كتاب الصيد والذبائح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ش: الصيد في الأصل مصدر صاد يصيد صيدا فهو صائد، ثم أطلق على المصيد، تسمية للمفعول بالمصدر، قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] . والصيد: قال ابن أبي الفتح: ما كان ممتنعا حلالا لا مالك له.
والأجود قول بعضهم: ما كان متوحشا طبعا، غير مقدور عليه، مأكولا بنوعه.
والأصل في إباحته في الجملة الإجماع، وقد شهد لذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: 4] ، الآية.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96] ، الآية.
وقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] . ومن السنة فكثير، وسيأتي طرف من ذلك إن شاء الله تعالى.
شروط الصيد بالحيوان
قال: ومن سمى فأرسل كلبه أو فهده المعلم، فاصطاد وقتل ولم يأكل منه، جاز أكله.
ش: وذلك لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 4] ، أي: أحل لكم الطيبات، وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح، وقرينة ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] ، ولو لم يقدر ذلك لزم أن يحل ما علمنا من الجوارح كالكلب ونحوه، ولا قائل بذلك، إذ القائل بحل الكلب لا يخصه بالمعلم.
3499 - وقد «روى أبو ثعلبة الخشني - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قلت يا رسول الله إنا بأرض صيد، أصيد بقوسي، وبكلبي المعلم، وبكلبي الذي غير معلم، فما يصلح لي؟ فقال: «ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل» » .
3500 - «وعن عدي بن حاتم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «قال: قلت يا رسول الله، إني أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن علي، وأذكر اسم الله؛ فقال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل» . قلت: وإن قتلن؟ قال: «وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس معها» . قلت: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ قال: «إذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله» . متفق عليهما.
إذا تقرر هذا فيشترط لإباحة الصيد شروط.
(أحدها) : التسمية عند إرسال الجارح، على المشهور والمختار للأصحاب من الروايات، لما تقدم من الآية الكريمة، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] ، الآية، أمر سبحانه بالتسمية ونهى عن أكل ما لم يسم عليه، والأمر ظاهر في الوجوب، كما أن النهي ظاهر في التحريم، ولحديثي أبي ثعلبة وعدي بن حاتم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فإنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقف حل الأكل على التسمية، فقال: «وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل» . وفي رواية في الصحيح: «واذكر اسم الله» ، بصيغة الأمر.
(والرواية الثانية) : لا تشترط التسمية
مطلقا [وإنما تسن، حملا لهذه الظواهر على ذكر اسم الله بالقلب، وهو لا يخلو حال المسلم عنه] وفي لفظ في الصحيح أيضا «في حديث عدي: فإن وجدت مع كلبي كلبا آخر فلا أدري أيهما أخذه؟ قال: فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره» . وهو لا يخلو حال المسلم عنه، إذ معنى ذلك القصد إلى فعل ما أباحه الله تعالى على الوجه الذي شرعه، وأصل ذلك أن الذكر هو التنبه بالقلب للمذكور.
ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 40] .
3501 - وقوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» . ثم يسمى القول الدال على الذكر ذكرا.
3502 - وقد روى أبو داود في المراسيل، وأسنده الدارقطني قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله» .
3503 - «وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فيمن نسي التسمية،
قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اسم الله على فم كل مسلم» . رواه الدارقطني.
وقد قال الزجاج في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] ، أي: ما لم يخلصوا ذبحه لله ونحوه.
قال أحمد: في معنى الميتة.
وقيل: إن الآية المراد بها ذبائح المشركين.
وعلى هذه الرواية تسن خروجا من الخلاف.
(والرواية الثالثة) : تشترط في العمد، ولا تشترط في السهو.
3504 -[لعموم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» . الحديث.
ولا نزاع أن المذهب هو الأول، وحمل التسمية على ذكر الله بالقلب خلاف ظاهر اللفظ، ثم لا تخصيص للصيد بذلك إذ جميع ما يفعله المكلف يجب أن يذكر اسم الله تعالى فيه بأن يفعله على الوجه الذي ذكره سبحانه.
ثم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره» ، ظاهر في إبطال هذا التأويل، وحديثا: «ذبيحة المسلم حلال» ، «واسم الله على فم كل مسلم» ، ضعيفان عند أهل المعرفة بالحديث، والعفو في النسيان عن الإثم، ثم قصارى النسيان أن يجعل الموجود كالمعدوم، كالأكل في الصوم، والكلام في الصلاة، ونحو ذلك، لا أنه يجعل المعدوم كالموجود، بدليل أن من نسي الطهارة أو الستارة ونحوهما
لا تصح صلاته، وقد خطأ الخلال حنبلا في التفرقة هنا بين العمد والسهو، وقال: إن في أول مسألته إذا نسي وقتل لم يأكل.
إذا تقرر هذا فصفة التسمية المعتبر: (بسم الله) .
3505 - وقد «ثبت أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا ذبح قال: «بسم الله والله أكبر» ، فإن كبر أو هلل، أو سبح بدلا عنها لم يجزئه.
نص عليه أحمد في رواية أبي طالب في التكبير والتحميد، نظر إلى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين ذلك بقوله: «بسم الله» ، فيقتصر عليه، وللشيخين احتمال بالإجزاء، لأنه يصدق عليه أنه ذكر اسم الله، فيدخل في الآية والحديث.
ولا نزاع أنه لو قال: اللهم اغفر لي، أنه لا يجزئه، إذ ذلك طلب حاجة، ولو سمى بغير العربية وهو يحسنها فقولان، نظرا إلى ما تقدم من أن المقصود المعنى أو اللفظ، وأبو محمد جزم هنا بالجواز، وهو موافق لاحتماله ثم، والقاضي بالمنع، وقال: إنه المنصوص،
وأظنه أراد رواية أبي طالب.
ومحل التسمية عند الإرسال، لأنه الفعل الموجود من المرسل، فاعتبرت التسمية عنده، كما تعتبر عند الذبح من الذابح، ولا يضر التقديم اليسير كالنية في العبادات، وكذلك التأخير اليسير على إطلاق أحمد، قال: إذا أرسل ثم سمى فانزجر، أو أرسل فسمى.
فالمعنى قريب من السواء، وصرح بذلك أبو بكر في التنبيه، وكذلك في التأخر الكثير، بشرط أن يزجره فينزجر، كما دل عليه كلام أحمد، وقاله أبو محمد والشيرازي، نظرا إلى أن الإرسال بدون تسمية وجوده كعدمه، لفقدان شرطه، فتعلق الحكم بالزجر، ومنع ذلك القاضي، نظرا إلى أن الحكم تعلق بالإرسال الأول.
(تنبيه) : عموم كلام الخرقي يشمل الكتابي، وهو إحدى الروايتين عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لإطلاق: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] . ولعله الحكمة في عدم التصريح بالفاعل، وقياسا على المسلم.
(والرواية الثانية) :
لا تشترط التسمية في حق الكتابي، بخلاف المسلم، لإطلاق: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] .
3506 - قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وغيره، أي: ذبائحهم.
وهي من آخر ما نزل، ونصوص السنة، وكذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 4] ، الخطاب فيه للمسلم.
(الشرط الثاني) : أن يرسل الجارح قاصدا للصيد، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل» ، فعلق الحل على ذكر اسم الله مع إرسال كلبه المعلم.
(وأفعل) فعل الفاعل، فلا بد أن يوجد منه فعل، وعلى هذا لو استرسل الكلب أو الفهد بنفسه لم يبح، نعم لو استرسل بنفسه فزجره فزاد في طلب الصيد فإنه يباح، لأن زجره لما أثر في عدوه صار بمنزلة إرساله له، إذ فعل الإنسان متى انضاف إلى فعل غيره أنيط الحكم بالإنسان، بدليل ما لو صال كلب على آدمي فأغراه آخر تعلق الضمان عليه به.
(ويحتمل) كلام الخرقي المنع، لأنه إنما علق الحكم بالإرسال.
(الشرط الثالث) : أن يكون الجارح معلما بلا نزاع، للآية الكريمة، ولحديثي أبي ثعلبة وعدي بن حاتم - رضي الله
عنهما - وتعليم ذي الناب كالكلب والفهد بأن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، بلا نزاع، وبأنه إذا أمسك لم يأكل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] . والإمساك علينا بأنه لا يأكل إذا أمسك، ولهذا «قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث عدي في الصحيح: «فإن أكل فلا تأكل، فإنه إنما أمسك على نفسه» » ، وفي رواية: «فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» ، فدل على أن إمساكه علينا علامته ترك الأكل.
3507 - وقد صرح بذلك في حديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أرسلت الكلب فأكل من الصيد فلا تأكل، فإنما أمسكه على نفسه، وإذا أرسلته فقتل ولم يأكل فكل، فإنما أمسك على صاحبه» » ، رواه أحمد.
3508 - ولا يعارض هذا ما رواه أبو داود وغيره في حديث أبي ثعلبة: «إذا أرسلت كلبك - ينظر هل فيه (المعلم) - وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه» ، لترجح ما تقدم بكثرة رواته
وصحته، ثم هو محمول على كلب معلم أكل بعد تعليمه، ومن ثم اختلف عن الإمام أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - فيما أكل منه الصائد بعد تعليمه هل يحرم؟ على روايتين، (إحداهما) - وهو المذهب -: يحرم، تقديما لحديث عدي لصحته، قال أحمد: حديث الشعبي عن عدي من أصح ما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال في حديث أبي ثعلبة: يختلفون عن هشيم فيه؛ ولاعتضاده بحديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] .
(والثانية) : لا يحرم، لحديث أبي ثعلبة، جمعا بين الدليلين كما تقدم، وأحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - جمع بأن حمل حديث عدي على الكراهة.
3509 - فقال: الرخصة في الكلب يأكل من صيده أربعة من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإنما حديث عدي في الكراهة.
قلت: ويخرج لنا من هذا أنه لا يعتبر ترك الأكل في التعليم رأسا، إذ العمدة في ذلك حديث عدي، وقد حمله الإمام على الكراهة، وقد يقال: العمدة الآية،
ويرجح حمل حديث عدي على الكراهة قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه في الصحيح: «فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» » ، فعلله بالخوف.
ويرشح ذلك بأن عديا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما كان موسعا عليه أفتاه بالكف ورعا، بخلاف أبي ثعلبة.
إذا تقرر هذا فهل يعتبر فيما ذكرناه من التعليم التكرار، لاحتمال أن يكون تركه في أول مرة شبعا؟ وهو قول القاضي، واختيار أبي محمد في المغني وغيرهما، أو لا يعتبر التكرار، بل يكتفى بأول مرة، وبه قطع أبو الخطاب في كتابيه، والشريف وأبو محمد في المقنع، وأورده أبو البركات مذهبا، لأنه تعليم صناعة، فلا يعتبر فيه التكرار كسائر الصنائع؟ على قولين، (وعلى الأول) هل المرجع في ذلك إلى العرف من غير تقدير بمرة أو مرات، لعدم التقدير من الشارع، وهو قول ابن البنا في الخصال، أو يعتبر أن يتكرر ذلك منه مرتين، فيباح صيده في الثالثة، أو ثلاثة مرات فيباح صيده في الرابعة، وهو قول القاضي، ولعل أصل القولين الروايتان في التكرار في الحيض؟ على ثلاثة أقوال.
(تنبيه) : الانزجار بالزجر يعتبر قبل إرساله على الصيد أو رؤيته، أما بعد ذلك فإنه لا ينزجر بحال.
(الشرط الرابع) : أن يكون الإرسال على صيد، فإن أرسل وهو لا يرى شيئا فأصاب صيدا لم يبح، إذ الإرسال جعل بمنزلة الذكاة، ولو نصب سكينا لا لقصد الصيد، فانذبحت بها شاة لم تبح، كذلك ها هنا، وسيأتي إن شاء الله تعالى لهذا الشرط مزيد تمام عند قوله: إذا رمى صيدا فأصاب غيره، ومن ثم يؤخذ هذا.
(الشرط الخامس) أن يكون الصائد من أهل الذكاة، فإن كان وثنيا أو مرتدا، أو من غير المسلمين وأهل الكتاب، أو مجنونا ونحو ذلك لم يبح صيده، إذ الاصطياد أقيم مقام الذكاة، والصائد بمنزلة المذكي، ولهذا قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن أخذ الكلب ذكاته» ، وإذا تشترط الأهلية في المذكي، وهذا الشرط يؤخذ من قول الخرقي: ولا يؤكل صيد مرتد.
وبقية الشروط أخذها من كلامه واضح.
واختلف في شرطين آخرين:
(أحدهما) : هل يعتبر في الجارح المعلم أن لا يأكل من الصيد؟ وقد تقدم فيه روايتان، وتقدم أن المذهب اعتبار ذلك، وهو الذي ذكره الخرقي، وعليه لو شرب من دمه ولم يأكل فإنه لا يحرم، إذ المنع إنما ورد في أكل ما أكل منه الكلب، فيبقى فيما عداه على مقتضى عموم الآية والخبر.
(والثاني) : هل يعتبر في الجارح أن يجرح الصيد، فلا يباح
ما قتله بخنقه أو صدمته، وهو اختيار أبي الخطاب في خلافه، وبه قطع القاضي في الجامع، والشريف، والشيرازي، وأبو محمد في المغني، أو لا يعتبر فيباح ذلك، وهو اختيار ابن حامد، وظاهر كلام الخرقي، وقال القاضي في المجرد: إنه ظاهر كلام أحمد؟ على روايتين، مناطهما أن خنق الجارح أو صدمه هل هو بمنزلة قتل المعراض بعرضه أم لا؟
3510 - ويرشح الأول مفهوم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل» . ويرشح الثاني قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإن أدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته» . . متفق عليه، وهو يشمل القتل صدما أو خنقا.
وأيضا فالجارح حيوان له اختيار ما، وقد أمسك على صاحبه، فيدخل تحت قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] ، بخلاف المعراض، فإنه لا يقال فيه: أمسك عليك.
قال: فإن أكل الكلب أو الفهد من الصيد لم يؤكل منه، لأن أمسكه على نفسه، فبطل أن يكون معلما.
ش: قد تقدمت هذه المسألة، وقد نبه الخرقي على علتها، وهو كونه أمسكه على نفسه، ثم قوله: بطل أن يكون
معلما.
ظاهر أنه يصير كالمبتدئ تعليمه، فيعتبر له شروط التعليم ابتداء، وظاهر كلام أحمد - وهو اختيار أبي محمد - عدم ذلك، لاحتمال أن يكون ذلك لفرط جوع أو نحو ذلك.
قال: وإذا أرسل البازي أو ما أشبهه فاصطاد وقتل أكل، وإن أكل من الصيد، لأن تعليمه بأن يأكل.
ش: مذهب أحمد - رحمه لله - أنه لا يقتصر على الكلب في الصيد، بل يلحق به ما في معناه مما يقبل التعليم ويصطاد به من سباع البهائم كالفهد، كما ذكر الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - والنمر كما ذكر بعضهم، أو جوارح الطير كالبازي والصقر ونحوهما، نظرا للمعنى، إذ ما يتأتى من الكلب يتأتى من الفهد مثلا، فلا فارق في المعنى، وهذا هو القياس في معنى الأصل.
3511 - ولما روي «عن عدي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك» . قلت: وإن قتل.
قال: «وإن قتل ولم يأكل منه شيئا، فإنما أمسك عليك» .» رواه الإمام أحمد وأبو داود، ثم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: 4] ، الجوارح يشمل الجميع، إذ الجوارح الكواسب، ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 60] ، أي:
كسبتم، وقوله سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: 21] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4] ، أي: مضرين على الصيد كما تضرى الكلاب، فالتكليب: التضرية.
وقال أبو محمد: التكليب: الإغراء.
إذا تقرر هذا فلا بد في الجميع من التعليم بلا ريب، فتعليم الفهد ونحوه من سباع البهائم كما تقدم في الكلب، وأما جوارح الطير فبأن ينزجر إذا زجر، ويجيب إذا دعي، ولا يعتبر ترك الأكل، فيخالف الكلب من هذه الحيثية.
وقد أشار الخرقي إلى الفرق، وهو أن تعليم الجوارح بالأكل، ويتعذر - تعليمها بدونه، بخلاف الكلب ونحوه.
3512 - وهذا يروى عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل الصيد، وإذا أكل الصقر فكل، لأنك تستطيع أن تضرب الكلب، ولا تستطيع أن تضرب الصقر.
رواه الخلال.
فإن قيل: فحديث عدي صريح في التسوية بين الكلب والبازي؟ قيل: هو كذلك، لكنه من رواية مجالد وهو ضعيف عندهم.
قال أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: تصير القصة واحدة، كم من أعجوبة لمجالد! والرواية
الصحيحة تخالفه، اهـ، والله أعلم.
حكم الصيد بالكلب الأسود
قال: ولا يؤكل ما صيد بالكلب الأسود إذا كان بهيما، لأنه شيطان.
ش: قد ذكر الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - الحكم وأشار إلى دليله وهو أنه شيطان، والشيطان آلة محرمة، وإباحة الصيد المقتول رخصة، والرخصة لا تباح بمحرم.
3513 - ودليل كونه شيطانا ما «روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله، ثم نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن قتلها، وقال: «عليكم بالأسود البهيم ذي الطفيتين، فإنه شيطان» » . رواه أحمد ومسلم.
3514 - وعن عبد الله بن مغفل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها الأسود البهيم» . رواه الخمسة وصححه الترمذي، ثم إنه مأمور بقتله، وإذا يحرم
اقتناؤه وتعليمه، فلم يبح صيده كغير المعلم، وقد قال أحمد: لا أعلم أحدا يرخص فيه.
يعني: من السلف.
(تنبيه) : البهيم: الذي لا يخالطه لون آخر، قال ثعلب وإبراهيم الحربي: كل لون لم يخالطه لون آخر فهو بهيم.
قيل لهما: من كل لون؟ قالا: نعم.
فإن كان فيه نكتتان فوق عينيه فهل يخرج بذلك عن كونه بهيما؟ فيه روايتان أصحهما - وبه قطع أبو محمد - لا، للخبر.
حكم أدرك الصيد وفيه روح فلم يذكه حتى مات
قال: وإذا أدرك الصيد وفيه روح فلم يذكه حتى مات لم يؤكل.
ش: الذي تقدم للخرقي فيما إذا قتل الجارح الصيد، وأما إذا لم يقتله وأدركه الصائد حيا فلا يخلو إما أن يكون فيه حياة مستقرة أم لا، فإن لم يكن بل كانت كحياة المذبوح فإنه يحل بلا ريب، إذ ذلك مذكى، أو بمنزلة المذكى، فالذكاة لا تفيد فيه شيئا.
وإن كانت فيه حياة مستقرة فلا يخلو إما أن يتسع الزمان لذكاته أم لا، فإن لم يتسع فهو كالأول، لأنه لم يقدر على ذكاته بوجه، أشبه الذي قبله، وفي حديث أبي ثعلبة: «فأدركت ذكاته فكل» » ، أي: فذكه وكل، وهذا لم يدرك ذكاته، فلم يدخل تحت الأمر بالذكاة، وإن اتسع الزمان لذكاته لم يحل إلا بها، لأنه حيوان مقدور عليه، أشبه ما لو لم يصده، وقد تقدم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
في حديث عدي: «فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته» . واعلم أن هذا التقسيم تبعت فيه أبا محمد، وقد يقال: إن القسم الأول لا يدخل تحت التقسيم، إذ ما حركته كحركة المذبوح هو بإطلاق المذكى عليه أولى من إطلاق الحي، وعلى هذا لا يدخل هذا القسم تحت كلام الخرقي، نعم كلامه يشمل القسمين الأخيرين، وهذا ظاهر حديث عدي.
قال: فإن لم يكن معه ما يذكيه به أشلى الصائد له عليه حتى يقتله فيؤكل.
ش: هذا إحدى الروايات عن إمامنا - رَحِمَهُ اللَّهُ - واختيار الخرقي، وأبي الخطاب في الهداية، لأنه صيد قتله الجارح، من غير إمكان ذكاته فيباح، كما لو أدركه ميتا يحققه أن قتل الجارح الصيد، إنما جعل ذكاة له رخصة لتعذر تذكيته، وهذا قد تعذرت تذكيته.
ومقتضى هذه الرواية أنه لو مات من غير إشلاء لم يحل وإن كان عن قرب، وهو اختيار أبي محمد وأبي الخطاب، لأنه حيوان مقدور عليه أشبه ما لو وجد آله.
(والرواية الثاني) : عكس هذه الرواية، يحل بالموت من الجرح عن قرب الزمان، دون إشلاء الصائد، اختاره القاضي أظنه في المجرد، إذ ما قارب الشيء بمنزلته، ولو كان الزمان لا يتسع للذكاة
أبيح، فكذلك ما قاربه، وأما قتل الجارح فإنما يؤثر في غير المقدور عليه، وهذا مقدور عليه.
(والرواية الثالثة) : يحل بهما بإشلاء الجارح، أو الموت عن قرب الزمان لما تقدم.
(والرواية الرابعة) - وهي اختيار أبي بكر وابن عقيل في التذكرة -: لا يحل مطلقا، وهو الراجح، لظاهر حديثي عدي وأبي ثعلبة، فإنهما ظاهران في وجوب تذكية ما أدركه حيا، ولأنه مقدور عليه، فأشبه بهيمة الأنعام، وقرب الزمان فسره أبو البركات بأن لا يمضي عليه معظم يوم.
ومحل الخلاف إذا لم يوجد ما يذكيه به، كما ذكره الخرقي، وفي معناه إذا كان يمكنه الذهاب به إلى منزله فيذكيه ونحو ذلك، فإنه لا يحل إلا بالذكاة.
(تنبيه) : «أشلى» ، بمعنى: دعى، يقال: أشليت الكلب: إذا دعوته إليك، والعامة تقول: أشليته: إذا حرضته على الصيد وأغريته به، وإنما يقال في ذلك: أشرته على الصيد، فعلى هذا يحمل كلام الخرقي على أنه دعاه ثم أرسله، لأن إرساله على الصيد يتضمن دعاءه إليه، مع أن بعضهم أجاز أشلى بمعنى أغرى.
قال: وإذا أرسل كلبه فأصاب معه غيره لم يأكل الصيد إلا أن يدركه في الحياة فيذكيه.
ش: أما إذا أدركه في الحياة وذكاه فواضح، وأما إذا لم يدركه في الحياة، والحال ما تقدم فإنما لم يحل لأن في حديث عدي: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل» . قلت: وإن قتلن؟ قال: «وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس معها» . وفي رواية: «وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل» . وفي رواية: «قلت: فإن وجدت مع كلبي كلبا آخر، فلا أدري أيهما أخذه؟ قال: فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره» . وفي رواية: «فإن وجدت عنده كلب آخر، فخشيت أن يكون أخذه معه وقد قتلنه فلا تأكل، فإنما ذكرت اسم الله على كلبك، ولم تذكر على غيره» . روى الجميع مسلم.
وقد علم من تعليل هذه الروايات - وعليه يحمل كلام الخرقي - أن هذا الحكم في كل كلب جهل حاله؛ هل سمي عليه أو لم يسم؟ وهل استرسل بنفسه أو أرسله صاحبه؟ أو جهل حال مرسله؛ هل هو من أهل الذكاة أم لا؟ ولا يعلم أيهما قتله، أو يعلم أنهما قتلاه معا، وكذلك بطريق الأولى إن علم أن المجهول هو القاتل، أما إن علم حال الكلب الذي وجده مع كلبه، وأن الشرائط المعتبرة قد وجدت فيه، فإنه
يحل، ثم إن كان الكلبان قد قتلاه معا فهو لصاحبيهما، وإن علم أن أحدهما قتله فهو لصاحبه، وإن جهل الحال فإن كان الكلبان متعلقين به فهو بينهما، كما لو كان الصيد في يد عبديهما، وإن كان أحدهما متعلقا به دون الآخر، فهو لمن كلبه متعلق به، إذ هو بمنزلة يده، وعلى من حكم له به اليمين كصاحب اليد.
وإن كان الكلبان ناحية والصيد قتيل، فقال أبو محمد: يقف الأمر حتى يصطلحا، وحكى احتمالا بالقرعة، فمن قرع حلف وأخذ، وهذا قياس المذهب فيما إذا، تداعيا عينا ليست بيد أحد، وعلى الأول إن خيف فساده بيع واصطلحا على ثمنه، والله أعلم.
قال: وإذا سمى ورمى صيدا فأصاب غيره جاز أكله.
ش: لعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] ، وحديث عدي وغيره، ولأنه أرسل آلة الصيد قاصدا للصيد، فحل ما صاده، كما لو أرسلها على كبار، فتفرقت عن صغار، فأخذها على مالك، أو كما لو أخذ صيدا لا يحل في طريقه على الشافعي.
ومفهوم كلام الخرقي أنه لو رمى لا إلى صيد فأصاب صيدا أنه لا يحل، لأن قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذا أرسلت كلبك» ، معناه: إلى صيد، وهنا لم يرسل إلى صيد.
ولأبي محمد في الكافي احتمال بالحل، كما لو أرسل على صيد فأصاب
غيره، وعموم مفهوم كلام الخرقي يشمل ما إذا قصد غير صيدا قصدا محققا، كأن قصد حجرا أو هدفا أو إنسانا فأصاب صيدا، أو مظنونا كأن رأى سوادا أو خشبا فظنه آدميا، فرماه فإذا هو صيد، وما إذا رمى لا إلى صيد فأصاب صيدا.
وقول الخرقي: ورمى صيدا، يحتمل أن يريد ما يظنه صيدا، إذ الأحكام تنبني على غلبة الظن، فيدخل في ذلك ما إذا رأى سوادا فظنه صيدا، فوجده كذلك، وما إذا رمى حجرا يظنه صيدا فأصاب صيدا، وهو أحد الوجهين، ويحتمل أن يريد: رمى صيدا محققا، فيخرج هاتين الصورتين، لكن صورة السواد لم نر فيها خلاقا.
وقد علم من كلام الخرقي جواز الصيد بالسهام، ويلحق بها ما في معناها من المحددات، ولا نزاع في ذلك، وفي الصحيح في حديث عدي: «وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله» ، وفي حديث أبي ثعلبة: «ما صدت بقوسك فاذكر اسم الله عليه ثم كل» » .
قال: وإذا رماه فغاب عن عينيه، فأصابه ميتا وسهمه فيه، ولا أثر به غيره، جاز أكله.
ش: هذا هو المشهور من الروايات، واختيار الخرقي
والقاضي، والشريف وأبي الخطاب في خلافيهما، وأبي محمد وغيرهم.
3515 - لأن في حديث عدي: «وإن رميت بسهمك فاذكر اسم الله عليه، فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل» . رواه مسلم وغيره، وفي رواية: «إذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس فيه إلا أثر سهمك فكل، فإن وقع في الماء فلا تأكل» . رواه البخاري.
3516 - وفي حديث أبي ثعلبة الخشني: «إذا رميت بسهمك فغاب عنك فكل ما لم ينتن» . وفي رواية، «في الذي يدرك صيده بعد ثلاث: فكله ما لم ينتن» . رواهما مسلم وغيره.
(والرواية الثانية) : إن غاب نهارا فلا بأس، وإن غاب ليلا لم يأكله، قال في رواية ابن منصور: إذا غاب الصيد فلا تأكله إذا كان ليلا، وإذا كان نهارا ولم ير به أثرا غيره يأكله.
3517 - لما يروى عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه قال: إذا رميت فأقعصت فكل، وإن رميت فوجدت فيه سهمك من
يومك أو ليلتك فكل، وإن بات عنك ليلة فلا تأكل، فإنك لا تدري ما حدث فيه بعدك.
(والرواية الثالثة) إن كان جرحه موحيا حل وإن فلا، لأن مع الإيحاء يبعد تأثير المشاركة، بخلاف ما إذا لم يوح.
3518 - وفي بعض روايات «حديث عدي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قلت: أرضنا أرض صيد، فيرمي أحدنا الصيد فيغيب عنه ليلة أو ليلتين، فيجد فيه سهمه؟ قال: «إذا وجدت سهمك ولم تجد فيه أثرا غيره، وعلمت أن سهمك قتله فكله» . رواه أحمد والنسائي، «وفي رواية أخرى قلت: يا رسول الله أرمي الصيد فأجد فيه سهمي من الغد؟ قال: «إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع فكله» . رواه الترمذي وصححه.
فوقف
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحل على العلم بكون سهمه قتله، ولا نعلم ذلك إلا إذا كان الجرح موحيا.
(والرواية الرابعة) : إن غاب مدة طويلة لم يبح، وإن كانت يسيرة أبيح، قيل له: إن غاب يوما؟ قال: يوم كثير.
ذكرها أبو محمد، ولم يذكرها عامة الأصحاب، كأنهم حملوها على الرواية الثانية.
وعن أحمد (رواية خامسة) : كراهية ما غاب مطلقا.
3519 - ويروى نحوه عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - خروجا من الخلاف.
والمذهب هو الأول بلا ريب.
وأرجح الروايات بعده رواية التفرقة بين الإيحاء وعدمه، بناء على الزيادة المذكورة في حديث عدي، وقد تقدم أن الترمذي صحح ذلك، والزيادة من الثقة مقبولة، ويجاب عن ذلك بأن رواية الصحيحين وغيرهما تخالف ذلك، أو يحمل العلم بالقتل على الظن، وإذا وجد فيه سهمه أو أثره فقد ظن أن سهمه قتله، وإذا تتفق الروايات.
واعلم أن علم المذهب يشترط للحل شرطان: (أحدهما) أن يجد فيه سهمه، ليتحقق وجود السبب المقتضي للحل، إذ الأصل عدم ما سواه، ويقوم مقام وجود سهمه وجود أثره، قاله الشيخان وغيرهما، لما تقدم
في حديث عدي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «ليس به إلا أثر سهمك فكل» . وفي رواية: «فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل» . وظاهر ذلك الاكتفاء بأثر السهم.
وكلام الخرقي وطائفة من الأصحاب يوهم اشتراط وجود سهمه فيه، وسؤال أحمد وقع عمن عرف سهمه فيه أيأكله؟ قال: نعم.
ولو لم يجد سهمه فيه ولا أثره، كأن غاب الصيد قبل تحقق الإصابة، ثم وجده عقيرا، والسهم ناحية، فإنه لا يباح، لأن السبب المقتضي للحل لم يعلم، والأصل التحريم.
(الشرط الثاني) : أن لا يجد به أثرا آخر يحتمل أنه أعان في قتله، لما تقدم في الحديث، وذلك لأنه والحال هذه قد تحقق المعارض، والأصل التحريم، فلم يبح بالشك، ولو كان الأثر مما لا يحتمل القتل به كالسنور ونحوه لم يؤثر، إذا المعارض والحال هذه وجوده كعدمه.
وفي الصحيحين في حديث عدي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «فإن وجدته قد قتل فكل، إلا أن تجده قد وقع في ماء، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك» . وإذ كان الأثر مما لا يحتمل إعانته في القتل فقد روي أنه ليس بقاتل فلا شك.
(تنبيهان) «أحدهما» : حكم الكلب إذا عقر ثم غاب حكم السهم، على ما تقدم من الخلاف إن لم يجد الصيد
في فمه، فأما إن وجده في فم الكلب، أو وهو يعبث به، فإنه يحل بلا خلاف، على ما حكى أبو البركات.
(الثاني) : «ينتن» ، رباعي مضموم الأول، من: أنتن الشيء: إذا تغيرت رائحته، وقال بعض اللغويين: يقال: أنتن اللحم: إذا تغير بعد طبخه.
وقيل: وأصله إذا تغير وهو نيئ.
وهذا الحديث يرد ما قاله، بل يقال: أنتن اللحم نيئا أو مطبوخا.
الحكم لو رمى الصيد فوقع في ماء أو تردى من جبل
قال: وإذا رماه فوقع في ماء أو تردى من جبل لم يؤكل.
ش: هذا يشمل ما إذا كانت الجراحة موحية، كما إذا ذبحه، أو أخرجت حشوته ونحو ذلك، وما إذا لم تكن موحية، ولا خلاف في التحريم إذا لم تكن موحية، للشك في السبب المقتضي للحل، وقد قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وإن وجدته قد قتله فكل، إلا أن تجده قد وقع في ماء، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك» . متفق عليه.
وأما إذا كانت موحية (فعنه) - وقال أبو محمد: إنه المشهور عنه، وهو ظاهر كلام الخرقي، وأبي بكر، وبه جزم الشيرازي - التحريم أيضا، لما تقدم من قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل» . رواه
مسلم، وفي البخاري: «وإن وقع في الماء فلا تأكل» .
(وعنه) - وهو الصواب، وقال أبو محمد: إنه اختيار أكثر المتأخرين -: لا يحرم، لما تقدم من قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك» . وإذا كان الجرح موحيا فقد علم أن سهمه قتله فلا تردد، ومحل الخلاف فيما إذا كان الماء أو التردي يقتله، مثله، فلو لم يكن يقتله مثله، كما إذا كان رأس الحيوان خارجا من الماء، أو كان مما لا يموت بالماء كطير الماء، فإنه لا خلاف في إباحته، قاله أبو محمد، إذ لا شك إذا في أن الماء لم يقتله.
ولهذا قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل» .
(تنبيه) : لو رمى طائرا في الهواء، أو على شجرة أو جبل فوقع إلى الأرض فمات حل، قاله أبو محمد، ولم يذكر خلافا، لعدم إمكان التحرز من ذلك، ومسألة الخرقي فيما إذا رمى الصيد فوقع على جبل، ثم تردى منه، أو على شجرة ثم تردى منها، والله أعلم.
قال - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وإذا رمى صيدا فقتل جماعة فكل ذلك حلال.
ش: قد تقدم نحو هذه المسألة في قوله: إذا رمى صيدا فأصاب غيره.
إلا أن ثم أصاب غير الصيد الذي قصده، وهنا أصابه مع غيره، وهو أولى بالجواز مما ثم، والله أعلم.
الحكم لو رمى صيدا فأبان منه عضوا
قال: وإذا رمى صيدا فأبان منه عضوا لم يأكل ما أبان منه، وأكل ما سواه في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ - والرواية الأخرى: يأكله وما أبان منه.
ش: محل هذا الخلاف فيما إذا أبان منه عضوا وبقيت فيه حياة غير مستقرة، وقد أشار الخرقي إلى ذلك بقوله: وأكل ما سواه.
وإنما يأكل ما سواه إذا مات في الحال، وذلك إذا كانت الحياة فيه غير مستقرة، أما لو ضربه فقطع رأسه، أو قطعه نصفين، فإن هذا يحل بلا نزاع، إذ هذا ذكاة، ولو أبان منه عضوا وبقيت فيه حياة معتبرة فإنه لا يحل ما بان منه بلا نزاع.
3520 - لانطباق قوله: - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ما أبين من حي فهو ميت» ، عليه، اللهم إلا أن يكون مما يحل ميتته
كالسمك والجراد، فإنه يحل ما بان منه، إذ غاية المبان أنه ميتة، وميتة هذا حلال.
إذا تقرر هذا (فوجه الرواية الأولى) قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما أبين من حي فهو ميت» . وهذا يصدق عليه أنه أبين من حي فيكون ميتا، (ووجه الثانية) - وهي المشهورة، والمختارة لعامة الأصحاب، أبي بكر والقاضي والشريف، وأبي الخطاب والشيرازي، وابن عقيل وابن البنا - أن ما كان ذكاة لبعض الحيوان كان ذكاة لجمعيه.
والخبر نقول بموجبه، إذ هذا ما أبين من حي، إنما أبين ممن هو في حكم الميت، وقد أشار أحمد إلى ذلك فقال: إنما حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ما قطعت من الحي ميتة» ، إذا قطعت وهي حية تمشي وتذهب، أما إذا كانت البينونة والموت جميعا، أو بعده بقليل فلا بأس به، ألا ترى الذي يذبح ربما مكث ساعة، وربما مشى حتى يموت، اهـ.
وقول الخرقي: أبان منه عضوا، ظاهره أنه لو بقي معلقا بجلده حل بحل الصيد بلا خلاف، وهو كذلك، صرح به أبو الخطاب، وغيره، والله أعلم.
نصب المناجل للصيد
قال - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وكذلك إذا نصب المناجل للصيد.
ش: يعني أنه يباح الصيد المقتول بها، وأن ما أبين منه هل يحل أم لا؟ على الخلاف والتفصيل السابق.
3521 - وذلك لدخوله في عموم: «كل ما ردت عليك يدك» ، ولأنه قتل الصيد بحديدة، على الوجه المعتاد، أشبه ما لو رماه بها، وحكم السكاكين حكم المناجل، ولا بد أن يلحظ أن شرائط الصيد موجودة في الناصب، كأن يكون أهلا للذكاة ويسمي.
بقي: هل يشترط أن يرى الصيد كما في السهم والكلب؟ لم أر من صرح بذلك، بل ربما كلامهم يوهم عدم ذلك، والله أعلم.
حكم الصيد بالمعراض
قال: وإذا صاد بالمعراض أكل ما قتل بحده، ولم يأكل ما قتل بعرضه.
ش: في الصحيح من «حديث عدي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: فقلت له: إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ قال: «إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله» . وفي لفظ: «إذا أصابه بحده فكل، وإذا أصابه بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا تأكله» » .
(تنبيهان) : أحدهما: المعراض: خشبة ثقيلة، أو عصا غليظة، في طرفها حديدة، وقد تكون بغير حديدة، غير أنها يحدد طرفها.
وقال أبو عبيد: هو سهم لا ريش فيه ولا نصل.
والتفسير الأول أليق بالحديث، وحكم سائر آلات الصيد حكم المعراض في أنها إذا قتلت بعرضها ولم تجرح لم يبح الصيد، وإن قتلت بحدها أبيح، إلا أن لا تجرح.
3522 - وفي المسند من «حديث عدي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قلت يا رسول الله إنا قوم نرمي فما يحل لنا؟ قال: «يحل لكم ما ذكرتم اسم الله عليه، وخزقتم، فكلوا منه» » .
(الثاني) : «الوقيذ» : فعيل بمعنى مفعول، أي: الموقوذ، وهو: المضروب بالعصا حتى يموت، وبه فسر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: 3] ، والله أعلم.
قال: وإذا رمى صيدا فعقره، ورماه آخر فأثبته، ورماه آخر فقتله، لم يؤكل.
ش: أما عقر الأول فلم يؤثر في الصيد ملكا لعدم إثباته له، وأما رمي الثاني فإنه ملكه بإثباته، لأنه أزال امتناعه، وإذا تتعين ذكاته للقدرة عليه، فلما رماه الثالث فقتله لم يؤكل، لأن ذكاته بذبحه أو نحره، ولم يوجد واحد منهما.
وكلام الخرقي محمول على أن من أثبته لم يوحه، ولذلك نسب القتل إلى الثالث، وعلى أن الثالث لم يذبحه، ولذلك أتى بلفظ القتل في حقه، أما إن كان المثبت له جرحه موحيا، وجرح الثالث غير موح فإنه يحل بلا ريب، لأنه قد صار بالجرح الأول في حكم المذبوح، فلم يؤثر الثاني شيئا، وكذلك إن كان جرح الثالث موحيا لذلك.
وخرج التحريم من قول الخرقي فيمن ذبح فأتى على المقاتل، فلم تخرج الروح حتى وقعت في ماء، أو وطئ عليها شيء لم تؤكل.
وقوله أيضا - فيما إذا رماه فوقع في ماء أو تردى من جبل - لم يؤكل، وأما إن كان الثالث أصاب مذبحه فإنه يحل، لمصادفته محل الذبح، نعم إن قيل أن من ذبح ملك الغير لا يحل، فكذلك ها هنا.
قال: وكان لمن أثبته القيمة مجروحا على من قتله.
ش: قد علم من هذا أن العاقر له لا شيء له، لأنه لم يثبت له فيه حق، لبقائه على امتناعه، ولا عليه، لأنه حين
ضربه كان مباحا، أما من أثبته فله القيمة على قاتله، لأنه ملكه بالإثبات لإزالته امتناعه، فالثالث قتل حيوانا مملوكا لغيره، فيكون عليه الضمان.
وقد تقدم أن مسألة الخرقي فيما إذا كان المثبت له لم يوحه، وأن القاتل لم يذبحه.
ولنبين ذلك إن شاء الله تعالى بيانا شافيا فنقول: المثبت إن أوحاه فلا شيء على الثالث إلا قيمة ما خرق من جلده، لأنه هو الذي فوته على المثبت، وإن كان المثبت لم يوحه فلا يخلو، إما أن يكون الثالث ذبحه برميته أو لا.
فإن كان قد ذبحه بها فقال الشيخان في مختصريهما: لا شيء عليه أيضا إلا قيمة ما خرق من جلده.
وقال في المغني: عليه أرش ذبحه، كما لو ذبح شاة لغيره، وهذا أصوب في النظر، فإن الفرض أن المثبت لم يوحه، فلو ترك لعاش، فالثالث فوت حياته، فيكون عليه أرش ذلك، وهو تفاوت ما بين قيمته مجروحا حيا بالجرح الأول، وبين قيمته مذبوحا.
وإن لم يكن ذبحه برميته فلا يخلو إما أن يوحيه برميته أو لا، فإن أوحاه ضمن جميعه، لأنه حرمه على مالكه، وحال بينه وبينه، وكذلك إن لم يوحه ولم يدرك مالكه ذكاته، أما إن أدرك مالكه ذكاته وذبحه أو تركه فعاش فلا شيء عليه الثالث إلا أرش جرحه.
وإن تركه بلا ذكاة حتى مات بالجرح.
(فقيل) : إن الثالث يضمن جميعه أيضا، نظرا إلى أنه مات من جرحين
مباح ومحرم، فاختص الضمان بالمحرم.
(وقيل) - وهو قول القاضي -: يضمن نصف قيمته مجروحا بالجرحين، مع أرش ما نقصه بجرحه، لأنه مات من الجرحين، ومالكه لما ترك ذكاته اختار موته، فتعلق الضمان بجرحه، ثم يجب على الثالث مع نصف القيمة أرش ما نقصه بجرحه، لانفراده إذا بالتعدي.
(وقيل) - وهو اختيار أبي البركات - إن الثالث إنما يضمن نصف قيمته مجروحا بالجرح الأول لا غير، ويدخل أرش الجرح في بدل النفس، كما في الجناية على الآدمي، والله أعلم.
قال: ومن كان في سفينة فوثبت سمكة فسقطت في حجره، فهي له دون صاحب السفينة.
ش: السمك من المباح، يملكه من سبق إليه، فإذا وقع في حجر إنسان فهو له، لثبوت يد الإنسان على ما في حجره، هذا اختيار الخرقي، وتبعه عليه أبو محمد وغيره.
(وقيل) : هو قبل الأخذ على الإباحة، إذ حجره ملكه، فهو كما لو وقع في أرضه صيد.
ومفهوم كلام الخرقي أن السمكة لو وقعت في السفينة كانت لمالكها، وكذلك قال ابن أبي موسى، وقياس القول الآخر أنها تكون قبل الأخذ على الإباحة.
حكم صيد السمك بالشيء النجس
قال: ولا يصاد السمك بشيء نجس.
ش: كالميتة والعذرة ونحو ذلك، لما يتضمن من أكل
السمك للنجاسة، وكره أحمد أيضا الصيد ببنات وردان معللا بأن مأواها الحشوش، وكذلك الصيد بالضفدع، معللا بالنهي عن قتله، وهذا المنع من الخرقي يحتمل التحريم ويحتمل الكراهة، وهو المشهور، وكذلك كلام أحمد يحتمل وجهين، لأنه كره ذلك.
ذبيحة المرتد وصيده
قال: ولا تؤكل ذبيحة مرتد ولا صيده، وإن تدين بدين أهل الكتاب.
ش: لأنه كافر لا يقر على كفره، أشبه عبدة الأوثان وقوله: وإن تدين بدين أهل الكتاب، ينبه به على مذهب إسحاق والأوزاعي فإنهما أجازا ذبيحته إذا تدين بدين أهل الكتاب.
وقوله: «ولا يؤكل صيد مرتد» ، أي: ما قتله من الصيد.
أما ما لم يقتله وذكاه من هو من أهل الذكاة فلا إشكال في حله.
والله أعلم.
ترك التسمية على الصيد أو الذبيحة عمدا أو سهوا
قال: ومن ترك التسمية على صيد عامدا أو ساهيا لم يؤكل.
ش: قد تقدمت هذه المسألة والخلاف فيها، وظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق بين الصيد بالكلب والسهم، وهو المذهب.
(وعن أحمد) رواية أخرى يعفى عن تركها سهوا في السهم، إلحاقا له بالذبح، بخلاف الكلب، والله أعلم.
قال: ومن ترك التسمية على الذبيحة عامدا لم تؤكل، وإن تركها ساهيا أكلت.
ش: ملخص ذلك أن الخلاف الذي تقدم في الصيد مثله في الذبيحة، والتوجيه كالتوجيه، إلا أن الأصحاب لا يختلفون فيما علمت في اشتراط التسمية في الصيد مطلقا.
ثم منهم من المذهب عنده في الذبيحة كذلك، كأبي الخطاب في خلافه.
ومنهم - وهم العامة - من فرق بينهما.
ثم منهم من قال بعدم الاشتراط في الذبيحة مطلقا وهو أبو بكر.
ومنهم من قال بالاشتراط في العمدية دون حالة السهوية، وهم الأكثرون؛ الخرقي والقاضي في روايتيه، وأبو محمد وغيرهم.
ووجه الفرق أن الله تعالى أمرنا بالتسمية على الصيد بقوله:
﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 4] . وكذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث أبي ثعلبة وعدي وغيرهما، والذبيحة لم يرد فيها ذلك، فالأصل عدم الاشتراط، مع أن عموم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5]- والظاهر أنهم لا يسمون - يقتضي ذلك.
3523 - وقد جاء في حديث رواه ابن منصور في سننه، عن راشد بن سعد قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم» . وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] ، وقد تقدم أن المراد بها الميتة وذبائح المشركين، وقيل: المراد بها ما تعمد ترك التسمية عليه، بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121] . مع أنها متقدمة على قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] ، ويعضد هذا من جهة المعنى أن الذبح وقع في محله، فجاز أن يسامح فيه بخلاف الصيد.
(تنبيهان) : «أحدهما» : الجاهل بوجوب التسمية لا يعذر، بخلاف الناسي، ولذلك أفطر الجاهل بالأكل في الصوم
دون الناسي.
«الثاني» : يشترط قصد التسمية على ما يذبحه، فلو سمى على شاة وأخذ غيرها فذبحها بتلك التسمية لم يجزئه، لعدم قصدها بالتسمية، وكذلك لو رأى قطيعا فسمى وأخذ منه شاة فذبحها بالتسمية الأولى لم يجزئه، ولا يشترط أن يقصد بالتسمية صيدا معينا، فلو سمى على صيد فأصاب غيره حل، دفعا للحرج والمشقة، نعم هل يشترط قصد الآلة بالتسمية، فلو سمى على سهم ثم ألقاه وأخذ غيره فرمى بالثاني من غير تسمية لم يجزئه، لأنه لما تعذر غالبا اعتبار التسمية على صيد بعينه اعتبرت على آلته، أو لا يشترط كما في الذبيحة، فإنه لو سمى على سكين ثم ألقاها وأخذ غيرها أجزأه؟ فيه قولان، والله أعلم.
قال: وإن ند بعيره فلم يقدر عليه فرماه بسهم أو نحوه مما يسيل به دمه وقتله أكل.
3524 - ش: الأصل في ذلك ما «روى رافع بن خديج قال: كنا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفر، فند بعير من إبل القوم، ولم يكن معهم خيل، فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما فعل منها هذا فافعلوه به هكذا» . رواه الجماعة، وزاد الحميدي: «وكلوه» .