شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 276-315
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنائز

صفحات 276-315
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ش: الجنائز جمع جنازة، بفتح الجيم وكسرها، وقيل: بالفتح الميت، وبالكسر الأعواد التي يحمل عليها، وقيل عكسه، وحكاه صاحب المطالع، مشتق من: جنز يجنز إذا ستر، قاله ابن فارس.

ما يفعل بالمحتضر قبل موته

قال: وإذا تيقن الموت وجه إلى القبلة.
992 - ش: «روى عبيد بن عمير [عن أبيه] وكانت له صحبة أن رجلا قال: يا رسول الله ما الكبائر؟ [قال: سبع] فذكر منها «استحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا» رواه أبو داود.
993 - وعن حذيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: وجهوني.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يستحب توجيهه قبل تيقن موته.

994 - وقد أنكر ذلك سعيد بن المسيب.
والمشهور في المذهب أن الأولى التوجيه.
995 - لأن فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فعلت ذلك ولأنه الذي عليه الناس

سلفا وخلفا والأفضل فيه الاستلقاء على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، في رواية اختارها أبو الخطاب، لأنه أسهل في خروج روحه.
وعنه - وهو المشهور وصححه أبو البركات - أن الأفضل أن يكون على جنبه الأيمن، لأن فاطمة كذلك فعلت.
وعنه يخير بينهما، وبه قطع أبو البركات في محرره والله أعلم.

قال: وغمضت عيناه.
ش: إذا تيقن موته استحب تغميض عينيه، لئلا يقبح منظره.
996 - وعن شداد بن أوس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيرا، فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت» رواه ابن ماجه وأحمد، قال أحمد: يقول إذا غمضه: بسم الله، وعلى وفاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

قال: وشد لحياه، لئلا يسترخي فكه.

997 - ش: عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه لما حضرته الوفاة قال لابنه عبد الله: إذا رأيت روحي بلغت لهاتي، فضع كفك اليمنى على جبهتي، واليسرى تحت ذقني.
ولأنه إذا ترك قد تدخل الهوام في فيه.

قال: وجعل على بطنه مرآة أو غيرها، لئلا يعلو بطنه.
998 - ش: وعن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه مات مولى له فقال: ضعوا على بطنه شيئا من حديد.
انتهى، وإذا لم يكن حديد فطين مبلول والله أعلم.

غسل الميت

قال: وإذا أخذ في غسله ستر من سرته إلى ركبته.
ش: إذا [أريد] غسله وجب ستر عورته، وهو ما بين سرته وركبتيه على المذهب، أو السوأتان فقط على رواية، حذارا من النظر إليها.
999 - وقد قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعلي: «لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت» واستحب تجريده على ظاهر كلام الخرقي وهو إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار ابن أبي موسى، والشيرازي، وأبي الخطاب في الهداية، وأبي محمد، لأنه

أمكن في غسله، وأبلغ في تطهيره، إذ يحتمل أن يخرج منه شيء فينجس الثوب به، ثم قد ينجس الميت.
1000 - وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أنها كانت تقول: لما أرادوا غسل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من ثيابه كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا أوقع الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعليه ثيابه.
فقاموا إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فغسلوه وعليه قميص، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص.
رواه أحمد وأبو داود.
وهذا يدل على أن عادتهم في الموتى كان هو التجريد، ومعلوم أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علم ذلك، وغسله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ثوب من خصائصه، ثم المفسدة وهي احتمال تنجس الثوب منتفية في حقه - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لأنه طيب حيا وميتا (والرواية الثانية) الأفضل أن يغسل في ثوب، مستدلا بأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غسل وعليه ثوب، وبه قطع القاضي في الجامع الصغير، وفي التعليق، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، وابن البنا، ونصره أبو البركات، لأنه هو الذي اختاره الله لنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فكان أولى.

قال: والاستحباب أن] لا يغسل تحت السماء.
ش: حذارا من أن يستقبل السماء بعورته.
1001 - «وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: غسلنا بعض بنات النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأمرنا أن نجعل بينها وبين السقف ثوبا» .

قال: ولا يحضره إلا من يعين في أمره ما دام يغسل.
ش: أي والاستحباب أن لا يغسل بحضرة أحد إلا معاون في أمره، بأن يصب الماء، أو يناول حاجة، ونحو ذلك، لأن الحاجة داعية إلى المعاون دون غيره، ولاحتمال عيب كان به وهو يستره، أو يظهر منه ما يستنكر في الظاهر.

قال: ويلين مفاصله إن سهلت عليه وإلا تركها.
ش: ليسهل غسله وتكفينه ونحو ذلك، ويفعل ذلك عقب موته، قبل أن يبرد، هذا إن سهل ذلك، أما إن عسر التليين فإنه يترك، لاحتمال كسر بعض أعضائه.
1002 - وقد روى عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «كسر عظم الميت ككسر عظم الحي» .

قال: ويلف على يده خرقة فينقي ما به من نجاسة.
ش: يلف على يده خرقة لئلا يمس عورته الممنوع من مسها، كما منع من النظر إليها بطريق الأولى، ودليل الأصل حديث علي المتقدم.
1003 - وذكر المروذي عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن علي بن أبي طالب حين غسل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لف على يده خرقة، حين غسل فرجه.
وصفة ذلك أن يلف على يده خرقة، فيغسل بها أحد الفرجين، ثم ينحيها ويأخذ أخرى للفرج الآخر، وفي المجرد أنه يكفي خرقة واحدة للفرجين، وحمل على أنها غسلت وأعيدت، لأن الأصحاب قالوا: إن كان خرقة خرج عليها شيء لا يعيدها.

قال: ويعصر بطنه عصرا رفيقا.
ش: يعصر بطنه ليخرج ما في بطنه من فضلة، مخافة أن يخرج بعد الغسل والتكفين.

قال: ويوضئه وضوءه للصلاة.
ش: قياسا على غسل الحي.
1004 - وفي الصحيح «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأم عطية في غسل ابنته «ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها» .

قال: ولا يدخل الماء في فيه ولا أنفه فإن كان فيهما، أذى أزاله بخرقة.
ش: لما قال: إنه يوضئه [وضوءه] للصلاة اقتضى أن يمضمضه وينشقه، فاستثنى ذلك، فقال: لا يدخل الماء في فيه ولا أنفه، وذلك لاحتمال دخوله بطنه، ثم يخرج فيفسد وضوءه، وربما حصل منه انفجار، وبهذا علل أحمد، واستحب أحمد وعامة الأصحاب أن يدخل أصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه، فيمسح أسنانه، وفي منخريه فينظفهما، لأمن ما تقدم، مع قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذا أمرتكم بأمر» وأوجب ذلك أبو الخطاب في خلافه للحديث، والأولى أن يكون ذلك بخرقة نص عليه، صيانة لليد عن الأذى، وإكراما للميت.

قال: ويصب عليه الماء، فيبدأ بميامنه، ويقلبه على جنبيه، ليعم الماء سائر جسده.
ش: يصب عليه الماء بعد الوضوء، فيبدأ برأسه، ثم بسائر جسده، ويبدأ بميامنه، كما يفعل بالحي، ولقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ابدأن بميامنها» الحديث، ويقلبه على جنبيه ليعم بقية بدنه، المطلوب تعميمه شرعا، وصفة ذلك أن يغسل رأسه ولحيته أولا، ثم يده اليمنى من منكبه إلى كفه، وصفحة عنقه اليمنى، وشق صدره، وفخذه، وساقه يغسل الظاهر من ذلك وهو مستلق، ثم يغسل الأيسر كذلك، ثم يرفعه من جانبه الأيمن ولا يكبه لوجهه، فيغسل الظهر، وما هناك من وركه، وفخذه، وساقه، ثم يغسل شقه الأيسر كذلك، ذكره أبو محمد تبعا للقاضي، وإذا يفرغ من غسله مرة في أربع دفعات، قال أبو البركات: وظاهر كلام أحمد - في رواية حرب، وابن منصور، وأبي الخطاب -[أنه] يفعل ذلك [في] دفعتين، فيحرفه أولا على جنبه الأيسر، فيغسل شقه الأيمن من جهتي ظهره وصدره كما وصفنا.
ثم يحرفه على جنبه الأيمن، ويغسل الأيسر كذلك، قال أبو البركات: وهو أقرب إلى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ابدأن بميامنها» وأشبه بغسل الجنابة، وما ذكره القاضي أبلغ في النظافة، وكيفما فعل أجزأه، والله أعلم.

قال: ويكون في كل المياه شيء من السدر، ويضرب [السدر] فيغسل برغوته رأسه ولحيته.

1005 - ش: في الصحيحين «في حديث أم عطية، في غسل ابنته، أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا» . 1006 - وفي «حديث ابن عباس في المحرم اغسلوه بماء وسدر» . وظاهر كلام الخرقي أنه لا يشترط كون السدر يسيرا، ولا يجب الماء القراح بعد ذلك، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد في الأول، ونصه في الثاني، قال في رواية صالح: يغسل بماء وسدر الثلاث غسلات.
وقال [له] أبو داود: أفلا يصبون ماء قراحا ينظفه؟ قال: إن صبوا فلا بأس.
واحتج بحديث أم عطية، وشرط ابن حامد كون السدر يسيرا، وقيل عنه: يكون درهما ونحوه، لئلا يخرجه عن الطهورية، وقال القاضي، وأبو الخطاب، وطائفة ممن تبعهما: يغسل أولا بثفل السدر، ثم عقب ذلك بالماء القراح، فيكون الجميع غسلة واحدة، والاعتداد بالآخر دون الأول، سواء زال السدر أو بقي منه شيء، لأن أحمد شبه غسله بغسل الجنابة، والجنب كذا يفعل، وحذارا من زوال طهورية الماء بكثير السدر، وعدم تأثيره بقليله، وهذا من الأصحاب بناء على المذهب عندهم، من أن الماء تزول طهوريته بتغيره بالطاهرات، وأبو محمد لما كان يميل إلى عدم زوال الطهورية والحال هذه احتج لظاهر كلام أحمد

لكن قد يغلب على أجزائه، فيسلبه الطهورية بلا خلاف، فلهذا حمل أبو البركات كلام الخرقي على قول القاضي وغيره.
ومنصوص أحمد والخرقي أن السدر يكون في الغسلات الثلاث، وعنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يختص بالأولى، والثانية، لتكون الثالثة للكافور، وجعله أبو الخطاب مختصا بالأولى، لئلا يبقى من جرمه شيء، والله أعلم.

قال: ويستعمل في كل أموره الرفق به.
ش: من تقليبه وتليين مفاصله، وعصر بطنه، ونحو ذلك، لأن حرمته كحرمة الحي، وحذارا من أن ينفصل بعض أعضائه، فيفضي إلى المثلة [به] وعنه: «كسر عظم الميت ككسر عظم الحي» .

قال: والماء الحار، والأشنان، والخلال، يستعمل إن احتيج إليه.
ش: إذا احتيج إلى الماء الحار لبرد، أو لإزالة وسخ، أو إلى الأشنان للوسخ، [أو إلى الخلال، لإزالة شيء من بين الأسنان] ونحو ذلك استعمل نظرا للحاجة، وإلا فالأولى ترك

ذلك، لأن الماء الحار يرخي الميت، والأشنان لم يرد، والخلال ربما حصل به تأذية الميت، ولهذا استحب أن يكون من شجرة لينة، والله أعلم.

قال: ويغسل الثالثة بماء فيه كافور وسدر، ولا يكون فيه سدر صحيح.
ش: يجعل في الغسلة الثالثة مع السدر كافورا، لحديث أم عطية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «واجعلن في الأخيرة كافورا» والحكمة فيه أنه يصلب الجسد ويبرده، ويمنع الهوام برائحته، ولا يكون في الماء سدر صحيح، لعدم الفائدة في ذلك، إذ الحكمة في السدر التنظيف، والتنظيف، إنما هو بالمطحون، قال القاضي: ويجعل الكافور في الماء، لأنه لا يسلبه الطهورية، واختار أبو البركات أنه يجعل مع سدر الأخيرة على ما تقدم، لحصول المقصود، وفرارا من أن يتغير الماء، فيزول على وجه.
وقد اقتضى كلام الخرقي أنه يغسل ثلاثا وهذا هو المسنون بلا ريب، قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ابنته «اغسلنها ثلاثا» الحديث.

قال: فإن خرج منه شيء غسله إلى خمس، فإن زاد فإلى سبع.
ش: يعني إذا خرج منه شيء بعد تغسيله، وقبل تكفينه فإنه يغسل إلى خمس، ثم إن خرج بعد غسل إلى سبع، نص عليه أحمد، وعليه جمهور الأصحاب، لإطلاق قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ابنته «اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر من ذلك» وفي رواية «أو سبعا» وليكون آخر أمره الطهارة الكاملة، واختيار أبي الخطاب في الهداية أنه لا يعاد غسله، بل يغسل موضع النجاسة ويوضأ، كالجنب إذا أحدث بعد غسله، والخارج من غير السبيل كالخارج منه في إعادة الغسل له، نص عليه في رواية الأثرم، وقال في رواية أبي داود: هو أسهل.
فيحتمل أن لا يعاد له الغسل مطلقا، ويحتمل أن لا يعاد إذا كان يسيرا، كما لا ينقض الوضوء يسيره.
وقد اقتضى كلام الخرقي - والمسألة التي تأتي بعد - أنه لا يعاد غسله بعد السبع، ونص عليه أحمد والأصحاب، لما في الإعادة من الحرج والمشقة، ولئلا يفسد باسترخائه.

قال: فإن زاد حشاه بالقطن.
ش: أي إذا زاد الخارج بعد السبع فإنه لا يعاد غسله كما تقدم، وإنما يحشى محل الخارج بالقطن ليمتنع الخارج، وكالمستحاضة، وقال أبو الخطاب في الهداية، وصاحب النهاية فيها: يلجم المحل بالقطن، فإن لم يمنع حشاه به، إذ الحشو فيه توسيع للمحل ومباشرة له، فلا يفعل إلا عند الحاجة إليه.
ولم يذكر الخرقي الوضوء حذارا من الحرج والمشقة، وقال جماعة من الأصحاب: إنه يوضأ كالجنب إذا أحدث بعد الغسل، وهما روايتان منصوصتان.

قال: فإن لم يستمسك فبالطين الحر.
ش: إن لم يستمسك الخارج بالقطن حشاه بالطين الحر أي الخالص، لأنه له قوة تمنع الخارج.

قال: وينشفه بثوب.
ش: لئلا يبتل الكفن فيسرع تلفه، وربما أسرع إلى إفساد الميت.
1007 - ويروى أن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما غسل جفف» . رواه أحمد.

«تنبيه» الفرض في الغسل غسل مرة واحدة، بالماء القراح، كغسل الجنابة، والنية على الصحيح، لأنه تطهير أشبه تطهير الحي، وقيل: لا تشترط، لأن المقصود التنظيف، أشبه غسل النجاسة، ويظهر أو يتعين إن قيل: غسله لتنجيسه بالموت.
وفي التسمية وجهان، وقيل: روايتان، وهل يشترط الفعل؟ فيه وجهان، فلو وضعه تحت ميزاب، ونوى غسله حتى غمره الماء انبنى على الخلاف، أما الغريق فإن لم يشترط الفعل ولا النية لم يحتج إلى غسل، وإن اشترطا احتيج إلى إخراجه وغسله، وإن اشترط أحدهما عمل على ذلك، كغسل الجنابة، وشرط غاسله أن يكون ممن تصح طهارته، فلا يصح من كافر، لأنه عبادة وليس من أهلها، وخرج الصحة بناء على عدم اشتراط النية، وعلى الأول هل يصح إن حضر المسلم وأمر الكافر؟ فيه قولان، ولا من مجنون بل من مميز، وخرج عدم الصحة كأذانه، لأنه فرض وليس من أهله، والله أعلم.

قال: وتجمر أكفانه.
ش: أي تبخر.
1008 - لما روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا جمرتم الميت فأجمروه ثلاثا» رواه أحمد.

1009 - وعن أسماء بنت أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أنها قالت لأهلها: أجمروا ثيابي إذا مت، ثم حنطوني، ولا تذروا في كفني حنوطا، ولا تتبعوني بنار.
رواه مالك في الموطأ.

تكفين الميت

قال: ويكفن من ثلاثة أثواب، يدرج فيها إدراجا.
1010 - ش: قالت عائشة رضي لله عنها: «كفن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ثلاثة أثواب بيض سحولية، من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة» . متفق عليه، وقال أحمد: إنه أثبت الأحاديث وأصحها، لأنها أعلم من غيرها.
وفي رواية: أدرج فيها إدراجا.
«تنبيه» سحولية نسبة إلى سحول - بفتح السين - قرية باليمن، وقيل: السحولية المقصورة، كأنها نسبت إلى السحول وهو القصار، لأنه يسحلها أي يغسلها.

قال: ويجعل الحنوط فيها بينها.

ش: يحنط كفن الميت، لأن الحنوط مشروع، بدليل قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المحرم «ولا تحنطوه» والمستحب في التحنيط أن يذر بين اللفائف، حتى على اللفافة [التي تلي جسد الميت، قال في المجرد: التي تفرش أولا لا يذر فوقها حنوط.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجعل الحنوط فوق اللفافة] . ونص عليه أحمد والأصحاب، لما تقدم عن أسماء.
1011 - وعن عمر، وابنه وأبي هريرة أنهم كرهوا ذلك.
1012 - وعن الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: لا تجعلوا على أكفاني حنوطا.
«تنبيه» الحنوط ما تطيب به أكفان الميت خاصة.

قال: وإن كفن في قميص، ومئزر، ولفافة، جعل المئزر مما يلي جلده، ولم يزر.
ش: الأولى التكفين في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص كما تقدم، ويجوز التكفين في قميص ومئزر، ولفافة، بالإجماع.
1013 - وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: الميت يقمص

ويؤزر، ويلف بالثوب الثالث، فإن لم يكن إلا ثوب واحد كفن فيه.
رواه مالك في الموطأ.
1014 - وثبت «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى قميصه لعبد الله بن أبي ليكفن فيه» . 1015 - وعن ابن عباس «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كفن في قميص وحلة نجرانية، الحلة ثوبان» ، رواه أحمد وأبو داود، لكن الثابت في تكفينه هو الأول، ويجعل المئزر مما يلي جلده كما يفعل بالحي، وهل يزر القميص؟ فيه [روايتان] : إحداهما - وهي اختيار الخرقي -: لا يزر عليه القميص، نظرا لحال الحي في نومه، بل وهو الأفضل له مطلقا إلا لحاجة.
1016 - لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان قميصه مطلقا، (والثانية) : يزر عليه نظرا لحال الحي في زينته.
والله أعلم.

قال: ويجعل الذريرة في مفاصله، ويجعل الطيب في مواضع السجود والمغابن، ويفعل به كما يفعل بالعروس.
ش: يجعل الطيب في مفاصل الميت ومغابنه، وما ينثني من الإنسان، كطي الركبتين وتحت الإبطين، وأصول الفخذين.
1017 - لأن أحمد روى في مسائل صالح أن ابن عمر كان يتتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك.
وفي مواضع سجوده تكريما لها.
1018 - ويفعل به كما يفعل بالعروس، كذا يروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. 1019 - ويروى أن أنسا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لما ما طلي بالمسك، من قرنه إلى قدميه.

1020 - وعن ابن عمر أنه طلا ميتا [بالذريرة] .

قال: ولا يجعل في عينيه كافورا.
ش: لأن الكافور يفسدهما.

قال: وإن أحب أهله أن يروه لم يمنعوا.
1021 - ش: «قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقبل عثمان بن مظعون وهو ميت، حتى رأيت الدموع تسيل» . 1022 - وقبل الصديق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم بكى، وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لن يجمع الله عليك موتتين.

قال: وإن خرج منه شيء يسير وهو في أكفانه لم يعد إلى الغسل.
وحمل.
ش: [إذا خرج من الميت شيء يسير بعد وضعه في أكفانه لم

يعد إلى الغسل] بلا خلاف نعلمه بين أصحابنا، لما في ذلك من الحرج والمشقة، والتأخير المخالف للسنة، مع أن الخارج لا يبطل الغسل، إنما ينقض الوضوء.
وفي الكثير روايتان، أشهرهما - وهي المختارة عند الأكثرين - أن حكمه حكم اليسير لما تقدم، قال الخلال: روى جماعة أنه لا يعاد، وما رواه ابن منصور يمكن أن يكون.
قاله مرة (والثانية) : - وهي أنصهما، وظاهر كلام الخرقي - أنه يعاد، بخلاف اليسير، لفحشه، ولأن مثله يؤمن في المرة الثانية، لتحفظهم، واحترازهم بالتلجم، قال ابن الزاغواني: قال بعض الأصحاب: إنما يعاد إذا كان قبل السبع، أما بعدها فلا، وهو حسن.
وإذا قلنا: لا يعاد.
ففي غسل الكفن وجهان، الغسل لعدم المشقة في ذلك، وعدمه تبعا للميت.

كفن المرأة

قال: والمرأة تكفن في خمسة أثواب، قميص ومئزر، ولفافة، ومقنعة، وخامسة تشد بها فخذاها.
ش: لأن الكمال في حق الحية كذلك.

1023 - وقد روي «عن ليلى [بنت قانف] الثقفية قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكان أول ما أعطانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الحقو ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر.
قالت: ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند الباب، معه كفنها يناولنا ثوبا [ثوبا] » . رواه أحمد وأبو داود.
ولأنها تزيد على الرجل في اللباس في الحياة، فكذلك بعد الموت، وتلبس المخيط في الإحرام، فكذلك بعد الموت.
واعلم أن ظاهر الحديث أنها تكفن في «مئزر» [وهو الحقو] «وقميص» وهو الدرع «وخمار» وهو المقنعة، «ولفافتين» وهذا اختيار القاضي، وأبي محمد وجمهور الأصحاب، والخرقي جعل الخامسة تشد بها فخذاها، يعني تحت المئزر، وهو منصوص أحمد، واختيار أبي بكر.
1024 - لحديث يروى في ذلك رواه حرب، لتنضم بذلك، وحكى ابن الزاغوني وجها آخر أنها تستثفر بها، وهو أن تشد في

وسطها خرقة، ثم يؤخذ أخرى فيشد أحد طرفيها مما يلي ظهرها، والآخر مما يلي السرة، ويكون لجاما على الفرجين، ليؤمن بذلك خروج خارج، وقال: إنه الأشهر عند الأصحاب، وشذ ابن حمدان، في الصغرى فزاد على الخمسة ما يشد فخذيها، واختيار أبي البركات أنه يشد فخذيها بالإزار تحت الدرع، وتلف فوق الدرع والخمار باللفافتين.
ومفهوم كلام الخرقي أن الصغيرة تخالف المرأة، ونص أحمد على أن الصبي يكفن في خرقة، والجارية التي لم تبلغ في لفافتين وقميص، ثم اختلف في حد البلوغ، فقيل عنه: إنه البلوغ المعتاد، وقيل - وهو الأكثر عنه - إنه بلوغ تسع سنين، وإذا تساوي المرأة.
والله أعلم.

قال: ويضفر شعرها ثلاثة قرون، ويسدل من خلفها.
ش: لأن في حديث أم عطية في غسل ابنة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالت: وضفرنا شعرها ثلاثة قرون، فألقيناها خلفها.

حمل الجنازة

قال: والمشي بالجنازة الإسراع.
ش: المشي بالجنازة المسنون فيه الإسراع.
1025 - لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

«أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» متفق عليه.
1026 - وقال أبو بكرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لقد رأيتنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإنا نكاد نرمل بالجنازة رملا.
قال القاضي: والمستحب لا يخرج عن المشي المعتاد.
قال أبو البركات: يمشي أعلى درجات المشي المعتاد، وقد منع أحمد من شدة السير، وأمر بالرفق، بل ونقل عنه أنه يسار مع الجنازة كيف سارت.
1027 - «وعن أبي موسى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: [مرت] برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جنازة تمخض مخض الزق، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عليكم القصد» رواه أحمد.

قال: والمشي أمامها أفضل.
1028 - ش: لما روى الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبا بكر، وعمر يمشون أمام الجنازة.
رواه الخمسة، واحتج به أحمد في رواية أبي طالب ومهنا، لكن

قال في رواية الأثرم، وإبراهيم بن الحارث: ما أراه محفوظا، عدة أرسلوه، وما أراه إلا من كلام الزهري.
قيل له: فتذهب إلى المشي أمام الجنازة؟ فقال: نعم.
1029 - ابن المنكدر سمع ربيعة [يقول] : رأيت عمر يقدم الناس أمام الجنازة؟ . وكذا قال الترمذي: إن أهل الحديث يرون أن

المرسل أصح.
وهذا لا يخرج الحديث عن الحجية على قاعدة أحمد في المرسل، [وقد] قال ابن المنذر: [ثبت] أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبا بكر، وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة ولأن المصلين شفعاء للميت.
1030 - قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين، يبلغون مائة، كلهم يشفعون له، إلا شفعوا فيه» رواه مسلم وغيره.
والشفيع يتقدم المشفوع له.
ومفهوم كلام الخرقي أن الراكب يخالف الماشي، وهو صحيح، فإنه السنة له أن يكون خلفها، قال الخطابي: لا أعلمهم اختلفوا في أن الراكب خلفها.
1031 - وقد روى المغيرة بن شعبة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الراكب يمشي خلف الجنازة، والماشي كيف شاء منها، والطفل يصلى عليه» رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه.
وكذلك أحمد في

رواية أحمد بن أبي عبدة.

قال: والتربيع أن توضع على كتفه اليمنى إلى الرجل، ثم الكتف اليسرى إلى الرجل.
ش: يحتمل أن يكون معطوفا على ما تقدم، أي والمشي أمامها أفضل، والتربيع أفضل، ثم بين صفته فقال: أن توضع أي وصفته أن توضع، وهذا هو المقصود، وإن كان ظاهر كلامه بيان صفة التربيع فقط، أما أفضلية التربيع.
1032 - فلما روي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: من اتبع جنازة فليحمل من جوانب السرير كلها، فإنه من السنة، ثم إن شاء فليتطوع، وإن شاء فليدع.
رواه ابن ماجه.
ولا بأس بالحمل بين العمودين، نص عليه أحمد في رواية ابن منصور.
1033 - لأنه «يروى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين» .

1034 - وأن سعد بن أبي وقاص حمل عبد الرحمن بن عوف بين العمودين.
1035 - وأن عثمان حمل سرير أمه بين العمودين، فلم يفارقه حتى وضع، وسأل أبو طالب أحمد عن الحمل بين العمودين فقال: لا.
قال القاضي: معناه لا أختاره.
وحمل ابن الزاغوني النص على ظاهره فجعل في [الكراهة روايتين، و [قد] قال [أحمد] : إن عمر كرهه.
وأما صفته فأن يأخذ بجوانب] السرير الأربع، كما ذكر الخرقي، فيضع قائمة النعش اليسرى - وهي التي تلي يمين الميت - على الكتف اليمنى، ثم ينتقل إلى المؤخرة، ثم يضع قائمة النعش اليمنى على الكتف اليسرى، ثم ينتقل إلى المؤخرة، هذا اختيار الخرقي وغيره، وهو المشهور عن أحمد، كما في الغسل يبدأ بشقه الأيمن إلى رجله، ثم بالأيسر كذلك، ونقل عنه حنبل: يبدأ بالرأس، ويختم بالرأس.
1036 - معتمدا على أن ابن عمر فعله والله أعلم.

أحق الناس بالصلاة على الميت

قال: وأحق الناس بالصلاة عليه من أوصى أن يصلي عليه.
ش: هذا إجماع أو كالإجماع.
1037 - فعن أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أوصى أن يصلي عليه عمر، قال أحمد.
قال: وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وأم سلمة أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد، وأبو بكرة أوصى أن يصلي عليه أبو برزة، وقال غير أحمد: وعائشة أوصت أن يصلي عليها أبو هريرة، وابن مسعود أوصى أن يصلي عليه الزبير.
1038 - وأوصى أبو سريحة أن يصلي عليه زيد بن أرقم، فجاء عمرو بن حريث - وهو أمير الكوفة - ليتقدم فيصلي عليه، فقال ابنه: أيها الأمير إن أبي أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم.
فقدم زيدا.
وهذه قضايا اشتهرت من غير إنكار ولا مخالف، فكانت إجماعا.

وشرط الوصي أن يكون مستور الحال، فلا تصح لفاسق، لأنه غير مؤتمن، ولأن ذلك نوع ولاية، والفاسق ليس أهلا للولاية.

قال: ثم الأمير.
ش: أحق الناس بالصلاة عليه] بعد الوصي غير الفاسق الأمير، لعموم قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا يؤمن الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه» رواه مسلم وغيره، وخرج منه الوصي لما تقدم، فيبقى فيما عداه على مقتضى العموم، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وخلفاءه من بعده كانوا يصلون على الموتى، ولم ينقل أنهم استأذنوا العصبة.
1039 - وعن أبي حازم قال: شهدت حسينا حين مات الحسن، وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص، أمير المدينة، وهو يقول: لولا السنة ما قدمتك.

1040 - وقال الحسن البصري أدركت الناس وأحقهم بالصلاة على جنائزهم، من رضوه لفرائضهم.
ذكره البخاري في صحيحه.

قال: ثم الأب وإن علا، ثم الابن وإن سفل، ثم أقرب العصبة.
ش: يقدم بعد الأمير في الصلاة على الميت الأب، ثم الجد وإن علا على الابن، لأنه شارك [الابن] في العصوبة، وزاد عليه بالحنو والشفقة، وبهما يحصل كمال الدعاء، الذي هو مقصود صلاة الجنازة، فقدم كالنكاح، ثم الابن وإن سفل، لتقدمه في النكاح والإرث جميعا على الأخ ومن بعده، ثم أقرب العصبة، على ترتيب الميراث، هذا اختيار الخرقي، وأبي بكر، والقاضي في التعليق، وأبي محمد وغيرهم، وقال صاحب التلخيص فيه، وأبو البركات: يقدم بعد الأمير أقرب العصبة.
فيحتمل أنهما أرادا أن الابن يقدم على الأب، لأنه أقرب العصبة بدليل الميراث، ويحتمل أنهما أرادا ما أراد الأصحاب، وغايته أن الأقرب يختلف باختلاف الأبواب، وهذا أولى، توفيقا

بين كلام الأصحاب، يؤيده أن أبا البركات في شرحه لم يحك خلافا في تقديم الأب على الابن، إنما حكى رواية بتقديم الابن على الجد، والأخ وابنه أيضا عليه، كما في النكاح.
انتهى، وفي تقديم الأخ للأبوين على الأخ للأب أو التسوية بينهما قولان، من الروايتين في النكاح.
وظاهر كلام الخرقي أن العصبة [يقدم] على الزوج، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار الخلال وأبي محمد.
1041 - لأن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال لقرابة امرأته: أنتم أحق بها.
ذكره أحمد في رواية حنبل، ومحمد بن جعفر، محتجا به، ولأن النكاح يزول بالموت، والقرابة باقية، وعلى هذا إن لم يكن عصبة فالزوج أولى نص عليه، (وعن أحمد) رواية أخرى - اختارها القاضي في التعليق، وأبو الخطاب في الخلاف، وأبو البركات - يقدم الزوج على العصبة.
1042 - لأن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: الرجل أحق بغسل امرأته، وبالصلاة عليها.
إلا أن أحمد قال: هذا منكر.
1043 - واحتج أحمد بقضية رويت عن أبي بكرة، تدل على أن الزوج أحق.
والله أعلم.

كيفية الصلاة على الميت

قال: والصلاة عليه يكبر الأولى، ثم يقرأ الحمد لله، ثم يكبر الثانية ويصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما يصلي عليه في التشهد، ويكبر الثالثة ويدعو لنفسه، ولوالديه، ويدعو للمسلمين، ويدعو للميت، وإن أحب أن يقول: اللهم اغفر لحينا، وميتنا، وشاهدنا، وغائبنا، وصغيرنا، وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا، إنك على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم إنه عبدك، وابن أمتك، نزل بك، وأنت خير منزول به، ولا نعلم إلا خيرا، اللهم إن كان محسنا فجازه بإحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله.
ويكبر الرابعة.
ش: أما كونه يكبر أربع تكبيرات - كما تضمنه كلامه -: 1044 - فلما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وجابر، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى على أصحمة النجاشي، فكبر عليه أربعا» . 1045 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى على قبر بعد ما دفن، فكبر أربعا» . وأما كونه يقرأ الحمد في الأولى فلعموم قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» .

1046 - وعن ابن عباس أنه صلى على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنه من السنة.
رواه البخاري وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي ولفظه: قرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر، فلما فرغ قال: سنة وحق.
1047 - وقال مجاهد: سألت ثمانية عشر رجلا من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن القراءة على الجنازة، فكلهم قال: يقرأ.
رواه الأثرم، ونقل عنه [البرزاطي] : إذا صلى على القبر يقرأ، كما يقرأ [إذا صلى] على الجنازة؟ قال: لا يقرأ على القبر شيئا من القرآن.
قال القاضي: المذهب الصحيح وجوبها على القبر، لأن الجماعة رووا عنه جواز الصلاة على القبر، من غير منع القراءة.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يستفتح، ولا يتعوذ، وهو إحدى الروايات، لبناء هذه الصلاة على التخفيف، والثانية: يستفتح،

ويتعوذ كغيرها، والثالثة: يتعوذ ولا يستفتح، وبها قطع أبو البركات في محرره، وصححها في شرحه، للأمر بالتعوذ، والاستفتاح لم يرد فيها.
«تنبيه» يسر بالقراءة، نص عليه وقال: إنما جهر ابن عباس ليعلمهم.
وأما كونه يصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الثانية: 1048 - فلما روي عن أبي أمامة بن سهل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن رجلا من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخبره أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى، سرا في نفسه، ثم يصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويخلص الدعاء للجنازة، والتكبيرات لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرا في نفسه.
رواه الشافعي في مسنده.
1049 - وقال أبو هريرة: إذا وضعت - يعني الجنازة - كبرت، وحمدت الله، وصليت على نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. مختصر، رواه مالك في الموطأ، [وصفة الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما في التشهد،

لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] لما سألوه: كيف نصلي عليك؟ علمهم ذلك، قال أبو محمد: وإن أتى بالصلاة على غير ذلك فلا بأس، لأن القصد مطلق الصلاة، وقال أحمد في رواية عبد الله: يصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعلى الملائكة المقربين.
وقال القاضي: يدعو عقيب الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للمؤمنين والمؤمنات فيقول: اللهم صل على ملائكتك المقربين، وأنبيائك والمرسلين، وأهل طاعتك أجمعين، من أهل السماوات وأهل الأرضين، إنك على كل شيء قدير.
وأما كونه يدعو في الثالثة لنفسه، ولوالديه، وللمسلمين، وللميت.
1050 - فلما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا صلى على جنازة قال: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان» رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه وزاد «اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده» .

1051 - وعن عوف بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصلى على جنازة يقول: «اللهم اغفر له، واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وقه فتنة القبر وعذاب النار» قال عوف: فتمنيت لو كنت أنا الميت، لدعاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لذلك الميت.
رواه مسلم والنسائي، والترمذي وصححه.

1052 - وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» رواه أبو داود، وابن ماجه.
وقوله: لا نعلم إلا خيرا.
إنما يقوله لمن لا يعلم منه شرا، لئلا يكون كاذبا.
1053 - وقد ذكر القاضي حديثا عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال فيه: «ولا نعلم إلا خيرا» فقال بعض الصحابة: يا رسول الله وإن لم أعلم خيرا؟ قال: «لا تقل إلا ما تعلم» . 1054 - وروي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « «ما من مسلم يموت فيشهد له ثلاثة أبيات من جيرانه الأدنين، إلا قال الله تعالى: قد قبلت شهادة عبادي على ما علموا، وغفرت له ما أعلم» رواه أحمد.

قال: ويرفع يديه مع كل تكبيرة.
1055 - ش: لأنه يروى عن ابن عمر، رواه الشافعي، وعن ابن عباس، رواه سعيد، وعن عمر، وزيد بن ثابت، رواه الأثرم.

قال: ويقف قليلا.
ش: يقف بعد التكبيرة الرابعة قليلا من غير دعاء، على ظاهر كلام الخرقي، وهو إحدى الروايتين، قال أحمد: لا أعلم فيه شيئا، والثانية: يدعو فيها كالثالثة، اختارها أبو البركات في شرحه.
1056 - لما روي «عن عبد الله بن أبي أوفى أنه ماتت ابنة له فكبر عليها أربعا، وقام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو، ثم قال: كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصنع في الجنازة هكذا» . رواه أحمد، واحتج

به في رواية الأثرم، وقال: لا أعلم شيئا يخالفه.
وفي صفة ما يدعو به وجهان (أحدهما) أنه يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201] اختاره ابن أبي موسى، وأبو الخطاب، وحكاه ابن الزاغوني عن الأكثرين.
1057 - لأنه [قد] صح عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه كان لا يدعو بدعاء إلا ختمه بهذا الدعاء.
(والثاني) : يقول: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده.
اختاره أبو بكر، والمنصوص عن أحمد أنه يخلص الدعاء في الرابعة للميت، بل قد نص في رواية جماعة أنه يدعو في الثالثة للمسلمين والمسلمات، وفي الرابعة للميت، ومن هنا قال الأصحاب: لا تتعين الثالثة للدعاء، بل لو أخر الدعاء للميت إلى الرابعة جاز.
والله أعلم.

قال: ويسلم تسليمة واحدة عن يمينه.
ش: المشهور المختار المنصوص أنه يسلم تسليمة واحدة.
1058 - لما «روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى على جنازة فكبر أربعا، وسلم تسليمة واحدة» ، رواه الدارقطني، إلا أن أحمد قال: هذا عندي موضوع.
والعمدة لأحمد فعل الصحابة.
1059 - وقال أحمد: التسليم على الجنازة تسليمة واحدة عن يمينك عن ستة من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليس فيه اختلاف إلا عن إبراهيم.
وفيه رواية أخرى أنه يسلم ثنتين كبقية الصلوات، وجعل القاضي الثنتين للاستحباب، والواحدة للجواز، وصفة التسليم أن يكون عن يمينه على المذهب، ولو سلم تلقاء وجهه جاز، نص عليه، وجعله بعض الأصحاب الأولى، وكماله: السلام عليكم ورحمة الله [وإن لم يقل: ورحمة الله.
أجزأه] على المنصوص وفيه احتمال.
«تنبيه» الواجب مما ذكره الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - القيام في فرضها، فلا تصح من القاعد، ولا على الراحلة إلا لعذر، والتكبيرات،

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل