتق أبو سعيد، فإن شئت فخذي شهرا بشهر، وسنة بسنة.
قال: فأرسلت فأخذته، رواه الدارقطني.
3912 - وروى سعيد في سننه عن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نحو ذلك،
وقد احتج به أحمد، وقد أطلق الخرقي ذلك تبعا للإمام، وتبعهما أبو الخطاب في الهداية على ذلك، والشيرازي، وأبو محمد في المقنع، وحكى أبو بكر عن أحمد (رواية أخرى) مطلقة أيضا أنه لا يلزمه القبول إلا حين الحلول، لأن بقاء المكاتب في هذه المدة حق له، ولم يرض بزواله فلم يزل، كما لو علق عتقه بمضي المدة، وحمل القاضي - على ما حكى عنه أبو محمد - الروايتين على اختلاف حالين (فالموضع) الذي يلزمه القبول إذا لم يكن في القبض ضرر، لتمحض المصلحة إذا فهو كما لو دفع إليه في السلم أجود من الجنس، (والموضع) الذي لا يلزمه القبول إذا كان في القبض ضرر، مثل أن يكون مال الكتابة مما يفسد، كالعنب والبطيخ، أو يخاف تلفه كالحيوان، أو حديثه خيرا من قديمه، أو يحتاج إلى خزن كالقطن، أو سلمه في بلد مخوف، أو طريق مخوف ونحو ذلك، لأن فيه التزام ضرر لم يقتضه العقد، وإنه منفي شرعا، بدليل قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لا ضرر ولا ضرار» وبذلك قطع أبو البركات، واختاره أبو محمد في المغني، وابن حمدان، واختار القاضي في روايتيه طريقة ثالثة: إن كان في القبض ضرر وإلا فروايتان، وتبعه على ذلك أبو محمد في الكافي، وحيث قيل: يلزمه القبول فامتنع جعله الإمام في بيت المال، وحكم بعتق العبد كما نقل عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والله أعلم.
قال: والرواية الأخرى إذا ملك ما يؤدي فقد صار حرا.
ش: هذه الرواية لا ترجع إلى ما سبق الكلام له، وهو لزوم قبض ما عجل، وإنما ترجع إلى ما تضمنه اللفظ، وفهم من سياقه، وهو أنه إذا أدى عتق، ومقتضاه أنه لا يعتق قبل ذلك، فحكى رواية أخرى أنه يعتق بمجرد ملك الوفاء، وقد تقدم ذلك والإشارة إلى دليله، فلا حاجة إلى إعادته، والله أعلم.
قال: وإذا أدى بعض كتابته، ومات وفي يده وفاء وفضل، فهو لسيده في إحدى الروايتين، والرواية الأخرى لسيده بقية كتابته، والباقي لورثته.
ش: (قد تضمنت الرواية الأولى) أن الكتابة تنفسخ بموت العبد، سواء خلف وفاء أم لا، وهذا هو المشهور من الروايتين،
والمختار للقاضي وعامة أصحابه، وأبي محمد، لما تقدم من قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» والأصل بقاء ذلك بعد الموت، ولأنه عتق معلق بشرط مطلق، فانقطع بالموت، كما لو قال: إذا أديت إلي ألفا فأنت حر.
وعلى هذا ما في يده لسيده، (وتضمنت الثانية) أن الكتابة لا تنفسخ إذا خلف وفاء، وهي اختيار أبي بكر، لأنه عقد معاوضة، لا ينفسخ بموت أحد المتعاقدين وهو السيد، فلا ينفسخ بموت الآخر كالبيع، وفرق بأن كل واحد من المتبايعين غير معقود عليه، والمكاتب معقود عليه، فهو كتلف المبيع قبل قبضه، فعلى هذا يؤدي عنه بعد وفاته، وما فضل فلوارثه المناسب، وإن لم يكن فلسيده بالولاء، قال القاضي: ويعتق في آخر جزء من حياته، وهذا ظاهر الرواية، فالمسألة غير مبنية على التي قبلها، وقال أبو محمد: يحتمل أن تبنى على التي قبلها، فإن قيل ثم إنه لا يعتق بملك ما يؤدي فقد مات رقيقا، فانفسخت
الكتابة بموته، وما في يده لسيده، وإن قيل ثم: إنه يعتق بملك ما يؤدي فقد مات حرا، فلسيده بقية كتابته، لأنه دين له عليه، وما بقي فلوارثه انتهى.
ولا تختلف الرواية أنه إذا لم يخلف وفاء أن الكتابة تبطل بموته، قال أبو محمد: إلا أن يموت بعد أداء ثلاثة أرباع الكتابة، فإن مقتضى قول القاضي وأبي بكر ومن وافقهما أنه يموت حرا، انتهى.
وقد تقدم الطعن في هذا النقل، ثم إن هذه المسألة غير تلك كما تقدم، والله أعلم.
قال: وإذا مات السيد كان العبد على كتابته، وما أدى فبين ورثة سيده مقسوما كالميراث.
ش: ملخص هذا أن الكتابة لا تنفسخ بموت السيد، وهذا والله أعلم اتفاق، وقد قال أبو محمد: لا نعلم فيه خلافا.
وذلك لأنه عقد لازم من جهته، فلم ينفسخ بموته كالبيع والإجارة، فعلى هذا الكتابة باقية فيؤدي الذي عليه لورثة السيد، فيقتسمونه على حسب إرثهم كما يقتسمون ديونه والله أعلم.
ولاء المكاتب
قال: وولاؤه لسيده.
ش: يعني أنه إذا أدى ما عليه للورثة وعتق، فإن ولاءه لسيده، لأنه المنعم عليه بالعتق، لتسببه فيه، فأشبه ما لو
أدى إليه، وهذا هو المذهب المشهور (وعن أحمد رواية أخرى) إن أدى جميع ما كوتب عليه للورثة فولاؤه لهم، وإن أدى إليهم وإلى السيد فالولاء بينهما، لأنه انتقل إلى الورثة بالموت، فأشبه انتقاله إليهم بالشراء، وفرق بأن السيد في الشراء رضي بنقل حقه، وهنا الوارث يخلف الموروث، ولا ينتقل إليه شيء أمكن بقاؤه لمورثه، والولاء يمكن بقاؤه لمورثه، فلم ينتقل إليه، انتهى.
وحكم براءة الذمة له مما عليه حكم قبضه على ما تقدم، ولأبي محمد احتمال أنهم والحال هذه يختصون بالولاء، لإنعامهم عليه بما عتق به أشبه ما لو باشروا عتقه، ولو باشروا كلهم عتقه كان الولاء لهم، لأن المباشرة أقوى من التسبب، وقال القاضي: يكون الولاء أيضا للسيد إن كان عتقهم له قبل عجزه، (فعلى قوله) إن أعتق بعضهم لم يسر عتقهم، ثم إن أدى إلى الباقين عتق كله والولاء للسيد، وإن عجز فرد إلى الرق فولاء نصيب المعتق له، (وعلى الذي قبله) - وهو الذي أورده أبو محمد مذهبا - إن أعتق بعضهم فسرى إلى نصيب شركائه كان ولاؤه له، وإن لم يسر لإعساره أو غير ذلك فله ولاء ما أعتق.
قال: فإن عجز فهو عبد لسائر الورثة.
ش: كما لو عجز في يد السيد، واستعمل (سائر) بمعنى الجميع، كما هو الغالب عليه في استعماله.
قال: ولا يمنع المكاتب من السفر.
ش: إذ السفر من أسباب الكسب، وإنه يملكه بمقتضى عقد الكتابة، وعموم كلام الخرقي يشمل السفر الطويل والقصير وهو كذلك، كالحر المدين، وكذلك قال أبو محمد: لم يفرق أصحابنا بين السفر الطويل وغيره، قال: ولكن المذهب أن له منعه من سفر تحل نجوم كتابته قبله.
قلت: وهذا مراد الأصحاب من الإطلاق بلا ريب، والله أعلم، وإنما لم يقيدوا ذلك اكتفاء بما تقدم لهم في المدين بطريق الأولى، ومن ثم يخرج لنا (قول آخر) أنه له منعه مطلقا، كما يمنع الحر المدين على رواية، وإن لم يحل الدين إلا بعد قدومه، وترك الأصحاب ذلك تفريعا على المذهب، وقد نص أحمد في رواية المروذي على أن له أن يحج ما لم يحل عليه نجم في غيبته، لكن يرد على هذا الإطلاق سفر الجهاد، فإنه ينبغي أن يمنع منه مطلقا كالحر المدين، وقوله: ولا يمنع المكاتب من السفر، قد يقال: ظاهر إطلاقه: وإن شرط عليه تركه.
وهو قول القاضي فيما حكاه عنه أبو محمد، بناء على عدم صحة الشرط، لأنه ينافي مقتضى العقد لما تقدم من أنه من أسباب الكسب، فلم
يصح اشتراط تركه، كما لو شرط عليه أن لا يبيع ولا يشتري، والذي قطع به القاضي في الجامع، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، والشيرازي واختاره أبو محمد، وابن حمدان - أنه يمنع والحال هذه، بناء على صحة الشرط، لأن للسيد فيه فائدة، وهي الأمن من إباقه، ولدخوله تحت قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «المسلمون على شروطهم» الحديث.
(تنبيه) هذا الخلاف روايتان، وفاقا لأبي الخطاب والشيرازي، وأبي محمد في الكافي، وأبي البركات، وحكاه في المغني والمقنع وجهين، والله أعلم.
قال: وليس له أن يتزوج إلا بإذن سيده.
ش: لأنه عبد، بدليل ما تقدم.
3913 - فيدخل في عموم «أيما عبد نكح بغير إذن مواليه فهو عاهر» ولأن في ذلك ضررا لاحتياجه إلى أداء النفقة والمهر من كسبه، ولربما عجز فيرق، ويرجع ناقص القيمة، وفي ذلك ضرر على
السيد، والضرر منفي شرعا، وهذا هو المذهب عند الأصحاب، وقد قطع به عامتهم (وعن أحمد رواية أخرى) للمكاتب التزويج بخلاف المكاتبة، قال في رواية إبراهيم الحربي: لا بأس أن يتزوج، قد اشترى نفسه بل المكاتبة لا تتزوج، لا يؤمن أن ترجع إلى الرق وهي مشغولة الفرج، انتهى.
ومفهوم كلام الخرقي أن له ذلك بإذن السيد، وهو واضح، إذ المنع لحق السيد وقد زال، ويؤيد ذلك مفهوم الحديث، وحكم التسري حكم التزويج، إن أذن له السيد جاز، وإن لم يأذن لم يجز، والله أعلم.
قال: ولا يبيعه سيده درهما بدرهمين.
ش: ملخصه أن الربا يجري بين المكاتب وسيده، لأن
المكاتب صار بما التزمه من العوض بمنزلة الأجنبي بدليل أن لكل منهما الشفعة على صاحبه، ولا يملك واحد منهما التصرف فيما بيد صاحبه، وهذا هو المذهب عند الشيخين وغيرهما، وقال أبو بكر وابن أبي موسى: لا ربا بينهما.
قال أبو بكر: قد أخبر أحمد عن نفسه أنه ليس بين المكاتب وسيده ربا، لأنه عبد ما بقي عليه درهم.
انتهى.
ويستثنى من ذلك إذا عجل له ليضع عنه بعض كتابته، فإنه يجوز كما سيأتي إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
قال: وليس للرجل أن يطأ مكاتبته إلا أن يشترط.
ش: أما منع وطئها بدون الشرط فهو المذهب المصرح به، لأن الكتابة أزالت ملك استخدامها، وملك عوض بضعها، إذا وطئت بشبهة، فتزيل حل وطئها كالبيع، قال في المغني: وقيل: له وطؤها في الوقت الذي لا يشغلها الوطء عما هي فيه، وهذا القول يحتمل أنه في المذهب، ويحتمل أنه لبعض
العلماء، وأما جوازه مع الشرط فهو المذهب المجزوم به عند عامة الأصحاب، لعموم قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «المسلمون على شروطهم» ولأنه استثنى بعض ما كان له، فصح كاستثناء الخدمة، يحققه أن ملكه باق عليها، وإنما منع منه لحقها، ومع الشرط الحق عليها، وظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب أنه يمنع من ذلك مطلقا، قال: لا يطأ مكاتبته، لأنه لا يقدر أن يبيعها ولا يهبها، وهذا اختيار ابن عقيل، لأن الملك والحال هذه غير تام، أشبه الواطئ في مدة الخيار.
قال: فإن وطئ ولم يشترط أدب.
ش: لفعله المحرم، فيؤدب زجرا له عما ارتكبه، وفي بعض نسخه: ولم يبلغ به حد الزاني.
وقد تقدم ذلك في التعزيرات وافيا، فلا حاجة إلى إعادته، وقد علم من كلام الخرقي أنه لا حد عليه، وهو كذلك، لوجود الملك، وعموم كلام الخرقي
يشمل العالم بالتحريم والجاهل به، وقيد أبو محمد ذلك بالعالم، وهو حسن، والله أعلم.
قال: وكان لها عليه.
مهر مثلها.
ش: لأن ذلك عوض منفعتها، فكان لها كبقية منافعها، وكلام الخرقي يشمل وإن كانت مطاوعة، وهو أحد الوجهين، وبه قطع أبو محمد، بناء على أن للسيد في ذلك حقا فلا يسقط برضاها، كالأمة القن (الوجه الثاني) لا شيء لها إذا، وهو الذي أورده ابن حمدان مذهبا، لأن المغلب في ذلك حقها، فسقط بمطاوعتها كالحرة.
(تنبيه) الواجب مهر واحد، وإن وطئ مرارا كوطء الشبهة، نعم إن أدى مهر وطء، ثم وطئ ثانيا وجب مهر ثان، لأن الأداء قطع حكم الوطء الأول، وقوله: فإن وطئ ولم يشترط أدب، وكان لها عليه مهر مثلها، مقتضاه أنه مع الشرط لا أدب ولا مهر عليه، وهو كذلك، لجواز ذلك على رواية والله أعلم.
قال: فإن علقت منه فهي مخيرة بين العجز وأن تكون له أم
ولد، وبين المضي على الكتابة، فإن أدت الكتابة عتقت، وإن عجزت عتقت بموته، وإن مات قبل عجزها انعتقت، لأنها صارت من أمهات الأولاد، وسقط عنها ما بقي من كتابتها، وما في يدها لورثة سيدها.
ش: إذا علقت منه مكاتبته - سواء شرط وطأها أو لم يشترط - ووضعت ما تصير به الأمة أم ولد كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فقد اجتمع فيها سببان، الكتابة وصيرورتها أم ولد، فيعمل على ذلك، إذ لا منافاة بينهما، فعلى هذا إن أدت عتقت بحكم الكتابة، وما في يدها لها بلا ريب، لأن ما في يد المكاتب بعد أدائه له، وإن عجزت وعادت قنا بطل حكم الكتابة، وعتقت بموته، وما في يدها لورثة سيدها، عملا بحكم الإيلاد، وإن مات سيدها قبل عجزها عتقت بموته، عملا بحكم الإيلاد أيضا، وسقط عنها ما بقي من كتابتها، لحصول الحرية التي بذل العوض في تحصيلها، واختلف فيما في يدها هل يكون لها، وهو اختيار القاضي في المجرد، وفي الظهار من التعليق، وابن عقيل وأبي محمد، إذ العتق إذا وقع في
الكتابة لم يبطل حكمها، كالإبراء من نجوم الكتابة، ولأن ملكها كان ثابتا، والأصل بقاء ما كان على ما كان عليه، أو لورثة سيدها وهو الذي قاله الخرقي، وأبو الخطاب في الهداية، وأورده ابن حمدان مذهبا، لأنها عتقت بحكم الإيلاد، فأشبه ما لو لم تكن مكاتبة؟ على قولين، هذا شرح المسألة في الجملة، وفاقا للشيخين وغيرهما، وقد يقال: إن في كلام الخرقي ما يخالف ذلك، أو يزيد عليه من جهة قوله: إنها مخيرة بين العجز وكونها له أم ولد، وبين المضي على الكتابة.
ومقتضى هذا أن لها أن تختار العجز وإبطال حكم الكتابة، فتصير أم ولد فقط، وأن تمضي على الكتابة فيجتمع فيها سببان كما تقدم، ولذلك حكى ذلك الشيرازي رواية، وحكى رواية أخرى أنه إذا مات سيدها يلزمها أداء بقية مال الكتابة إلى الورثة.
(تنبيه) الخرقي ذكر حكم الإيلاد إذا طرأ على الكتابة، ولو طرأت الكتابة على التدبير فالحكم كذلك، والله أعلم.
قال: وإذا كاتب نصف عبد فأدى ما كوتب عليه ومثله لسيده، صار نصفه حرا بالكتابة، إن كان الذي كاتبه معسرا،
وإن كان موسرا عتق كله، وكان نصف قيمته على الذي كاتبه لشريكه.
ش: للإنسان أن يكاتب شقصا له من عبد، وإن لم يأذن شريكه، في ذلك، كما هو ظاهر إطلاق الخرقي، إذ الكتابة عقد معاوضة، فجازت بغير إذن الشريك كالبيع، واختار ابن حمدان اشتراط إذنه إن كان معسرا، انتهى، وإذا كاتبه لم يسر إلى نصيب شريكه كما تضمنه كلام الخرقي أيضا، لم تقدم من أنها عقد معاوضة فهي كالبيع، وإذا لم تسر الكتابة كان كسبه والحال هذه مشتركا بينه وبين سيده، كما قبل الكتابة، فإذا أدى ما كوتب عليه، ومثله لسيده الآخر، عتق نصفه بالكتابة، لوجود الشرط وهو أداء ما كوتب عليه، وانتفاء المانع، وهو دفع ما يستحقه الغير، لو لم يؤد ما كوتب عليه لم يعتق، وهو واضح، ولو أداه من جميع كسبه، ولم يؤد لسيده الآخر شيئا لم يعتق، لأن الكتابة الصحيحة إنما يعتق فيها بالبراءة من العوض، ولا يحصل ذلك بدفع ما ليس له، هذا إذا كان الأداء من جميع كسبه، أما إن هايأه سيده فكسب شيئا في يومه، أو
أعطي صدقة فلا حق لسيده فيه، لأنه تمحض استحقاقه له بما فيه الكتابة، لا بمجموعه، وحكى ابن حمدان رواية أخرى أنهما يتهايآن في كسبه، فيكون له يوما ولسيده يوما، وقد نص على ذلك أحمد في رواية حرب، وحيث عتق النصف المكاتب فإنه ينظر في الذي كاتبه، فإن كان موسرا سرى إلى باقيه، وغرم قيمة حصة شريكه، لأنه تسبب في إعتاقه، أشبه ما لو باشره في العتق، وإن كان معسرا لم يسر كما لو واجهه بالعتق، نعم إن قيل بالاستسعاء استسعي العبد كما تقدم، والله أعلم.
قال: وإذا عتق المكاتب استقبل بما في يده من المال حولا، وزكاه إن كان منصبا.
ش: قد تقدمت هذه المسألة للخرقي في الزكاة، فلا حاجة إلى إعادتها، والله أعلم.
قال: وإذا لم يؤد نجما حتى حل الآخر عجزه السيد إن أحب، وعاد عبدا غير مكاتب.
ش: منطوق كلام الخرقي أن للسيد أن يعجزه، بمعنى أن يفسخ الكتابة، ويرد المكاتب في الرق إذا حل عليه نجمان ولم يؤدهما، وله الصبر عليه، ومفهومه أنه ليس له تعجيزه إذا
حل عليه نجم واحد، وهذا إحدى الروايات، واختيار أبي بكر، ونصبه في المغني للخلاف، وقال القاضي: إنه ظاهر كلام الأصحاب.
3914 - لأنه يروى عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: لا يرد العبد في الرق حتى يتوالى عليه نجمان، (والرواية الثانية) أن له تعجيزه إذا حل عليه نجم واحد، لأن ذلك حق له، فكان له الفسخ بالعجز عنه، كما لو أعسر المشتري ببعض ثمن المبيع قبل قبضه (والرواية الثالثة) لا يعجز حتى يقول: قد عجزت؛ حكاها ابن أبي موسى وغيره، لأن فوات العوض لا يتحقق إلا بذلك (والرواية الرابعة) وقد تقدمت إن أدى أكثر مال الكتابة لم يرد إلى الرق، ويتبع بما بقي، وظاهرها وإن حل عليه نجوم، (وقد تضمن) كلام الخرقي أن الكتابة عقد لازم، وهو كذلك،
لأنها بيع، والبيع من العقود اللازمة، وإذا لا يملك السيد فسخها بغير ما تقدم، ولا العبد مطلقا، صرح بذلك غير واحد من الأصحاب، حتى قال في المغني: بغير خلاف نعلمه، وحكى ابن المنذر ما يقتضي الإجماع، ووقع في المقنع والكافي حكاية رواية بأن للعبد فسخها، وعلل ذلك ابن المنجا بأن معظم المقصود له، فإذا رضي بإسقاط حقه سقط، والظاهر أن هذا وهم، بدليل ما تقدم، والذي ينبغي حمل ذلك على أن له الفسخ، أي التسبب فيه، بمعنى أنه يمتنع من الأداء، فيملك السيد الفسخ، وهذا كما أن ابن عقيل والشيرازي وابن البنا قالوا: إنها لازمة من جهة السيد، جائزة من جهة العبد، وفسروا ذلك بأن له الامتناع من الأداء فيملك السيد الفسخ، انتهى.
وظاهر كلام الخرقي أن الفسخ من السيد - والحال ما تقدم - لا يفتقر إلى حاكم، وهو كذلك.
(تنبيه) لو اتفق السيد والعبد على الفسخ جاز، قاله في الكافي كالبيع، والله أعلم.
قال: وما قبض من نجوم كتابة استقبل بزكاته حولا.
ش: ما قبض السيد من نجوم الكتابة فإنه يستقبل به حولا ويزكيه لأنه كمال استفاده بإرث أو غيره، ومقتضى هذا أن الحول لا ينعقد على دين الكتابة، وهو كذلك لعدم استقرار الملك فيه، والله أعلم.
جناية المكاتب
قال: وإذا جنى المكاتب بدئ بجنايته قبل كتابته.
ش: إذا جنى المكاتب جناية ووجب المال بها، بدئ بجنايته قبل كتابته فقدمت على المذهب المشهور المنصوص، حتى إن أبا محمد في المغني قال: اتفق أصحابنا على ذلك، إذ أرش الجناية مستقر، ومال الكتابة غير مستقر، [ولا إشكال أن المستقر يقدم على غير المستقر] ، ولأن أرش الجناية مقدم على ملك السيد في عبده، فكذلك على عوضه بطريق الأولى، (وفي المذهب قويل آخر) أنهما يتحاصان، حكاه أبو بكر لأنهما دينان فتحاصا كبقية الديون، وعلى هذا يقسم الحاكم المال بينهما على قدر حقيهما.
أما على الأول فإن بدأ المكاتب بأرش الجناية فأداه قبل أداء مال الكتابة فلا كلام، وإن أدى مال الكتابة قبل أداء الأرش