كتاب الجراح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال: فإن كان القتل شبه العمد فكما وصفت في أسنانها، إلا أنها على العاقلة في ثلاث سنين، في كل سنة ثلثها.
ش: القول في أسنان دية شبه العمد كالقول في دية العمد سواء، لما تقدم من قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد ولا يقتل» وهي واجبة على العاقلة على المذهب، وقد تقدم ذلك في أول كتاب الجراح، وعليه فإنها تجب عليهم في ثلاث سنين، في كل سنة ثلثها.
2972 - نظرا إلى أن هذا يروى عن عمر وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، ولا يعرف لهما مخالف، مع أن هذا قول العامة ولا عبرة بمخالفة الخوارج.
(تنبيه) : لم يتعرض الخرقي لسن غير الإبل، والحكم أنه يجب في البقر النصف مسنات، والنصف أتبعة، وفي الغنم النصف ثنايا، والنصف أجذعة، في العمد والخطأ على ظاهر كلام الشيخين وغيرهما، وجعل ذلك القاضي في جامعه في العمد وشبهه، وقال في الخطأ: يحتمل أن يخفف فيجب من البقر تبيع وتبيعة ومسنة، أثلاثا، ومن الغنم جذعة وجذع من
الضأن، وثنية من المعز، أثلاثا أيضا، وحكي عنه أنه جزم بذلك في خلافه.
قال: وإن كان القتل خطأ كان على العاقلة مائة من الإبل، تؤخذ في ثلاث سنين أخماسا، عشرون بنات مخاض، وعشرون بني مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.
ش: لا نزاع أن دية قتل الخطأ على العاقلة، وقد تقدم، ولا نزاع أيضا في أنها مائة من الإبل، وأنها تؤخذ منهم في ثلاث سنين، واختلف في كيفية وجوبها، ومذهبنا أنها تجب أخماسا كما ذكره الخرقي.
2973 - لما روى عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن مخاض ذكر» رواه الخمسة، وقال أبو داود: وهو قول عبد الله.
وكلام الخرقي يشمل إذا كان المقتول امرأة أو ذميا أو جنينا، وهو قول القاضي في الخلاف والجامع.
(تنبيه) : ابتداء الحول في النفس من حين الزهوق، وفيما دونها من حين الاندمال على المشهور، وبه قطع القاضي في
الجامع، وقال القاضي: ابتداؤه في القتل الموحي والجرح الذي لم يسر عن محله من حين الجناية.
ما تحمله العاقلة من الدية
قال: والعاقلة لا تحمل العمد، ولا العبد، ولا الصلح، ولا الاعتراف، ولا ما دون الثلث.
ش: لا تحمل العاقلة العمد، وإن لم توجب جنايته قصاصا، ولا العبد إذا قتله قاتل، ولا الصلح، وهو أن يدعى عليه القتل فينكره ثم يصالح المدعي على مال، وفسره القاضي بأن يصالح الأولياء عن دم العمد إلى الدية، ورد بأن هذا عمد، فيدخل في الأول، ولا الاعتراف، وهو أن يقر القاتل بقتل الخطأ أو شبه العمد، ولا ما دون ثلث الدية التامة، كدية المجوسي ونحوه.
2974 - لما روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: العمد والعبد، والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة، رواه الدارقطني.
وحكى أحمد عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مثله.
2975 - وقال الزهري: مضت السنة أن العاقلة لا تحمل شيئا من دية العمد إلا أن يشاءوا، رواه مالك في الموطأ.
2976 - وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قضى في الدية أن لا يحمل منها شيء حتى يبلغ عقل المأمومة.
ولأن الخطأ إنما جعل على العاقلة لكون الجاني معذورا، تخفيفا عنه، ومواساة له، والعامد لا يناسب أن يخفف عنه ولا يواسى، والعبد الواجب فيه قيمة، تختلف باختلاف صفاته، فلم تحمله العاقلة كسائر القيم، والاعتراف ثبت بإقراره، ولا يثبت على إنسان شيء بإقرار غيره، والصلح في معنى الاعتراف، وما دون الثلث يسير فلا يجحف به، فلا يناسب التخفيف به، وبهذا ونحوه تتخصص العمومات المطلقة في حمل العاقلة.
(تنبيه) : يستثنى مما دون الثلث الجنين إذا مات هو وأمه بجناية واحدة، فإن العاقلة تحمل ديته، وإن نقصت عن الثلث مع دية أمه، سواء سبقها بالزهوق أو سبقته، كذا صرح به أبو البركات، وقال أبو محمد في المغني: إذا مات قبل موت أمه لا تحمله العاقلة، نص عليه، وإن مات مع أمه حملته العاقلة نص عليه، ومقتضى كلامه أنه لو تأخر عنها بالزهوق لم تحمله العاقلة، وكذلك مقتضى كلامه في المقنع، قال: وإن ماتا منفردين لم تحملهما العاقلة.
2977 - وإنما استثني ذلك في الجملة لما روى المغيرة بن شعبة قال: «ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي حبلى، فقتلتها، قال: وإحداهما لحيانية، فجعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دية المقتولة على عصبة القاتلة، وغرة لما في بطنها، فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم دية من لا أكل، ولا شرب ولا استهل، فمثل ذلك يطل، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أسجع كسجع الأعراب» قال: وجعل عليهم الدية» ، وهذا كان بجناية واحدة، ثم إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يستفصل هل سبقها بالزهوق أو سبقته، ولو اختلف الحكم لبينه، فإذًا الصواب ما قاله أبو البركات.
جناية الرقيق
قال: وإذا جنى العبد فعلى سيده أن يفديه أو يسلمه.
ش: جناية العبد تتعلق برقبته، لعموم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يجني جان إلا على نفسه» وسيده مخير بين أن يفديه لزوال
أثر الجناية إذا، وبين أن يسلمه في الجناية، لتأديته المحل الذي تعلق به الحق برمته، هذا إحدى الروايات (والرواية الثانية) يخير بين فدائه، أو بيعه في الجناية (والرواية الثالثة) يخير بين الثلاثة، وإذا اختار البيع فهل يلزمه أن يتولاه إذا طلب منه ولي الجناية ذلك، أو يكفي تسليمه للبيع فيبيعه الحاكم؟ فيه روايتان.
وقول الخرقي: وإذا جنى العبد، أي جناية أوجبت مالا، بقرينة ذكر الفداء إذ الفداء إنما يدخل فيما فيه المال، وذلك بأن يكون خطأ أو شبه عمد، أو عمدا لا قصاص فيه، أو فيه القصاص واختير فيه المال، وكذلك الحكم لو أتلف مالا، وقد يدخل في لفظه، لأن الجناية تشمل الجناية على المال والبدن، والله أعلم.
قال: فإن كانت الجناية أكثر من قيمته لم يكن على السيد أن يفديه بأكثر من قيمته.
ش: جناية العبد لا تخلو إما أن تكون وفق قيمته أو أكثر من قيمته، فإن كانت وفق قيمته فلا نزاع أن السيد لا يلزمه أكثر من ذلك، لأنه لا حق للمجني عليه في أكثر من ذلك، وكذلك إن كانت أقل من قيمته على المذهب المعروف لذلك، (وعن أحمد) رواية أخرى يلزم فداؤه بجميع قيمته، وإن جاوزت دية المقتول، إذا كانت الجناية موجبة للقود، لأنه إذا استحق إتلافه، فكان له بدله، وتشبه هذه الرواية أنه يملكه بغير رضا
السيد، فيما إذا كانت الجناية كذلك، وإن كانت أكثر من قيمته فكذلك، لا يلزم السيد أن يفديه بأكثر من قيمته إن لم يختر فداءه بلا ريب، لأن الجناية تعلقت برقبة العبد لا غير، والسيد إنما يؤدي بدل الرقبة، وبدل الرقبة هو القيمة، فلا يلزمه أكثر منها، وإن اختار الفداء ففيه روايتان مشهورتان، أشهرهما وأنصهما - وهي اختيار القاضي، والخرقي، وأبي الحسين وغيرهم - لا يلزمه إلا القيمة، لما تقدم، (والثانية) - وهي اختيار أبي بكر - يلزمه والحال هذه أرش الجناية بالغة ما بلغت، لاحتمال أنه إذا بيع رغب فيه راغب فتزيد قيمته، والله أعلم.
المقصود بالعاقلة
قال - رَحِمَهُ اللَّهُ -: والعاقلة العمومة وأولادهم وإن سفلوا في إحدى الروايتين، والرواية الأخرى الأب والابن والإخوة، وكل العصبة من العاقلة.
ش: (وجه الرواية الأولى) حديث المغيرة بن شعبة، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل دية المقتول على عصبة القاتلة، وغرة لما في بطنها» . رواه مسلم وغيره وقد تقدم، وهذا يشمل كل عصبة، خرج منه الآباء والأبناء.
2978 - بدليل «ما روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى، ولكل واحدة منهما زوج وولد، فجعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دية المقتولة على عاقلة القاتلة، وبرأ زوجها وولدها، لأنهما ما كانا من هذيل، فقال عاقلة المقتولة: ميراثها لنا.
فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا، ميراثها لزوجها وولدها» » رواه أبو داود، وهذا يقتضي أن الأولاد ليسوا من العاقلة، فكذلك الآباء، قياسا لأحد العمودين على الآخر، وخرج منه الإخوة أيضا.
2979 - بدليل ما روي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه» رواه النسائي، فظاهره أنه لا يؤخذ بجريرة أخيه مطلقا، وإذا خرج الأخ والابن والأب من التحمل بقي من عداهم، وهم العمومة وأولادهم وإن سفلوا.
(ووجه الثانية) - وهي اختيار أبي بكر فيما حكاه القاضي في الجامع والقاضي أبو الحسين، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، وابن عقيل في التذكرة، والشيرازي وغيرهم - عموم حديث المغيرة، وحديث جابر لا يقاومه، ثم لا يدل على خروج الابن مطلقا، وحديث ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لا يؤخذ بجريرته، أي إذا كان عمدا، جمعا بين الأدلة (وعن أحمد) رواية ثالثة: العاقلة جميع العصبة إلا الآباء والأبناء، وزعم القاضي في روايتيه أنها اختيار الخرقي، لتقديمه إياها، ولانتفاء الخلاف عنده في الإخوة، ووجه هذه الرواية يعرف مما سبق (وعنه) رواية رابعة أن العاقلة كل العصبة إلا أبناء الجاني، إذا كان امرأة، نص عليها أحمد فقال: لا يعقل الابن عن أمه، لأنه من قوم آخرين، وهي اختيار أبي البركات وعليها يقوم الدليل، إذ حديث المغيرة يقتضي أن العاقلة هم كل العصبة، وحديث جابر صريح في أن ابن المرأة لا يعقل عنها، وإذا خرج ابن المرأة بقينا فيما عداه على العموم، ثم قد علل في الحديث خروج الولد والزوج بأنهما ما كانا من هذيل، يعني والمرأة هذلية، فليسا من قبيلتها، والمعنى في ذلك أن قبيلة الشخص هي التي تواليه وتنصره، بخلاف غيرها، وكذلك قال أحمد، لأنه من قوم آخرين، ومقتضى الحديث وتعليل أحمد أن ابن المرأة إذا كان من قبيلتها كابن ابن عمها يعقل عنها، وصرح به ابن حمدان، وظاهر كلام أبي بكر في التنبيه أن العاقلة كل العصبة إلا الأبناء، ولعله يقيس أبناء الرجل على أبناء المرأة، وليس بشيء (واعلم) أن أبا الخطاب في خلافه حكى عن شيخه أنه أخذ رواية أن العاقلة العصبة إلا عمودي النسب من هذا النص، قال: وفيه نظر، ولا شك في ضعف هذا المأخذ.
قال: وليس على فقير من العاقلة ولا امرأة، ولا صبي ولا زائل العقل حمل شيء من الدية.
ش: لا خلاف أن الصبي غير المميز والزائل العقل لا يحملان
من العقل شيئا، لأنهما ليسا من أهل النصرة، وقد حكى ذلك ابن المنذر إجماعا، وحكم المميز حكم غيره على المذهب، وحكاية ابن المنذر تشمله، وقيل: بل حكم البالغ، (ولا ريب) أن المذهب أن الفقير لا يحمل من العقل شيئا، حذارا من أن نخفف عن من جنى، ونثقل على من لم يجن.
2980 - وقد «روى عمران بن حصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن غلاما لأناس فقراء قطع أذن غلام لأناس أغنياء، فأتى أهله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالوا: يا رسول الله إنا أناس فقراء.
فلم يجعل عليه شيئا» ، رواه أبو داود والنسائي.
(وعن أحمد) رواية أخرى أن الفقير يحمل من العقل، بناء على أنه من أهل النصرة، كذا أطلق الرواية أبو محمد، وقيدها أبو البركات بالمعتمل، وهو حسن، (ولا ريب) أيضا أن المذهب أن المرأة لا تحمل من العقل شيئا، لعدم التناصر منها (وعنه) تحمل بالولاء لأنها إذا عصبة، ويخرج عليها الأم الملاعنة إذا قلنا: إنها عصبة، وإن عمودي النسب من العاقلة أنها تعقل، وتشبه هذه الرواية رواية أنها تلي على معتقها في النكاح، وحكم الخنثى حكم المرأة، وظاهر كلامه أن البعيد والغائب، والشيخ والمريض، والزمن والهرم
يحملون كغيرهم، وهو كذلك، نعم في الزمن والهرم وجه أنهما لا يحملان.
حكم من وجبت عليه دية ولم تكن له عاقلة
قال: ومن لم تكن له عاقلة أخذت من بيت المال.
ش: هذا هو المشهور من الروايتين لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ودى الأنصاري الذي قتل بخيبر.
2981 - ففي الصحيح قال: «فكره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يبطل دمه، فوداه بمائة من إبل الصدقة، وفي لفظ: فوداه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عنده، فبعث إليهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مائة ناقة حمراء» .
2982 - وروي أن رجلا قتل في زحام، في زمن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولم يعرف قاتله، فقال علي لعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: يا أمير المؤمنين لا يبطل دم امرئ مسلم، فأدى ديته من بيت المال، (والرواية الثانية) لا شيء على بيت المال، اختارها أبو بكر في التنبيه، لأن فيه حقا للنساء والصبيان والمجانين والفقراء، ولا عقل عليهم، فلا يصرف حقهم والمجانين والفقراء، ولا عقل عليهم، فلا يصرف حقهم فيما لا يجب عليهم، قال أبو محمد: ولأن بيت المال ليس بعصبة، وما يصرف إليه من مال من لا وارث له إنما يأخذه على أنه فيء، لا أنه إرث.
(قلت) : وقد يكون هذا منشأ الخلاف، وهو أن بيت المال
هل هو عصبة أم لا؟ لكن المشهور أنه ليس بعصبة، والمشهور أن يدي، ولا يستقيم البناء (واعلم) أن محل الروايتين عند أبي محمد تبعا للقاضي في المسلم، أما الذمي فإن بيت المال لا يحمل عنه عندهما بلا خلاف، بل تكون الدية عليه على المذهب، وقيل: لا شيء عليه كالمسلم على المذهب، وعند أبي البركات أنهما جاريتان فيهما وهو ظاهر كلام الخرقي، وهو مما يضعف البناء، وحيث حمل بيت المال فهل ذلك في ثلاث سنين كالعاقلة أو في دفعة، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أدى دية الأنصاري في دفعة، والعاقلة التأجيل عليهم تخفيفا بهم، ولا حاجة بنا إلى التخفيف في بيت المال؟ فيه وجهان، أصحهما الثاني، والله أعلم.
قال: فإن لم يقدر على ذلك فليس على القاتل شيء.
ش: إذا لم يقدر على أخذ شيء من بيت المال سقطت الدية، فلا شيء على القاتل، على المعروف عند الأصحاب، بناء عندهم على أن الدية وجبت على العاقلة ابتداء، فلا تجب على غير من وجبت عليه، كما لو عدم القاتل فإن الدية لا تجب على أحد، كذلك هاهنا، وخالفهم أبو محمد فاختار وجوبها على القاتل لعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] مع قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا يجني جان إلا على نفسه» وسقوطها لقيام العاقلة مقامه، فإذا لم توجد عاقلة، أو وجدوا
وانتفى حملهم لدليل، بقيت واجبة عليه، ولأن الأمر دائر بين أن يبطل دم المقتول، وبين إيجاب ديته على المتلف، لا يجوز الأول لمخالفة إطلاق الكتاب والسنة، فيتعين الثاني، وفي كلامه - رَحِمَهُ اللَّهُ - إشعار بأن الدية تجب على القاتل، وتتحملها العاقلة.
(تنبيه) : سميت العاقلة عاقلة لأن الإبل تجمع فتعقل بفناء أولياء المقتول، أي تشد عقلها لتسلم إليهم، ولذلك سميت الدية عقلا، وقيل سموا بذلك لإعطائهم العقل الذي هو الدية، وقيل لأنهم يمنعون عن القاتل.
دية الحر الكتابي
قال: ودية الحر الكتابي نصف دية الحر المسلم.
ش: هذا هو المشهور من الروايتين، والمختار لعامة الأصحاب.
2983 - لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «دية المعاهد نصف دية الحر» رواه أبو داود، والنسائي ولفظه: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين» وهم اليهود والنصارى، ورواه الترمذي ولفظه: «دية عقل الكافر نصف عقل المؤمن» قال الخطابي: ليس في دية أهل الكتاب شيء أبين من هذا، ولا بأس به، وبه قال أحمد.
(قلت) : وهذا يبين الآية الكريمة.
(والرواية الثانية) ثلث دية المسلم، إلا أن أحمد رجع عنها، قال في رواية أبي الحارث: كنت أذهب إلى حديث عمر أن دية اليهودي
والنصراني أربعة آلاف، ثم نزلت عن حديثه لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ومن ثم قال أبو بكر: المسألة رواية واحدة، أنها على النصف.
وقد بين أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - مأخذه في الروايتين، وحديث عمرو بن شعيب قد تقدم.
2984 - أما حديث عمر فهو ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، قال: وكانت دية أهل الكتاب يومئذ على النصف من دية المسلم، قال: فكانت كذلك حتى استخلف عمر قام خطيبا فقال: إن الإبل قد غلت، ففرضها عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة؛ قال: وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية، رواه أبو داود.
(تنبيه) : ولا فرق في ذلك بين الذمي منهم والمستأمن، لاشتراكهم في الكتاب مع حقن الدم.
قال: ونساؤهم على النصف من دياتهم.
ش: لما كانت دية نساء المسلمين على النصف من دياتهم، كانت نساء أهل الكتاب على النصف من دياتهم،
مع أن هذا قد حكاه ابن المنذر إجماعا.
قال: وإن قتلوا عمدا أضعفت الدية على قاتله المسلم، لإزالة القود، هكذا حكم عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
ش: قد ذكر الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - الحكم وذكر دليله.
2985 - والمحكي عن عثمان رواه عنه أحمد عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم عن أبيه، أن رجلا قتل رجلا من أهل الذمة، فرفع إلى عثمان، فلم يقتله وغلظ عليه ألف دينار.
ولهذا نظائر في الشريعة (منها) سارق الثمر والكثر يغرم بمثله مرتين، لإزالة القطع، (ومنها) الأعور إذا قلع عين صحيح، تجب عليه دية كاملة، كما حكم به الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، لدرء القصاص عنه، ويقرب من ذلك غرامة اللقطة بمثلها مرتين إذا كتمها، وكذلك أخذ شطر مال الكاتم ماله في الزكاة على رواية.
2986 - لحديث بهز بن حكيم، وغير ذلك، وهذا ونحوه يخصص
عموم ما تقدم، وقول الخرقي: على قاتله المسلم.
يحترز عن قاتله إذا كان ذميا، فإن الدية لا تضعف عليه، لوجوب القصاص عليه، والله أعلم.
دية المجوسي
قال: ودية المجوسي ثمانمائة درهم.
2987 - ش: لما روى الشافعي في مسنده، والدارقطني عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يجعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، والمجوسي ثمانمائة.
2988 - ويروى ذلك أيضا عن عثمان وابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، ولا يعرف لهم في عصرهم مخالف، وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» لا عموم فيه، ثم المراد به والله أعلم في أخذ الجزية، جمعا بين الأدلة، وسواء كان المجوسي ذميا
أو مستأمنا، وإن قتله مسلم عمدا أضعفت الدية عليه، لإزالة القود، نص عليه أحمد، قياسا على الكتابي فتجب ألف وستمائة درهم.
قال: ونساؤهم على النصف من ذلك.
ش: كنساء المسلمين وأهل الكتاب، وقد حكي إجماعا والله أعلم.
دية الحرة المسلمة
قال: ودية الحرة المسلمة نصف دية الحر المسلم.
2989 - ش: لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتى يبلغ الثلث من ديته» رواه النسائي.
2990 - «وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: سألت سعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل.
قلت: فكم في إصبعين؟ فقال: عشرون من الإبل.
قلت: فكم في ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون.
قلت: فكم في أربع أصابع؟ فقال: عشرون.
قلت: حين عظم جرحها، واشتدت مصيبتها، نقص عقلها؟ قال سعيد: أعراقي أنت؟ قلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم.
قال: هي السنة يا ابن أخي» . رواه مالك في الموطأ، وذكر أبو محمد أن في كتاب عمرو بن حزم: دية المرأة على
النصف من دية الرجل.
ولم أجد ذلك في حديث عمرو بن حزم في جامع الأصول، ولا في المنتقى.
قال: وتساوي جراح المرأة جراح الرجل إلى الثلث، فإذا جاوزت الثلث فعلى النصف.
ش: لا نزاع عندنا أن جراح المرأة تساوي جراح الرجل فيما دون ثلث الدية، ففي إصبعها عشر من الإبل، وفي الإصبعين عشرون من الإبل، وفي الثلاث أصابع ثلاثون، ولا نزاع عندنا أيضا أنها فيما زاد على الثلث على النصف، ففي أربع أصابع منها عشرون، وفي يدها خمس وعشرون، لما تقدم من حديث عمرو بن شعيب وسعيد، واختلف هل تساوي الرجل في قدر الثلث، كالجائفة والمأمومة، ونحو ذلك؟ على روايتين (إحداهما) تساويه - وهو اختيار الشريف وأبي الخطاب في خلافيهما، والشيرازي وغيرهم، لأنه في حد القلة، بدليل جواز الوصية به (والثانية) يختلفان، فيجب في جائفتها سدس دية الرجل - وهو اختيار أبي محمد - لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
سماه كثيرا قال: «الثلث والثلث كثير» ، وحديث عمرو بن شعيب محتمل للقولين، بناء على أن الغاية هل تدخل في المغيا، وذلك وإن كان في (إلى) الأكثر عدم الدخول، ففي (حتى) الكثير الدخول، والله أعلم.
دية العبد والأمة
قال: ودية العبد والأمة قيمتهما بالغة ما بلغ ذلك.
ش: قد تقدمت هذه المسألة والكلام عليها، فلا حاجة إلى إعادتها، ونزيد هنا بأنه لا فرق في ذلك بين العبد القن والمدبر والمكاتب، وأم الولد، لدخول الكل في إطلاق العبد، وقد قال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» .
دية الجنين
قال: ودية الجنين إذا سقط من الضربة ميتا وكان من حرة مسلمة غرة عبد أو أمة، قيمتها خمس من الإبل، موروثة عنه كأنه سقط حيا.
ش: الواجب في دية الجنين والحال هذه غرة.
2991 - لما «روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم؛ مختصر» متفق عليه.
2992 - «وعن المغيرة بن شعبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سأل عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن إملاص المرأة، وهي التي يضرب بطنها فتلقي جنينها، فقال: أيكم سمع من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه شيئا؟ قال: فقلت: أنا، قال: ما هو؟ قلت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «فيه غرة عبد أو أمة» قال: لا تبرح حتى تجيء بالمخرج.
قال: فخرجت فوجدت محمد بن مسلمة فجئت به، فشهد معي أنه سمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «فيه غرة عبد أو أمة» » متفق عليه.
والغرة عبد أو أمة، لما تقدم من الحديثين السابقين، وما روي «عبد أو أمة أو فرس أو بغل» وهم عند أهل العلم بالنقل، والصحيح ما تقدم، ويشترط أن تكون قيمة العبد أو الأمة عشر دية الأم.
2993 - لأن ذلك يروى عن عمر وزيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فقيد إطلاق ما تقدم، مع أنه أقل مقدر، وقدره الشارع في الجنايات، وهو أرش الموضحة، ودية السن، فاعتبر
بذلك، ولا ترد الأنملة، لأنه لا نص فيها، إنما هو اجتهاد.
والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - قال: قيمتها خمس من الإبل.
بناء عنده على أن الأصل في الدية الإبل، فجعل التقويم بها، وغيره من الأصحاب مقتضى كلامه أن التقويم بواحد من الخمسة أو الستة على ما تقدم، وأن ذلك راجع إلى اختيار الجاني، كما له الاختيار في دفع أي الأصول شاء إذا كان موجب جنايته دية كاملة.
وحكم هذه الغرة أنها موروثة عن الجنين، كأنه سقط حيا، لأنها دية له وبدل عنه، فورثها ورثته كما لو قتل بعد الولادة، وشرط الخرقي للضمان السابق أن يسقط من الضربة ميتا، أي بسبب الضربة، بأن يسقط عقيبها، أو يبقى بها متألما إلى أن يسقط، أما إن ضربها فماتت بحملها ولم تلقه، أو ضرب من في بطنها شيء يتحرك فذهب فلا شيء عليه، لعدم العلم بوجوده، والأصل براءة الذمة.
وكلام الخرقي يشمل ما إذا ألقته في حياتها، أو بعد موتها، وهو كذلك، والحكم فيما إذا ظهر بعضه ولم يظهر جميعه حكم ما إذا ظهر جميعه، قاله أبو محمد.
وقول الخرقي: وكان من حرة مسلمة؛ يريد به أن الأم متى كانت كذلك كان الولد حرا مسلما، فيجب ما تقدم، وقد تكون الأم رقيقة كافرة، والجنين حر مسلم، بأن يغر بأمة، أو يتزوج المسلم كتابية، فتجب الغرة السابقة، أما إن كان الجنين رقيقا فسيأتي حكمه، وإن كان كافرا
كالمولود بين كتابيين ونحوهما، فإن الواجب فيه عشر دية أمه إن ساوت الأب في الدين، أو كانت أعلى منه كنصرانية تحت مجوسي، وإن نقصت عنه - كمجوسية تحت كتابي - وجب عشر ديتها لو كانت على دين الأب.
(تنبيه) : الولد الذي تجب به الغرة ما تصير بن الأمة أم ولد، وما لا فلا، وأصل «الغرة» بياض في جبهة الفرس، ومن ثم قال أبو عمرو بن العلاء: الغرة عبد أبيض أو أمة بيضاء، ولم يعتبر ذلك الفقهاء، نظرا لإطلاق الحديث، مع قرينة غلبة السواد على أرقاء أهل الحجاز، والغرة أيضا أول الشيء وخياره، ومن ثم قال أصحابنا: لا يقبل في الغرة معيب، لأن ذلك ليس بخيار، وبنى على ذلك جمهورهم أن من لم يبلغ سبع سنين لا يجزئ لأنه يحتاج إلى من يكفله ويقوم به، فليس من الخيار، وقال أبو محمد: إن ظاهر كلام الخرقي الإجزاء، والله أعلم.
قال: وإن كان الجنين مملوكا ففيه عشر قيمة أمه.
ش: هذا هو المذهب المعروف، قياسا على الجنين الحر، فإن فيه عشر دية أمه، كذلك المملوك فيه عشر قيمة
أمه، إذ قيمة الأمة بمنزلة دية الحرة، وحكى أبو الخطاب في خلافه رواية أخرى أن الواجب نصف عشر قيمة أمه، ولا عمل عليه، ثم الواجب هنا قيمة لا عبد أو أمة لأن الرقيق الواجب فيه قيمة، بخلاف الحر فإن الواجب فيه إما الإبل، أو أحد خمسة أشياء أو ستة.
قال: وسواء كان الجنين ذكرا أو أنثى.
ش: أما الجنين الحر فلإطلاق الحديث، وأما المملوك فبالقياس على الحر، والله أعلم.
قال: فإن ضرب بطنها فألقت جنينا حيا، ثم مات من الضربة ففيه دية حر إن كان حرا، أو قيمته إن كان مملوكا، إذا كان سقوطه لوقت يعيش لمثله، وهو أن يكون لستة أشهر فصاعدا.
ش: أما وجوب دية الحر أو قيمة المملوك على الضارب والحال ما تقدم فلأنه مات من جنايته، بعد ولادته لوقت يعيش لمثله، أشبه ما لو قتله بعد وضعه، وقد قال ابن المنذر: إن هذا مما أجمع عليه كل من يحفظ عنه من أهل العلم، وتعلم الحياة باستهلاله بلا ريب.
2994 - لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا استهل المولود ورث وورث» وهل تعلم بارتضاعه، أو تنفسه، أو عطاسه، أو نحو ذلك مما يدل على الحياة؟ فيه روايتان (إحداهما) لا، لمفهوم الحديث السابق (والثانية) - وهي ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي محمد - نعم، لأن الارتضاع ونحوه أدل على الحياة من الاستهلال، فاستفيد من الحديث بطريق التنبيه، أما مجرد الحركة والاختلاج فلا يدلان على الحياة، لأن ذلك قد يكون لخروجه من مضيق فلم تتيقن حياته.
وشرط الخرقي لوجوب الضمان السابق أن يموت من الضربة أي بسببها، وذلك بسقوطه في الحال وموته، أو بقائه متألما إلى أن يموت، أو بقاء أمه متألمة إلى أن تلقيه حيا فيموت، أما لو ألقته ثم بقي زمنا سالما لا ألم به ثم مات فلا ضمان، ولو وضعته حيا، فجاء آخر فقتله وفيه حياة مستقرة فهو
القاتل، وإن لم تكن فيه حياة مستقرة، بل حركة كحركة المذبوح فالقاتل هو الأول، ويؤدب الثاني (وشرط) أيضا أن تضعه لوقت يعيش لمثله، وإلا فحكمه حكم الميت فيه الغرة، لعدم تصور بقائه، وبين - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن الوقت الذي يعيش لمثله ستة أشهر فصاعدا، لأن ذلك أقل مدة الحمل والله أعلم.
قال: وعلى كل من ضرب ممن ذكرت عتق رقبة مؤمنة، سواء كان الجنين حيا أو ميتا.
ش: هذا قول جمهور أهل العلم، لأن الله سبحانه قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] أي المقتول، وهذا الجنين إن كان من مؤمنين أو كان أحد أبويه مؤمنا فهو محكوم بإيمانه تبعا، فيدخل في الآية، وإن كان من كتابيين فهو من قوم بيننا وبينهم ميثاق فتشمله الآية، ولأنه نفس مضمونة بدية، فوجبت فيه الرقبة كالكبير.
قال: وإذا شربت الحامل دواء فأسقطت به جنينها فعليها غرة لا ترث منها شيئا، وتعتق رقبة.
ش: أما وجوب الغرة فلأن الجنين مات بجنايتها، أشبه ما لو كان الجاني غيرها، وأما كونها لا ترث منها شيئا فلأنها قاتلة، وقد تقرر أن القاتل لا يرث المقتول، فعلى هذا تكون الغرة لبقية الورثة، وأما كونها تعتق رقبة فلما تقدم قبل والله أعلم.
الحكم لو رمى ثلاثة بالمنجنيق فرجع الحجر فقتل رجلا
قال: وإذا رمى ثلاثة بالمنجنيق، فرجع الحجر فقتل رجلا
فعلى عاقلة كل واحد منهم ثلث الدية.
ش: لأنه قتل حصل بفعلهم وجنايتهم، وهم ثلاثة، فوجب تثليث الدية على عواقلهم، لأنه كما سيأتي إما خطأ، وإما شبه عمد، هذا هو المذهب المعروف وقيل: بل تجب الدية في بيت المال، لأن ذلك من مصالح المسلمين، فإن تعذر فعلى العاقلة، وكلام الخرقي يشمل ما إذا قصدوا معينا أو لم يقصدوا، وهو كذلك لأن قصد الواحد بالمنجنيق يندر أن يصيبه، فلا يكون عمدا، نعم مع قصد معين أو جماعة يكون ذلك شبه عمد وقد تقدم حكمه ومع عدم القصد يكون خطأ، واختار ابن حمدان أنه عمد إن كان الغالب الإصابة، وقول الخرقي: قتل رجلا.
يحتمل أن يكون من غيرهم، ويحتمل أن يكون منهم، وعلى هذا يكون مقتضى قول الخرقي أن جناية الإنسان على نفسه تكون خطأ، تحملها العاقلة لورثته، وهو إحدى الروايتين، والرواية الثانية لا شيء فيها، وقال ابن عقيل في التذكرة: تكون عليه يدفعها إلى ورثته، والله أعلم.
قال: وعلى كل واحد منهم عتق رقبة مؤمنة في ماله.
ش: هذا مبني على المذهب من أن المشتركين في القتل على كل واحد منهم كفارة، لا أن الواجب على الجميع كفارة واحدة، وقد تقدم ذلك، وتقدم أيضا أن الكفارة تجب في مال القاتل.
قال: فإن كانوا أكثر من ثلاثة فالدية حالة في أموالهم.
ش: هذا هو المذهب المختار للأصحاب بلا ريب لما تقدم لأن الواجب على كل واحد والحال هذه دون الثلث، والعاقلة لا تحمل ما دون الثلث لما تقدم، وإذا انتفى حمل العاقلة وجبت الدية في أموالهم، لأن ذلك أثر فعلهم.
قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يجني جان إلا على نفسه» وتجب حالة، لأنها بدل متلف، فوجبت حالة كسائر أبدال المتلفات، وقد يستشكل بأن الجاني إذا حمل دية شبه العمد كانت من ماله مؤجلة على المذهب، كذلك هاهنا قد يقال، وحكى أبو بكر رواية أخرى أن العاقلة تحمل ذلك، نظرا إلى أن هذه جناية واحدة أوجبت ما زاد على الثلث، فحملته العاقلة كما لو كانوا ثلاثة، واستشهد القاضي في روايتيه على هذه الرواية بما نقل يعقوب بن بختان عن أحمد، في قوم رموا بالمنجنيق فرجع فقتل رجلا من المسلمين فالدية على عواقلهم والكفارة في أموالهم.
قال: وهذا يحتمل أن يكونوا ثلاثة فما دون، ويحتمل أن يكونوا أكثر من ذلك؛ قلت: من حمل مطلق كلامه على مقيده لا ينبغي له أن يثبت هذه الرواية، بخلاف من لم يحمل، وظاهر كلام الأصحاب أنه لا خلاف في الخمسة أن الدية لا تكون على العاقلة،
وصرح بذلك ابن حمدان، وهو مما يضعف تعليل الرواية الثانية.
(تنبيه) : الضمان في الرمي بالمنجنيق يتعلق بمن مد الحبال، ورمى الحجر، دون من وضعه في الكفة وأمسك الخشب، إذ الأول مباشر، والثاني متسبب، والمباشرة تقطع حكم السبب، والمنجنيق أعجمي معرب، بفتح الميم وكسرها، وحكي فيه منجنوق ومنجليق.
. . والله أعلم.
باب ديات الجراح
ش: لما فرغ الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - من بيان ديات الأنفس شرع يتكلم على ديات الجراحة.
قال: ومن أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه الدية، وما فيه منه شيئان ففي كل واحد منهما نصف الدية.
2995 - ش: الأصل في ذلك ما روى عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لابن حزم في العقول: «إن في النفس مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية كاملة، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة مثله، وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون، وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل، وفي كل سن خمس، وفي الموضحة خمس» رواه مالك في موطئه، وهذا لفظه، والنسائي وفي روايته: «وفي الأنف إذا أوعب جدعه بالدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، وأن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار، ذكره في رواية، وفي العين الواحدة نصف الدية، وفي اليد الواحدة نصف الدية» ، قال ابن عبد البر: كتاب عمرو بن حزم معروف عند العلماء، وما فيه متفق عليه إلا قليلا، انتهى.
ففي هذا الحديث مما في الإنسان منه شيء واحد الأنف، والذكر، واللسان والصلب، وغير ذلك مقيس عليها، وفيه مما في الإنسان منه شيئان الشفتان والبيضتان، والعينان، والرجلان، واليدان، وغير ذلك مقيس عليها وملحق بها والله أعلم.
قال: وفي العينين الدية.
ش: لما تقدم في حديث عمرو بن حزم، مع أنه إجماع، ولا فرق بين أن يكونا صحيحتين أو مريضتين، أو حولاوين، وفي العين الواحدة نصف الدية، على مقتضى كلام الخرقي، لما تقدم في حديث عمرو بن حزم، وعموم كلامه يقتضي شمول عين الأعور، وهو مقتضى حديث عمرو بن حزم، والمذهب
أن في عين الأعور دية كاملة.
2996 - نظرا إلى قضاء الصحابة عمر وعثمان وعلي وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ولا يعرف عن غيرهم خلافهم، ولأن قلع عينه يتضمن ذهاب بصره كله، إذ الأعور يبصر بعينه كما يبصر الصحيح، فوجبت الدية كما لو أذهب البصر من العينين.
قال: وفي الأشفار الأربعة الدية.
ش: في الأشفار الدية، لأن ذلك هو جميع الجنس، فوجب فيه جميع الدية كاليدين والرجلين، والأشفار فسرها أبو محمد بالأجفان، وهو مقتضى كلام غيره، وابن أبي الفتح يجعل الشفر منبت الهدب، والجفن غطاء العين، والله أعلم.
قال: وفي كل واحد منها ربع الدية.
ش: لأنه عدد تجب الدية في جميعه، فوجب في بعضه بالقسط، كاليدين والأصابع والله أعلم.
قال: وفي الأذنين الدية.
. .
ش: لأنهما مما في البدن منه شيئان.
2997 - ويروى ذلك عن عمر وعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وادعى أبو محمد أنه في كتاب عمرو بن حزم، ولم أره، وقد شمل كلام الخرقي الأذن الصماء، والأذن المستحشفة، والأذن المخرومة، وهو صحيح إن قلنا: يؤخذ به السالم من ذلك في العمد، وإلا الواجب في ذلك حكومة، والله أعلم.
قال: وفي السمع إذا ذهب من الأذنين الدية.
2998 - ش: يروى هذا عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
2999 - ويروى أيضا عن معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «وفي السمع الدية» وقال ابن المنذر: أجمع عليه عوام أهل العلم.
ولأنه حاسة تختص بنفع، فكان فيه الدية كالبصر، ولو ذهب السمع من أحد الأذنين وجب نصف الدية والله أعلم.
قال: وفي الأنثيين الدية.
ش: لحديث عمرو «في البيضتين الدية» ، ويجب في إحداهما نصفها.
قال: وفي الصعر الدية.
ش: لذهاب المنفعة والجمال، أشبه سائر المنافع.
3000 - ولأن ذلك يروى عن زيد بن ثابت، ولا يعرف له مخالف.
قال: والصعر أن يضربه فيصير الوجه في جانب.
ش: قال الجوهري: الصعر الميل في الخد خاصة، وقال أبو محمد: أصله داء يأخذ البعير في عنقه فيلتوي له عنقه، وفي التنزيل: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: 18] أي لا تعرض عنهم بوجهك تكبرا كإمالة وجه البعير الذي به الصعر، والله أعلم.
قال: وفي المثانة إذا لم يستمسك البول الدية.
ش: لأنه عضو فيه منفعة كثيرة، ليس في البدن مثله أشبه سائر الأعضاء، ومنفعة المثانة حبس البول، فإذا غيرت فقد زالت المنفعة.
قال: وفي قرع الرأس إذ لم ينبت الشعر الدية، وفي الحاجبين إذا لم ينبت الشعر الدية، وفي اللحية إذا لم ينبت الشعر الدية.
ش: هذا هو المذهب المشهور من الروايتين، لأنه إذهاب للجمال على الكمال، فوجبت الدية كاملة كأنف الأخشم،
وأذن الأصم، (والرواية الثانية) في الجميع حكومة، لأنه إذهاب جمال من غير منفعة، فأشبه اليد الشلاء، وألحق الأصحاب بهذه الثلاثة أهداب العينين، فجعلوا فيها دية على المذهب، وفي الواحد منها ربع الدية، كما أن في الحاجب نصفها، وقوله: إذا لم ينبت.
شرط لوجوب الدية، فلو نبتت فلا دية.
قال: وفي المشام الدية.
. .
ش: قال أبو محمد: أراد الشم، انتهى.
ويجوز أن يكون أراد المنخرين.
وفي كل واحد من ذلك نصف الدية، أما الأول فلأنها حاسة تختص بمنفعة، أشبهت سائر المنافع، مع أن القاضي يدعي أن في حديث عمرو «وفي المشام الدية» ولم أر ذلك، وأما الثاني فلأنه مما في الإنسان منه شيئان، وهو إحدى الروايتين، والمشهور منهما، وعليها ففي الحاجز حكومة، (والرواية الثانية) فيهما ثلثا الدية، وفي الحاجز ثلثها، اختارها أبو بكر، والله أعلم.
قال: وفي الشفتين الدية.
ش: لحديث عمرو «وفي الشفتين الدية» وفي كل واحدة نصف الدية على المذهب المشهور من الروايتين، قياسا على ما في الإنسان منه شيئان.
3001 - واتباعا لأبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، (والرواية الثانية) في الشفة السفلى ثلثا الدية، وفي العليا ثلثها.
3002 - اتباعا لزيد بن ثابت، ولأن نفع السفلى أكثر، فناسب أن تزيد ديتها على دية العليا.
قال: وفي اللسان المتكلم به الدية.
ش: لحديث عمرو بن حزم، وقد حكى إجماعا، وقوله: المتكلم به، يحترز به عن لسان الأخرس، فإن الدية لا تكمل فيه، بل الواجب فيه إما ثلث الدية، أو حكومة على اختلاف الروايتين، ويستثنى من عموم المفهوم لسان الطفل، فإن الكلام منتف فيه، والدية واجبة فيه، نعم إن بلغ إلى حد يتحرك فيه بالبكاء ولم يحركه فحكمه حكم لسان الأخرس، والله أعلم.
قال: وفي كل سن خمس من الإبل إذا قلعت ممن قد ثغر.
ش: في كل سن خمس من الإبل على المذهب، لما تقدم
من حديث عمرو بن حزم.
3003 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «في كل إصبع عشر من الإبل، وفي كل سن خمس من الإبل، والأصابع سواء، والأسنان سواء» . . . رواه الخمسة إلا الترمذي، وقال في المغني: وحكي عن أحمد أن في جميع الأسنان والأضراس دية.
. قال: ويتعين حمل هذه الرواية على مثل قول سعيد، للإجماع على أن في كل سن خمسا من الإبل، والأسنان فيها ستون بعيرا، لأنها اثنا عشر سنا، أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، ففيها خمس، والأضراس فيها أربعون، لأنها عشرون ضرسا.
. . انتهى.
3004 - وقول سعيد هو أن في كل ضرس بعيرين، ولأبي الخطاب في الهداية احتمال تبعه عليه في المقنع أن الواجب في الجميع دية واحدة وأطلق، وحقق أبو البركات هذا القول فقال: وقيل: إن قلع الكل أو فوق العشرين دفعة لم يجب سوى الدية، وذلك لأن هذه تشتمل على منفعة الجنس، فكان الواجب فيه دية كاملة، كبقية المنافع، ويحمل الحديث على ما إذا قلعها
متفرقة، أو قلع دون العشرين.
وشرط وجوب ما تقدم أن تكون قد قلعت ممن قد أثغر، وهو الذي قد سقطت رواضعه، فأما سن الصبي الذي لم يثغر فهل يجب فيها ما يجب في سن من أثغر، لعموم الحديث، وهو اختيار أبي الخطاب، وأبي محمد، أو لا يجب إلا حكومة وهو اختيار القاضي، ويحتمله كلام الخرقي، لعدم مساواتها لسن الكبير، وذلك يقتضي أن ينقص عنها؟ على روايتين، (وشرط الوجوب) في سن الصغير وغيره عدم عود مثلها، فلو نبت مثل السن في محلها فلا شيء له، حتى لو كان قد أخذ الدية أخذت منه، كالشعر إذا نبت، نعم لو عادت قصيرة أو متغيرة فله الأرش، (ويشترط) أيضا لوجوب أخذ الدية الإياس من عودها، فإن رجي عودها لم تجب ديتها، والمرجع في ذلك إلى قول أهل الخبرة، قاله أبو البركات (وعن أحمد) أنه قيد ذلك في سن الصغير بسنة، فإذا مضت وجبت الدية، وقال القاضي: إذا سقطت أخواتها ولم تعد هي أخذت الدية وهو حسن، وإنما وقع لأحمد والقاضي التقييد في الصغير دون غيره لأن الغالب أن سن الكبير لا يرجى عودها، فلا انتظار.
تنبيهان (أحدهما) لو مات من قلعت سنه في مدة الانتظار فهل تجب دية السن لوجود سبب الدية.
. . والأصل عدم العود، أو لا تجب، لاحتمال العود، والأصل براءة الذمة؟ فيه قولان،
وأبو محمد يخصهما بسن الصغير، لأن الانتظار عنده إنما هو فيه.
(والثاني) تجب دية السن فيما ظهر منها من اللثة، لأن ذلك هو المسمى بها سنا، وما في اللثة يسمى سنخا، ولو قلعها ابتداء بسنخها لم يجب فيها أكثر من الدية.
قال: والأضراس والأنياب كالأسنان.
ش: أي يجب فيهم ما يجب في الأسنان، وذلك لما تقدم.
3005 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الأسنان سواء الثنية والضرس سواء» رواه ابن ماجه وهو نص، وقد تقدم لنا قويل أن في كل ضرس بعيرين ولا عمل عليه.
قال: وفي الثديين الدية سواء كان من رجل أو امرأة.
ش: لأنهما مما في الإنسان منه شيئان، وقد تقدم أن كل ما في الإنسان منه شيئان فيه الدية، ولأن في ثدي المرأة جمالا ونفعا، أشبها اليدين وفي ثندوتي الرجل جمالا كاملا، أشبها أذني الأصم، وعلى هذا في أحدهما نصفها.
قال: وفي الأليتين الدية.
. .
ش: لما تقدم، قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من أهل
العلم يقولون في الأليتين الدية، ولأن فيهما جمالا ومنفعة، لأنه يجلس عليهما كالوسادتين، فأشبها اليدين، وفي إحداهما نصفها لما تقدم.
قال: وفي الذكر الدية.
ش: لحديث عمرو بن حزم وقد تقدم، مع أنه إجماع والحمد لله، ولا فرق بين ذكر الكبير والصغير، وإن لم يقدر أن يجامع به، لعموم الحديث، مع صلاحيته لذلك، وعموم كلام الخرقي يدخل فيه ذكر العنِّين والخصي، والذكر الأشل، ولا نزاع فيما نعلمه أن الذكر الأشل لا تكمل فيه الدية، وإنما الواجب فيه هل هو حكومة أو ثلث ديته؟ على روايتين يأتي توجيههما في اليد الشلاء أما ذكر الخصي والعنين ففيهما ثلاث روايات، (إحداها) وهي المشهورة حكمها حكم الذكر الأشل، لأن منفعة الذكر الإنزال والإحبال، وذلك مفقود فيهما.
(والثانية) فيهما كمال الدية، لعموم الحديث، ولأنه عضو سليم في نفسه، فكملت ديته كذكر الشيخ.
(والثالثة) يجب الكمال في ذكر العنين، لأنه غير مأيوس من الإنزال به والإحبال، بخلاف ذكر الخصي.
(تنبيه) ينبني على الخلاف السابق في ذكر الخصي إذا قطع الذكر والخصيتين معا، أو الخصيتين ثم قطع الذكر، وجبت
ديتان بلا ريب، ولو قطع الخصيتين أولا، ثم قطع الذكر، وجبت دية الخصيتين، وفي الذكر روايتان، إحداهما دية، والأخرى حكومة أو ثلث ديته، على اختلاف الروايتين في الواجب فيه إذا لم يجب فيه كمال الدية.
قال: وفي اليدين الدية.
ش: هذا إجماع والحمد لله، وقد شهد له حديث عمرو بن حزم، وفي إحداهما نصفها، وقد شمل كلامه اليد الشلاء والزائدة، وسيأتي الكلام على اليد الشلاء إن شاء الله تعالى، وحكم اليد الزائدة حكمها، وتجب الدية في قطعها من الكوع إذ اليد إذا أطلقت في الغالب أريد بها ذلك، بدليل التيمم، وقطع السارق، وغسل اليدين إذا قام من نوم الليل، فإن قطهما من فوق ذلك فهل في الزائد حكومة، وهو اختيار القاضي فيما حكاه عنه أبو محمد، وأبو الخطاب، كما لو قطعه بعد قطعها من الكوع، أولا تجب، وهو منصوص أحمد في رواية أبي طالب، وقول القاضي في الجامع؟ على قولين، لأن اليد في الأصل اسم لليد إلى المنكب، مع أن الأصل براءة الذمة.
وفي إحداهما نصفها إلا على رواية ضعيفة، وهو إذا لم تكن له إلا يد واحدة ففيها دية كاملة، كعين الأعور، وعلى
هذه لو قطع يد من له يدان لم تقطع يده، بل يكون عليه دية كاملة.
قال: وفي الرجلين الدية.
ش: هذا أيضا إجماع والحمد لله، وحديث عمرو بن حزم يدل عليه، وكلامه يشمل رجل الأعرج، وهو المذهب، لأن العرج لمعنى في غير القدم، وعن أبي بكر: فيها ثلث الدية كاليد الشلاء، ويستثنى من عموم كلامه الرجل الشلاء فإن حكمها حكم اليد الشلاء، وسيأتي إن شاء الله تعالى، وتجب دية الرجل في قطعها من الكعب، فإن قطعها من فوق ذلك فقولان، كما تقدم في قطع اليد، وحكم قطع إحداهما حكم قطع إحدى اليدين.
قال: وفي كل إصبع من اليد والرجل عشر من الإبل.
ش: لما تقدم من حديث عمرو بن حزم، وعمرو بن شعيب.
3006 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «هذه وهذه سواء» . . . يعني الخنصر والإبهام رواه الجماعة إلا مسلما، وللترمذي وصححه: «أصابع اليدين والرجلين سواء، عشر من الإبل لكل أصبع» ويستثنى من كلامه الإصبع الزائدة، فإن فيها ثلث ديتها، أو حكومة، على اختلاف