كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وظاهر قول الخرقي أن شرطهما أن يكونا رجلين وهو كذلك إذ هذا ليس بمال، ولا يقصد به المال، ويطلع عليه الرجال.
وقوله: بشهادة [اثنين] . يحتمل عند الحاكم، ويحتمل مطلقا، وبه قطع أبو محمد، فجوز الفطر بقول عدلين لمن يعرف حالهما، ولو ردهما الحاكم لجهله بهما، قال: ولكل واحد من العدلين [أيضا] الفطر، والله أعلم.
حكم من رأى هلال شوال وحده
قال: ولا يفطر إذا رآه وحده.
ش: هذا منصوص أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في رواية جماعة، وقال: يتهم نفسه.
1367 - وذلك لظاهر قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون» .
1368 - وعن أبي قلابة أن رجلين قدما المدينة وقد رأيا الهلال - يعني شوال - وقد أصبح الناس صياما، فأتيا عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فذكرا ذلك له، فقال لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: بل مفطر.
قال: ما حملك على هذا؟ قال: لم أكن لأصوم وقد رأيت الهلال.
وقال للآخر.
قال: أنا صائم.
قال: ما حملك على هذا؟ . قال: لم أكن لأفطر والناس صيام.
فقال للذي أفطر: لولا مكان هذا لأوجعت رأسك.
ثم نودي في الناس أن اخرجوا.
رواه سعيد.
وهذا ظاهر في أنه أراد ضربه لإفطاره برؤيته، ورفع عنه الضرب لشهادة صاحبه.
وقيل: يفطر سرا، لظاهر قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» [الحديث] ولأنه يوم تيقن أنه من شوال، أشبه الذي بعده، والله أعلم.
حكم صيام الأسير الذي اشتبهت عليه الأشهر
قال: وإذا اشتبهت الأشهر على الأسير تحرى وصام] .
ش: قياسا على من اشتبهت عليه أدلة القبلة، فإن صلى [مع القدرة عليه] بغير اجتهاد لم يجزه لأنه ترك فرضه، وبدونها كما إذا خفيت عليه الأدلة وجهان، أصلهما إذا صلى على حسب حاله، لخفاء أدلة القبلة، والله أعلم.
قال: فإن صام شهرا يريد به شهر رمضان فوافقه أو ما بعده أجزأه، وإن وافق ما قبله لم يجزئه.
ش: إذا تحرى وصام شهرا يريد به شهر رمضان، فإن لم ينكشف له الحال فلا ريب عندنا في الإجزاء، وإن تبين له الحال فإن وافق شهر رمضان فبها ونعمت، ولا يضره التردد في النية، لمكان الضرورة، وإن وافق بعده أجزأه أيضا، ولا يضره عدم نية القضاء وإن اشترطت، لمحل العذر، وإن وافق [ذلك] قبله لم يجزئه لعدم تعلق الخطاب به إذا.
وظاهر إطلاق الخرقي أنه متى وافق شهرا بعده أجزأه، وإن كان ناقصا ورمضان تام، وصرح بذلك القاضي، وصاحب التلخيص، وأورده أبو البركات مذهبا، كما لو نذر شهرا، واختار أبو محمد أنه يلزمه بعدة أيام رمضان، لظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] ، والله أعلم.
الأيام التي يحرم صيامها
قال: ولا يصام يوما العيدين، ولا أيام التشريق، لا عن فرض، ولا عن تطوع، فإن قصد لصيامهما كان عاصيا،
ولم يجزئه عن فرض، وفي أيام التشريق عن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ - رواية أخرى: أنه يصومها للفرض.
ش: لا يجوز أن يصام يوم العيد لا الفطر ولا الأضحى عن فرض ولا عن تطوع.
1369 - لما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن صيام يومين، يوم الفطر ويوم النحر، وفي لفظ للبخاري: «لا صوم في يومين» ؛ ولمسلم: «لا يصح الصوم في يومين» .
1370 - وعن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: «شهدت العيد مع عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فصلى، ثم انصرف فخطب الناس، فقال: إن هذين يومان نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن صيامهما، يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم» . متفق عليه.
فإن قصد صيامهما كان عاصيا، لقصده ارتكاب ما نهى الشارع عنه، ولم يجزئه عن فرض، لارتكابه النهي المقتضي لفساد المنهي عنه، هذا هو المشهور، وهو قياس المذهب فيمن صلى في ثوب غصب، أو [في] بقعة
غصب، أو حج بمال غصب، أن باع وقت النداء ونحو ذلك، والمنصوص عن أحمد - في رواية مهنا - الصحة مع التحريم.
وهو قياس القول الآخر في هذه المسائل.
وقول الخرقي: ولم يجزئه عن فرض.
ربما أوهم أنه يجزئه عن التطوع، وليس كذلك، وإنما المحتاج إليه في البيان [هو الفرض] ، أما التطوع فقد اقتضى كلامه أنه يعصي بقصد صومه، والحكم على صحته وفساده لا حاجة إليه.
انتهى.
أما أيام التشريق فلا يجوز صيامها عن تطوع.
1371 - لما روى نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله تعالى» رواه مسلم.
1372 - «وعن سعد بن أبي وقاص قال: أمرني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أنادي أيام منى «إنها أيام أكل وشرب، ولا صوم فيها» يعني أيام التشريق» . رواه أحمد.
و [في] جواز صومها عن الفرض روايتان: (إحداهما) - وهي التي رجع إليها [أحمد] أخيرا قال: كنت أذهب إليه، - يعني [عن] صوم المتمتع لأيام التشريق - فأما اليوم فإني أهابه، لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هي أيام أكل وشرب» واختيار الخرقي، وابن أبي موسى، والقاضي، والشيرازي وغيرهم - لا يجوز لما تقدم.
1373 - وعن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن صوم خمسة أيام في السنة، يوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة [أيام التشريق» . رواه الدارقطني] . (والثانية) : يجوز إذ يوم النحر أحد العيدين، فوجب أن يختص بحظر الصوم فيه دون ما بعده، دليله يوم الفطر، وابن أبي موسى خص الخلاف بالصوم عن دم المتعة، ونص أحمد بالجواز إنما هو في ذلك، نعم أومأ إلى الجواز في النذر.
1374 - وذلك لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وابن عمر رضي الله
عنهما قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي.
رواه البخاري وأجاب القاضي عن هذا بأنه خاص مختلف فيه، والأول عام متفق عليه، فتقدم على المختلف فيه.
انتهى، وفيه نظر، فعلى الأول إن صامها فهو كصيام يوم العيد على ما مر.
«تنبيه» : أيام التشريق هي اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، من ذي الحجة، سميت بذلك لأنهم يشرقون فيها لحوم الأضاحي، أي يقطعونها تقديدا وقيل: بل لأجل صلاة العيد وقت شروق الشمس.
وقيل: بل لأن الذبح بعد الشروق، والله أعلم.
قال: وإذا رؤي الهلال نهارا قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المقبلة.
ش: أما بعد الزوال فللمقبلة بلا نزاع نعلمه، لقربه منها.
1375 - ولقصة عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وأما قبله فعنه للماضية لقربه منها.
وعنه للمقبلة، وهي المذهب.
1376 - لما روى أبو وائل قال: جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين: أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى تمسوا، إلا أن يشهد رجلان أنهما رأياه بالأمس عشية.
وهذا يشمل ما قبل الزوال وبعده، (وعنه) إن كان في أول الشهر فللماضية، وفي آخره للمقبلة، احتياطا للعبادة.
«تنبيه» : هذا التعليل وكلام أبي محمد [وغيره] يقتضي أن هذا مختص برمضان، فاللام في كلام الخرقي للعهد، والله أعلم.
السحور وتعجيل الإفطار للصائم
قال: والاختيار تأخير السحور.
ش: لا نزاع في مطلوبية السحور.
1377 - قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تسحروا فإن في السحور بركة» . متفق عليه.
1378 - وقال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور» رواه مسلم وغيره.
والمستحب تأخيره.
1379 - لما روي عن أبي ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول: «لا «تزال أمتي بخير ما [أخروا] السحور، وعجلوا الفطر» ، رواه أحمد.
«تنبيه» : السحور بفتح السين اسم لما يؤكل في السحر، وبالضم اسم الفعل على الأشهر، وقيل: يجوز في اسم الفعل [الفتح] أيضا، والمراد في كلام الخرقي الفعل، فيكون بالضم على الصحيح و «الأكلة» بفتح
الهمزة، ورواه بعضهم بضمها، قال الحافظ زكي الدين: والوجه الفتح، فإن الأكلة بالفتح بمعنى المرة الواحدة.
مع الاستيفاء، وبالضم اللقمة إذا لم يكن معها ماء، والله أعلم.
قال: وتعجيل الإفطار.
ش: أي [والاختيار تعجيل الإفطار] لما تقدم.
1380 - وفي الصحيحين عن سهل بن سعد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» .
1381 - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يقول الله عز وجل: إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا» رواه أحمد والترمذي، والله أعلم.
الصيام المستحب
صيام ستة أيام من شوال
قال: ومن صام شهر] رمضان، وأتبعه بست من شوال، وإن فرقها فكأنما صام الدهر.
1382 - ش: لما روي عن أبي أيوب الأنصاري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر» رواه مسلم وغيره.
1383 - وعن ثوبان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من صام رمضان وستة أيام بعد الفطر، كان تمام السنة، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها» رواه ابن ماجه.
وقوة كلام الخرقي وغيره يقتضي أن الأولى متابعتها، مبادرة للمندوب إليه، ومحافظة على «وأتبعه» [إذ المتابعة] ظاهرها التوالي، والله أعلم.
صيام يوم عاشوراء
قال: وصيام يوم عاشوراء، كفارة سنة، ويوم عرفة كفارة سنتين.
1384 - ش: لما روي عن أبي قتادة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صوم يوم عرفة يكفر سنتين، ماضية ومستقبلة، وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضية» رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
«تنبيه» : عاشوراء بالمد على الأشهر، وقيل: وبالقصر وفيه [لغة] ثالثة عاشورا.
وهو اليوم العاشر من المحرم.
1385 - وعن ابن عباس: أنه التاسع ونص أحمد على استحباب صومهما، وعلى صيام ثلاثة أيام مع اشتباه أول الشهر، ويوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة بلا ريب، سمي بذلك قيل: [لأن الوقوف بعرفة فيه.
وقيل] : لأن إبراهيم الخليل صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه عرف فيه أن رؤياه حق، والله أعلم.
صيام يوم عرفة
قال: ولا يستحب لمن كان بعرفة أن يصوم، ليتقوى على الدعاء.
1386 - ش: عن أم الفضل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أنهم شكوا في صوم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم عرفة، فأرسلت إليه بلبن، فشرب وهو يخطب الناس بعرفة» متفق عليه.
وجعل الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ -[المعنى] في الإفطار التقوي على الدعاء المطلوب في هذا اليوم، وهو حسن، وعن أبي العباس.
لأنه يوم عيد.
1387 - ويشهد له ما روى عقبة بن عامر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي، والله أعلم.
صيام أيام البيض
قال: وأيام البيض التي حض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على صيامها هي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر [من كل شهر] ، والله أعلم.
1388 - ش: «ثبت أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أوصى أبا هريرة بصيام ثلاثة أيام من كل شهر» .
1389 - وعن أبي ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من صام من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صيام الدهر» فأنزل الله تعالى: [تصديق ذلك في كتابه] : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] اليوم بعشرة» رواه ابن ماجه والترمذي.
والأيام البيض هي اليوم الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر.
1390 - لما روي عن أبي ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أيضا: قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة» رواه أحمد والنسائي والترمذي.
وعن بعض العلماء: الثاني عشر بدل الخامس [عشر] وسميت بيضا لابيضاض ليلها كله بالقمر [أي] أيام الليالي البيض، وقيل: لأن الله تعالى تاب على آدم فيها وبيض صحيفته ذكره التميمي، والله سبحانه أعلم.