كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال: ولا زكاة فيما دون المائتي درهم، إلا أن يكون في ملكه ذهب أو عروض للتجارة، فيتم به.
ش: نصاب الفضة مائتا درهم، بلا نزاع بين أهل العلم، وقد ثبت ذلك بسنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ففي الصحيحين [ما تقدم] من حديث أبي سعيد: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» .
1231 - وفي البخاري من حديث أنس: «فإن لم يكن إلا تسعين ومائة، فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها» ، فإذا كان عنده دون المائتي درهم، فلا زكاة [عليه] ، إلا أن يكون عنده ذهب فيتم به [لما تقدم - على المذهب - من أن كل واحد من النقدين يضم إلى الآخر، أو يكون عنده عروض للتجارة فيتم به] إذ عرض التجارة يضم إلى كل واحد من النقدين، ويكمل به نصابه بلا نزاع، لأن الزكاة تجب في قيمتها، وهي تقوم بكل واحد منهما، فتضم إلى كل واحد منهما، والله أعلم.
قال: وكذلك دون العشرين مثقالا.
ش: يعني من الذهب، لا زكاة فيها إلا أن تكون عنده فضة أو عروض، فيتم به، وإنما قلنا: نصاب الذهب عشرون مثقالا.
1232 - لما تقدم في حديث علي: «وليس عليك شيء -[يعني] في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارا، [فإذا كانت لك عشرون دينارا] وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك» قال الحارث: فلا أدري أعلي يقول: بحساب ذلك، أم رفعه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رواه أبو داود.
1233 - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «ليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب، ولا في أقل من مائتي درهم صدقة» رواه أبو عبيد.
وظاهر كلام الخرقي أن النصاب [في النقدين] تحديد، فلو نقص يسيرا لم تجب الزكاة، وهو اختيار أبي الفرج والشيرازي، وأبي محمد، اعتمادا على الأصل واستصحابا [للبراءة] الأصلية، حتى يتحقق [الموجب] ، وتمسكا بظاهر قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» . والمشهور عند الأصحاب أنه لا يعتبر النقص [اليسير] كالحبة والحبتين، لاختلاف الموازين بذلك، ثم بعد ذلك يؤثر نقص ثمن، في رواية اختارها أبو بكر، وفي أخرى في الفضة ثلث درهم، وفي أخرى في الذهب نصف مثقال، ولا يؤثر الثلث.
«تنبيه» : لا فرق بين التبر والمضروب، كما اقتضاه كلام الخرقي، وشرط النصاب أن يكون خالصا، فلو كان مغشوشا فلا زكاة حتى يبلغ النقد الخالص فيه نصابا، لأن قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - –
: «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة» إنما ينصرف للخالص، والدراهم المعتبرة هنا، وفي نصاب السرقة، وغير ذلك، هي التي كل عشرة فيها سبعة مثاقيل بمثقال الذهب، وكانت الدراهم في الصدر الأول صنفين (طبرية) ، وهي أربعة دوانيق (وسوداء) وهي ثمانية دوانيق، فجمعا وجعلا درهمين متساويين، كل درهم ستة دوانيق، فعل ذلك بنو أمية، فصارت عدلا بين الصغير والكبير، ووافقت سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ودرهمه الذي قدر به المقادير الشرعية، أما المثقال فلم يختلف في جاهلية ولا إسلام، والله أعلم.
قال: فإذا تمت ففيها ربع العشر.
ش: أي إذا تمت الفضة مائتي درهم ففيها ربع العشر، وإذا تمت العشرون دينارا ففيها ربع العشر، لما تقدم من حديثي أبي سعيد وعلي، قال أبو محمد: ولا نعلم فيه خلافا؛ والله أعلم.
قال: وفي زيادتها وإن قلت.
ش: أي في زيادة المائتي درهم وإن قلت ربع العشر، وفي زيادة العشرين دينارا وإن قلت ربع العشر، لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وفي الرقة ربع العشر» خرج منه ما دون المائتي درهم بالنص،
فيبقى فيما عداه على مقتضى العموم، وما تقدم من حديث علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والله أعلم.
زكاة الحلي وآنية الذهب والفضة
قال: وليس في حلي المرأة زكاة إذا كان مما تلبسه أو تعيره.
ش: المذهب المنصوص، المختار للأصحاب أنه لا زكاة في الحلي في الجملة، قال أحمد في رواية الأثرم: فيه عن خمسة من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
1234 - وقد رواه مالك في الموطأ عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وابن عمر.
1235 - ورواه الدارقطني عن أسماء بنت أبي بكر، وأنس بن مالك.
1236 - وقال أبو يعلى: أنبأنا القاضي أبو الطيب الطبري، قال: ثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الباقي، قال: ثنا أبو الحسين أحمد بن المظفر الحافظ، قال: ثنا أحمد بن عمير بن جوصا، قال: ثنا إبراهيم بن أيوب [قال: ثنا عافية بن أيوب] عن ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ليس في الحلي زكاة» وهذا نص، إلا أنه ضعيف من قبل عافية» .
ولأنه عدل به عن النماء إلى فعل مباح، أشبه ثياب البذلة، وعبيد الخدمة، ودور السكنى، أو نقول: معد لاستعمال مباح، أشبه ما ذكرنا.
وعن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - رواية أخرى حكاها ابن أبي موسى: تجب فيه الزكاة، لعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: 34] الآية، وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «في الرقة ربع العشر» ولعموم مفهوم: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» .
1237 - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن [جده] قال: «إن امرأة أتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان
من ذهب، فقال: «أتعطين زكاة هذا؟» قالت: لا.
قال: «أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟» [فخلعتهما] ، فألقتهما إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقالت: هما لله ولرسوله» . رواه الترمذي، والنسائي، وأبو داود، وهذا لفظه.
1238 - وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «دخل علي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: «ما هذا يا عائشة» ؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله.
قال: «أتؤدين زكاتهن؟» فقلت: لا.
أو ما شاء الله.
قال: «هو حسبك من النار» . رواه أبو داود.
وقد أجيب عن عموم الآية،
والحديثين الأولين بدعوى تخصيصهما بما تقدم.
وعن الحديثين الآخرين بأن فيهما كلاما، وقد قال الترمذي بعد ذكر حديث عمرو بن شعيب: لا يصح في هذا الباب شيء وعلى تسليم الصحة بأن ذلك حين كان الحلي بالذهب حراما على النساء، فلما أبيح لهن سقطت منه الزكاة، قاله القاضي وغيره.
1239 -[أو] بأن المراد بالزكاة عاريته، هكذا روي عن سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وغيرهما، ويجوز التوعد على المندوبات، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7] أو بأن المراد ما صنع بعد وجوب الزكاة فيه.
إذا تقرر هذا فقد تقدمت الإشارة بأن الأصل وجوب الزكاة في الذهب والفضة، إلا حيث عدل به عن جهة النماء، إلى فعل مباح مطلوب، كما إذا صيره للبس، أو للعارية.
أما الحلي المحرم - قال أبو العباس: وكذلك المكروه، وما أعد للكراء، أو التجارة أو النفقة عند الحاجة [إليه]- فهو باق على أصله في وجوب الزكاة.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق بين قليل الحلي وكثيره، وهو المذهب.
نعم يقيد ذلك بما جرت عادتهن بلبسه، كالسوار، والتاج، والخلخال، بخلاف ما لم تجر عادتهن به، كمنطقة الرجل، واتخاذ قبقاب [من ذهب] ونحو ذلك، فإنه يحرم، وتجب فيه الزكاة.
وجعل ابن حامد ما بلغ ألف مثقال يحرم [في حقها مطلقا، وحكاه في التلخيص رواية، وتوسط ابن عقيل فقال: إن بلغ الحلي الواحد ألف مثقال حرم] وإن زاد المجموع على ألف فلا.
«تنبيه» : «المسكة» بالتحريك السوار من الذبل، وقيل: هي من قرن الأوعال، وإذا كانت من غير ذلك أضيف إلى ما هي منه، فيقال: من ذهب، أو من فضة.
أو غير ذلك «والفتخة» بالتحريك، وجمعها فتخات بفتحتين، حلقة من فضة لا فص لها، فإذا كان فيها فص فهي خاتم.
وقال
عبد الرزاق: هي الخواتم، وتجعل في الأرجل، وقيل في الأيدي، والله أعلم.
قال: وليس في حلية سيف الرجل، ومنطقته، وخاتمه زكاة.
ش: إنما سقطت [الزكاة] من ذلك لإباحتها للرجال، فهي كحلية النساء، [إذ قد صرفت عن جهة النماء إلى فعل مباح، أشبهت ثياب البذلة] والدليل على إباحة ذلك.
1240 - أما السيف فلأن أنسا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كانت قبيعة سيف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فضة» .
1241 - وقال هشام بن عروة: كان سيف الزبير محلى بالفضة.
رواهما الأثرم.
وأما المنطقة فلأن ذلك معتاد للرجل، أشبه الخاتم، وهذا المشهور، والمختار للأصحاب من الروايتين.
وعن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنه كرهها، لما فيها من الفخر، والخيلاء.
1242 - وأما الخاتم فلأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتخذ خاتما من ورق؛» متفق عليه.
«تنبيهات» : «أحدها» : قول الخرقي يشمل التحلية بالذهب والفضة، وينبغي أن يحمل كلامه على الفضة، لأن الذهب لا يباح منه إلا حلية السيف، على المشهور [من الروايتين] ولا يلحق به كل سلاح على قول العامة، خلافا للآمدي، وما دعت إليه الضرورة كشد الأسنان به، ولا يباح اليسير منه مفردا كالخاتم، بلا خلاف أعلمه ولا تبعا لغيره على المذهب، فلو حمل كلامه على الذهب لزم فساده في الخاتم قطعا، وفي المنطقة على المذهب.
(الثاني) : قول الخرقي: حلية السيف.
يشمل القبيعة، وهي ما على طرف مقبضه وغيرها، وأكثر الأصحاب يخص ذلك بالقبيعة، وكان أبو العباس كتب في شرح العمدة فيما يباح من
الذهب قبيعة السيف، ثم ضرب عليه، وكتب: حلية السيف.
وهذا مقتضى كلام أحمد.
1243 - لأنه قال: روي أنه كان في سيف عثمان بن حنيف مسمار من ذهب.
وقال: إنه كان لعمر سيف فيه سبائك من ذهب.
[والمنطقة] تجعل في الوسط، وتسميها العامة الحياصة.
(الثالث) : ظاهر كلام الخرقي [أنه] لا يباح للرجل تحلية غير هذه الثلاثة.
وقد خرج القاضي في الجوشن، والدرع، والخوذة، والمغفر وجهين.
(أحدهما) : أنها كالمنطقة، وهو قول الأكثرين، أبي الخطاب، وابن عقيل، والمتأخرين؛ (الثاني) : المنع رواية واحدة، كما هو ظاهر كلام الخرقي، والخف، والران، عند القاضي، والآمدي، وأبي الخطاب، والأكثرين كالجوشن، وعند ابن عقيل لا يباح، ففيه الزكاة، وكذلك الحكم عنده في الكمران، والخريطة قال أبو العباس: وعلى قول غيره هما كالخف.
وقال التميمي: يكره عمل خفين
من فضة كالنعلين، ولا يحرم، وألحق أبو الخطاب وجماعة حمائل السيف - وهي علائقه -[بالمنطقة] وجزم القاضي بالمنع، وحكاه عن أحمد.
والله أعلم.
قال: والمتخذ آنية الذهب والفضة عاص، وفيها الزكاة.
ش: هذا المشهور المعروف، المنصوص [عليه] من الروايتين، حتى أن القاضي في التعليق، وجمهور الأصحاب لم يحكوا خلافا، إذ الاتخاذ يراد للاستعمال، والاستعمال محرم، فكذلك الاتخاذ، دليله آلات اللهو، كالطنبور، والعود.
(والرواية الثانية) : يباح الاتخاذ، نظرا [إلى] أن المحرم الاستعمال، أما الاتخاذ فإنه تغيير المال من صفة إلى صفة، فلا يؤثر والله أعلم.
زكاة الركاز
قال: وما كان من الركاز - وهو دفن الجاهلية، قل أو كثر - ففيه الخمس لأهل الصدقات، وباقيه فله.
ش: عرف الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - الركاز بأنه دفن الجاهلية، ويعرف ذلك بأن توجد عليه أسماء ملوكهم، أو صلبانهم، ونحو ذلك.
قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الموطأ: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا، والذي سمعت أهل العلم يقولون، أن الركاز إنما هو
دفن يوجد من دفن الجاهلية، ما لم يطلب بمال، ولم يتكلف فيه بنفقة، ولا كبير عمل ولا مؤنة.
انتهى أما ما وجد عليه علامة المسلمين كأسماء ملوكهم، وأنبيائهم، أو آية من القرآن، أو نحو ذلك، أو على بعضه، فليس بركاز، لأن ذلك قرينة صيرورته إلى مسلم، وكذلك لو لم يوجد عليه علامة، لانتفاء الشرط، وهو علامة الكفار.
إذا تقرر [ذلك] فما حكم بأنه ركاز ففيه الخمس.
1244 - لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» رواه الجماعة، ولا فرق بين القليل والكثير، لعموم الحديث، ولأنه مال مخمس من مال الكفار، أشبه الغنيمة، ومصرف الخمس لأهل الزكاة، في إحدى الروايتين، اختارها الخرقي، نظرا إلى أنه مستفاد من الأرض، أشبه المعدن.
1245 - وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أمر صاحب الكنز أن يتصدق به على المساكين، حكاه الإمام أحمد.
(والرواية الثانية) –
وهي اختيار ابن أبي موسى، والقاضي في تعليقه وجامعه وابن عقيل، وأبي محمد - أن مصرفه مصرف الفيء، لأنه مال كافر مخموس، أشبه الغنيمة.
1246 - ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والباقي بعد الخمس لواجده، وله صور: (إحداها) : إذا وجده في موات، أو في أرض لا يعلم مالكها، أو في ملكه الذي ملكه بالإحياء، ونحو ذلك، فهذا يكون له بلا نزاع.
(الثانية) : وجده في ملك انتقل إليه بهبة أو بيع، أو غير ذلك، [فهو] لواجده أيضا، في أنص الروايتين، واختيار القاضي في التعليق، نظرا إلى أنه يملك بالظهور عليه، أشبه الغنيمة.
(والرواية الثانية) : يكون لمن انتقل عنه إن اعترف به، وإلا فلأول مالك، قال أبو محمد: فإن لم يعرف أول مالك فكالمال الضائع، نظرا إلى أنه يملك بملك الأرض كأجزائها
ولهذه المسألة التفات إلى مسألة المباح من الكلأ ونحوه، هل يملك بملك الأرض، أو لا يملك إلا بالأخذ؟ فيه روايتان، كذا أشار إليه القاضي وغيره.
(الثالثة) : وجده في ملك آدمي معصوم، كأن دخل دار إنسان فحفر فوجد ركازا، فحكمه حكم الذي قبله، فيه الروايتان عند أبي البركات، وأبي محمد في المقنع وقطع صاحب التلخيص هنا تبعا لأبي الخطاب في الهداية أنه لمالك الأرض، وقد أورد على القاضي هذه المسألة، فقال: لا يمتنع أن يقول: [إنه] لواجده، كما لو وجد طائرا أو ظبيا.
انتهى.
وقد نص أحمد فيمن استأجر إنسانا ليحفر له بئرا، فوجد ركازا، أنه لصاحب الدار، ونص في رواية الكحال في الساكن إذا وجد كنزا أنه له، ومن مسألة الأجير أخذ القاضي وغيره الرواية في الملك المنتقل إليه [أنه يكون لمن انتقل إليه] قالوا: لأنه لم يجعله للأجير بالظهور، بل جعله لمالك الأرض، ثم إن القاضي في التعليق كلامه يقتضي أنه سلم مسألة الأجير، فقال لما أورد عليه الأجير: عمله لغيره.
وهذا التسليم يمنع من جريان الخلاف، ويشعر بتقرير النصوص على ظواهرها.
(الرابعة) : وجده في أرض الحرب بنفسه، فهو ركاز، وإن وجده بجماعة لهم منعة فهو غنيمة.
واعلم أن ظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق [بين] أن يكون الركاز ذهبا، أو عروضا، أو غير ذلك، ونص عليه أحمد.
وظاهر كلامه أيضا أن هذا الخمس لا يجب إلا على مسلم، فإنه قال: يصرف لأهل الصدقات.
فيكون صدقة، وقد قال: إن الصدقة لا تجب إلا على الأحرار المسلمين.
وكذا قال في التلخيص، إن قلنا: إنه زكاة.
لم تجب على الذمي، [وإن قلنا: إنه فيء.
وجب عليه، وقدم في المغني أنه يجب على الذمي] ثم قال: ويتخرج أن لا يجب عليه بناء على أنه زكاة، قال: والأول أصح.
«تنبيه» : العجماء: الدابة، والجبار: الهدر، يعني أن الدابة إذا أتلفت شيئا فلا شيء فيه، وهذا له موضع يذكر فيه إن شاء الله تعالى، وكذا المعدن والبئر إذا تلف بهما أجير فلا شيء فيه، والله أعلم.
قال: وإذا أخرج من المعادن [من الذهب] عشرين مثقالا، أو من الورق مائتي درهم، أو قيمة ذلك من الرصاص، أو الزئبق أو الصفر، أو غير ذلك مما يستخرج من الأرض، فعليه الزكاة من وقته والله أعلم.
ش: المعادن جمع معدن بكسر الدال، قال الأزهري: سمي معدنا لعدون ما أنبته الله سبحانه وتعالى فيه، أي لإقامته يقال: عدن بالمكان، يعدن عدونا، والمعدن المكان الذي عدن فيه الجوهر من جواهر الأرض، أي ذلك كان.
انتهى، وصفة المعدن الذي تتعلق به الزكاة ما يخرج من الأرض، مما يخلق [فيها] من غيرها، سواء كان أثمانا أو غيرها، ينطبع أو لا ينطبع، لعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 267] والأصل في وجوب الزكاة فيه في الجملة هذه الآية الكريمة.
1247 - وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن غير واحد، أن «رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقطع بلال بن الحارث المزني المعادن القبلية» ، وهي من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا يؤخذ منها [إلا] الزكاة إلى اليوم.
رواه أبو داود، ومالك في الموطأ.
قال أبو عبيد:
القبلية بلاد معروفة في الحجاز.
وإنما تجب الزكاة إذا أخرج نصابا من الذهب، أو الفضة، أو ما يبلغ أحدهما من غيرهما، لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» ليس عليك شيء [يعني] في الذهب، حتى يكون لك عشرون دينارا وإنما لم يلحق بالركاز لأن الركاز مال كافر، أشبه الغنيمة، وهذا وجب مواساة، وشكرا لنعمة الغنى، فاعتبر له النصاب كسائر الأموال، ولا يعتبر له الحول كما تقدم، ولأنه مستفاد من الأرض، أشبه الزروع والثمار، وقدر الواجب فيه ربع العشر، لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «في الرقة ربع العشر» ولأن الواجب زكاة، بدليل قصة بلال - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وإذا كان زكاة كان الواجب فيه ربع العشر بلا ريب، وإنما ترك
الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - والله أعلم - التنبيه على ذلك اكتفاء بذكر نصاب الذهب والفضة، إذ بذلك ينتبه الناظر، على أن الواجب فيه كالواجب فيهما.
وقد شمل كلام الخرقي [- رَحِمَهُ اللَّهُ - ما أخرجه من أرض مباحة، أو مملوكة، وهو صحيح، وشمل أيضا] الإخراج على أي صفة كان، وقد شرط الأصحاب في الإخراج أن يخرجه في دفعة أو دفعات، لم يترك العمل بينهما ترك إهمال، والله سبحانه أعلم.
باب زكاة التجارة
ش: الأصل في وجوب زكاة التجارة عموم قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: 103] الآية وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: 24] . 1248 - وروى سمرة بن جندب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: أما بعد «فإن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع» . رواه أبو داود.
1249 - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة.
رواه البيهقي.
مع أن ذلك قد حكاه ابن المنذر إجماعا، وإن كان قد حكي فيه خلاف شاذ عن داود ونحوه، والله أعلم.
قال: والعروض إذا كانت للتجارة قومها إذا حال [عليها] الحول وزكاها.
ش: العروض جمع عرض بسكون الراء، ما عدا الأثمان، كأنه سمي بذلك لأنه يعرض ليباع ويشترى، تسمية للمفعول باسم المصدر، كتسمية المعلوم علما.
والحكم الذي حكم به الخرقي، وجوب الزكاة في عروض التجارة، وقد تقدم [دليل] ذلك، واشترط لذلك حولان الحول.
1250 - وذلك لعموم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» [وظاهر] إطلاق الخرقي يقتضي [وجوب] الزكاة لكل حول، وهو كذلك، خلافا لمالك في اقتصاره على وجوب الزكاة في الحول الأول.
وقوله: قومها، إشعار بأنه لا يعتبر ما اشتريت به، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وفيه إشارة بأن الزكاة تجب في القيمة لا في العين، وأن الإخراج يكون منها.
وقوله: إذا كانت للتجارة.
صيرورتها للتجارة بأن يملكها بفعله، بنية التجارة بها، ولا يشترط أن يملكها بعوض على الأصح، فلو ملكها بغير فعله - كأن ملكها بإرث - أو بفعله لكن لم ينو التجارة بها لم تصر للتجارة، وكذا إن ملكها بفعله لكن بلا عوض كأن اتهبها، أو غنمها على وجه، نعم لو نواها للتجارة بعد ففيه روايتان يأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
«تنبيه» : وقدر الواجب ربع العشر بلا نزاع، والله أعلم.
قال: ومن كانت له سلعة للتجارة، ولا يملك غيرها، وقيمتها دون المائتي درهم، فلا زكاة عليه حتى يحول [عليه] الحول من يوم ساوت مائتي درهم.
ش: يشترط لوجوب الزكاة فيما أعد للتجارة أن تبلغ قيمته نصابا [بلا نزاع، ويعتبر وجود النصاب في جميع الحول كالأثمان، فعلى هذا لو كانت عنده سلعة للتجارة لا تبلغ قيمتها نصابا] فلا زكاة فيها حتى تبلغ قيمتها نصابا، فينعقد عليها الحول إذا على المذهب، حتى جعله [جماعة] رواية
واحدة، وقيل عنه إذا كمل النصاب بالربح، فحوله [من] حين ملك الأصل كالماشية في رواية.
وقوله: ومن كانت له سلعة للتجارة ولا يملك غيرها، احترازا مما إذا ملك غيرها من الدراهم أو الدنانير، فإنه يضم إليها، فإن بلغا نصابا انعقد الحول عليهما، وإلا فلا.
وقوله: ساوت مائتي درهم؛ وكذا إذا ساوت عشرين مثقالا، لما سيأتي إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
قال: وتقوم السلع إذا حال عليها الحول بما هو أحظ للمساكين من عين أو ورق، ولا يعتبر ما اشتريت به.
ش: لأنه قد وجب تقويمه لحق المساكين شرعا، فاعتبر الأحظ لهم، كما لو اشترى سلعة بعرض فحال عليها الحول ولها نقدان مستعملان، فإنها تقوم بما هو أحظ للمساكين، [فكذلك ههنا] فعلى هذا إذا بلغت قيمتها نصابا بالدراهم دون الدنانير قومت به، وإن كان اشتراها بالدنانير، وكذلك بالعكس، فإن بلغت بكل منهما نصابا، قومت بالأحظ منهما أيضا للفقراء عند القاضي، وأبي محمد في الكافي، وصاحب التلخيص وغيرهم.
وقال في المغني: تقوم بأيهما شاء، لكن الأولى أن تقوم بنقد البلد، والله أعلم.
قال: وإذا اشتراها للتجارة، ثم نواها للاقتناء، ثم نواها للتجارة، فلا زكاة فيها حتى يبيعها، فيستقبل بثمنها حولا.
ش: أما إذا اشتراها للتجارة ثم نواها للاقتناء، فلا إشكال في انقطاع الحول، وسقوط الزكاة، لأنه نوى ما هو الأصل وهو القنية، فوجب اعتباره، كما لو نوى المسافر الإقامة، فإذا عاد فنواها للتجارة لم تصر للتجارة، على أنص الروايتين، [وأشهرهما] واختارها الخرقي، والقاضي، وأكثر الأصحاب، لأن ما لا تتعلق به الزكاة من أصله، لا يصير محلا لها بمجرد النية، كالمعلوفة إذا نوى فيها السوم.
(والثانية) : تصير للتجارة اختارها أبو بكر، وابن أبي موسى، وابن عقيل، وأبو محمد في العمدة، لعموم حديث سمرة المتقدم، ولأنها تصير للقنية بمجرد النية، فكذا للتجارة بل أولى، تغليبا للإيجاب، وفرق بأن القنية هي الأصل، فالنية ترد إليها، بخلاف التجارة، فعلى الأولى لا زكاة حتى يبيع العرض فيستقبل بثمنه حولا، والله أعلم.
قال: وإذا كان في ملكه منصب للزكاة، فاتجر فيه، أدى زكاة الأصل مع النماء إذا حال [عليه] الحول، والله أعلم.
ش: حول النماء في التجارة حول الأصل، إذ لو اعتبر لكل جزء حول لأفضى ذلك إلى حرج ومشقة، وهما منتفيان شرعا، ولأنه نماء جار في الحول، تابع لأصله في الملك، فضم إليه في الحول كالنتاج، ودليل الأصل قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لساعيه: اعتد عليهم بالسخلة، ولا تأخذها منهم.
والله سبحانه أعلم.
باب زكاة الدين والصدقة
ش: الصدقة بفتح الصاد وضم الدال، لغة في الصداق بفتح الصاد وكسرها، وفيه لغتان أخريان، صدقة بسكون الدال، مع فتح الصاد وضمها، والله أعلم.
قال: وإذا كان معه مائتا درهم وعليه دين فلا زكاة عليه.
ش: قد تقدمت هذه المسألة مبسوطة في باب زكاة الزروع
[والثمار] ، ونزيد هنا أن ظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق بين أن يكون الدين لآدمي أو لله تعالى كالكفارة ونحوها، وفي دين الله تعالى حيث منع دين الآدمي [روايتان أصحهما أنه كدين الآدمي.
(والثانية) : لا يمنع وإن منع دين الآدمي] ، ومبنى ذلك عند القاضي وأتباعه على أن الدين هل يمنع وجوب الكفارة؟ وفيه روايتان، فإن قيل: [يمنع.
لم تمنع الكفارة ونحوها الزكاة، لضعفها عن الدين، وإن قيل] : لا يمنع.
منعت الكفارة الزكاة، لأنها إذا أقوى من الدين، وإذا منع الضعيف فالقوي [من باب] أولى.
واختلف في الخراج، فقال القاضي وغيره هو من ديون الله تعالى وقال أبو العباس: بل من ديون [الآدميين] ، كديون بيت المال، والزكاة دين الله تعالى، فيمنع الزكاة عند الأكثرين، كالكفارة، وعند ابن عقيل، وصاحب التلخيص: لا يمنع.
قالا: لأن الشيء لا يمنع مساويه، والله أعلم.
قال: وإذا كان له دين على مليء فليس عليه زكاة حتى يقبضه، فيؤدي لما مضى.
ش: دل كلام الخرقي على مسائل: (إحداها) : أن الزكاة
تجب في الدين على المليء، وهذا مقتضى ما روي عن علي، وعائشة، وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كما سيأتي، وذلك لعموم النصوص «في الرقة ربع العشر» «فإذا كان لك عشرون دينارا، وحال عليها الحول ففيها نصف دينار» ونحو ذلك، ولأنه مال ممكن الاستيفاء، تام الملك، فوجبت فيه الزكاة، كبقية الأموال.
(المسألة الثانية) : أنه لا يجب أداء الزكاة حتى يقبض، فيؤدي عنه إذا، على المذهب المعروف المنصوص، إذ الزكاة مواساة، وليس من المواساة إخراج زكاة مال لم يقبضه.
1251 - وقد روى أحمد بسنده عن عائشة وعلي [وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -] أنهم كانوا لا يرون في الدين زكاة حتى يقبض.
ذكر ذلك أبو بكر.
وحكى الشيرازي رواية أخرى أن الأداء يجب قبل القبض، لأنه نصاب مقدور على أخذه بالطلب، أشبه الوديعة.
(المسألة الثالثة) : أنه إذا قبض زكي لما مضى من الأحوال، على المذهب المشهور أيضا، لأنه في جميع الأحوال على حال [واحد] فترجيح بعضها بالوجوب [ترجيح] بلا
مرجح، وقيل عنه (رواية أخرى) أن الزكاة تجب لحول واحد فقط.
وقوله: على مليء.
أي بماله وقوله وبدنه.
فيخرج منه المعسر، والجاحد، والمماطل، والحكم في ذلك كالحكم في المال المغصوب على ما سيأتي.
وشمل كلام الخرقي المؤجل، وبه قطع صاحب التلخيص، وأبو محمد في كتابيه، معتمدا على أنه ظاهر كلام أحمد، وفي بعض نسخ المقنع إجراء روايتي الدين على المعسر فيه، وهي طريقة القاضي والآمدي، وفرق بأن الأجل ثابت باختياره، وله في التأخير فائدة، فأشبه ما لو دفعه إلى آخر مضاربة.
وقوله: حتى يقبضه.
لا مفهوم له، بل لو قبض البعض زكى بحسابه على المذهب، وقيل: إن قبض دون نصاب فلا شيء عليه إلا أن يكون بيده ما يتمه به، والله أعلم.
زكاة المال المغصوب
قال: وإذا غصب مالا زكاه إذا قبضه لما مضى، في إحدى الروايتين [عن أبي عبد الله] والرواية الأخرى قال: ليس هو كالدين الذي [متى] قبضه زكاه لما مضى، وأحب [إلي] أن يزكيه.
ش: الرواية الأولى نقلها مهنا، و [أبو] الحارث، واختارها القاضي، وأبو بكر وأبو الخطاب، وابن عقيل، وابن عبدوس، وأكثر الأصحاب، لعموم ما تقدم في التي قبلها، والمنع [من] التصرف لا أثر له، بدليل المال المرهون.
(والرواية الثانية) : نقلها إبراهيم بن الحارث وغيره، واختارها أبو محمد في العمدة، إذ الزكاة وجبت في مقابلة الانتفاع بالنماء حقيقة أو مظنة، بدليل أنها لا تجب إلا في مال نام، فلا تجب في العقار ونحوه، وحقيقة النماء ومظنته منتفية ههنا، لعدم القدرة على التصرف.
1252 - وقد روي عن عثمان وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنهما قالا: لا زكاة في مال الضمار.
وهو المال الذي لا يعرف مالكه
موضعه.
(وفي المذهب رواية ثالثة) : أن ما لا يؤمل رجوعه - كالمسروق، والمغصوب، والمجحود - لا زكاة فيه، وما يؤمل رجوعه - كالدين على المفلس، أو الغائب المنقطع خبره - فيه الزكاة.
قال أبو العباس: وهذه أقرب إن شاء الله تعالى، (وفيه رواية رابعة) : أن الذي عليه الدين إن كان يؤدي زكاته فلا زكاة على ربه، وإلا فعليه الزكاة؛ [نص عليه في المجحود] حذارا من وجوب زكاتين في مال واحد.
«تنبيه» : وكذا الخلاف في المال المسروق، والضال، والدين على معسر [أو جاحد] أو مماطل ونحو ذلك، والله أعلم.
زكاة المال الملتقط
قال: واللقطة إذا صارت بعد الحول كسائر مال الملتقط استقبل بها حولا ثم زكاها.
ش: إنما تصير اللقطة كسائر مال الملتقط إذا كانت مما يملك بعد الحول، على ما سيأتي [إن شاء الله تعالى] وإذا يستقبل بها حولا، فإذا مضى الحول زكاها، ولا يحتسب بحول التعريف، لعدم الملك إذا، وهذا منصوص أحمد، لأنه ملكها ملكا تاما، فوجبت فيها الزكاة كبقية أمواله، وكون لمالكها انتزاعها إذا عرفها لا يضر، بدليل ما وهبه الأب لابنه، وعن القاضي: لا زكاة فيها، نظرا إلى أنه ملكها مضمونة عليه
بمثلها أو قيمتها، فهي دين عليه في الحقيقة، وكذلك عن ابن عقيل، [لكن] نظر إلى عدم استقرار الملك فيها، ورد الأول بأن البدل إنما يثبت بظهور المالك، والثاني بما وهبه الأب لابنه، والله أعلم.
قال: فإن جاء ربها زكاها للحول الذي كان الملتقط ممنوعا منها.
ش: هذه صورة من صور المال الضال، وقد تقدم الخلاف فيه، وأن المذهب وجوب الزكاة، ولو لم يملكها الملتقط بعد الحول زكاها مالكها لجميع الأحوال على المذهب، والله أعلم.
زكاة صداق المرأة
قال: والمرأة إذا قبضت صداقها زكته لما مضى.
ش: ينعقد الحول على الصداق على المذهب المشهور المعروف، حتى أن القاضي جعله في التعليق رواية واحدة [وذلك لعموم ما تقدم في غيره من الديون] (وقيل عنه) : لا ينعقد، لأن الملك فيه غير تام، إذ هو بصدد أن يسقط أو يتنصف، وقيل: محل الخلاف فيما قبل الدخول، فعلى المذهب إن كان الصداق على مليء زكي عند القبض لما مضى، وإن كان على غير مليء جرى فيه الخلاف السابق، هذا كله إن كان الصداق في الذمة، أما إن كان معينا - كأن أصدقها هذه الخمس من الإبل ونحو ذلك - فإن الحول
ينعقد عليها من حين الملك بلا ريب، نص عليه أحمد، وقال القاضي: رواية واحدة، ولو لم تقبض الصداق فإن كان لجحد [الزوج] أو فلسه ونحو ذلك فلا شيء على المرأة، إذ لا مواساة مع انتفاء القبض، وكذلك ما سقط لطلاق الزوج، إذ لا صنع لها في ذلك، أما إن سقط لفسخها فاحتمالان (الوجوب) ، لأنه سبب من جهتها (وعدمه) لعدم تصرفها، ومن هنا اختلف عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - فيما إذا وهبت المرأة [زوجها] صداقها، (فعنه) - وهو الصحيح عند القاضي - عليها زكاته، وعلله أحمد بأنه كان في ملكها، يعني وقد تصرفت فيه بالهبة، فأشبه ما لو أحالت به أو قبضته، (وعنه) : الزكاة على الزوج، لأنه ملك ما ملك عليه قبل قبضه منه، فكأنه لم يزل [ملكه] عنه، ولأبي محمد في الكافي احتمال بنفي الزكاة عنهما، المبرئ لعدم قبضه، والمدين لأن ذلك سقط عنه فلم يملكه، والله أعلم.
قال: والماشية إذا بيعت بالخيار فلم ينقض الخيار حتى ردت استقبل البائع بها حولا، سواء كان الخيار للبائع أو للمشتري، لأنه تجديد ملك، والله أعلم.
ش: هذا مبني على أصل، وقد أشار إليه الخرقي، وهو أن البيع ينقل الملك إلى المشتري بمجرد العقد، إن لم ينقض الخيار، على المشهور من الروايتين.
1253 - لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من باع عبدا وله مال فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع» جعله للبائع بمجرد البيع.
(والرواية الثانية) لا ينتقل الملك إلا بانقضاء مدة الخيار، فعلى الأولى إذا كان المبيع مما تجب فيه الزكاة فقد انتقل الملك فيه بمجرد العقد، فينقطع حول البائع، فإذا رد عليه فقد تجدد له الملك بعد زواله، فيستقبل به حولا، وعلى الرواية الأخرى الملك باق له، فكذلك الحول، وقول الخرقي: إذا بيعت بالخيار، وكذلك لو ردت في مدة خيار المجلس، والله أعلم.
باب زكاة الفطر
ش: [هذا] من باب إضافة الشيء إلى سببه، إذ سبب وجوبها الفطر من رمضان، أما «الفطرة» فكلمة مولدة، وقد عدها بعضهم مما يلحن فيه العامة، وإن كان قد استعمل كثيرا من كلام الفقهاء وغيرهم.
والأصل في وجوبها قيل: قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 15] .
1254 - فعن سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز أنها زكاة الفطر.
1255 - والمعتمد في الوجوب على ما روى عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «فرض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة» . متفق عليه واللفظ للبخاري.
ودعوى أن: فرض.
بمعنى: قدر.
مردود بأن كلام الراوي - لا سيما الفقيه - محمول على الموضوعات الشرعية.
1256 - وبأن في الصحيح أيضا في حديثه: «أمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بزكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير» . قال عبد الله: فجعل الناس مكانه مدين من حنطة، واختلف عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في زكاة الفطر هل تسمى فرضا؟ على روايتين، مبناهما على أنه لا يسمى فرضا إلا ما ثبت في الكتاب، وما ثبت بالسنة يسمى واجبا، أو أن كل ثابت وإن كان بالسنة يسمى فرضا، والله أعلم.
حكم زكاة الفطر
قال: وزكاة الفطر واجبة على كل حر وعبد، ذكر وأنثى من المسلمين.
ش: هذا نص رواية ابن عمر المتقدم، فاعتمد الخرقي عليها، وكفى بذلك معتمدا، وقد دخل في الحديث - وفي كلام الخرقي - اليتيم، فتجب في ماله، وخرج الكافر، وإن كان عبدا، أو صغيرا [وفي المذهب وجه أنها لا تجب على من لم يكلف بالصوم، نظرا إلى أنها طهرة للصائم كما ورد، ومن لا يكلف بصوم، لا حاجة إلى تطهير صومه] . «تنبيه» : لو هل هلال شوال على عبد مسلم ملكا لكافر فهل تجب على سيده الكافر فطرته؟ فيه وجهان، مبناهما على أن السيد هل هو متحمل أو أصيل؟ فيه قولان، إن قلنا: إنه متحمل وجبت عليه، وإن قلنا: أصيل، لم تجب عليه، والله أعلم.
مقدار زكاة الفطر
قال: صاع بصاع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو خمسة أرطال وثلث بالعراقي، من كل حبة وثمرة تقتات.
ش: الواجب في الفطرة صاع، لما تقدم من حديث ابن عمر.
1257 - وعن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب، أو صاعا من أقط، فلم نزل نخرجه حتى كان معاوية، فرأى أن مدين من بر تعدل صاعا من تمر.
قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه
ما عشت.
متفق عليه، (وخرج) إجزاء نصف صاع بر كما في الكفارات، ويشهد له فعل معاذ.
1258 - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث مناديا في فجاج مكة «ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، صغير أو كبير، مدان من قمح أو سواه صاع من طعام» رواه الترمذي انتهى.
والصاع
بصاع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خمسة أرطال وثلث، لما تقدم في باب زكاة الزروع.
وصفة المخرج أن يكون من كل حبة وثمرة تقتات على قول الخرقي، وأبي بكر، إذ المتفق عليه في الحديث بلا ريب البر، والشعير، والتمر، والزبيب، [وذلك حب أو ثمرة تقتات] فاعتبر ما شابهها في الوصفين، ولم يعتبر ابن حامد، وصاحب التلخيص إلا القوتية فقط.
1259 - نظرا إلى قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» وبالقوت يحصل الغنى لا بغيره، ولأن الشارع قد نص على الأقط، وليس بحب، ولا ثمر، فعلى هذا يجزئ اللحم وإن كان سمكا، واللبن ونحو ذلك لمن كان قوته، وعلى الأول لا يجزئ ولأبي الحسن ابن عبدوس [احتمال] أنه لا يجزئ غير الخمسة المنصوص عليها، وتبقى الفطرة عند عدمها في ذمته، والله أعلم.
قال: وإن أعطى أهل البادية الأقط صاعا أجزأ إذا كان قوتهم.
[ش: نقل بكر بن محمد، وحنبل عن أحمد ما] يدل على أن الأقط أصل بنفسه، فقال: - وقد سئل عن صدقة الفطر - صاع من شعير، أو تمر، أو أقط، أو زبيب، أو حنطة.
فعلى هذا يجزئ مع وجود الأربعة المذكورة وإن لم يكن قوته، وهذا اختيار أبي بكر، وجزم به ابن أبي موسى، والقاضي وأبو الخطاب في خلافيهما، وابن عقيل، وابن عبدوس، وابن البنا، والشيرازي وغيرهم.
1260 - لأن في رواية النسائي - في حديث أبي سعيد المتقدم - قال: «فرض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صدقة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط» . مع أن اقترانه بالأربعة في الروايات الصحيحة، مشعر بأنه كهي.
ونقل عنه ابن مشيش [ما يدل على أنه بدل، فقال في رواية ابن مشيش] : إذا لم يجد التمر فأقط، هذا نقل القاضي في روايتيه، ولفظه في تعليقه عن ابن مشيش: إذا أعطى الأعرابي صاعا من البر أجزأ عنه، والأقط أعجب إلي، على حديث أبي سعيد؛ ونحو هذا اللفظ نقل حنبل، وبكر بن محمد، وهذا لا يعطي رواية، إنما يدل على أن الأقط لأهل البادية أفضل، لكن أبا الخطاب في الهداية، وصاحب التلخيص والشيخين، وغيرهم، على حكاية رواية البدلية، وذلك لأنه [لا] يجزئ في الكفارة، أشبه اللحم، والمشهور من رواية أبي سعيد: كنا
نخرج.
وقد يكون ذلك لكونه قوتهم، واختلف الحاكون لهذه الرواية، فقال صاحب التلخيص، وأبو محمد، تبعا لأبي الخطاب: لا يجزئ إلا عند عدم الأربعة.
وقال أبو البركات: لا يجزئ إلا لمن هو قوته.
وظاهره: وإن وجدت، وهذا مقتضى قول الخرقي، وإنما ذكر أهل البادية نظرا إلى الغالب.
انتهى، فعلى الأول - وهو المذهب - في إجزاء اللبن والجبن وجهان.
«تنبيه» : الأقط فيه أربع لغات، تثليث الهمزة مع سكون القاف، وفتح الهمزة مع كسر القاف، وهو شيء يعمل من اللبن المخيض، وزعم ابن الأعرابي أنه يعمل من ألبان الإبل [خاصة، والله أعلم.
قال: واختيار أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ - إخراج التمر.
ش: أفضل الخمسة المنصوص عليها التمر، وإن كان قوت] البلد غيره، نص عليه أحمد في رواية أبي داود، وظاهر إطلاقه: وإن كان غيره أعلى [منه] قيمة، وصرح به القاضي، لما تقدم من حديث ابن عمر، فإنه لم يذكر البر فيما فرضه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما ذكر التمر والشعير، ثم هو راوي الحديث، وقد كان يواظب على إخراج التمر.
1261 - ففي النسائي، والموطأ، وغيرهما أنه كان لا يخرج في زكاة الفطر إلا التمر، إلا مرة واحدة فإنه أخرج شعيرا، وفي لفظ: فأعوز أهل المدينة التمر عاما، فأعطى الشعير.
1262 - وقد روى الإمام أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - عن أبي مجلز قال: قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع، والبر أفضل من التمر، قال: إن أصحابي سلكوا طريقا، وأنا أحب أن أسلكه.
وظاهر هذا أن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كانوا يداومون على إخراجه، ولأنه ساوى غيره في القوتية، وزاد عليه بالحلاوة، وقرب التناول.
وحكى ابن حمدان [رواية] أن الأقط أفضل لمن هو قوته، ولعل