شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 680-704
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصيد والذبائح

صفحات 680-704
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الغالب، إذ الغالب وجود الطعام الحلال في الحضر، ودفع الضرورة بالسؤال، قلت: وظاهر هذا التقرير أن الميتة لا تباح لمن يقدر على دفع الضرورة بالمسألة.
وقد قال أبو محمد: إنه ظاهر كلام أحمد، اهـ. وكلام الخرقي في شموله للمسافر يشمل السفر الجائز والمحرم، وهو اختيار صاحب التلخيص، وقال عامة الأصحاب: لا يباح للعاصي بسفره تناول الميتة بحال، وأصل هذا أن قَوْله تَعَالَى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ [البقرة: 173] ، هل هو غير باغ على المسلمين، أو غير باغ على مضطر آخر بالاستئثار عليه، أو بمن أكلها تلذذا؟ فيه ثلاثة أقوال للمفسرين.
وكذلك في قوله - سبحانه -: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: 3] ، هل التجانف بالسفر أو بالزيادة على سد الرمق؟ فيه أيضا قولان.

ويرجح ظاهر إطلاق الخرقي بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119] ، فإنه أطلق فيه، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] ، وبأن أكل الميتة عزيمة واجبة، حتى لو امتنع كان عاصيا، كما هو المشهور من الوجهين لهذه الآية، وهو ظاهر كلام أحمد.
3567 - قال في رواية الأثرم - وقد سئل عن المضطر يجد الميتة ولم يأكل، فذكر قول مسروق: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب فمات دخل النار.
وعلى هذا اعتمد صاحب التلخيص، وقد يقال أن أصل هذا الخلاف أن المسكين إذا امتنع من المسألة حتى مات هل يأثم أم لا؟ قال القاضي: كلام أحمد يقتضي روايتين، فإن قلنا: يأثم، وجب الأكل، وإن قلنا: لا يأثم لم يجب الأكل.
(تنبيه) : حكم جميع المحرمات حكم الميتة فيما تقدم في الجملة.
(والحرة) : أرض تركبها حجارة سود.
(وضلت) ، أي: ضاعت.
(ونفقت) ، أي: ماتت.

قال: ومن مر بثمرة فله أن يأكل منها ولا يحمل، فإن كان عليها محوطا فلا يدخل إلا بإذن.
ش: اختلفت الرواية عن إمامنا في هذه المسألة (فروي عنه) إباحة ذلك مطلقا، أعني: سواء كان محتاجا أو لم يكن،

وسواء أكل من المعلق أو من المتساقط، وهذه ظاهر كلام الخرقي، واختيار القاضي وغيره، قال القاضي في خلافه الصغير: اختاره عامة أصحابنا.
وقال أبو الخطاب في هدايته: عامة شيوخنا.
3568 - وذلك لما روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ خبنة» . رواه الترمذي وابن ماجه.
3569 - وعن عبد الله بن عمرو، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: «سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الرجل يدخل الحائط فقال: «يأكل غير متخذ خبنة» . رواه أحمد، (وعنه) : لا يحل له ذلك مطلقا إلا بإذن المالك.
حكاها ابن عقيل في التذكرة.
3570 - لعموم: « «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام» . متفق عليه.

3571 - وعن العرباض بن سارية أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ألا وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم» . أخرجه أبو داود.
وغاية هذين عموم فنخصه بما تقدم.
(وعنه) جواز ذلك من المتساقط دون غيره.
3572 - لما «روى رافع بن عمرو، قال: كنت أرمي نخل الأنصار، فأخذوني فذهبوا بي إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «يا رافع لم ترم نخلهم؟» قلت: يا رسول الله الجوع.
قال: «لا ترم، وكل ما وقع، أشبعك الله وأرواك» .» وقد يقال: إن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علم أنه يسقط من نخلهم ما يشبعه، وكيف لا يحصل له الشبع، وقد حصل له دعاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

ومع حصول ذلك فلا حاجة إلى الرمي، لأنه نوع إفساد.
(وعنه) : يحل له ذلك لحاجة، ولا يحل لغير حاجة.
3573 - لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه سئل عن التمر المعلق، فقال: «ما أصاب منه من ذي الحاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن أخرج منه شيئا فعليه غرامة مثليه، والعقوبة» » . رواه الترمذي وحسنه.
(وعنه) : إن كان مضطرا أكل وإلا لم يأكل.
. حكاها القاضي في الجامع وغيره، وهي ظاهر كلامه في رواية أبي طالب، وسئل إذا لم يكن تحت الشجرة شيء يصعد؟ فقال: لم أسمع يصعد، فإن اضطر أرجو أن لا يكون به بأس.
(وهذه الرواية) قد تحمل على أن المراد بالضرورة الحاجة، لأن أبا محمد صرح بأنه هنا لا يعتبر حقيقة الاضطرار، والظاهر حملها على ظاهرها، وأن المراد بالضرورة هنا: الضرورة المبيحة للميتة، ولهذا قال القاضي هنا - بعد أن ذكر الرواية -: وعندي أنه يباح له الأكل إذا احتاج إلى ذلك، مثل أن تشتهي نفسه الثمرة وتلتهف عليها، ولا شيء معه لشرائها، ولا يجد من يبيعه إياها نسيئا.
لا يقال: فلا فائدة في هذه المسألة على هذه الرواية، لأن غير الثمرة تباح أيضا عند الضرورة، لأنا نقول: فائدة ذلك أن الثمرة تباح مجانا حيث أبيح تناولها.
(وعنه) : يباح ذلك في السفر دون الحضر، قال في الرواية صالح - وسئل عن ذلك: إنما الرخصة للمسافر، وهذه

الرواية قد تحمل على رواية اشتراط الحاجة.
واعلم أن هذا الخلاف كله في الأكل بفيه دون الحمل كما صرح به الخرقي، وشهدت به الأحاديث، وهو أن لا يتخذ خبنة، وهي ما تحمله في حضنك؛ وقيل: هو أن يأخذه في خبنة ثوبه، وهو ذيله وأسفله.
ثم شرط جواز الأكل حيث قيل به أن لا يكون على الثمرة حائط، نص عليه أحمد والأصحاب، قال أحمد: لأنه شبه الحريم.
3574 - وبأنه استند في ذلك إلى قول ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: إن كان عليها حائط فهو حريم، فلا تأكل، وإن لم يكن عليها حائط فلا بأس.
وسيأتي في الحديث ما يرشد إلى ذلك أيضا.
(نعم) إن كان مضطرا جاز له الدخول والأكل، وفي معنى الحائط الناطور، قاله غير واحد من الأصحاب، وقال في المغني: قال بعض أصحابنا: الناطور بمنزلة المحوط.

وظاهر كلام الخرقي أن هذا الحكم مختص بالثمرة، فلا يثبت هذا الحكم لغيرها من مال الغير، ولا نزاع في ذلك إلا في صورتين، فإنه قد اختلف عن إمامنا فيهما، (إحداهما) : الزرع، (فعنه) المنع كغيره من الأموال، وقال: إنما رخص في الثمار، وقال: ما سمعنا في الزرع أن يمس منه، وذلك لأن الثمار النفوس تتشوف إليها رطبة، بخلاف الزرع.
(وعنه) يأكل من الفريك، إذ العادة جارية بأكله رطبا فأشبه الثمرة.
قال أبو محمد: وكذلك الحكم في الباقلاء والحمص، وشبههما مما يؤكل رطبا، فأما الشعير وما لم تجر العادة بأكله فلا يجوز الأكل منه.
قلت: ولهذه المسألة التفات إلى ما تقدم في الزكاة من أنه يوضع لرب المال عند خرص الثمرة الثلث أو الربع، ولا يترك له شيء من الزرع إلا ما العادة أكله فريكا.
(تنبيهان) : «أحدهما» : قد علم أن الخلاف إنما هو في الفريك، وأبو محمد ألحق بذلك ما في معناه كما تقدم، وهو حسن، والشيخان في مختصريهما وغيرهما يحكون الخلاف في الزرع على الإطلاق.
(الثاني) ظاهر كلام أحمد أن الخلاف في الزرع حيث

رخص له في الثمرة، وأبو البركات جعل الخلاف على الرواية الأولى، وظاهر كلامه المنع على ما بعدها مطلقا.
(الصورة الثانية) : شرب لبن الماشية، فيه أيضا روايتان، (إحداهما) : له أن يحلب ويشرب ولا يحمل، اختارها أبو بكر.
3575 - لما روى الحسن عن سمرة بن جندب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فليصوت ثلاثا، فإن أجابه فليستأذنه، فإن أذن له، فليحتلب وليشرب ولا يحمل» . رواه أبو داود والترمذي وصححه، وقال ابن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح.
3576 - وعن أبي سعيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا أتى أحدكم حائطا فأراد أن يأكل فليناد: يا صاحب الحائط.
ثلاثا، فإن أجابه وإلا فليأكل، وإذا مر أحدكم بإبل فأراد

أن يشرب من ألبانها فليناد: يا صاحب الإبل، أو يا راعي الإبل.
فإن أجابه وإلا فليشرب» . رواه أحمد وابن ماجه.
(والثانية) : ليس له ذلك، نص عليه.
3577 - مفرقا بينه وبين الثمر؛ لأن أكل الثمر فعله غيره واحد من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. 3578 - ومستدلا على المنع هنا بحديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وقال: هو أجود إسنادا، وهو ما روى عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يحلبن أحدكم ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى

مشربته فينتقل طعامه، وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» » . متفق عليه.
(قلت) : وقد يحمل على ما إذا كان صاحبها فيها، توفيقا بين الحديثين.
(تنبيهان) : «أحدهما» : الخلاف أيضا في الماشية حكاه أبو البركات على الرواية الأولى، وينبغي أن يكون حيث أبيح الأخذ.
(الثاني) : إذا جوزنا الأكل من الثمار وغيرها، فقال أبو محمد: الأولى أن لا يأكل إلا بإذن، للخلاف والأخبار الدالة على التحريم.
(قلت) : وينبغي أن يتقيد جواز الحلب والشرب من الماشية بما إذا صوت بصاحبها ثلاثا فلم يجبه، كما في الحديث، وقد نص أحمد على ذلك فقال: ناد ثلاثا، فإن أجابك وإلا فاشرب.

قال: ومن اضطر فأصاب ميتة وخبزا لا يعرف مالكه أكل الميتة.
ش: هذا منصوص أحمد، وبه قطع عامة الأصحاب، منهم أبو محمد في المغني، لأن الميتة منصوص عليها، ومال الغير مجتهد فيه، والمنصوص عليه أولى، ولأن حق الله تعالى مبني على المسامحة والمساهلة، بخلاف حق الآدميين.

ولأبي محمد في المقنع احتمال بجواز أكل طعام الغير، بشرط أن لا تقبل نفسه الميتة، وبه جزم في الكافي لأنه والحال هذه عليه ضرر في أكل الميتة، وإنه منفي شرعا.

قال: فإن لم يصب إلا طعاما لم يبعه مالكه أخذه منه قهرا، ليحيي به نفسه، وأعطاه ثمنه، إلا أن يكون بصاحبه مثل ضرورته.
ش: إذا لم يجد المضطر إلى طعام الغير فلا يخلو إما أن يكون صاحبه مضطرا إليه أيضا أو لا، فإن كان صاحبه مضطرا إليه فهو أحق به، وليس لأحد أخذه منه، لمساواتهما في الضرورة، ويرجح المالك بالملك، وقد أشار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى ذلك حيث قال: «ابدأ بنفسك» . وإن لم يكن مضطرا إليه لزمه أن يبذل للمضطر ما يسد رمقه على المذهب، أو قدر شبعه على رواية بقيمته، لما فيه من إحياء نفس آدمي معصوم، أشبه بذلك منافعه في إنجائه من الغرق ونحو ذلك، فإن امتنع من ذلك فللمضطر أن يأخذ منه ما يسد رمقه أو قدر شبعه ولو قهرا، حتى لو قتل صاحب الطعام فهو هدر، ولو قتل المضطر ضمنه صاحب الطعام، لأنه والحال هذه مستحق له دون مالكه، ويلزمه عوض ما أخذ، فإن كان معه في الحال وإلا لزمه في ذمته.

وقول الخرقي: فإن لم يصب إلا طعاما لم يبعه مالكه، إلى آخره، ظاهره أنه لو وجد ميتة وطعاما وامتنع صاحبه من بذله له ببيع أو غيره لم يجز له أخذه منه قهرا، وهو كذلك، لأنه لم يتعين طريقا لإحياء نفسه.
(وقوله) : لم يبعه مالكه أخذه قهرا، مقتضاه أنه لو باعه له لم يكن له أخذه منه قهرا وهو واضح، وفي معنى ذلك إذا بذله له مجانا.
وكلام الخرقي يشمل ما إذا باعه له بأكثر من ثمن المثل، وهو مختار أبي محمد في المغني، وجوز القاضي والحال هذه أخذه قهرا وقتاله عليه، وعلى كلا القولين لا يلزمه أكثر من ثمن مثله، لأنه صار مستحقا له بذلك.
(ثم قول الخرقي) : لم يبعه.
يريد البيع الشرعي، فلو امتنع المالك من البيع إلا بعقد ربا كان للمضطر أخذه قهرا، على ظاهر كلام الخرقي، ونص عليه بعض الأصحاب، معللا بأن عقد الربا محظور لا تبيحه الضرورة، والمقاتلة والحال هذه طريق أباحه الشرع، نعم إن لم يقدر على قهره دخل في العقد ملافظة وعزم على أن لا يتم عقد الربا، بل إن كان نسأ عزم على أن العوض الثابت في الذمة يكون قرضا، وقال بعض المتأخرين: لو قيل: إن له أن يظهر معه صورة الربا ولا يقاتله، بل يكون بمنزلة المكره فيعطيه من عقد الربا صورته لا حقيقته لكان أقوى.
وقوله: وأعطاه ثمنه.
وبعضهم يقول قيمته؛ والأجود

عوضه، وهي عبارة المغني، لشمولها المثلي والمتقوم.

حكم أكل الضب والضبع والثعلب

قال: ولا بأس بأكل الضب.
3579 - ش: لما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن الضب فقال: «لا آكله ولا أحرمه» . وفي رواية لمسلم أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «كلوه فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي» . 3580 - وقال أبو سعيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كنا معشر أصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأن يهدى إلى أحدنا ضب أحب إليه من دجاجة.

قال: والضبع.
3581 - ش: لما روي «عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمار قال: قلت لجابر: الضبع أصيد هي؟ قال: نعم.
قلت: آكلها؟ قال: نعم.
قلت: أقاله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قال: نعم» .

رواه الخمسة وصححه الترمذي والبخاري، واحتج به أحمد، ولفظ أبي داود: «عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الضبع فقال: «هي صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم» . وبهذا يتخصص عموم النهي عن كل ذي ناب من السباع إن سلم أن له نابا، وقد قيل: إنه لا ناب له، وأن جميع أسنانها عظم واحد كصفحة نعل الفرس.

قال - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والثعلب.
ش: قد تقدمت الروايتان في الثعلب، وأن الخلاف فيه للتردد فيه هل هو من السباع العادية فيدخل في عموم النهي، أم لا فيبقى على أصل الإباحة، والشريف أبو جعفر يختار إباحته كالخرقي، وأبو محمد يقول: إن أكثر الروايات عن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - التحريم، والله أعلم.

قال: ولا يؤكل الترياق، لأنه يقع فيه لحوم الحيات.
ش: الترياق: دواء مركب يتعالج به من السم وغيره، وقد علل الخرقي المنع منه لما فيه من لحوم الحيات، وقد تقدم أن ذلك من الخبائث الممنوع منها، وفي كلام الخرقي

إشارة إلى أنه لا يجوز التداوي بمحرم، ولا ريب في ذلك عندنا.
3582 - لما روى أبو الدرداء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله تعالى أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداووا بحرام» . رواه أبو داود.
3583 - وعن وائل بن حجر، «أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الخمر فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء.
فقال: «إنه ليس بدواء ولكنه داء» . رواه مسلم وغيره.
3584 - وقال ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في المسكر: إن الله

لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم.
رواه البخاري.

حكم أكل الصيد إذا رمي بسهم مسموم

قال: ولا يؤكل الصيد إذا رمي بسهم مسموم إذا علم أن السم أعان على قتله.
ش: لأنه مات من سبب مباح وهو السهم، ومحرم وهو السم، فلم يبح كما لو مات من رمية مسلم ومجوسي، وكما لو رماه فوجده غريقا في الماء.
وقد دل على الأصل قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكله، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك» » . ومفهوم كلام الخرقي أنه إذا لم يعلم أن السم أعان على قتله أنه يباح، وله صورتان: تارة يعلم عدم إعانته، وتارة يشك، وهو كذلك، لأن سبب الحل قد وجد، وشك في المحرم، والأصل عدمه، وكأن مراد الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - بالعلم هنا الظن، لإناطة الأحكام بغلبة الظن كثيرا، وكذا قال الشيخان في مختصريهما، وإن كان أبو محمد لم ينبه

على ذلك في شرح الكتاب، والله أعلم.

حكم ما كان مأواه البحر وهو يعيش في البر فمات

قال: وما كان مأواه البحر وهو يعيش في البر، لم يؤكل إذا مات في بر أو بحر.
ش: وذلك ككلب الماء وطيره والسلحفاة ونحو ذلك، لأنه حيوان له نفس سائلة، يعيش في البر، فأشبه بهيمة الأنعام، ولمفهوم: «أحل لنا ميتتان» ، وسيأتي، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار عامة الأصحاب.
(والرواية الثانية) - وعن بعض الأصحاب أنه صححها - أنه يحل ميتة كل بحري، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» . وهو حديث صحيح، تقدم الكلام عليه في أول الكتاب، قال أحمد: هذا خير من مائة حديث.
وهو شامل لكل ما مات في البحر.
3585 - وعن شريح من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله ذبح ما في البحر لبني آدم» . رواه الدارقطني، وذكره البخاري عن شريح موقوفا.
3586 - وعن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كل ما في

البحر قد ذكاه الله تعالى لكم.
واستثنى أبو محمد في المغني السرطان، فأباحه من غير ذكاة، معللا بأن مقصود الذبح إخراج الدم، وتطييب اللحم بإزالته عنه، والسرطان لا دم فيه، فلا حاجة إلى ذبحه، وظاهر كلامه في المقنع الصغير وغيره من الأصحاب جريان الخلاف فيه.
وظاهر كلام أبي محمد أيضا استثناء الطير، وأن شرط حله الذكاة بلا خلاف، لأنه جعله أصلا قاس عليه، وقال: لا خلاف فيه فيما علمناه.
ومفهوم كلام الخرقي أن ما لا يعيش إلا في البحر تباح ميتته، ويحل بلا ذكاة، وهو يشمل شيئين (أحدهما) السمك، ولا نزاع في حل ميتته ما عدا الطافي، على ما تقدم، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أحل لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: الحوت والجراد، والدمان: الكبد والطحال» . وغير الحوت مما يسمى سمكا في معناه، مع ما تقدم من قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» . وغير ذلك.
(الثاني) : ما عدا السمك مما لا يعيش إلا في البحر، وفيه روايتان.
(إحداهما) - وبها قطع أبو محمد في كتبه، بل قال في كتابه الكبير: لا نعلم فيه

خلافا.
وهي ظاهر كلام الخرقي - أنه يحل بلا ذكاة، لحديثي أبي هريرة وشريح.
3587 - وفي الصحيح «أن أبا عبيدة وأصحابه وجدوا على ساحل البحر دابة يقال لها العنبر، فأكلوا منها شهرا حتى سمنوا وادهنوا، فلما قدموا على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبروه، فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء تطعمونا» (والرواية الثانية) - وهي ظاهر اختيار جماعة من الأصحاب -: لا يحل شيء من ذلك إلا بالذكاة، نظرا لتخصيص حديثي أبي هريرة وشريح بمفهوم: «أحل لنا ميتتان: الحوت والجراد» . فإن التخصيص بالحوت يدل على نفي الحكم عما عداه، وإنما ألحق بالحوت ما يسمى سمكا بقياس أن لا فارق، وقد يمنع صاحب الرواية الأولى هذا المفهوم، لأنه مفهوم لقب وهو غير حجة، ولو قيل بحجيته فلا يقاوم عموم ما تقدم.
ولصاحب الرواية الثانية أن يقول: حديثا أبي هريرة وشريح قد دخلهما التخصيص باتفاقنا بما يعيش في البر، فالتخصيص بمفهوم الحديث في الصورتين، أولى من إخراج إحدى الصورتين بقياس يعارضه العموم مع أنه طردي.

(تنبيه) : كلام الخرقي السابق في الحوت إذا مات في البحر أنه يحل، فقد يقال: مفهوم أنه إذا مات في البر أنه لا يحل، وليس كذلك بالاتفاق، والله أعلم.

وقوع النجاسة في مائع كالدهن وما أشبهه

قال: وإذا وقعت النجاسة في مائع كالدهن وما أشبهه نجس.
ش: ما أشبهه من اللبن والخل ونحو ذلك، وعموم هذا يشمل القليل والكثير، وما أصله الماء كالخل ونحوه وغيره، (وهذا إحدى الروايات) ، واختيار عامة الأصحاب.
3588 - لما روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن ميمونة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن الفأرة تقع في السمن، فقال: «إن كان جامدا ألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه» » . رواه أبو داود والنسائي، وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نحوه، رواه أحمد وأبو داود، وقد احتج أحمد بهذا الحديث، وثبته محمد بن يحيى الذهلي.
والمائع يشمل القليل والكثير، وهو حكاية حال مع قيام الاحتمال، فينزل منزلة العموم في المقال، لا يقال: هذا خرج على ما يتعارفه أهل المدينة، ولم يكن عند أهل

المدينة وعاء في الغالب يبلغ خمسمائة رطل ونحوه، لأنا نقول: الخطاب وإن وقع لأهل الحجاز، فالحكم لا يخصهم بل يعمنا أيضا، فلا احتيج إلى تفصيل لفصل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (والرواية الثانية) : أن حكم المائع حكم الماء، اختارها أبو العباس، نظرا إلى أن المعروف في الحديث: «ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم» » . أما التفرقة بين المائع وغيره فضعيف، وبأنه خرج على المعتاد لأهل الحجاز، وهم لا يعتادون السمن إلا في أوان صغار.
(والرواية الثالثة) : ما أصله الماء كالخل ونحوه، حكمه حكم الماء اعتبارا بأصله، وما لا كاللبن ونحوه فلا.

قال: واستصبح به إن أحب.
ش: يجوز الاستصباح بالدهن المتنجس في (إحدى الروايتين) عن أبي عبد الله، وهي أشهرهما عنه، واختيار الخرقي وغيره.

3589 - لأن ذلك يروى عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ولأنه انتفاع أمكن من غير ضرر، فأشبه الطاهر.

3590 - وقد جاء عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العجين الذي عجن بماء من أبيار ثمود، أنه نهاهم عن أكله، وأمرهم أن يعلفوه النواضح.
(والرواية الثانية) : لا يجوز، لأنه دهن نجس فلم يجز الاستصباح به كدهن الميتة.
3591 - ودليل الأصل «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما سئل عن شحوم الميتة تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: «لا، هو حرام» » . ولا تفريع على هذه، أما على الرواية الأولى فيستصبح به على وجه لا يمسه، ولا تتعدى نجاسته إليه، بأن يجعل الزيت في إبريق له بلبلة، ويصب منه في المصباح ولا يمسه، أو يضع على رأس الوعاء الذي فيه الزيت سراجا مثقوبا، ويطينه على رأس الوعاء، وكلما نقص زيت السراج صب فيه ماء، بحيث يرتفع الزيت، حذارا من تلطخه بالنجاسة.

3592 - ولهذا منع أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - من دهن الجلود به، وعجب من قول ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه تدهن به الجلود.
قال: ولم يحل أكله.
ش: هذا مما لا ريب فيه؛ لأن النجس خبيث، والله سبحانه وتعالى قد حرم الخبائث، ولهذا قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فلا تقربوه» ، والله أعلم.

قال: ولا ثمنه.
ش: هذا هو المذهب المشهور، والمجزوم به عند عامة الأصحاب.
3593 - لما في الصحيح أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها فأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه» . (وعن أحمد) رواية أخرى: أنه يجوز بيعه لكافر يعلم بنجاسته، نظرا لاعتقاد الكافر حله.
3594 - واعتمادا على أن ذلك روي عن أبي موسى الأشعري، وخرج أبو الخطاب في الهداية - ومن تبعه كصاحب التلخيص وأبي محمد وغيرهما - قولا بجواز بيعه مطلقا من رواية الاستصباح به، لأنه إذا منتفع به، وضعف لأن

المعروف عن أحمد وغيره جواز الاستصباح وتحريم البيع، فدل على أنهم فرقوا بينهما، وخرج ذلك أبو البركات على القول بتطهيره بالغسل، لأنه إذا كالثوب النجس، وهذا واضح، لأنه بناء ضعيف على ضعيف.
وكلام الخرقي كله في الدهن المتنجس، أما الدهن النجس العين، كدهن الميتة، فلا يجوز الانتفاع به باستصباح ولا غيره.
3595 - لما في الصحيحين عن جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه سمع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول عام الفتح: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» . فقيل: أرأيت يا رسول الله شحوم الميتة، فإنه تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: «لا، هو حرام» . ثم قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند ذلك: «قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوها ثم باعوها فأكلوا ثمنه» . لا يقال: يحتمل أن يرجع الضمير إلى البيع، لأنا نقول: الاستصباح ونحوه أقرب مذكور، فالرجوع إليه أولى، ثم الرجوع إلى البيع تأكيد لما علم حكمه وهو التحريم، بخلاف الرجوع إلى الاستصباح ونحوه، فإنه لم يعلم حكمه، فيكون تأسيسا، ولا ريب أن التأسيس أولى، والله أعلم.

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل