شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 62-101
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 62-101
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(وأما) صلاته [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] بعد العصر فمن خصائصه، بدليل ما روى أحمد فيه، «أن أم سلمة قالت: يا رسول الله، أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: «لا» . (وأما) حديث قيس بن عمرو ففي إسناده سعد بن سعيد، وقد ضعفه أحمد، وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به.
مع أن الترمذي قال: ليس بمتصل.
واستثنى ابن أبي موسى من الروايتين قضاء، ورده ووتره بعد طلوع الفجر، حتى يصلي الصبح، وهو حسن، وتابعه أبو محمد، وزاد عليه ركعتي الفجر بعد صلاة الصبح، وقضاء الراتبة بعد العصر، لحديثي قيس وأم سلمة، وفيه جمود.

وقول الخرقي: ولا يبتدئ مفهومه أنه لو كان في صلاة تطوع أتمها ولم يقطعها، وهو صحيح، لكنه يخففها، وحيث منع من الصلاة فخالف وصلى، لم تنعقد لمكان النهي، إلا أن يكون جاهلا ففيه روايتان، [والله أعلم] .

كيفية صلاة التطوع

قال: وصلاة التطوع مثنى مثنى، وإن تطوع في النهار بأربع فلا بأس.
ش: الأولى في تطوع الليل والنهار كونه مثنى مثنى، أي يسلم من كل ركعتين.
672 - لما روى عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: «سأل رجل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو قائم على المنبر: ما ترى في صلاة الليل؟ قال: «مثنى مثنى» وفي لفظ «صلاة الليل مثنى مثنى» متفق عليه.
673 - وعنه أيضا أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» رواه [الخمسة واحتج به] أحمد وجود إسناده في رواية الميموني، وعن البخاري أنه صححه، وليس بمعارض لما قبله لوقوعه جواب سؤال، ولا مفهوم له اتفاقا.
وإن تطوع في النهار بأربع فلا بأس.

674 - لما روى أبو أيوب «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي قبل الظهر أربعا، لا يفصل بينهن بتسليم» . رواه أبو داود.
فلو زاد على أربع

بالنهار، وركعتين بالليل لم يجز عند أبي محمد، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار بعض الأصحاب، مصرحا بالبطلان، لظاهر ما تقدم.
مع أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يثبت عنه في التطوع المطلق خلاف ذلك، ولو جاز لبينه ولو مرة، والمشهور جواز ذلك مع الكراهة، اختاره القاضي، وأبو الخطاب، وأبو البركات.
675 - لما ثبت من صلاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الوتر خمسا، وسبعا، وتسعا، بسلام واحد، وهو تطوع، فيلحق به غيره من التطوعات.
676 - وقد روي في حديث أم هانئ أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى الضحى يوم الفتح ثمان ركعات، لم يفصل بينهن، إلا أنه مخالف لروايتها

المشهورة أنه سلم بين كل ركعتين، إذ القصة واحدة، مع أن أحمد أنكر هذا، وذكر قول أبي حنيفة: لو أن رجلا صلى ثماني ركعات، لم يسلم إلا في آخرها كان مصيبا، لحديث أم هانئ «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى ثمان ركعات لم يسلم إلا في آخرهن» ، قيل لأبي حنيفة: ليس في الحديث لم يسلم.
ومفهوم كلام الخرقي أنه لا يجوز التطوع بركعة، وهو إحدى الروايتين، ونصبها أبو محمد، لظاهر حديث ابن عمر المتقدم، (والثانية) يجوز، ونصبها أبو البركات.
677 - لأن عمر دخل المسجد فصلى ركعة، فتبعه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنما صليت ركعة، قال: هو تطوع، فمن شاء زاد، ومن شاء نقص.

678 - وصح عن اثني عشر من الصحابة نقض الوتر بركعة، وهي تطوع، وكذلك الخلاف في التطوع بالأفراد كالثلاث ونحوها، والله أعلم.

قال: ويباح له أن يتطوع جالسا.
679 - ش: لما «روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: لما بدن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وثقل كان أكثر صلاته جالسا» . متفق عليه.
680 - «وعن عمران بن حصين، أنه سأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن صلاة الرجل قاعدا، قال: «إن صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله

نصف أجر القائم، ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد» رواه البخاري وغيره.
ومفهوم كلامه شيئان: (أحدهما) : أن الفرض لا يباح جالسا، وهو الركن الذي أهمله، [ثم] (الثاني) : [أنه] لا يباح التطوع مضطجعا، وهو أحد الوجهين، حكاهما في التلخيص، وظاهر كلام الأصحاب، لعموم أدلة فرضية الركوع، والاعتدال [عنه] ، والثاني يباح، وحسنه أبو البركات، لحديث عمران، والله أعلم.

قال: ويكون في حال القيام متربعا، ويثني رجليه في الركوع والسجود.
ش: الأولى لمن صلى جالسا التربع.
681 - لما روي «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، قالت: رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

يصلي متربعا» . رواه الدارقطني.
وثني رجليه إذا سجد بلا نزاع، لمخالفة هيئة الساجد لهيئة القائم، وكذلك إذا ركع في الأشهر عنه، اعتمادا على [أن] أنسا فعل ذلك [واختاره] الأكثرون، وعنه - واختاره أبو محمد، وحكاه عن أبي الخطاب - لا، لاتفاق حالتي القيام والركوع، والله أعلم.

قال: والمريض إذا كان القيام يزيد في مرضه صلى قاعدا.
ش: من عجز عن القيام صلى جالسا بالإجماع.
682 - «وعن عمران بن حصين]- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الصلاة، فقال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك» رواه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي وزاد «فإن لم تستطع فمستلقيا، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها» وكذلك إن قدر على القيام، لكن مع ضرر يلحقه، إما بزيادة مرضه، أو بتباطئ برئه، ونحو ذلك، دفعا للحرج والضرر المنفيين شرعا، [والله أعلم] .

قال: فإن لم يطق جالسا] فنائما.
ش: أي مضطجعا، شبهه بالنائم [لأنه] على هيئته، وكأنه اقتدى بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث عمران المتقدم «ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد» والأصل في ذلك ما تقدم من حديث عمران، والأولى أن يصلي على جنبه الأيمن، ووجهه إلى القبلة، ولو صلى على الأيسر كذلك صح، لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يعين جنبا، وكذلك إن صلى مستلقيا ورجلاه إلى القبلة على الأشهر، لأن المقصود التوجه، واختار أبو محمد المنع.

683 - لما روى الدارقطني، عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: «يصلي المريض قائما إن استطاع، فإن لم يستطع صلى قاعدا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدا صلى على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيا، رجلاه [مما] يلي القبلة» ويومئ بالركوع والسجود إن عجز عنهما [لما تقدم، والله أعلم] .

صلاة الوتر

قال: والوتر ركعة، يقنت فيها، مفصولة مما قبلها.
ش: لا إشكال [عندنا] في جواز كون الوتر بركعة.
684 - لما روى أبو أيوب الأنصاري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي.

685 - «وعن ابن عمر أن رجلا من أهل البادية سأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن صلاة الليل، فقال بأصبعيه: [هكذا] «مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل» رواه مسلم وغيره.
لكن هل يكره إن لم يكن قبلها شفع، وتسمى البتيراء، لحديث ورد بذلك.
686 - أو لا يكره لأنه قد روى عن عشرة من الصحابة - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، [وعلي] ، وعائشة، وغيرهم: الوتر بركعة.

687 - وحديث البتيراء ضعيف؟ فيه روايتان.
وقوله: والوتر ركعة.
يحتمل أن يريد: وأقل الوتر ركعة.
فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ويحتمل أن يريد أنه حاصل بركعة، أو جائز بركعة، وهذا أظهر، وهذا إذا أوتر بثلاث، أو بإحدى عشرة، أما لو أوتر بخمس، أو بسبع، أو بتسع، فإن الجميع وتر كما ثبت في الأحاديث، وكما نص عليه أحمد، لكن في الخمس يسردها، وفي التسع يجلس عقب الثامنة، فيتشهد، ثم يأتي بالتاسعة ويسلم، وكذلك حكم السبع عند أبي محمد، وعند

أبي البركات، وهو المنصوص حكمها حكم الخمس.
وقوله: مفصولة مما قبلها.
هذا كما تقدم فيما إذا أوتر بثلاث، أو بإحدى عشرة.
688 - لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، قالت: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى أن ينصدع الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ثنتين، ويوتر بواحدة، ويمكث في سجوده قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية.
مختصرة» رواه الشيخان.
689 - وروى أبو هريرة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: «لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس، أو سبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب» رواه الدارقطني، وقال: إسناده ثقات.
وإذا كان لم يفصل أشبه المغرب.
690 - «وعن ابن عمر، أن رجلا سأل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: «افصل بين الواحدة والثنتين بالسلام» رواه الدارقطني أيضا، ولو لم

يفصل بين الثلاث بسلام جاز، لأنه ورد أيضا إلا أنه يسردها من غير تشهد لتخالف المغرب، فإن جلس في الثانية ففي البطلان وجهان، وله سرد الإحدى عشرة أيضا كالتسع، حتى إن ابن عقيل حكى وجها، أن ذلك هو الأفضل، وليس بشيء.
ويقنت في آخر وتره، على المذهب المشهور.
691 - لما روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول في آخر وتره: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» رواه الخمسة.
692 - «وعن ابنه الحسن [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -] قال: علمني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلمات أقولهن في قنوت الوتر «اللهم اهدني في من هديت، وعافني في من عافيت، وتولني في من توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت [ولا يعز من عاديت] تباركت ربنا وتعاليت» رواه الخمسة، وقال الترمذي: لا نعرف عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في القنوت شيئا أحسن من هذا.
وفي النسائي «وصلى الله على النبي» ، (وعن أحمد) يختص القنوت بالنصف الأخير من رمضان، ومحل القنوت بعد الركوع، ويجوز قبله وقد وردا، والأشهر الأول، ودعاؤه ما تقدم.
وتخصيصه القنوت بالوتر يدل على أنه لا يقنت في غيره من الصلوات، وهو صحيح.

693 - لما «روى أبو مالك الأشجعي، قال: قلت لأبي: قد صليت خلف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ها هنا قريب خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال: أي بني محدث» . رواه أحمد، والترمذي وصححه.
نعم يقنت في النوازل.
694 - لما «روى أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قنت شهرا ثم تركه» ، رواه أحمد، وأبو داود.
695 - وعنه: «بعث النبي [- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] سبعين رجلا لحاجة، يقال لهم القراء، فعرض لهم حيان من سليم: رعل وذكوان، فقتلوهم، فدعا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليهم شهرا في صلاة الغداة، وذلك بدو القنوت» ، رواه البخاري.
ويختص القنوت بالإمام الأعظم، وبأمير الجيش، لا بكل إمام [على المشهور] وهل محل القنوت الفجر خاصة، أو الفجر والمغرب، أو جميع الصلوات؟ ثلاث روايات، [والله أعلم] .

قيام شهر رمضان

قال: وقيام [شهر] رمضان عشرون ركعة، [والله أعلم] . ش: قيام رمضان - والمراد هنا التراويح - سنة.
696 - لما روى عبد الرحمن بن عوف - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن الله عز وجل فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه، فمن صامه [وقامه] إيمانا، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» رواه أحمد والنسائي.
697 - وفي الصحيحين عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى الثانية فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: «قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم» وذلك في رمضان.
وقدر ذلك عشرون ركعة.
698 - لما روى يزيد بن رومان، قال: كان الناس في زمن عمر بن الخطاب [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة.
وهذا بحضرة الصحابة، ولم ينقل إنكاره، فكان ذلك إجماعا، والله سبحانه وتعالى أعلم.

باب الإمامة

قال: ويصلي بهم أقرؤهم، فإن استووا فأفقههم، فإن استووا فأسنهم [فإن استووا فأشرفهم، فإن استووا فأقدمهم هجرة] . ش: المعروف المشهور عندنا أن القارئ إذا عرف ما يعتبر للصلاة مقدم على الفقيه.
699 - لما روى أبو مسعود البدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا، ولا يؤمن [الرجل] الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه» . 700 - وعن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم» رواهما مسلم وغيره.

701 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليؤذن لكم خياركم، وليؤمكم أقرؤكم» رواه أبو داود.
702 - وعن عمرو بن سلمة، عن أبيه، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنا» [مختصر] رواه البخاري [وغيره] ، وحكى ابن الزاغوني عن بعض الأصحاب أنه رأى تقديم الفقيه على القارئ.
وعلى المذهب لو كان القارئ جاهلا بما يحتاج إليه [في الصلاة] بأن لا يميز بين مفروضها ومسنونها، ونحو ذلك، ففيه وجهان: (أحدهما) : - وهو ظاهر كلام أحمد، والخرقي، والأكثرين - يقدم على الفقيه [أيضا] نظرا لظواهر النصوص، ولأن القراءة ركن في الصلاة، بخلاف الفقه، فكان اعتبارها أولى.
[والثاني] : - وهو اختيار ابن عقيل، وبه قطع أبو البركات في محرره، وحسنه في شرحه - أن الفقيه إذا أقام الفاتحة - والحال هذه - مقدم لامتيازه بما لا يستغنى عنه

في الصلاة إذ الجاهل قد يترك الفرض لظنه سنيته.
ثم لا نزاع أنه يقدم بعد الأقرأ الأفقه، لحديث أبي مسعود [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] ، واختلف في من يقدم بعد الفقيه، فقال الخرقي، وتبعه أبو الخطاب: يقدم بعده الأسن، ثم الأشرف، ثم الأقدم [هجرة] ، لأن الأسن مظنة الخشوع، وهو مقصود في الصلاة قطعا، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] فقدم به على الشرف والهجرة، إذ لا تعلق لهما بمعنى في الصلاة، وقدم الشرف على الهجرة إلحاقا للإمامة الصغرى بالعظمى، إذ للشرف تأثير في التقديم في العظمى بخلاف الهجرة، وقال ابن حامد: يقدم الأشرف، ثم الأقدم هجرة، ثم الأسن، لما تقدم من اعتبار الشرف في الإمامة العظمى، بخلاف الهجرة.
703 - يعضده ما روى الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في مسنده، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «قدموا قريشا ولا تقدموا عليها» وقدم الأقدم

هجرة على الأسن لحديث أبي مسعود المتقدم، وظاهر كلام أحمد في رواية ابنه عبد الله أنه يقدم الأقدم هجرة، ثم الأسن، ثم الأشرف، وهو اختيار الشيخين، لحديث أبي مسعود، فإنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قدم فيه بعد القراءة والفقه الأقدم هجرة، ثم الأسن، فعلم تأخير الأشرف وغيره عنهما، وقال أبو محمد في المقنع: يقدم الأسن، ثم الأشرف، ثم الأقدم هجرة، وهو وجه حكاه في التلخيص، ووجهه يعرف مما تقدم، فإن استووا في جميع ما تقدم قدم أتقاهم وأورعهم.
704 - لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجعلوا أئمتكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم» رواه الدارقطني، ولأبي محمد احتمال

بتقديم هذا على الأشرف، لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] فإن استووا قدم أعمرهم للمسجد، وما رضي به الجيران أو أكثرهم، لأن رضاهم [به] مظنة امتيازه بمرجح، فإن استووا فالقرعة كالأذان، ولا يرجح بحسن الوجه، ولا بنظافة الثوب.
(تنبيهان) : «أحدهما» [هذا] التقديم تقديم أولوية لا إيجاب، فلو تقدم الأفقه على الأقرأ جاز، قاله أبو محمد، وقال: لا أعلم فيه خلافا، إذ الأمر فيه أمر إرشاد.
(الثاني) : الأقرأ الأكثر قرآنا، كما في حديث عمرو بن سلمة، أو الأجود، وإن كان غير أحفظ منه، قال الشيخان، والأقدم هجرة أن يهاجر مسلمان من دار الحرب ويسبق أحدهما بالهجرة، أو يكونا من أولاد المهاجرين، فيقدم من سبق أبوه، وفي معنى ذلك الأقدم إسلاما، لسبقه إلى الطاعة، وفي حديث أبي مسعود في رواية

لمسلم «فأقدمهم سلما» يعني إسلاما، ومعنى الأشرف أن يكون قرشيا، قاله أبو البركات، وقال أبو محمد: أشرفهم أعلاهم نسبا، وأفضلهم في نفسه، وأعلاهم قدرا (والتكرمة) الفراش، كذلك فسره بعض الرواة في رواية أبي داود، والله أعلم.

الصلاة خلف المبتدع

قال: ومن صلى خلف من يعلن ببدعة أو يسكر أعاد.
ش: لا إشكال في فسق المعلن بالبدعة ومن يسكر، وإذا في صحة إمامتهما روايتان: (إحداهما) : تصح إمامته، قال أحمد في رواية حرب: يصلي خلف كل بر وفاجر.
وسئل: هل يصلي خلف من يغتاب الناس؟ فقال: لو كان كل من عصى الله لا يصلي خلفه، من يؤم الناس؟ 705 - وذلك لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها «صلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم تطوعا» .

706 - وعن مكحول، عن أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم، برا كان أو فاجرا، وإن عمل الكبائر» . 707 - وعن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «من أم الناس فأصاب الوقت فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئا فعليه ولا عليهم» رواهما أبو داود.

708 - وعن عبيد الله بن عدي أنه دخل على عثمان وهو محصور، فقال: إنك إمام العامة، ونزل بك ما ترى، ويصلي لنا إمام فتنة، ونتحرج من الصلاة معه، فقال: الصلاة أحسن ما يعمل لناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم.
رواه البخاري، ولأن العدالة لو كانت شرطا لاعتبر العلم بها كالإمامة العظمى، ولا يعتبر.
(والثانية) : - وهي المشهورة، واختيار ابن أبي موسى، والقاضي، والشيرازي، وجماعة - لا يصح.

709 - لما روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -[أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] قال: «لا يؤمن فاجر مؤمنا، إلا أن يقهره بسلطانه، أو يخاف سوطه وسيفه» رواه ابن ماجه.
710 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: اجعلوا أئمتكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم عز وجل.
رواه الدارقطني، ولأنها إحدى الإمامتين، فنافاها الفسق كالكبرى، ولأن الفاسق لا يؤمن أن يترك شرطا أو ركنا، وحديث الأمراء قال القاضي: تأوله أحمد على حضور الجمعة في رواية المروذي، ومكحول لم يلق أبا هريرة، فالحديث منقطع، وقد سئل [عنه] أحمد في رواية يعقوب بن بختان، فقال: ما سمعنا بهذا.
ثم يحمل إن صح على الجمعة أو على

غيرها عند البقية لحديث جابر، جمعا بين الأدلة، وعلى هذا لا تصح إمامته وإن لم يعلم بحاله، نص عليه في رواية صالح والأثرم [حتى] إذا صلى خلف من لا يعرف، ثم تبين أنه صاحب بدعة يعيد، وقال ابن عقيل: لا يعيد من [لم] يعلم بحاله، كما قلنا في من نسي فصلى بهم محدثا، وأومأ أحمد في مواضع أنه إن كان متظاهرا بالفسق والبدعة أعاد المقتدي به لتفريطه، وإن كان جاهلا مستورا لا يعيد، وهذا اختيار الشيخين.
وكلام الخرقي يشمل الفرض والنفل، وكذا إطلاق جماعة من الأصحاب.
وزعم أبو البركات في شرحه أن الخلاف إنما هو في الفرض، [فقال في حديث الأمراء: إنما يدل على إمامته في النفل، ونحن نقول بذلك، وإنما الروايتان في الفرض] (ويشمل) أيضا الجمعة وغيرهما، وهو صحيح فتعاد على المذهب ظهرا، إلا أنها لا تترك خلف الفاسق على الروايتين، بخلاف غيرها، لئلا يؤدي ذلك إلى فتنة.
711 - وفي ابن ماجه [عن جابر، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] «إن الله افترض عليكم الجمعة، فمن تركها في حياتي، أو بعد موتي، وله إمام عادل أو جائر، فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في عمره» نعم: لو أقيمت في موضعين، والإمام في أحدهما

عدل، وفي الآخر فاسق لزم فعلها وراء العدل.
(ويشمل) أيضا الفاسق إذا ائتم بفاسق أنه يعيد، وهو ظاهر إطلاق غيره، وقد أورد هذا على القاضي في التعليق، فأجاب: لا نعرف الرواية فيه، قال: ولا يمنع أن نقول لا يصح، بخلاف الأمي، لأن الأمي لا يمكنه رفع ما هو عليه من النقص، بخلاف الفاسق، لإمكانه زوال فسقه بالتوبة.
وخرج من كلام الخرقي إذا كان المباشر [له] عدلا، والمولي له فاسقا، فإن صلاته تصح على [الصحيح من] الروايتين.
(تنبيه) : الإعلان الإظهار، ضد الإسرار، هذا تفسير أبي محمد، [فعلى] هذا يختص البطلان - على قول الخرقي - بمن يظهر بدعته ويدعو إليها، ويناظر عليها، وقد نص أحمد في الرافضي الذي يتكلم ببدعته أن الصلاة خلفه تعاد، بخلاف من سكت، وإذا يكون قول الخرقي موافقا لاختيار الشيخين في أن البطلان مختص بظاهر الفسق دون خفيه.
وعلى هذا قول الخرقي: أو يسكر.
يجوز أن يكون بالباء الموحدة، عطفا على: ببدعة.
ويجوز أن يكون بالياء

المثناة، ويكون من باب قولهم: الخطيب يشرب ويطرب.
أي: هذا دأبه وسجيته، وظاهر كلام أبي محمد أنه بالمثناة، وقال: إنما نص الخرقي عليه من بين الفساق لنص أحمد عليه.
قلت: وقد نص أحمد على غيره من الفساق.
كما نص عليه، ويحتمل أن الخرقي إنما قال ذلك ليخرج من شرب من النبيذ ما لا يسكره، معتقدا لحله، فإن الصلاة خلفه تصح.
انتهى، وقال القاضي: المعلن بالبدعة من يعتقدها بدليل، وضده من يعتقدها تقليدا، وقال: إن المقلد لا يكفر ولا يفسق، وعلى هذا فالخرقي إنما خص المعلن بالبدعة، لأنه الذي يفسق أو يكفر، وإذا يتعين قراءة: أو يسكر بالياء المثناة.
واعلم أن المظهر للبدعة، المناظر عليها، (تارة) تكفره، كالقائل بخلق القرآن، أو بأن علم الله مخلوق، أو بأنه لا يرى في الآخرة، أو بأن الإيمان مجرد الاعتقاد من غير قول ولا عمل، أو يسب الصحابة تدينا، ونحو ذلك، نص أحمد على ذلك، حتى لو وقف رجل إلى جنبه خلف الصف، ولم يعلم حتى فرغ أعاد الصلاة، وهل تفعل الجمعة خلف هؤلاء؟ فيه روايتان، (وتارة) تفسقه، كمن يفضل عليا على غيره من

الصحابة، أو يقف عن تكفير من كفر ببدعة ونحو ذلك، والمقلد لهذا القسم لا يفسق، والأول فيه قولان، واستقصاء ذلك موضعه الكتب الأصولية، والله أعلم.

إمامة العبد والأعمى

قال: وإمامة العبد والأعمى جائزة.
ش: لدخولهما في عموم «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» ونحو ذلك.
712 - وفي البخاري أن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كان يؤمها عبدها ذكوان من المصحف.
713 - وعن أنس، قال: «استخلف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابن أم مكتوم، يؤم الناس وهو أعمى» . رواه أحمد، وأبو داود، وكان ابن عباس يؤم وهو أعمى، (نعم) الحر أولى من العبد، لأنه أكمل منه، والبصير أولى من الأعمى، اختاره أبو الخطاب، وأبو البركات، لأنه أقرب لاجتناب النجاسة، وإصابة القبلة، وسوى القاضي بينهما، لأنه يقابل ذلك أمنه من النظر

إلى محرم، وما يلهيه، فيكون أتقى وأخشع، والله أعلم.

إمامة الأمي

قال: وإن أم أمي أميا وقارئا أعاد القارئ وحده.
ش: الأمي في عرف الفقهاء [هو] من لا يحسن فرض الفاتحة إن قيل بركنيتها، وإن [قيل] : الفرض آية.
فالأمي [من] لا يحسن آية، والمعروف من مذهبنا أن إمامته تصح بمثله، لأنه أهل لتحمل ما يلزم مأمومه لو انفرد، فصار كالقارئ مع القارئ، وعن بعض الأصحاب: لا تصح إمامته بمثله، لعدم أهليته لتحمل القراءة، ولا تصح بقارئ بلا نزاع، لعموم «ليؤمكم أقرؤكم» رواه أبو داود.
714 - وروى النجاد بإسناده، عن الزهري، قال: مضت السنة أن لا يؤم الناس من ليس معه من القرآن شيء.
وقد دل كلام الخرقي من طريق الإشارة على ما قلناه من أن الأمي يؤم بمثله، ولا يؤم قارئا، ومن طريق الدلالة على أن الأمي إذا أم قارئا وأميا أن الفساد يختص القارئ، وعند أبي حنيفة [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] يعمهما، وهذا الذي ألجأ الخرقي

إلى ذكر هذه الصورة، وبهذا يعرف أنه ليس مراده أن الأمي تصح صلاته مطلقا، إذ ذلك مشروط بأن يكون عن يمين الإمام، أو يكون معه أمي آخر، أما لو كان هو والقارئ فقط خلف الإمام فإن صلاتهما تفسد، لأن الأمي - وإن انعقد إحرامه فذا - لكن فسدت صلاته بدوام فذوذيته، وهل تبطل صلاة الإمام والحال هذه؟ فيه احتمالان، أشهرهما البطلان، وفي المذهب وجه آخر حكاه ابن الزاغوني أن الفاسد يختص بالقارئ، ولا تبطل صلاة الأمي، قال ابن الزاغوني: واختلف القائلون به في تعليله، فقال بعضهم: إن القارئ تكون صلاته نافلة، فما خرج من الصلاة فلم يصر الأمي بذلك فذا.
وقال بعضهم: صلاة القارئ باطلة على الإطلاق، لكن اعتبار معرفة هذا على الناس أمر يشق، ولا يمكن الوقوف عليه، فعفي عنه للمشقة، اهـ. ويحتمل أن الخرقي اختار هذا الوجه، فيكون كلامه على إطلاقه، والله أعلم.

إمامة المشرك والمرأة والخنثى المشكل

قال: وإن صلى خلف مشرك، أو امرأة، أو خنثى مشكل أعاد الصلاة.
ش: أما المشرك فلا يجوز أن يؤتم به، ومن ائتم به أعاد الصلاة، وإن لم يعلم حاله [غالبا] لأن صلاته لا تصح لنفسه، فلا تصح لغيره، ولعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يؤمن فاجر مؤمنا» والكفر لا يخفى غالبا، فالجاهل به مفرط، هذا

هو المعروف في النقل، وفي المذهب، وحكى ابن الزاغوني [رواية] بصحة صلاته، بناء على صحة إسلامه بها، وبنى على صحة صلاته صحة إمامته، على احتمال، وهو بعيد.
(وأما المرأة) فلا يجوز أن تؤم رجلا، ولا خنثى مشكلا، لما روى جابر، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: «لا تؤمن امرأة رجلا» رواه ابن ماجه، والخنثى يحتمل أن يكون رجلا، ويصح أن يؤم المرأة، كما نص عليه الخرقي بعد.
وكلامه يشمل الفرض والنفل، ولا نزاع في الفرض، أما في النفل فظاهر كلام الخرقي أيضا المنع، وهو رواية حكاها ابن أبي موسى [وهو اختيار أبي الخطاب] وأبي محمد، عملا بإطلاق الحديث، ومنصوص أحمد - في رواية المروذي، وهو اختيار عامة الأصحاب - أنها يجوز أن تؤمهم في صلاة التراويح، وتكون وراءهم.
715 - لما «روي أن أم ورقة سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالت: إني أصلي ويصلي بصلاتي أهل داري وموالي، وفيهم رجال ونساء، يصلون بقراءتي، ليس معهم قرآن.
فقال: «قدمي الرجال أمامك وقومي مع النساء، ويصلون بصلاتك» رواه المروذي بإسناده، ورواه أبو داود، ولفظه: وكانت قرأت القرآن، واستأذنت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تتخذ في دارها مؤذنا [فأذن لها]

وأمرها أن تؤم أهل دارها.
مختصر.
(وشرط هذه المسألة) أن تكون قارئة وهم أميون، أو يحسنون الفاتحة أو شيئا يسيرا معها.
وقال القاضي في الخلاف: إنما تجوز إمامتها في القراءة خاصة، دون بقية الصلاة.
معتمدا على ما رواه أبو طالب عنه، قال: تؤم المرأة الرجل، والمرأة تقرأ، فإذا قرأت ركع وركعت، يكون هذا في التطوع ولا يكون في الفرض.
قال القاضي: فقدم ركوعه على ركوعها، فعلم أنه الإمام فيه، وذلك لأن هذا مقصود الرخصة [انتهى] . وهل حكمي غير التراويح من النفل حكمها، قياسا عليها، وهو ظاهر رواية أبي طالب، أو يختص ذلك بالتراويح، وهو ظاهر رواية المروذي، واختيار القاضي في المجرد، للحاجة إلى استماع القرآن في الصلاة؟ فيه قولان.

وأما الخنثى المشكل فلا يصح أن يؤم رجلا، لاحتمال كونه امرأة، ولا خنثى مشكلا لاحتمال كون المؤتم رجلا والخنثى امرأة، والفرض لا يسقط بالشك، وحكى ابن الزاغوني احتمالا بصحة إمامته بمثله للتساوي.
انتهى، ويجوز أن يؤمهما فيما يجوز للمرأة أن تؤم فيه الرجل على ما تقدم، ويجوز أن يؤم النساء، لأن للرجل أن يؤمهن، وكذلك للمرأة أن تؤمهن، وهو لا يخلو من إحداهما، ويقفن خلفه، حذارا من أن يكون رجلا واقفا إلى جنب امرأة، وقال القاضي: رأيت لأبي حفص البرمكي أن الخنثى لا تصح صلاته في جماعة، لأنه إن قام مع الرجال احتمل أن يكون امرأة، وإن قام مع النساء، [أو] وحده، أو ائتم بامرأة، احتمل أن يكون رجلا، وإن أم الرجال احتمل أن يكون امرأة [وإن أم النساء فقام وسطهن احتمل أنه رجل، وإن قام بين أيديهن احتمل أن يكون امرأة] قلت: وهذا ظاهر إطلاق الخرقي، ولعله يبني على أن المرأة إذا خالفت موقفها فوقفت بين يدي النسوة أن صلاتها تبطل، وهو احتمال، أو وجه

حكاه ابن عبدوس فيما أظن، والمشهور خلافه، والله أعلم.

إمامة المرأة للنساء

قال: وإن صلت امرأة بالنساء قامت معهن في الصف وسطا.
716 - ش: كذا فعلت أم سلمة، وعائشة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -] . 717 - وعن أسماء بنت يزيد، قالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «ليس على النساء أذان ولا إقامة، وتصلي معهن في الصف، ولا تقدمهن» رواه النجاد.
وقد دل كلام الشيخ [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] على أن للمرأة أن تصلي بالنساء جماعة، ولا نزاع في ذلك، لكن هل يستحب لهن ذلك؟ فيه روايتان.

718 - أشهرهما نعم، لأن عائشة وأم سلمة فعلتا ذلك، رواه الدارقطني، ولما تقدم من حديث أم ورقة، ولذلك حكاه إمامنا عن الثلاثة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -] ، (والثانية) لا.
719 - لأن عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: المرأة لا تؤم، ولا تؤذن، ولا تنكح، ولا تشهد النكاح.
رواه النجاد [والله أعلم] .

الأحق بالإمامة

قال: وصاحب البيت أحق بالإمامة، إلا أن يكون بعضهم ذا سلطان.
ش: صاحب البيت أحق بالإمامة من غيره، وإن فضله الغير بقراءة أو فقه أو غير ذلك، بشرط أو تصح إمامته بهم.
720 - لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يؤمن الرجل في بيته، ولا [في] سلطانه] » رواه أحمد ومسلم.

721 - «وعن مالك بن الحويرث «من زار قوما فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم» رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، فإن كان الغير ذا سلطان فإنه يقدم على صاحب البيت، في اختيار الخرقي، وأبي محمد، لعموم «ولا يؤمن الرجل في سلطانه» واختار ابن حامد أن صاحب البيت يقدم عليه، لعموم «من زار قوما فلا يؤمهم» ويقدم صاحب البيت تارة بملك العين، وتارة بملك المنفعة، فإن اجتمع المؤجر والمستأجر فالمستأجر أولى، لأنه المتصرف المنتفع، ولو اجتمع المعير والمستعير فالمعير أولى، [قلت] : ويتخرج العكس إن قلنا: العارية هبة منفعة.
(تنبيه) : وحكم إمام المسجد حكم إمام البيت فيما تقدم، [والله أعلم] .

موقف المأموم من الإمام

قال: ويأتم بالإمام من في أعلى المسجد وغير المسجد إذا اتصلت الصفوف.
ش: يجوز أن يأتم بالإمام من [في] أعلى المسجد، كمن على سطحه، ونحو ذلك، من غير كراهة.
722 - لأن أبا هريرة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] كان يصلي في ظهر المسجد

بصلاة الإمام.
حكاه أحمد وابن المنذر.
وعن أنس نحوه، رواه سعيد.
723 - ويروى أيضا عن ابن عباس [وابن عمر]- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، ولأن المتابعة حاصلة، أشبهت العلو اليسير، (وعن أحمد) اختصاص الجواز بالضرورة، قال في رواية صالح - في الرجل صلى فوق البيت بصلاة الإمام - إن كان في موضع ضيق يوم الجمعة كما فعل أنس، والأول المذهب.
ويجوز أن يأتم بالإمام من في غير المسجد، بشرط أن تتصل الصفوف، على ظاهر كلام الخرقي، وتبعه أبو محمد.
724 - لظاهر أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالدنو من الإمام.
خولف ذلك فيما

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل