شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 339-368
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الشهادات

صفحات 339-368
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الداري، وعدي بن بداء، فقام رجلان من أوليائه فحلفا: لشهادتنا أحق من شهادتهما.
وأن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: 106] » رواه البخاري وأبو داود فقد وافق قضاء الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الآية الكريمة، ثم إن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قضوا بذلك، فدل على بقاء الحكم بعد وفاته.
3847 - «فعن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا هذه، ولم يجد أحدا من المسلمين، يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة فأتيا الأشعري يعني أبا موسى، فأخبراه وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر

لم يكن بعد أن كان في عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأحلفهما بعد العصر ما خانا ولا كذبا، ولا بد لا ولا كتما، ولا غيرا، وأنها لوصية الرجل وتركته، وأمضى شهادتهما» . رواه أبو داود.
3848 - وعن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قضى بذلك في زمان عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رواه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ، وقد تبين بمجموع هذا (رد قول من زعم) أن المراد ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: 106] أي من غير عشيرتكم، (وقول من زعم) أن المراد بالشهادة الحضور، كما في قوله ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] ويكون المعنى فليحضر اثنان، أي يوصي إليهما في هذه الحالة، تأكيدا أو نحو ذلك، (وقول من زعم) أن المراد بالشهادة اليمين، كما في آية

اللعان أيضا، وأبعد من هذه الأقوال (من زعم) نسخ الآية [الكريمة، إذ لا دليل على ذلك، مع أن السلف عملت عليه، ومن ثم أخذ أكثر السلف بظاهر الآية] قال ابن المنذر: به قال أكابر الماضين.
والظاهر أن الأئمة لو بلغتهم الأحاديث لأكدت عندهم ظاهرا الآية، ولم يعدلوا عنها، قال أحمد: أهل المدينة ليس عندهم حديث أبي موسى، من أن يعرفونه؟ إذا تقرر هذا (فشرط الخرقي) لشهادة الكفار والحال ما تقدم أن يكونوا من أهل الكتاب، وهو المشهور من الروايتين، لأن الأحاديث التي وردت في ذلك إنما وردت في أهل الكتاب، ولا يحسن إلحاق غيرهم بهم (والرواية الثانية) لا يشترط ذلك، تمسكا بإطلاق الآية الكريمة، ونظرا لحال العذر، وقيل (يشترط) مع كونهم من أهل الكتاب أن يكون لهم ذمة وليس بشيء، (ويشترط) أيضا أن لا يوجد غيرهم، وهو كذلك كما في الأحاديث، وكما أومأت إليه الآية الكريمة (ويشترط) أيضا أن يحضر الموصي الموت، كما في الآية والأحاديث، وعموم كلامه يشمل الوصية من المسلم والكافر وهو كذلك.

إذا تقرر هذا فيحلف الحاكم الشاهدين من الكفار، إذا شهدا في الوصية كما تقدم، بعد العصر: ما خانا ولا كذبا ولا حرفا، وإنها لوصية الرجل.
وهل ذلك على سبيل الوجوب - وهو الأشهر - أو الاستحباب؟ على وجهين، ثم إن اطلع على أنهما استوجبا إثما لخيانتهما وأيمانهما الكاذبة، قام رجلان من أولياء الموصي، فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، ويقضي لهم اقتداء بالآية الكريمة والله أعلم.

قال: ولا تجوز شهادتهم في غير ذلك.
ش: قد تقدم ذلك عن قرب، والخلاف في شهادة بعضهم على بعض، فلا حاجة إلى إعادته.

موانع قبول الشهادة

قال: ولا تقبل شهادة خصم.
ش: لما فرغ الخرقي من شروط الشهادات، شرع يتكلم في موانعها وقوله: خصم.
(يحتمل) : أن يريد به العدو، وهو الظاهر، فلا تقبل شهادة القاذف على من قذفه، أو من قطع عليه الطريق على القاطع، ونحو ذلك، لما تقدم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت» والقانع الذي ينفق عليه أهل

البيت، رواه أحمد وهذا لفظه، وأبو داود والغمر الحقد، ولأن العداوة تورث تهمة شديدة، فمنعت الشهادة كالقرابة القريبة، ولا ترد قبول شهادة الكفار في الوصية، لأن الشارع استثنى ذلك للحاجة الداعية إليه، وأبو محمد أجاب بأن العداوة ثم دينية، والدين يمنع شهادة الزور، ومقتضى تعليله قبول شهادة الكفار مطلقا، ويرد عليه أن البدعي لا تقبل شهادته على السني، بخلاف العكس، وإن كانت العداوة دينية تمنع شهادة الزور.
ويحتمل أن يريد كل خصم فيدخل فيه من خاصم في حق، كالوكيل أو الوصي، لا تقبل شهادته فيما هو وكيل أو وصي فيه، وكالشريك أو المضارب، لا تقبل شهادته فيما هو شريك أو مضارب فيه، وذلك لأنه يشهد لنفسه فأشبه المالك.
واعلم أن إطلاق الخرقي غير مراد، إذ شهادة العدو تقبل لعدوه، لانتفاء التهمة، إنما الممتنع شهادته عليه، وكذلك شهادة الوكيل أو الوصي تقبل في غير ما هو وصي أو وكيل فيه، وكذلك الشريك والمضارب تقبل شهادتهم في غير مال الشركة والمضاربة.

تنبيهان (أحدهما) شرط العداوة أن تكون ظاهرة، وأن تكون لغير الله، كذا قيده ابن حمدان (الثاني) لو كان القذف في حال الشهادة، كمن شهد على رجل بحق، وقذفه المشهود عليه، لم ترد شهادته بذلك، لئلا يتخذ ذلك وسيلة في إبطال الشهادات والحقوق، والله أعلم.

قال: ولا جار إلى نفسه نفعا.
ش: أي نفعا بشهادته، كشهادة الغرماء للمفلس المحجور عليه، أو للميت بمال، لأن حقوقهم تتعلق بذلك لو ثبت، وخرج قبل الحجر لأن الحق متعلق بالذمة، لا يقال: تتوجه المطالبة إذا لأنا نقول: المطالبة لليسار، مع أن ابن حمدان اختار في الكبرى الرد والحال هذه، لأن توجه المطالبة تهمة تصلح لرد الشهادة.
انتهى.
ومن ذلك شهادة أحد الشريكين بعفو الآخر عن شفعته، وشهادة السيد لعبده المأذون له في التجارة، أو لمكاتبه، والأجير لمستأجره فيما استأجر فيه نص عليه، والوارث لمورثه بجرح قبل الاندمال، ونحو ذلك، لما في ذلك كله من التهمة المانعة من قبول الشهادة.
3849 - وقد روي عن الزهري قال: مضت السنة في الإسلام أن لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين، والظنين المتهم.

3850 - «وعن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: قضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن لا شهادة لخصم ولا ظنين» . والاعتبار بالوارث حال الموت، كما في الوصية، وفي شهادة الوارث لمورثه في مرضه بدين وجهان، والقبول قطع به أبو محمد، وفرق بينه وبين ما تقدم، لأن منع الشهادة للجرح كان لاحتمال إفضائه إلى الموت، فتجب الدية للوارث الشاهد ابتداء، فيكون شاهدا لنفسه، وهنا الحق إنما يجب للمشهود له ثم يجوز أن ينتقل، ويجوز أن لا ينتقل، قلت: وعلى هذا الفرق ينبغي أن يخرج في الشهادة بالجرح خلاف، بناء على أن الشهادة هل تجب للمجروح ابتداء أو للورثة، انتهى.
ثم على القول بالقبول متى حكم بها لم يتغير الحكم بالموت بعده، والله أعلم.

قال: ولا دافع عنها.
ش: أي دافع عن نفسه ضررا، كأن يشهد المشهود عليه بجرح الشهود، أو العاقلة بجرح شهود قتل غير العمد، لأنهم يدفعون بذلك الدية عن أنفسهم، وقيل: إن كان الشاهد منهم فقيرا أو بعيدا قبلت شهادته، لانتفاء التهمة في الحال الراهنة، وكذلك شهادة الضامن للمضمون عنه بقضاء الحق، أو الإبراء منه ونحو ذلك، لما في ذلك من التهمة المخلة بالثقة من الشاهد، والله أعلم.

قال: ولا تجوز شهادة من يعرف بكثرة الغلط والغفلة.
ش: قد تقدم أن هذا أحد شروط الشهادة، لأن من كان كذلك لا تحصل الثقة بقوله، ولهذا لم تقبل روايته، قال ابن حمدان: إلا في أمر جلي مع بحث الحاكم عنه.
انتهى.
وتقييده بكثرة الغلط يحترز عن قليله، إذ أحد لا يسلم من ذلك، وإنما تتفاوت مراتب الناس فيه، ولا شك أن كثرة غلطه تخل بغلبة ظن صدقه ومقتضى قول الخرقي وغيره أنه لو تساوى حاله أو تقارب قبل قوله، وكلام أبي محمد في المغني يحتمل خلاف هذا، لأنه قال: ولا يمنع من الشهادة وجود غلط نادر، أو غفلة نادرة، والله أعلم.

قال: وتجوز شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت.
ش: لعموم: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] ونحو ذلك، وكما في روايته وفي شهادته بالاستفاضة، مع أنه لا بد أن يسمعها من عدلين، ولا بد من معرفتهما، ليعرف عدالتهما، ودعوى عدم تيقن الصوت ممنوع، إذ قد يكون المشهود عليه ممن ألفه الأعمى، وكثرت صحبته له، فيعرف صوته يقينا.
3851 - ولهذا قال قتادة: للسمع قيافة كقيافة البصر.
وقد أشعر كلام الخرقي أنه لا تجوز شهادة الأعمى على الأفعال، وهو كذلك، لعدم آلة ذلك منه، نعم لو تحمل الشهادة على ذلك قبل العمى جاز أن يشهد به بعده، إذا عرف المشهود عليه باسمه ونسبه، وكذلك إن لم يعرفه بذلك، بل تيقن صوته، قاله في المغني فإن لم يعرفه إلا بعينه فوصفه فهل تقبل لقيام الصفة مقام المشاهدة، وهو قول القاضي، أو لا تقبل لعدم ضبط ذلك غالبا؟ فيه وجهان، ولعل لهما التفاتا إلى القولين في السلم

في الحيوان وقد تقدم، والله أعلم.

قال: ولا تجوز شهادة الوالدين وإن علوا للولد وإن سفل.
ش: وسواء في ذلك ولد البنين، وولد البنات، لما في ذلك من التهمة المانعة كما تقدم ولأن بينهما بعضية، فكأنه شهد لنفسه.
3852 - قال: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها» ولأنه إذا شهد له في المال ونحوه كأنه شهد لنفسه، لأن ماله كماله، بدليل قوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أنت ومالك لأبيك» (وفي المذهب) رواية أخرى بالقبول، قال الجمهور: فيما لا يجر به نفعا غالبا، نحو أن يشهد أحدهما لصاحبه بعقد نكاح، أو قذف، قال القاضي وأصحابه، وأبو محمد في المغني: أو مال، وهو مستغن عنه، لانتفاء التهمة غالبا، وأطلق القبول في الكافي، فإن ثبت الإطلاق فمستنده العمومات، ولا ريب أن المذهب على كل حال الأول.

قال: ولا شهادة الولد وإن سفل لهما وإن علوا.
ش: الخلاف في شهادة الولد لهما كالخلاف في شهادتهما له، والمذهب هنا كالمذهب ثم، إلا أن التهمة في شهادة الولد للوالد أخف من العكس، فلهذا (عن أحمد رواية ثالثة) تقبل شهادة الولد لهما، ولا تقبل شهادتهما له، وعللها بأن مال الابن لأبيه، بخلاف مال الأب، فإنه لا يضاف إلى ابنه، وقول الخرقي: ولا تجوز شهادة الوالدين إلى آخره، مقتضاه أن شهادة أحدهما على صاحبه تقبل، وهو المذهب بلا ريب، حتى إن أبا البركات جزم بذلك، إذ شهادته له إنما ردت للتهمة، ولا تهمة في شهادته عليه، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135] فأمر سبحانه بالشهادة عليهم، ولو لم تقبل لما كان في الشهادة عليهم فائدة، وحكى القاضي في المجرد رواية أخرى - وقال في الروايتين: نقلها مهنا - لا تقبل كما في الشهادة له، جعلا له كالفاسق.
تنبيه: الولد هنا والوالد المراد بهما من النسب، لا من الرضاع والزنا، والله أعلم.

قال: ولا السيد لعبده.
ش: لأن العبد له، فشهادته له شهادة لنفسه في الحقيقة.

قال: ولا العبد لسيده.
ش: لأنه متهم، وقد دخل في كلامه المكاتب لا تجوز شهادته لسيده، لأنه عبد له.

قال: ولا الزوج لامرأته، ولا المرأة لزوجها.
ش: هذا هو المذهب المشهور، المجزوم به عند الأكثرين، لتبسط كل منهما في مال الآخر عادة، فأشبه الولد مع الوالد وبالعكس، ولهذا أضيف مال أحدهما إلى الآخر، قال سبحانه وتعالى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33] وقال ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 53] فأضاف البيوت إليهن تارة، وإلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخرى، (وعن أحمد) - رَحِمَهُ اللَّهُ - رواية أخرى: تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه، تمسكا بالعمومات، وقد خرج من كلام الخرقي شهادة أحدهما على صاحبه، فتقبل بلا خلاف، وهو أمثل الطريقتين، والطريقة الثانية في ذلك الخلاف أيضا، والله أعلم.

قال: وشهادة الأخ لأخيه جائزة.
ش: للعمومات، ولا يصح إلحاقه بالوالد والولد،

لضعف التهمة في حقه أو انتفائها، وقد علم من كلام الخرقي قبول شهادة كل قريب ما عدا الوالدين والمولودين بطريق الأولى، وكذلك الأجنبي، وإن كان صديقا ملاطفا، على الأشهر المقطوع به عند الشيخين وغيرهما.

قال: وتجوز شهادة العبد في كل شيء إلا في الحدود.
ش: مذهبنا قبول شهادة العبد في كل شيء ما عدا الحدود والقصاص، لأنه منا ومن رجالنا، وممن نرضاه، ومن ذوي العدل، فدخل في الآيات الكريمات، وكما في روايته وفتياه، وأخباره الدينية.
3853 - وفي الصحيح «عن عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما.
فذكرت ذلك لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «كيف وقد زعمت» وفي رواية: فنهاه عنها، وفي رواية «دعها عنك» ودعوى أنه لا مروءة له ممنوع، بل هو كالحر، ينقسم إلى من له مروءة ومن لا مروءة له، وقد كان كثير من سلف هذه الأمة وعلمائها وصالحيها موالي، ولم يحدث فيهم بالإعتاق إلا الحرية والحرية لا تحدث علما ولا

دينا، واختلف في الحدود والقصاص (فعنه) تقبل فيهما أيضا، وهو اختيار القاضي يعقوب، وإليه ميل ابن عقيل في التذكرة، فإنه قال: لي عن أحمد منع في الحدود، وذلك لما تقدم من العمومات (وعنه) لا تقبل، لما في شهادته من الخلاف، إذ كثير من الفقهاء أو أكثرهم لا يقبلها، وذلك شبهة، والحدود والقصاص تندرئ بالشبهة، وقيل: يقبل في القصاص، لأنه حق لآدمي، مبني على الشح والضيق، لا الحدود، لأنها حق لله تعالى، وحقوق الله سبحانه مبنية على المساهلة والمسامحة، وهو ظاهر كلام الخرقي.

قال: وتجوز شهادة الأمة فيما تجوز فيه شهادة النساء.
ش: أي الأحرار، لدخولها في ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] الآية، مع حديث عقبة المتقدم.
(تنبيه) حكم المكاتب والمدبر، وأم الولد حكم القن في ذلك، وكذلك المعتق بعضه، قاله أبو محمد في المغني، ولا معنى لقول ابن حمدان في الكبرى: قلت: وكذا المعتق بعضه.

قال: وشهادة ولد الزنا جائزة في الزنا وغيره.
ش: لعموم الآيات، ولأنه عدل مقبول الشهادة في غير الزنا، فيقبل في الزنا كغيره.

قال: وإذا تاب القاذف قبلت شهادته.
3854 - ش: لعموم «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» . 3855 - «التوبة تجب ما قبلها، والإسلام يجب ما قبله» أي يقطع ما

قبله، وإذا يصير كمن لم يقذف، ولأنه تائب من ذنبه، فقبلت شهادته كالتائب من الزنا، أو قتل النفس، بل أولى، لأنها أعظم من القذف، وأما قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4] فمعناه إن لم يتوبوا، بدليل آخر الآية، بناء عندنا على أن الاستثناء إذا تعقب جملا عاد إلى جميعها، ما لم يمنع منه مانع، وبيان ذلك له موضع آخر.
3856 - ويدل عليه هنا ما يروى عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه كان يقول لأبي بكرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حين شهد على المغيرة به شعبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لست أقبل شهادتك.
ولم ينكر ذلك منكر فكان إجماعا.

3857 - قال: سعيد بن المسيب: شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة رجال أبو بكرة، ونافع بن الحارث، وشبل بن معبد، ونكل زياد، فجلد عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الثلاثة، وقال لهم: توبوا تقبل شهادتكم.
فتاب رجلان وقبل عمر شهادتهما، وأبى أبو بكرة فلم تقبل شهادته، وكان قد عاد مثل النصل من العبادة.
3858 - وما رواه ابن ماجه بسنده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام» فقال ابن عبد البر: لم يرفعه من روايته حجة.
ثم يدل على ضعفه قبول شهادة كل محدود تائب في غير القذف، انتهى.
واللام في القاذف للعهد، أي القاذف بالزنا، ويحتمل أنها للجنس، فيدخل فيه القذف

بالشتم ونحوه، وهو أمشى على ما قال أبو محمد، فإنه أي القاذف بالشتم ترد شهادته وروايته، وهذا يدل على أن القذف بالشتم ونحوه عنده كبيرة، وإلا كان اعتبر تكرر ذلك، وإطلاق الخرقي يقتضي: وإن لم يجلد، وهو كذلك عندنا، لأن الله سبحانه رتب على رمي المحصنات ثلاثة أشياء، الجلد، وانتفاء الشهادة، والفسق، فيتبين بمجرد الرمي.

(تنبيه) إذا جاء القاذف مجيء الشاهد كما في قصة الذين شهدوا على المغيرة، فإن شهادته ترد دون روايته، بدليل ما تقدم عن عمر في حق أبي بكرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، مع أنه مقبول الرواية بلا تردد، بخلاف من قصد الشتم والقذف، فإن شهادته وخبره وفتياه لا يقبلن حتى يتوب.

قال: وتوبته بأن يكذب نفسه.
ش: هذا هو المشهور من المذهب، جزم به القاضي في الجامع الصغير، وأظن وفي التعليق الكبير، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، وابن عقيل في التذكرة وغيرهم.
3859 - لأنه يروى عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 5] قال: «توبته إكذاب نفسه» » . وهذا نص إن ثبت، ولأن عرض المقذوف تلوث بالقذف، والإكذاب يزيل ذلك التلوث، فيصير كأن لم يوجد قذف وهو المقصود، وفرق القاضي أظنه في المجرد، وزعم أنه المذهب، فقال إن كان قذفه بالسب والشتم فكما تقدم، وإن كان بالشهادة فتوبته أن يقول: القذف حرام باطل، ولن أعود إلى ما قلت.
حذارا من أن يكون صادقا، فلا يؤمر بالكذب، ونحو هذا قال السامري، ولفظه: ندمت على ما كان مني، ولا أعود إلى ما أتهم فيه.
قال: ولا يقول: ولا أعود إلى ما كان مني.
لما فيه من منع الشهادة، واختار أبو محمد في المغني أنه إن لم يعلم صدق نفسه فكالأول، وإن علم صدقه فتوبته الاستغفار والإقرار ببطلان ما قاله، وتحريمه، وأنه لا يعود إلى مثله، وعلله بأنه قد يكون كاذبا في الشهادة، صادقا في السب، ونحو هذا جزم به في

الكافي، وفيه نظر، فإن الكذب مخالفة الواقع، والصادق لم يخالف الواقع، فكيف يقر ببطلان ما قاله، ثم كيف يكون كاذبا في الشهادة، مع أنه صادق فيما لفظ به، نعم الشرع منعه من الشهادة حيث لم يكمل النصاب ونحو ذلك، فإن قيل: إن الله سبحانه جعله عنده - أي في حكمه - كاذبا مطلقا، قلنا: فإذا يتوجه إطلاق الخرقي والأكثرين، ويكون تكذيبه نفسه راجعا لما في حكم الله سبحانه، وحكى في المقنع قولا ظاهره أنه رابع أنه إن علم صدق نفسه فتوبته أن يقول: قد ندمت على ما قلت، ولا أعود إلى مثله، وأنا تائب إلى الله تعالى منه.
وهو حسن.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يعتبر مع توبة القاذف إصلاح العمل، وجزم به كثير من الأصحاب، وظاهر كلام أبي محمد في المقنع - وتبعه ابن حمدان - أن فيه الخلاف الآتي، ومقتضى ما في المغني نفي الخلاف من القاذف بلفظ الشهادة، أما غير القاذف فهل يكتفى بمجرد توبته، أو لا بد من إصلاح عمله سنة؟ فيه روايتان مشهورتان، المشهور منهما الأول، ولأبي محمد في الكافي احتمال أنه يعتبر مضي مدة نعلم

توبته فيها، من غير توقيت، والقاضي يجعل محل الخلاف في غير المبتدع، أما المبتدع فيعتبر له مضي سنة، وهو مقتضى كلام السامري.
(تنبيه) : هل من إصلاحه مجانبة من كان يواليه في ذلك أم لا؟ على روايتين.
والله أعلم.

قال: ومن شهد وهو عدل بشهادة قد كان شهد بها وهو غير عدل وردت عليه لم تقبل منه في حال عدالته.
ش: هذا هو المذهب المعروف، المجزوم به عند الأكثرين، لأنه يتهم بأدائها، لما لحقه بردها من الغضاضة والمعيرة، فيحتمل أنه أظهر العدالة ليزول عنه ما حصل له من ذلك، ولا يرد ما إذا ردت لكفره أو صغره، أو جنونه أو رقه، أو حرابته ثم أعيدت بعد زوال ذلك، فإنها تقبل على الأصح، لانتفاء التهمة في ذلك غالبا أو قطعا، وأيضا الفسق يخفى فيحتاج في معرفته إلى بحث واجتهاد، وكذلك العدالة، وإذا نقول شهادة مردودة بالاجتهاد، فلا تقبل بالاجتهاد، حذارا من نقض الاجتهاد بالاجتهاد، ومن ثم قيل - وصححه أبو

البركات، وقال أبو محمد في الكافي: إنه الأولى - فيما إذا ردت لتهمة رحم، أو زوجية، أو عداوة، أو جلب نفع، أو دفع ضرر، ثم زال ذلك: إنها لا تقبل لذلك، وقيل - وقال في المغني: إنه الأشبه بالصحة - يقبل نظرا للتعليل الأول، إذ لا عار على الشاهد في الرد بذلك، بخلاف الرد بالفسق، والله أعلم.

قال: وإن كان لم يشهد بها عند الحاكم حتى صار عدلا قبلت منه.
ش: إذ العدالة - وكذلك البلوغ والإسلام والحرية - إنما تعتبر حال الأداء، لأنه حال ترتب الحكم، بخلاف ما قبل ذلك، ولذلك قبلت رواية من كان صبيا في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كابن عباس، والنعمان بن بشير، وغيرهما - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - من صبيان الصحابة، وقد أجمع الناس على إحضار الصبيان مجالس السماع، وفائدته ذلك، والله أعلم.

قال: ومن شهد وهو عدل فلم يحكم بشهادته حتى حدث منه ما لا تجوز شهادته معه لم يحكم بها.

ش: لأن حدوث ذلك يورث تهمة حال الشهادة، لأن كثيرا من الناس يستر الفسق، ويظهر العدالة، وخرج ما إذا شهد ثم خرس أو عمي، أو صم أو جن أو مات، فإن ذلك لا يمنع الحكم، لأن ذلك لا يورث تهمة، لأنه لا يحتمل أنه كان موجودا حال الشهادة.

حكم الشهادة على الشهادة

قال: وشهادة العدل على شهادة العدل جائزة في كل شيء إلا في الحدود، إذا كان الشاهد الأول ميتا أو غائبا.
ش: الشهادة على الشهادة جائزة في الجملة بالإجماع، قال أبو عبيد: أجمعت العلماء من أهل الحجاز والعراق على إمضاء الشهادة على الشهادة في الأموال، وللحاجة الداعية إلى ذلك، إذ قد يتأخر إثبات الوقوف ونحوها عند الحاكم، ثم يموت شهود ذلك، فلو لم تقبل لأفضى ذلك إلى ضرر كثير، وإنه منفي شرعا، ومحل قبولها الأموال بلا ريب، للإجماع والمعنى المتقدمين، لا الحدود بلا نزاع عندنا، لانتفاء المعنى المتقدم وهو الحاجة، إذ الستر فيه أولى، ولأن الحدود تندرئ بالشبهة، والشهادة على الشهادة فيها نوع شبهة، لتطرق السهو والغفلة والكذب إلى كلا الفريقين، شاهدي الأصل، وشاهدي الفرع، واختلف عن إمامنا فيما عدا ذلك (فعنه) -

وهو ظاهر كلام الخرقي -: تقبل، لأنه حق لا يندرئ بالشبهة، فأشبه المال (وعنه) - وهو ظاهر كلام أبي بكر وابن حامد - لا تقبل، لأنه حق لا يثبت إلا بشاهدين، فأشبه حد السرقة (وعنه) تقبل إلا في الدماء والحدود، وإليه ميل أبي محمد (واعلم) بأن بابي الشهادة على الشهادة وكتاب القاضي إلى القاضي عند الشيخين في مختصريهما باب واحد، ما قيل في أحدهما قيل في الآخر، وما لا فلا.
(تنبيه) : وأبو البركات يستثني حقوق الله سبحانه من محل الخلاف، وهو أشمل مما تقدم.
إذا تقرر هذا فيشترط للشهادة على الشهادة شروط (أحدها) تحقق شروط الشهادة من العدالة وغيرها في كل واحد من شاهدي الأصل، وشاهدي الفرع، إذ الحكم ينبني على الشهادتين جميعا، فاعتبرت الشروط في كل منهما، كالراوي عن الراوي، وهذا والله أعلم اتفاق، فإن عدل شهود الفرع شهود الأصل، بأن شهدا بعدالتهما، وعلى شهادتهما جاز، وإن لم يشهدا بعدالتهما، بل على شهادتهما جاز وتولى ذلك الحاكم.
(الشرط الثاني) : أن تتعذر شهادة شهود الأصل، لأن المقتضي لجواز الشهادة على الشهادة الحاجة، ولا حاجة مع حضور شهود الأصل، ولا ترد الرواية، لأنها أخف، ولهذا لم يعتبر فيها العدد، ولا الذكورية، ولا الحرية، ولا انتفاء التهمة، ولا اللفظ ونحو ذلك، انتهى.
ولا ريب أن لا تعذر أبلغ من الموت، واختلف عن إمامنا في التعذر بما عداه، كالتعذر

بغيبة، أو مرض يمنع الحضور ونحوه، أو لكبر أو حبس، أو خوف من سلطان أو لص، أو فتنة ونحو ذلك (فعنه) - وهو الأشهر، والمختار للأصحاب - الاجتزاء بذلك، كالتعذر بالموت، والجامع التعذر (وعنه) لا يكتفى بذلك، لاحتمال زوال العذر، وتأول القاضي ذلك على الموت، وما في معناه من الغيبة البعيدة، وعلى المذهب اختلف في حد الغيبة، فالمختار للشيخين وأبي الخطاب وغيرهم أنها مسافة القصر، لأنها الغيبة المعتبرة شرعا في كثير من الأحكام، فكذلك هنا إلحاقا للفرد الواحد بالأعم الأغلب، وعن القاضي أنها مسافة لا تتسع للذهاب والعود في اليوم، لأنها والحال هذه يلحق شاهد الأصل بأداء الشهادة حرج ومشقة، وإنهما منتفيان شرعا.
(الشرط الثالث) أن يعين شاهدا الفرع شاهدي الأصل، ولا يكفي أن يقولا حرين عدلين ذكرين، لاحتمال عدالتهما عندهما، دون غيرهما، فيتمكن المشهود عليه من الجرح.
(الشرط الرابع) الاسترعاء، وهو أن يطلب شاهد الأصل من الشاهد عليه حفظ الشهادة وأداءها، فيقول: اشهد على شهادتي بكذا.
ثم هل يشترط أن يسترعيه بعينه، وهو احتمال ذكره في المغني، أو يكتفي بمجرد الاسترعاء، فلو سمعه يسترعي

شاهدا جاز له أن يشهد على شهادته، وهو الذي أورده في المغني مذهبا؟ فيه قولان، فإن عدم الاسترعاء لم يشهد، كأن يسمعه يقول: أشهد على فلان بكذا.
لم يشهد، لاحتمال أن يقول ذلك على سبيل الاستفهام الإنكاري، ويحتمل أن يكون هازلا ونحو ذلك، ولهذا قال أحمد: لا تكون شهادة إلا أن يشهدك، فإذا سمعته يتحدث فإنما ذلك حديث.
ونحو ذلك.
نعم إن سمعه يشهد بذلك عند الحاكم، أو يعزوه إلى سبب من بيع أو قرض، ونحو ذلك فهل يقوم مقام الاسترعاء - وهو الذي قاله القاضي وابن البناء وغيرهما -، لزوال الاحتمال إذا، أو لا يقوم مقامه لأن الشهادة على الشهادة فيها معنى النيابة، والنيابة يعتبر فيها الإذن؟ فيه روايتان.
(الشرط الخامس) أن يشهد شاهدان على شاهدي الأصل، سواء شهدا على كل واحد منهما، أو شهد على كل واحد واحد، على المذهب المنصوص.
3860 - قال أحمد: شاهد على شاهد يجوز، لم يزل الناس على ذا، شريح فمن دونه، وشرط أبو عبد الله بن بطة شهادة أربعة، على كل أصل فرعان، وقيل يكتفى بشهادة فرعين، بشرط أن يشهدا

على كل واحد من الأصلين، واختلف في (شرط سادس) وهو اشتراط ذكورية شهود الأصل وشهود الفرع (فعنه) اشتراط ذلك، لأن في الشهادة على الشهادة ضعفا، وفي شهادة النساء ضعف، فيجتمع ضعفان، فلا يدخل النساء في ذلك (وعنه) لا يشترط ذلك، أما في الأصول فلعموم ما تقدم ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282] ونحو ذلك، وأما في الفروع فنظرا للمقصود، إذ هو إثبات الحق المشهود به، وقد ثبت أنه يثبت بالنساء (وعنه) وهو الأشهر لا يشترط ذلك في شهود الأصل لما تقدم، ويشترط في شهود الفرع، نظرا لعين ما شهدوا به، وهو شهادة الأصول، وأن ذلك ليس بمال، ولا المقصود منه المال، ويتفرع على ذلك أنه لو شهد رجلان على رجل وامرأتين، جاز على الثانية والثالثة، دون الأولى، ولو شهد رجل وامرأتان على الثانية والثالثة، دون الأولى، ولو شهد رجل وامرأتان على مثلهم، أو على رجلين، لم يجز على الأولى، وكذا على الثالثة، وجاز على الوسطى انتهى.
وقد علم من تعليل ما تقدم - وهو لأبي محمد - أن المرأة لا تكون فرعا إلا فيما يقبل فيه شهادة النساء منفردات أو مع الرجال، وحكى ابن حمدان ذلك قولا، والذي قدمه وهو مقتضى إطلاق أبي البركات وغيره جواز كونها فرعا مطلقا.

قال: ويشهد على من سمعه يقر بحق، وإن لم يقل للشاهد: اشهد علي.
ش: هذا يشمل الإقرار بحق في الحال، كقوله: له علي كذا، والإقرار بسابقة الحق، كقوله: أقرضني، أو كان له علي، أو كان له علي وقضيته، إذا جعلناه إقرارا، وهذا إحدى الروايات عن الإمام، نقلها ابن منصور، وهو المذهب عند أبي محمد، لعموم ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86] وغير ذلك، والشاهد هنا قد حصل له العلم بسماعه، فجاز له أن يشهد به، كما لو حصل له العلم بالرؤية.
(والرواية الثانية) لا يجوز له أن يشهد بذلك مطلقا، نقلها بكر بن محمد، واختارها أبو بكر، لجواز أن يكون قال ذلك على سبيل الممازحة، لا على سبيل الحقيقة، وكما في الشهادة على الشهادة.
(والرواية الثالثة) أنه إن أقر بحق في الحال شهد به،

وإن أقر بسابقة الحق لم يشهد به، نقلها أبو طالب، واختارها أبو البركات، لأن المقر بحق في الحال معترف به، فالشاهد يجزم تبعا لإقراره بأنه عليه، والمقر بسابقة الحق لا يلزم منه أنه عليه، لأنه يجوز أن يكون وفاه، فالشاهد لا يجزم بأنه عليه.
(والرواية الرابعة) يخير الشاهد في الشهادة في الشهادة والحال ما تقدم، ولا يجب عليه ذلك، نقلها أحمد بن سعيد لأن وقوع الخلاف شبهة درأت الوجوب، وتورع ابن أبي موسى فقال في القرض ونحوه: لا يشهد به لما تقدم وفي الإقرار بحق في الحال: يقول: حضرت إقرار فلان فكذا، ولا يقول: أشهد على إقراره.
فعلى الأولى لو قال المتحاسبان للشاهدين: لا تشهدا علينا بما يجري بيننا.
فهل يمنع ذلك الشهادة، أو لا يمنع ويلزم إقامتها، وبها قطع أبو محمد في المغني؟ على روايتين.
والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - لم يذكر إلا الإقرار، وبقي عليه سماع الحكم، وغير ذلك من العقود، والطلاق، ونحو ذلك مما مرجعه القول، أما سماع الحكم ففيه الروايات الثلاث الأول المبدوء بهن في الإقرار، وأما الطلاق والعقود ونحو ذلك فيشهد به، وإذا شهد بذلك فالأولى أن يشهد على الأفعال، وقد حكى القاضي في الأفعال روايتين أيضا.
(إحداهما) لا يشهد

بها حتى يقول له المشهود عليه: اشهد.
(والثانية) يشهد، قال أبو محمد: فإن أراد بذلك العموم لم يصح، لأدائه إلى منع الشهادة عليه بالكلية، إذ الغاصب لا يستشهد أحدا على غصبه، وكذا السارق ونحوهما، ثم إن أبا بكرة وأصحابه لما شهدوا على المغيرة لم يقل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هل أشهدكم على ذلك؟ قال: وإن أراد الأفعال التي تكون بالتراضي، كالقبض في الرهن، والقبض والتفرق في البيع، ونحو ذلك جاز.
(قلت) : وإذا جرى الخلاف في ذلك فينبغي جريانه في الطلاق والعقود ونحو ذلك، وكلام أبي البركات الجزم بالشهادة بذلك، ويحتمل أن يريد القاضي بالأفعال الشهادة على الإقرار بالأفعال.
والله أعلم.

قال: وتجوز شهادة المستخفي إذا كان عدلا.
ش: هذا أحد نوعي الشهادة على المقر، وإن لم يشهده على ما سمعه، والخلاف فيه كالخلاف فيه ثم، ومختار أبي بكر إنما هو والله أعلم مصرح به هنا، وتبعه ابن أبي موسى على مختاره، وإنما قال الخرقي: إذا كان عدلا.
لئلا يتوهم أن هذا يدخل تحت قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12] فيكون مرتكبا للنهي، فيمنع من الشهادة لذلك، فأشار إلى أن هذا التجسس غير ممنوع منه للحاجة الداعية، وإنما المشترط العدالة، لأنها تمنع من التجسس في غير ذلك، والمستخفي يشمل المستخفي في كل ما سمعه أو حضره، والله أعلم.

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل