شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 311-350
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 311-350
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

إحدى روايات حديث عائشة - وقد تقدمت - أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جمع بينهما، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب.
تنبيهات: (أحدها) مراد الخرقي هنا بالأذى والله أعلم.
ما يستقذر وإن لم يكن نجسا، كالمني ونحوه، بخلاف مراد أبي محمد بالأذى في المجزئ كما سيأتي، فإنه النجاسة.
اهـ. (الثاني) : ينوي بالوضوء المتقدم رفع الحدث، ذكره السامري، وقول الخرقي وغيره: يروي بهن أصول الشعر.
ظاهره: بالغرفات الثلاث، وفي المستوعب: يروي بكل مرة.
ثم ظاهر كلامه وكلام قليل من الأصحاب أن الإفاضة على سائر الجسد لا تثليث فيها، وهو ظاهر الأحاديث، واختيار أبي العباس، ولعل عامة الأصحاب استحبوا التثليث قياسا لإحدى الطهارتين على الأخرى، أو اطلاع على نص بذلك وقد استحب أبو محمد زيادة على ما تقدم،

وهو أن يخلل أصول شعر رأسه ولحيته قبل إفاضة الماء، كما في حديث عائشة، ولا ريب أنه أعون على إصابة الماء البشرة، وقد تقدم أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، ثم جمع بينهما، فينبغي أن يعتمد [على] ذلك.
(الثالث) : قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: رأى أن قد استبرأ.
أي: استقصى وخلص من عهدة الغسل، وبرئ منها كما يبرأ من الدين وغيره، و «حفن» أخذ وصب، والحفنات جمع حفنة، وهو ملء الكفين من طعام أو نحوه، أصلها من الشيء اليابس كالدقيق، والرمل ونحوه، «وغرف» جمع غرفة وهو ملء الكف، وغرفة بالفتح أي مرة، والله أعلم.

قال: وإن غسل مرة، وعم بالماء رأسه وجسده، ولم يتوضأ أجزأه، بعد أن يتمضمض ويستنشق، وينوي به الغسل والوضوء، وكان تاركا للاختيار.
ش: هذه صفة الغسل المجزئ، والأصل فيها في الجملة قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43] ظاهره الاجتزاء بالتطهير، وبالاغتسال من غير اشتراط وضوء ولا غيره.

215 - وعن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «أن ناسا قدموا على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسألوه عن غسل الجنابة، وقالوا: إنا بأرض باردة.
فقال: «إنما يكفي أحدكم أن يحفن على رأسه ثلاث حفنات» وفي لفظ أنه قال: «أما أنا فأفرغ على رأسي ثلاثا» رواهما مسلم، وظاهرهما الاجتزاء بذلك من غير وضوء.
وإنما اشترطت النية المذكورة لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنما الأعمال بالنيات» «لا عمل إلا بالنية» . واشترط الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - المضمضة والاستنشاق، لما تقدم له من أن الفم والأنف من الوجه، وقد تقدم بيان ذلك والخلاف فيه، فلا حاجة إلى إعادته وهذا هو المذهب المعروف، أعني الاجتزاء بالغسل عن الوضوء، بالشرط المذكور، لظاهر ما تقدم، (وعنه) لا بد أن يأتي بالوضوء.
قال أبو الخطاب في هدايته، والسامري، وصاحب التلخيص وغيرهم: وإن لم

يوجد ما يقتضيه، كما إذا أوجبنا الغسل بالانتقال، وهو يلتفت لما تقدم في النواقض.
تأسيا بفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويجاب بأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فعل الكامل، بدليل الاتفاق على أنه لا يجب الوضوء قبل، وتوسط أبو بكر، والشيرازي فقالا: يتداخلان فيما يتفقان فيه، ولا يسقط ما ينفرد به الوضوء عن الغسل من الترتيب والموالاة والمسح وإن لم يقل بإجزاء الغسل عن المسح كما لا يسقط ما ينفرد به الغسل من تعميم البدن ونحوه.
(تنبيه) : في معنى نية الوضوء والغسل، إذا نوى استباحة الصلاة، أو أمرا لا يباح إلا بهما، كلمس المصحف، لا قراءة القرآن.
اهـ. وقد تضمن كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنه لا يشترط للغسل (ترتيب) ، وهو كذلك، لظاهر ما تقدم، ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأبي ذر «إذا وجدت الماء فأمسه جلدك» ولم يأمره بترتيب، ولا موالاة، وهو المعروف في المذهب، لظاهر ما تقدم أيضا.
216 - وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «أن رجلا سأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الرجل يغتسل من الجنابة، فيخطئ الماء بعض جسده؟

فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يغسل ذلك المكان، ثم يصلي» رواه البيهقي في سننه، (ولا دلك) ، وهو كذلك، لظاهر ما تقدم أيضا، (ولا تسمية) ، وهو بناء على قاعدته من أن التسمية لا تجب في الوضوء، أما إن قلنا: تجب ثم.
وجبت هنا، وجزم صاحب التلخيص، والسامري وغيرهما بالوجوب هنا، نظرا منهم إلى أن ذلك المذهب ثم.
ومقتضى كلام الخرقي أيضا أن المجزئ لا يتوقف على إزالة ما به من أذى، وإن كان نجاسة، وهو ظاهر كلام طائفة من الأصحاب، فعلى هذا يرتفع الحدث مع بقاء النجاسة، وصرح بذلك ابن عقيل، ومنصوص أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن الحدث لا يرتفع إلا مع آخر غسلة طهرت المحل، وعلى هذا يتوقف صحة الغسل على الحكم بزوال النجاسة، وهو ظاهر كلام أبي محمد في المقنع، فقال في المجزئ: يغسل ما به من أذى.
والله أعلم.
أي من نجاسة وينوي، لكنه يوهم زوال ما به من أذى أولا، وهذا الإيهام ظاهر ما في المستوعب، فإنه قال في المجزئ: يزيل ما به من أذى، ثم ينوي.
وتبعا في ذلك - والله أعلم - أبا الخطاب في الهداية لكن لفظه في ذلك أبين من لفظيهما، وأجرى على المذهب، فإنه قال: يغسل

فرجه ثم ينوي.
وكذلك قال ابن عبدوس في المجزئ: ينوي بعد كمال الاستنجاء، وزوال نجاسته إن كانت ثم، وقد يحمل كلام أبي محمد والسامري على ما قاله أبو الخطاب، ويكون المراد بذلك الاستنجاء بشرط تقدمه على الغسل، كالمذهب في الوضوء، لكن هذا [قد] يشكل على أبي محمد، فإن مختاره ثم أنه لا يجب تقديم الاستنجاء، وعلى الخرقي، فإن مذهبه تقديم الاستنجاء، فكان من حقه أن ينبه على ذلك.
ويتلخص لي أنه يشترط لصحة الغسل تقديم الاستنجاء على الغسل إن قلنا: يشترط تقديمه ثم.
وإن لم نقل ذلك، أو كانت [النجاسة] على غير السبيلين، أو عليهما غير خارجة منهما، لم يشترط التقديم، ثم هل يرتفع الحدث مع بقاء النجاسة، أو لا يرتفع إلا مع الحكم بزوال النجاسة؟ فيه قولان، ثم محل الخلاف إذا لم تكن النجاسة كثيفة، تمنع وصول الماء، أما إن منعته فلا إشكال في توقف صحة الغسل على زوالها، وهذا واضح والله أعلم.

مقدار ماء الوضوء والغسل

قال: ويتوضأ بالمد، وهو رطل وثلث بالعراقي] ، ويغتسل بالصاع، وهو أربعة أمداد.
ش: لا نزاع فيما نعلمه في صحة الوضوء والغسل بذلك.

217 - لما في مسلم وغيره عن سفينة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يغتسل بالصاع، ويتطهر بالمد» . 218 - وفي الصحيحين عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد» . وقد تضمن كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن المد ربع الصاع، ولا نزاع في ذلك، ويقتضي أن الصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي، وهو المذهب المشهور، كصاع الفطرة والزكاة، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى (وعنه) ما يدل - واختاره القاضي، وأبو البركات - أن الصاع هنا ثمانية أرطال.
219 - لما روى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتوضأ بماء يكون رطلين ويغتسل بالصاع» . رواه أحمد وأبو داود.
220 - «وعن موسى الجهني قال: أتي مجاهد بقدح، حزرته ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يغتسل بمثل هذا» . رواه النسائي و «كان» في مثل هذا المقام تقتضي المداومة، والله أعلم.

قال: وإن أسبغ بدونهما أجزأه.
ش: الإسباغ تعميم العضو بالماء، بحيث يجري عليه، ولا يكون مسحا، فإذا حصل ذلك بدون المد في الوضوء، وبدون الصاع في الغسل حصل الواجب، على المشهور، المعروف من الروايتين، لظاهر الآية.
221 - وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثا» ونحو ذلك.
222 - «وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، أنها كانت تغتسل هي والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من إناء واحد، يسع ثلاثة أمداد أو قريبا من ذلك» . رواه مسلم.

223 - وعن أم عمارة بنت كعب، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ من إناء قدر ثلثي المد.» رواه أبو داود والنسائي، (والثانية) : لا يجزئ دون المد في الوضوء، ولا دون الصاع في الغسل.
224 - لظاهر ما روي عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يجزئ من الغسل الصاع، ومن الوضوء المد» رواه أحمد، والله أعلم.

قال: وتنقض المرأة شعرها لغسلها من الحيض، وليس عليها نقضه [لغسلها] من الجنابة، إذا روت أصوله.
[والله أعلم] . ش: هذا منصوص أحمد في الصورتين، ومختار كثير من الأصحاب.
225 - لما روي عن «عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لها - وكانت حائضا - «انقضي شعرك واغتسلي» رواه ابن ماجه، قال صاحب المنتقى: بإسناد صحيح.
226 - وفي مسلم: «أن أم سلمة سألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت: «أفأنقضه لغسل الجنابة» .

227 - وأصرح من ذلك ما روي عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها، واغتسلت بالخطمي والأشنان، [وإذا اغتسلت من الجنابة لم تنقضه، ولم تغتسل بالخطمي والأشنان] » رواه البيهقي في السنن، لكن في إسناده محمد بن يونس، قال: وليس بثقة.
والمعنى في ذلك أن مدة الحيض تطول، فيتلبد الشعر، فشرع النقض، طريقا موصلا إلى وصول الماء إلى أصول الشعر، بخلاف غسل الجنابة، فإنه لا يطول غالبا، فلا حاجة إلى النقض، لوصول الماء بدونه غالبا، فلذلك لم يطلب النقض رفعا لكلفته.
وحكى ابن الزاغوني رواية أخرى في الحيض، أنه لا يجب النقض، وهو اختيار أبي محمد، وابن عبدوس، وابن عقيل في التذكرة.
228 - لأن في مسلم: «أن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ظفر رأسي، أفأنقضه للحيض والجنابة؟ قال: «لا، إنما يكفيك أن تفرغي عليك ثلاث حفنات، ثم قد طهرت»

وحديث أنس لا يصح، وحديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، قضية عين فيحتمل أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى عليها ما يمنع وصول الماء، لكن ذكرها للحيض ظاهره أن العلة ذلك، والأولى حمل الحديثين على الاستحباب، جمعا بين الأدلة.
وقرينة ذلك ذكر الخطمي والأشنان في حديث أنس.
ولنا قول آخر بالوجوب في الجنابة، قياسا على الحيض، والنص يرده، وابن الزاغوني قيده بما إذا طالت المدة، قال: بناء على أن العلة في النقض في الحيض طول المدة أما إن جعل المناط النص تعبدا فلا.
وقول الخرقي: إذا روت أصوله.
فيه إشعار على أنه يشترط إيصال الماء إلى أصول الشعر والبشرة، وهو كذلك، وإن كانت كثيفة، بخلاف ما تقدم في الوضوء.
229 - وقد شهد لذلك قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشرة» وإذا أوجب الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - تروية

أصول الشعر، ويلزم من ذلك غسل البشرة، فما بالك بالشعور نفسها، فيؤخذ من ذلك وجوب غسلها وإن استرسل، وهو المذهب، وحكى أبو محمد وجها أنه لا يجب غسل المسترسل، وقال: إنه يحتمله كلام الخرقي.
فلا يظهر لي وجه احتمال كلام الخرقي لذلك، والله أعلم.
قال المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:

باب التيمم

ش: التيمم في اللغة القصد، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] أي قاصدين، وقال الشاعر [العذري] : وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني أالخير الذي أنا مبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني

يقال: يممت فلانا وتيممته وأممته.
إذا قصدته، وقد قرئ بالثلاثة في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] أي لا تقصدوا الخبيث للإنفاق منه، فقرأ الجمهور (ولا تيمموا) بالفتح، وقرأ عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (ولا تأمموا) وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (ولا تيمموا: بضم التاء.
وهو في العرف الشرعي عبارة عن: قصد شيء مخصوص - وهو التراب الطاهر - على وجه مخصوص - وهو مسح الوجه واليدين - من شخص مخصوص، وهو العادم للماء، أو من يتضرر باستعماله، وتحقيق ذلك كله له محل آخر، وقد يطلق ويراد به مسح الوجه واليدين وسمي المقصود بالتيمم تيمما.
وهو جائز بالإجماع، وقد شهد له قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43] الآية، وحديث عمار وغيره كما سيأتي إن شاء الله

تعالى، وهو من خصائص هذه الأمة ومما فضلت به على غيرها، توسعة عليها، وإحسانا إليها.
230 - قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» [والله أعلم] .

التيمم في السفر

قال: ويتيمم في قصير السفر وطويله.
ش: هذا هو المعروف في المذهب المقطوع به، اعتمادا على شمول الآية المتقدمة بإطلاقها لحالتي السفر، ثم شرع التيمم يقتضي ذلك، إذ السفر القصير يكثر، فيكثر عدم الماء فيه، فلو لم يجز التيمم إذا لأفضى إلي حرج ومشقة، وذلك ينافي أصل مشروعية التيمم، وقد بالغ الأصحاب في ذلك فقالوا: لو خرج من المصر إلى أرض من أعماله لحاجة: كالحراثة، والاحتطاب، والاحتشاش ونحو ذلك، ولا يمكنه حمل الماء منه، ولا الرجوع للوضوء إلا بتفويت حاجته، فله التيمم، ولا إعادة عليه على الأشهر، وقيل: بلى لأنه

كالمقيم، إذ هو في عمل المصر، ومن ثم لو كانت الأرض التي يخرج إليها من عمل قرية أخرى فلا إعادة عليه.
وقد شمل كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - سفر المعصية، وهو المعروف، لأنه عزيمة لا يجوز تركه، وعليه لا يعيد على المشهور.
ومفهوم كلامه أنه لا يجوز التيمم في الحضر، ولو خاف فوات الصلاة، وهو المذهب وعن أبي العباس جواز ذلك، ولأحمد [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] رواية بالجواز في الجواز في الجنازة خاصة.
وأنه لا يجوز التيمم في الحضر لعدم الماء، كما إذا حبس في المصر ولم يجد ماء، أو انقطع الماء عن أهل البلد، ونحو ذلك، وهو إحدى الروايتين، واختيار الخلال، لظاهر الآية الكريمة فإن ظاهرها اختصاص جواز التيمم بحالة [عدم] الماء في السفر، وإلا لم يكن للتقييد بالسفر فائدة، [والثانية] : - وهي المشهورة، وعليها جمهور الأصحاب -: يجب عليه التيمم - والحال هذه - والصلاة، لعموم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث أبي ذر «إن الصعيد [الطيب] طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته» ، رواه أحمد والترمذي وصححه، وحديث «أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبل» وغير ذلك، والتقييد بالسفر في الآية خرج

  • والله أعلم - مخرج الغالب، إذ السفر محل العدم غالبا، وهذا كاختصاص الخلع بحال الخوف، وشهادة الرجل والمرأتين بحالة تعذر الرجلين، ومثل ذلك لا يكون مفهوم حجة اتفاقا.
    فعلى هذا إذا صلى بالتيمم هل يعيد؟ فيه قولان، أشهرهما لا.
    لفعله المأمور به، وإذا يخرج عن العهدة لندرة ذلك، ولأبي محمد احتمال بالتفرقة بين عذر يزول عن قريب، كالضيف إذا أغلق عليه الباب، ونحو ذلك، فهذا يعيد لأنه بمنزلة المتشاغل بطلب الماء، وبين عذر يمتد، كالحبس، وانقطاع الماء عن القرية، فهذا لا إعادة عليه، قلت: وهذا التعليل منه إنما يبيح عدم التيمم والحال هذه، والله أعلم.

شروط التيمم

قال: إذا دخل وقت الصلاة، وطلب الماء فأعوزه.
ش: ذكر الخرقي [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] لجواز التيمم [في السفر] ثلاثة شروط، (أحدها) دخول وقت الصلاة، فلا يجوز التيمم لصلاة قبل وقتها، وهذا هو المشهور، والمختار للأصحاب، لأن الله تعالى أمر بالوضوء أو التيمم عند إرادة القيام إلى الصلاة، وإنما يكون ذلك بعد دخول الوقت، وظاهر الخطاب: كلما أراد القيام إلى الصلاة.

231 - خرج الوضوء، لصلاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد، وبقي التيمم على مقتضى ظاهرها.
232 - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت» مختصر، رواه أحمد، وللبيهقي في سننه عن أبي أمامة نحوه، وظاهره تقييد طهورية التراب بحال إدراك الصلاة، وإنما يتحقق ذلك بدخول الوقت، وأيضا فالتيمم قبل الوقت لا حاجة إليه، فهو كالتيمم مع وجود الماء، وقد أشار الله سبحانه [وتعالى] إلى اشتراط الحاجة بقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: 43] . (وعن أحمد) [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] ما يدل على جواز ذلك، وهو اختيار أبي العباس.
233 - لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وجعلت تربتها طهورا إذا لم نجد الماء» وشمله قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» ونظرا إلى أنه بدل فيساوي مبدله، إلا ما خرج بالدليل كالإطعام مع العتق في الكفارة، ونحو ذلك ولقد تخرج عبد العزيز في حكايته الإجماع على منع التيمم قبل الوقت.
(تنبيه) : وقت المكتوبة المؤداة زوال الشمس، أو غروبها ونحو ذلك، والفائتة كل وقت، وكذلك المنذورة على المذهب، وصلاة الاستسقاء باجتماع الناس في الصحراء، والصلاة على الميت بنجاز غسله، وصلاة الكسوف بالكسوف إن أجزنا ذين في وقت النهي، وإن لم نجزهما فيه

فبذلك مع خروج وقت النهي، وكذلك جميع التطوعات وقتها وقت جواز فعلها اهـ. (الشرط الثاني) : طلب الماء، على المشهور المختار من الروايتين لظاهر الآية، فإنه سبحانه [وتعالى] شرط لجواز التيمم عدم الوجدان، ولا يقال: ما وجد.
إلا بعد الطلب، ولا يرد قوله سبحانه: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: 44] مع انتفاء الطلب منهم.
234 - وكذلك قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من وجد لقطة» لأن كلامنا في جانب النفي، أما جانب الوجود فسلم أنه [لا] يقتضي الطلب، (فإن قيل) : فيرد قوله سبحانه: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: 102] لاستحالة الطلب على الله سبحانه، (قيل) : الله سبحانه [وتعالى] طلب منهم الثبات على العهد، أي أمرهم بذلك، فهو سبحانه يطلب منهم ما قدمه إليهم من العهد، فلذلك قيل: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ﴾ [الأعراف: 102] . ولأنه بدل، شرط له عدم مبدله، فلم يجز إلا بعد طلب المبدل، كالصيام مع الرقبة في الكفارة، وكالقياس مع النص في الحادثة، يحقق ذلك أن البدل من شرطه الضرورة، وهي بعد الطلب متحققة حسب الإمكان، أما قبله فمشكوك فيها، فلا تثبت الرخصة.

(وعن أحمد) - رَحِمَهُ اللَّهُ - رواية أخرى - واختارها أبو بكر -: يستحب الطلب ولا يجب.
اعتمادا على ظاهر الحال، كالفقير لا يلزمه طلب الرقبة، ومحل الخلاف - وفاقا لأبي البركات، وصاحب التلخيص - إذا احتمل وجود الماء، ولم يكن ظاهرا، أما مع الجزم بعدم الماء فلا يجب بلا ريب، ومع ظن وجوده - إما في رحله، أو بأن رأى خضرة، ونحو ذلك -: يجب بالإجماع.
وصفة الطلب أن يفتش من رحله ما يحتمل أن الماء فيه، ويسعى يمنة ويسرة، وأماما ووراء، ما العادة أن المسافر يسعى إليه لطلب الماء، والمرعى والاحتطاب، ونحو ذلك، لا فرسخا ولا ميلا ولا ما يلحقه فيه الغوث على الأشهر، ويشترط للسعي الأمن على نفسه، وأهله، وماله، لسبب يقتضيه، لا جبنا، وأمن فوت الوقت، وفوت الرفقة، ولقد أبعد

ابن عبدوس في اشتراط ذلك للقرب دون البعد، وابن أبي موسى في حكايته وجها بوجوب الإعادة [على المرأة] إذا خافت الفجور في القصد، فإن رأى خضرة أو موضعا يتساقط عليه الطير قصده، لأن ذلك مظنة الماء، بالشرط السابق، وكذلك إن كان بقربه مانع من انبساط [النظر]- كجبل ونحوه - قصده بالشرط السابق، فصعد عليه، وهل يلزمه المشي خلفه؟ على وجهين، ويسأل رفقته عن مظانه، فإن دله عليه ثقة قصده بالشرط السابق أيضا، (ومحل الطلب) عند دخول وقت كل صلاة، كما أشار إليه الخرقي بقوله: إذا دخل وقت الصلاة.
فإن طلب قبل الوقت لم يعتد به.
(الشرط الثالث) : إعواز الماء، بأن يطلب الماء فلا يجد، كما نص الله تعالى عليه بقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: 6] وحصل الاتفاق عليه، وفي معنى العادم إذا وجد الماء وتعذر عليه استعماله، لعدم قدرته على النزول إليه، أو الاستقاء منه، أو غلبة الواردين عليه، أو إحالة سبع ونحو دونه.
ثم الإعواز له حالتان (إحداهما) : ما تقدم، وهو أن يكون عادما للماء، إما حسا، وإما حكما، (الثانية) : وجد ماء ولكن لا يكفيه لطهره، والمعروف والحال هذه - حتى قال القاضي في روايتيه: إنه لا خلاف فيه في المذهب - أنه

يلزمه استعماله إن كان جنبا، ثم يتيمم لما بقي، وكذلك إن كان محدثا، على أشهر الوجهين، أو الروايتين على ما في الرعاية، (والثاني) : - واختاره ابن أبي موسى، وأبو بكر، مع حكايته له عن بعض الأصحاب - لا يلزمه استعماله ويتيمم، وعلى هذا في إراقته قبله - قلت: إن لم يحتج إليه لعطش - روايتان، حكاهما ابن حمدان، ونظيرهما الروايتان في الطهور المشتبه بنجس، والله أعلم.

قال: والاختيار تأخير التيمم إلى [آخر الوقت] . ش: هذا إحدى الروايتين، واختيار ابن عبدوس.
235 -[اعتمادا على] ما روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنه قال: إذا أجنب الرجل في السفر: تلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن لم يجد الماء تيمم وصلى.
رواه الدارقطني والبيهقي، لكنه من رواية الحارث عنه، وهو ضعيف، واحتياطا للخروج من الخلاف، إذ بعض العلماء - وهو رواية عن إمامنا،

حكاها أبو الحسين - لا يجوز التيمم إلا عند ضيق الوقت، (والثانية) - وهي المختارة للجمهور - إن رجا وجود الماء فالأفضل التأخير، إذ طهارة [الماء] في نفسها فريضة، وأول الوقت فضيلة، ولا ريب أن انتظار الفريضة أولى، وإن علم أن ظن عدمه فالأفضل التقديم، وكذلك إن تردد، على أحد الوجهين، إذ فضيلة الوقت متيقنة، فلا تترك لأمر مأيوس أو مشكوك [فيه] والله أعلم.

قال: فإن تيمم في أول الوقت وصلى أجزأه، وإن أصاب الماء في الوقت.
ش: هذا هو المذهب المشهور، وإن تيقن وجود الماء في الوقت، ولا عبرة بالرواية التي حكاها أبو الحسين.
236 - لما روى عطاء بن يسار، عن أبي سعيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد «أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك» وقال للآخر: «لك الأجر مرتين» رواه أبو داود وقال: ذكر أبي سعيد فيه وهم، وليس بمحفوظ، وهو مرسل، وللنسائي بمعناه.
237 - وعن نافع قال: تيمم ابن عمر على رأس ميل أو ميلين من المدينة، فصلى العصر، فقدم والشمس مرتفعة، ولم يعد [الصلاة] رواه البيهقي، وللموطأ معناه، واحتج به أحمد.
238 - وعن ابن أبي الزناد عن أبيه، قال: كل من أدركت من فقهائنا - فذكر الفقهاء السبعة - كانوا يقولون: من تيمم فصلى، ثم وجد الماء [وهو] في الوقت، أو [في] غير الوقت، فلا إعادة عليه، ويتوضأ لما يستقبل من الصلوات ويغتسل،

والتيمم من الجنابة والوضوء سواء.
رواه البيهقي والله أعلم.

كيفية التيمم

قال: والتيمم ضربة واحدة.
ش: أي التيمم المشروع، أو الواجب، أو المجزئ ضربة واحدة، لا نزاع عندنا فيما نعلمه أن الواجب في التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين.
239 - لما «روى عمار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: أجنبت، فلم أصب الماء، فتمعكت في الصعيد ثم صليت، فذكرت ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «إنما يكفيك هذا» وضرب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بها وجهه وكفيه.
متفق عليه، وفي لفظ: لم يجاوز الكوع وفي لفظ للدارقطني «إنما [كان] يكفيك أن تضرب بكفيك [في] التراب، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين» .

240 - وعن عمار أيضا، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في التيمم «ضربة للوجه والكفين» رواه أحمد، والترمذي بمعناه وصححه.
ولقد أنصف الشافعي (- رَحِمَهُ اللَّهُ -) حيث قال في رواية الزعفراني [إن] ابن عمر تيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، وبهذا رأيت أصحابنا يأخذون، وقد روي فيه شيء عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لو علمته ثابتا لم أعده، ولم أشك فيه، وقد قال عمار: تيممنا مع [النبي]- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المناكب، وروي عنه الوجه والكفين.
فكأن قوله: تيممنا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المناكب.
لم يكن عن أمر الرسول [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] ، فإن ثبت عن عمار، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الوجه واليدين، ولم يثبت عنه: [إلى] «المرفقين» فالثابت أولى.
اهـ ولا ريب في ثبوت ذلك عند أهل العلم بهذا الشأن، وأنه أثبت من «إلى المرفقين» بل لم يثبت في ذلك شيء، قال الإمام أحمد [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] :

من قال ضربتين.
إنما هو شيء زاده.
اهـ. وهل تسن زيادة على ضربة؟ المنصوص - وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي محمد وغيره - لا تسن، لما تقدم، إذ قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «في التيمم: «ضربة للوجه والكفين» ظاهره أن التيمم ليس إلا هذا، وقال القاضي، والشيرازي، وابن الزاغوني، وأبو البركات: يسن ضربتان، ضربة للوجه، وأخرى لليدين إلى المرفقين احتياطا، للخروج من الخلاف، إذ بعض [العلماء] يوجبه، مع أنه قد ورد.

241 - فعن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» رواه الدارقطني، وروى أيضا نحوه من حديث ابن عمر وغيره عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهي وإن كان في أسانيدها مقال، لكن ورودها من طرق يفيد ظنا بصحتها، على أن الدارقطني - فيما أظن - صحح بعضها، ويحمل ما تقدم على الإجزاء، جمعا بين الكل، ولا نزاع فيما نعلمه أنه لا يسن زيادة على ضربتين إذا حصل الاستيعاب بهما.
. (تنبيه) : الرصغ والرسغ مفصل اليد، والله أعلم.

قال: يضرب بيديه على الصعيد الطيب وهو التراب.
ش: صفة الضربة في التيمم المشروع [أو الواجب] أن

يضرب بيديه على ما أمر الله سبحانه [وتعالى به] وهو الصعيد الطيب، ثم فسر الصعيد بأنه التراب، وهذا أشهر الروايات عن أحمد، واختيار عامة أصحابه لظاهر قول الله سبحانه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6] فدل على أنه شيء يمسح منه، والصخر ونحوه ليس بشيء يمسح به.
242 - ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه قال: الصعيد تراب الحرث، والطيب الطاهر.
243 - (وعن حذيفة) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «جعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» رواه مسلم 8.
244

-[وعن علي]-

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، [وسميت أحمد] ، وجعل لي التراب طهورا، وجعلت أمتي خير الأمم» رواه أحمد، فعم الأرض بحكم المسجدية، وخص ترابها بحكم الطهارة، وذلك يقتضي نفي الحكم عما عداه، (وقول الخليل) : إن الصعيد وجه الأرض.
وكذلك الزجاج، مستدلا بقوله سبحانه: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: 40] وقائلا: بأنه لا يعلم فيه خلافا بين أهل اللغة.
يعارضه قول ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، على أن قولهما يرجع إلى التفسير اللغوي، وقول ابن عباس يحمل على التفسير الشرعي، ويؤيده بيان صاحب الشرع حيث قال: «وترابها لنا طهورا» (وقول من قال) : إن (منه) لابتداء الغاية، ليكن ابتداء الفعل بالأرض، وانتهاء المسح بالوجه.
مردود بأن ابتداء المسح بإمرار اليد على الوجه [لا] بالأخذ من الأرض، وقد قال الزمخشري: إن هذا قول متعسف، وإن

الإذعان للحق أحق من المراء، (والثانية) - أومأ إليها في رواية أبي داود وغيره - يجوز التيمم بالرمل، والأرض السبخة، لعموم الحديث الصحيح «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» . 245 - وقوله في الحديث الآخر: «أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره» وما تقدم بعض أفراد هذا، وذكر بعض الأفراد لا يخصص، وهذا وإن شمل كل الأرض لكن قَوْله تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6] خصصه بما في معنى التراب من الرمل ونحوه (ويجاب) : بأن التخصيص بالمفهوم، لا بذكر بعض الأفراد، وهو وإن كان مفهوم اللقب، فهو حجة عندنا على المذهب (والرواية الثالثة) : يجوز التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من الجص، والنورة، والرمل، ونحو ذلك، عند عدم التراب، حملا للنص المقيد بالتراب على حال وجدانه، والنص المطلق على حالة العدم، جمعا بينهما.

إذا تقرر هذا (فعلى الأولى) يجوز [التيمم] بكل تراب، على أي لون كان، بشرط كونه له غبار يعلق باليد، ومن ثم لو ضرب بيده على لبد أو [على] شجرة، ونحو ذلك، فحصل على يده غبار تراب أجزأه، وكذلك لو سحق الطين وتيمم به أجزأه، وإن كان مأكولا كالطين الأرمني، نعم: إن كان بعد طبخه لم يجزه على أشهر الوجهين، فإن خالط ما يتيمم به ما لا يتيمم به، كالزعفران ونحوه، فهل هو كالماء إذا خالطه الطاهرات، وهو قول القاضي، وأبي الخطاب وغيرهما: إن غيره منع هنا قولا واحدا، وهو اختيار ابن عقيل، وأبي البركات، على طريقتين، ومحلهما فيما يعلق باليد كما مثلنا، أما ما لا يعلق باليد فلا يمنع، لنص

أحمد على جواز التيمم (وعلى الرواية الثانية) فظاهر كلام أحمد الجواز مطلقا، والقاضي يحمل قوله بالجواز على ما إذا كان له غبار، وقوله بالمنع على عدم الغبار، فلا خلاف عنده [وعلى] الثالثة) هل يعيد إذا وجد الماء أو التراب؟ فيه روايتان.
وقول الخرقي: يضرب بيديه.
ليست حقيقة الضرب شرطا، بل لو وضع يده على تراب ناعم أجزأه، إذ القصد إغبار الراحتين، وقد وجد، لكنه قد يحترز بذلك عما إذا وصل التراب إلى وجهه ويديه بغير ضرب، نحو أن سفت عليه الريح ترابا يعمه، وله حالتان (إحداهما) إذا نوى بعد حصول التراب عليه، فإنه لا يجزئه، لانتفاء قصد التراب رأسا، نعم لو مسح وجهه بما حصل على يديه أجزأه، (الثانية) : نوى وعمد للريح فحصل عليه تراب، فهنا ثلاثة أوجه (الإجزاء) وهو مختار أبي جعفر، وأبي البركات وصاحب التلخيص، والسامري (وعدمه) ، وهو ظاهر كلام الخرقي، (والثالث) إن مسح أجزأه، وإلا فلا، والله أعلم.

قال: وينوي به المكتوبة.
ش: لا نزاع عندنا في اشتراط النية في التيمم في الجملة، لقوله

تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنما الأعمال بالنيات» «لا عمل إلا بنية» ونحو ذلك، ثم كيفية النية قد بناه جماعة على أصل، فلنتعرض له وهو: أن التيمم هل يرفع الحدث أم لا؟ وفيه قولان للعلماء، أشهرهما أنه لا يرفع الحدث، وهو المختار لأصحابنا، وأحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - نقل عنه الفضل، وبكر بن محمد أنه يصلي [به] ما لم يحدث، فأخذ من ذلك أبو الخطاب وغيره أنه يرفع الحدث، ونقل عنه أنه لا يصح التيمم لفريضة قبل وقتها، وأنه يتيمم لوقت كل صلاة، بل وأنه لا يجمع به بين فرضين، فأخذ من ذلك أنه لا يرفع الحدث.
وبالجملة قد جاء في الباب حديثان مشهوران.
246 -[أحدهما] «حديث عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة، في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب» ؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29] فضحك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يقل شيئا» . رواه أبو داود، وظاهره أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقره على أن صلى وهو جنب، وإلا لم يبين لهم أنه ليس بجنب.
247 - (والثاني) : حديث أبي ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، وفي رواية «طهور» فدل على أنه عند عدم الماء طهور بمنزلة [الماء] ، وإذا يعطى حكم الماء، فيرفع الحدث، والحق أنه لا تعارض بين الحديثين، إذ (في الأول) غايته أنه لم يمنع من إطلاق الحدث عليه، لأن بزوال البرد، أو بوجود الماء ونحو ذلك يظهر حكم الحدث، ويبطل التيمم، فدل على أن المانع لم يزل رأسا، (وفي الثاني) جعل التراب طهورا عند عدم الماء، لأنه يستبيح به ما يستبيح بالماء والحال ما تقدم.

وقد قال أبو العباس: إن ذلك ينبني على قاعدة أصولية، وهي أن المانع المعارض للمقتضي هل يرفعه أم لا؟ فإن المقتضي للحدث موجود، وقد عارضه عدم الماء، مع الحاجة إلى الصلاة، وقيام الشارع التراب مقام الماء، فهل يقال: استبيحت الصلاة والحال هذه، مع قيام السبب المانع منها وهو الحدث، أو أن السبب والحال هذه لم يبق حاضرا، فكأن لا حدث؟ ونظير ذلك الاختلاف في الميتة عند الضرورة، هل أبيحت مع قيام سبب الحظر، وهو ما فيها من [خبث] التغذية، أو [أن] عند الضرورة زال المقتضي للحظر، مع بقاء] قيام السبب وهو التحريم.
وكشف الغطاء من ذلك أنه إن أريد بالسبب الحاضر السبب التام، وهو مجموع ما يستلزم الحكم من العلة، والشرط، وعدم المانع، فلا ريب في ارتفاع هذا عند المخمصة، وعند الصلاة بالتيمم، لوجود الحل وإباحة الصلاة، وإن أريد بالسبب ما يقتضي الحكم وإن توقف على وجود شرط، أو انتفاء مانع، فلا ريب في وجود هذا هنا، لولا المعارض الراجح، وهو المخمصة، وعدم الماء، فالقائل الأول التفاته إلى هذا السبب، والقائل الثاني التفاته إلى السبب التام، وإذا فالفريقان مجمعان على إباحة الصلاة والحال ما

تقدم، وعلى منع الصلاة عند وجود الماء حتى يتطهر، ومن ثم قال القاضي في تعليقه: الخلاف في عبارته، قال: إذ فائدة قولنا: إنه لا يرفع الحدث.
أنه إذا وجد الماء لزمه استعماله في رفع الحدث، وهذا اتفاق.
ومن هنا يعرف خطأ ابن حمدان في قوله: وعنه يصلي به ما لم يحدث.
وقيل: أو يجد ماء.
فإنه يقتضي أنه على النص يصلي وإن وجد الماء، وهو خلاف الإجماع، والنصوص الصريحة، والذي أوقعه في ذلك - والله أعلم - أن النص عن أحمد مطلق، لكن نصوصه المتوافرة بالبطلان بوجود الماء حتى وهو في الصلاة، تقيد ذلك، لا سيما مع النصوص الصريحة فكيف يظن بأحمد مخالفتها.
وقول أبي البركات: وعنه: يصلي به ما لم يحدث كالماء.
وكأن أبا البركات أراد [أن] على هذه الرواية أشبه الماء، فيعطى حكمه، من جواز التيمم قبل الوقت، ونحو ذلك، كما صرح به.
اهـ وظاهر ما قاله القاضي من أن الخلاف في عبارته، أنه لم يبن على ذلك فائدة شرعية، وكذا صرح به أبو العباس في قواعده فقال: ليس بين القولين نزاع شرعي عملي، بل عليهما لم يبق الحدث مانعا مع

وجود طهارة التيمم، فيكون طاهرا قبل الوقت وبعده وفيه، وبنى البطلان بخروج الوقت، [وكونه لا يجمع به بين فرضين، على القول بأنه لا يتيمم قبل الوقت] وبين كونه يصلي به ما يشاء، ولا يبطل بخروج الوقت على القول بجواز التيمم قبل الوقت، والقاضي خرج رواية جواز التيمم قبل الوقت من قوله: إنه يصلي به ما لم يحدث.
فعلى هذا يكون أبو العباس قد جعل الأصل فرعا، والفرع أصلا، أما أبو الخطاب، وجماعة فقالوا: إنا إذا قلنا: لا يرفع الحدث.
اشترط أن ينوي استباحة الصلاة من الحدث الذي عليه ثم إذا نوى شيئا استباحه وما دونه، ولا يستبيح ما هو أعلى منه، كما يأتي بيانه، ولا يجوز إلا بعد الوقت، ويبطل بخروجه، وإن قلنا: يرفع.
جاز أن ينوي رفع الحدث، وإذا نوى فعل الصلاة استباح فرضها، وجاز قبل الوقت، ولم يبطل بخروجه، كالماء سواء.
إذا تقرر هذا فقول الخرقي: ينوي به المكتوبة.
ظاهره - والله أعلم -[أنه] لحظ ما تقدم، من أن التيمم مبيح لا رافع، فيحصل له إباحة ما نواه، ويدخل فيه بطريق الضمن ما دونه، ولا شيء أعلى من المكتوبة، فلذلك نص الخرقي عليها، وقد نص أحمد في رواية البرزاطي في من تيمم

لسجود القرآن، أو للقراءة في المصحف، وصلى به فريضة أنه يعيد، وعلى هذه القاعدة: لو نوى صلاة الجنازة استباح النافلة، لا المكتوبة، ولا يستبيح الجنازة بنية النافلة، ويستبيح مس المصحف بنيتهما، ولا تباح هي بنيتهما، ويستبيح قراءة القرآن واللبث في المسجد، بنية الطواف، لأنه أعلى منهما، لشبهه بالصلاة، ولا يباح هو بنية أحدهما، ولو [نوى] قراءة القرآن، لكونه جنبا، أو اللبث في المسجد، أو مس المصحف، فقال أبو محمد: لا يستبيح غير ما نواه، وقال أبو البركات: إن نوى القراءة، أو اللبث استباح الآخر، دون ما يقتضي الطهارتين، [من صلاة، ومس مصحف، إذ تيممه هذا كالغسل وحده، ويستبيح بنية النافلة، ومس المصحف اللبث والقراءة، لأن تيممه والحال هذه بمنزلة الطهارتين] . هذا كله على ما هو عندهم المذهب كما تقدم، أما على القول الآخر فالتيمم كالماء، فتباح الفريضة بنية النافلة، كما نص عليه الخرقي ثم، وتوسط ابن حامد فقال: يباح الفرض بنية مطلقة، [دون نية النفل] . والله أعلم.

قال: فيمسح بهما وجهه وكفيه.
ش: يمسح بالضربة التي ضربها بيديه وجهه وكفيه، لما تقدم من حديث

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل