شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 618-657
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 618-657
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال: فإن شاء المشتري أخذه بعد ذلك بما قال البائع، وإلا انفسخ البيع بينهما.
ش: هذا تفريع على المذهب من أنهما يتحالفان، وإذا هل ينفسخ البيع بينهما بنفس التحالف، وهو المنصوص، على ما زعم ابن الزاغوني، لأن المقصود من التحالف رفع العقد، فاعتمد ذلك أو لا ينفسخ بذلك، وهو المشهور، والمعروف، والمختار للخرقي، وابن أبي موسى، وأبي الخطاب، والشيخين وغير واحد، لأنه عقد صحيح، فتنازعهما لا يقتضي فسخه، كما لو أقام كل منهما بينة؟ على قولين، وعلى الثاني إن شاء المشتري الأخذ بما قال البائع أخذ به ولا فسخ، لما تقدم من حديث ابن مسعود، وكذلك إن رضي البائع بما حلف عليه المشتري.
وإن امتنعا من ذلك فهل ينفسخ البيع بمجرد إبائهما، وهو ظاهر كلام الخرقي، أو لا ينفسخ بذلك، وهو المعروف عند الشيخين وغيرهما؟ على قولين، وعلى الثاني: هل يفتقر الفسخ إلى حاكم؟ وهو احتمال لأبي الخطاب في الهداية، وقطع به ابن الزاغوني، لوقوع الخلاف في ذلك، أو لا يفتقر

إلى ذلك، بل لكل منهما الفسخ، وهو مختار الشيخين وغيرهما، لما تقدم من حديث ابن مسعود «أو يترادان البيع، أو يتتاركان البيع، ثم يخير المبتاع، إن شاء أخذ، وإن شاء ترك» وفي الحديث أن الأشعث بن قيس قال لعبد الله بن مسعود - وكانا اختلفا في ثمن مبيع -: فإني تارك لك البيع؟ على قولين، والله أعلم.

قال: والمبتدي باليمين البائع.
ش: لما قال - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إن البائع والمشتري يتحالفان.
فلا بد من أن أحدهما يبدأ باليمين، فقال: إن المبتدئ بها هو البائع، وذلك لتساويهما من حيث الإنكار، وترجح البائع لكون العين ترجع إليه بعد التحالف، ومن نكل منهما عن اليمين، أو عن بعضها قضي عليه.
(تنبيه) صفة اليمين أن كلا منهما يحلف يمينا واحدة، يجمع فيها بين النفي والإثبات، فيحلف البائع: ما بعته بكذا، وإنما بعته بكذا، أو ما بعته إلا بكذا.
ثم يحلف المشتري: ما اشتريته بكذا، وإنما اشتريته بكذا.
أو: ما اشتريته إلا بكذا، لأن كلا منهما مدع ومدعى عليه، فالإثبات لدعواه، والنفي لما ادعي عليه، ثم هل يبدأ بالنفي،

وهو المشهور، لدفع قول الخصم، أو بالإثبات، لإثبات دعواه ابتداء؟ على وجهين، والله أعلم.

قال: وإن كانت السلعة تالفة تحالفا.
ش: يعني أنه لا فرق بين أن تكون السلعة قائمة أو تالفة، أنهما يتحالفان، وهذا إحدى الروايتين، (والثانية) - وهي أنصهما، واختيار أبي البركات -: إن كانت السلعة باقية تحالفا، وإن كانت تالفة فالقول قول المشتري مع يمينه.

1951 - لأن في حديث ابن مسعود - في رواية ابن ماجه - والبيع قائم بعينه وفي رواية لأحمد والسلعة كما هي ومفهومه أن السلعة إذا تلفت لا يكون القول قول البائع، وإذا يكون قول المشتري، لأن حقيقة ما يدعى عليه قدر رأس المال، وهو ينكر بعضه، والقول قول المنكر، وقد صرح بذلك الدارقطني في رواية، فقال: «إذا اختلف البيعان فالقول قول البائع، فإذا استهلك فالقول ما قال المشتري» وهذا نص.
والرواية الأولى اختيار الخرقي والأكثرين، لأن المشهور والصحيح من الرواية في الحديث ما تقدم، وهذه الرواية قد ضعفت، من قبل أن راويها محمد بن أبي ليلى، وهو سيء الحظ، ورواية الدارقطني فيها الحسن بن عمارة، وهو متروك.
1952 - ثم يعارضه ما روى الدارقطني أيضا في الحديث عن عبد الله، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا اختلف البيعان، والمبيع مستهلك، فالقول قول البائع» لكنه من رواية عبد الله بن عصمة، وهو ضعيف، انتهى.
واعلم أن هذه الرواية المنصورة، وقد أخذها القاضي في روايتيه من إطلاق أحمد أن المتبايعين إذا اختلفا تحالفا، ولم يفرق، وعلى هذا من يخص عام كلام إمام بخاصه تكون المسألة عنده رواية واحدة، في أن القول مع التلف قول المشتري.
ثم اعلم أن أبا محمد ينصر الرواية المنصورة عند الأصحاب، لكن يقول: ينبغي أن قيمة السلعة إذا كانت مساوية للثمن الذي ادعاه المشتري، أن القول قول المشتري مع يمينه، لعدم الفائدة في يمين البائع، وفسخ البيع، إذ حاصله يرجع إلى ما ادعاه المشتري، وله فيما إذا كانت القيمة أقل احتمالان: (أحدهما) : كالأول، إذ لا فائدة للبائع في الفسخ، بل وفيه ضرر عليه: (والثاني) : يشرع

التحالف، لحصول الفائدة للمشتري، والله سبحانه أعلم.
قال ورجعا إلى قيمة مثلها، إلا أن يشاء المشتري أن يعطي الثمن على ما قاله البائع.
ش: يعني إذا كانت السلعة تالفة وتحالفا فإن شاء المشتري أن يعطي الثمن عل ما قال البائع، وإلا انفسخ البيع بينهما على ما قاله الخرقي، وإذا يرجع كل منهما إلى ما خرج عنه، والذي خرج عن المشتري هو الثمن، فيرجع فيه، إن كان قد قبض، والذي خرج عن البائع هو السلعة، وقد تعذر الرجوع فيها، فيرجع في بدلها وهو القيمة، فإن تساويا، وكانا من جنس واحد، تقاصا وتساقطا، وإلا سقط الأقل، ومثله من الأكثر، هذا المشهور والمعروف.
وقال ابن المنجا: إن كلام أبي الخطاب أن القيمة إن زادت على الثمن أن المشتري لا تلزمه الزيادة، لأنه قال: المشتري بالخيار بين دفع الثمن الذي ادعاه البائع، وبين دفع

القيمة، وذلك لأن البائع لا يدعي الزيادة (قلت) : وكلام أبي الخطاب ككلام الخرقي، وليس فيه أن ذلك بعد الفسخ، بل هذا التخيير مصرح به بأنه بعد التحالف، وليس إذ ذاك فسخ، ولا شك أن المشتري والحال هذه مخير - على المشهور كما تقدم - عند قيام السلعة، فكذلك عند تلفها، والذي قاله ابن المنجا كأنه بحث لصاحب النهاية، فإنه حكى عنه بعد ذلك أنه قال: وجوب الزيادة أظهر لأن بالفسخ سقط اعتبار الثمن.
وقد بحث أبو العباس ذلك أيضا، فقال: يتوجه أن لا تجب قيمته إلا إذا كانت أقل من الثمن، أما إن كانت أكثر فهو قد رضي بالثمن، فلا يعطى زيادة، لاتفاقهما على عدم استحقاقها، قال: كما قلنا مثل هذا في الصداق ولا فرق، إلا أن هنا انفسخ العقد الذي هو سبب استحقاق المسمى، بخلاف الصداق، فإن المقتضي لاستحقاقه قائم.
والله أعلم.

قال: فإن اختلفا في صفتها فالقول قول المشتري مع يمينه في الصفة.
ش: أي إذا تحالفا ورجعا إلى قيمة السلعة، فإن اتفقا على قيمتها فلا كلام، وإن اختلفا في صفتها، والصفة ليست عيبا - كالسمن والكتابة ونحوهما - فالقول قول المشتري مع يمينه، بلا نزاع نعلمه، لأنه غارم، والقول قول الغارم، واعتمادا على أصل براءة الذمة، ثم الأصل عدمها، وإن كانت عيبا، كالبرص، والخرق في الثوب، ونحو ذلك، فهل القول قول المشتري، وهو المشهور، وظاهر كلام الخرقي، لما تقدم من أنه غارم، أو قول البائع في نفي ذلك، لأن الأصل عدمها؟ فيه وجهان، وملخص الأمر أنه قد تعارض أصلان، فخرج قولان، والله أعلم.

بيع العبد الآبق والطير في الهواء

قال: ولا يجوز بيع الآبق.
ش: لأنه بيع غرر، وإنه منهي عنه شرعا، والنهي يقتضي الفساد.

1953 - ودليل النهي ما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الغرر» . 1954 - على أن في المسند، وسنن ابن ماجه، عن أبي سعيد: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع ما في بطون الأنعام، وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء الغنائم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن ضربة الغائص» . إلا أن فيه كلاما، ومن ثم قال البيهقي: هذا وإن لم يثبت فكله داخل في بيع الغرر، [قلت

وهذا صحيح، إذ الغرر]- على ما فسره القاضي من أصحابنا [وغيره]- ما تردد بين جائزين، ليس هو في أحدهما أظهر، والآبق كذلك، لأنه متردد بين الحصول والعدم، وكلام الخرقي شامل لآبق يعلم خبره أو لا يعلم، وهو كذلك، والله أعلم.

قال: ولا الطائر قبل أن يصاد.
ش: لأن ذلك من الغرر المتقدم، وقد دخل في كلام الخرقي المملوك وغير المملوك، وما يألف العود أو لا يألفه، وهو كذلك.
وقوله: قبل أن يصاد، يخرج منه ما إذا صيد [وهو واضح، ثم: ما صيد.
يدخل فيه ما صيد] ببرج ونحوه،

وقد اختلف في بيع الطائر في البرج، فأجازه أبو محمد، بشرط كون الباب مغلوقا، إناطة بالقدرة على التسليم، وشرط القاضي مع ذلك إمكان أخذه بسهولة، فإن لم يمكن أخذه إلا بتعب ومشقة لم يجز، لأن قدر ذلك غير معلوم، والله أعلم.

قال: ولا السمك في الآجام.
ش: لما تقدم أيضا.
1955 - وقد روي عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر» رواه الإمام أحمد، لكن قال البيهقي: إن فيه انقطاعا.
وقوله: في الآجام.
يخرج منه ما إذا كان بيده ونحوه ذلك، كأن كان في بركة معدة للصيد، وعرف إما برؤيته كما إذا رئي في الماء لصغر البركة، ونحوها، وأمكن أخذه،

صح بيعه، لانتفاء المحذور، وهو عدم القدرة على التسليم، نعم إن كان في أخذه كلفة ومشقة خرج فيه ما تقدم من الخلاف في الطائر في البرج، وأبو محمد هنا يسلم أن البركة إذا كانت كبيرة، وتطاولت المدة في أخذه، أنه لا يجوز بيعه، للجهل بوقت إمكان التسليم، والله أعلم.

قال: والوكيل إذا خالف فهو ضامن، إلا أن يرضى الآمر فيلزمه.
ش: أما ضمان الوكيل إذا فلأنه خرج بمخالفته من حيز الأمانة إلى حيز الخيانة، وإذا يضمن، لتعديه وظلمه، وأما زوال الضمان عنه برضى الآمر فلأن الضمان كان لمخالفته، وبرضى الآمر كأن المخالفة قد زالت.
هذا من حيث الجملة، أما من حيث التفصيل فمخالفة الوكيل تارة تكون في أصل ما وكل فيه، كأن يوكله في شراء عبد، فيشتري ثوبا، أو في بيع عبده زيد، فيبيع عبده سعيدا، ونحو ذلك، فهذا لا إشكال في ضمان ما فوته على المالك، لعدم موافقته المأمور بوجه، ثم ينظر فإن كان البيع لأعيان مال الموكل، أو الشراء بعين ماله، لم يصح تصرفه، على الصحيح المشهور من الروايتين، لارتكابه النهي.

1956 - بدليل حديث «حكيم بن حزام: نهاني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن أبيع ما ليس عندي» . وفي لفظ: «لا تبع ما ليس عندك» رواه البخاري وغيره، أي: ما ليس في ملكك.
1957 - بدليل ما في سنن البيهقي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرسل عتاب بن أسيد إلى أهل مكة «أن أبلغهم عن أربع خصال، إنه لا يصلح شرطان في بيع، [ولا بيع وسلف] ، ولا بيع ما لم يملك، ولا ربح ما لم يضمن» .

(والثانية) يقع التصرف موقوفا على إجازة مالكه، إن أجازه جاز، وإن رده بطل.
1958 - لحديث «عروة بن أبي الجعد البارقي، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطاه دينارا ليشتري به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى التراب لربح فيه» ، رواه البخاري وغيره.

وإن كان الشراء في الذمة فهل ذلك كما لو كان الشراء بالعين، تجري فيه الروايتان، وهو قول القاضي في روايتيه، أو يصح هذا في الجملة بلا خلاف، وهو المعروف المشهور؟ على طريقتين للأصحاب، وعلى الثاني: هل من شرط الصحة أن لا يسمي الموكل في العقد، وهو رأي القاضي، وأبي البركات، أو لا يشترط ذلك، وهو رأي أبي محمد؟ وفيه قولان، وحيث حكم بالصحة فإن رضي الموكل بذلك التصرف لزمه، وزال الضمان عن الوكيل، فيما دفعه من مال ونحو ذلك، وإلا لزم الوكيل ما اشتراه، وعليه ضمان الثمن إن كان قد نقده، وعلى هذه الصورة يحمل كلام الخرقي، انتهى.

وتارة يخالف الوكيل في صفة ما وكل فيه، فهذا إن شهد العرف أن مخالفته كلا مخالفة لم تضر، وذلك كأن يوكله في بيع شيء بمائة، فيبيعه بمائة وعشرة، أو بدرهم فيبيعه بدينار، على أحد الوجهين، لحصول المقصود بالدرهم من الدينار من كل وجه، بخلاف العرض، أو يأمره بالبيع نساء، أو الشراء حالا، فيبيع حالا، أو يشتري نسيئة، ولا ضرر على الموكل في حفظ الثمن، وعن القاضي أنه لم يشترط نفي الضرر، أو يأمره بالبيع بثمن في سوق، فيبيع به في آخر، لعدم تعلق الغرض به غالبا، بخلاف ما لو قال: بعه لزيد، فباعه لعمرو، فإنه لا يصح لتعلق عرضه بذلك غالبا، انتهى.
وإن لم يشهد العرف بذلك لكن يمكن تدارك ما حصل من الضرر عن الموكل، مثل أن يوكله في بيع شيء بمائة، أو شراء شيء بخمسين فيبيع بخمسين ويشتري بمائة، ونحو ذلك، فهذا هل يصح ويضمن الوكيل الزيادة والنقص، لتفريطه، ومخالفته، وهو المنصوص، لزوال الضرر عن الموكل، ولا يلزم من زوال الوصف زوال الأصل، أو لا يصح، وهو اختيار أبي محمد في المغني، وبه جزم صاحب

التلخيص، وقال: إنه الذي تقتضيه أصول المذهب، ويحكى رواية، لأنه مع مخالفته خرج عن حيز الأمانة، فصار بمنزلة الأجنبي، أو يصح البيع ولا يصح الشراء، لئلا يلزم العوض لغير من حصل له المعوض، وهذا المحذور فائت في البيع، وهو الذي قطع به أبو محمد في المقنع؟ على ثلاثة أقوال، انتهى.
وإن لم يشهد العرف بذلك، ولم يمكن التدارك، كما تقدم فيما إذا أمره بالبيع لزيد فباع لعمرو، ونحو ذلك، فإنه لا يصح قولا واحدا، والله أعلم.

بيع الملامسة والمنابذة

قال: وبيع الملامسة والمنابذة غير جائز.
ش: المراد هنا بالجواز الصحة، وبعدمه البطلان، وإنما لم يصحا للنهي عنهما، المقتضي للفساد شرعا.

1959 - ففي الصحيحين عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن الملامسة والمنابذة» ، وفي رواية لمسلم «أما الملامسة فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه، بغير تأمل، والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، ولم ينظر كل واحد منهما ثوب صاحبه» . 1960 - وفي الصحيحين عن أبي سعيد نحوه، متنا وتفسيرا، والمنع من ذلك كان لاختلال شرط في المبيع، وهو العلم به، وقد فسر أيضا بأن يقول: أي ثوب لمسته فهو علي بكذا، أو أي ثوب نبذته فهو علي بكذا، وهنا يجتمع مفسدان: الجهالة، والتعليق على شرط، والله أعلم.

بيع الحمل في البطن دون الأم

قال: وكذلك بيع الحمل في البطن دون الأم.
ش: أي غير جائز، وقد حكى ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك.
1961 - وفي الصحيحين عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع حبل الحبلة» ، وكان بيعا يتبايعه أهل

الجاهلية، يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، وتنتج التي في بطنها.
1962 - وروى مالك عن ابن شهاب، أن سعيد بن المسيب كان يقول: لا ربا في الحيوان، «وإن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما نهى في بيع الحيوان عن ثلاث، المضامين والملاقيح، وحبل الحبلة» ، فالمضامين ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح ما في ظهور الجمال، والنهي عن ذلك لعدم العلم بالمبيع، وانتفاء

القدرة على التسليم.
وقول الخرقي: دون الأم.
احترازا مما إذا باعه مع أمه، فإنه يصح، تبعا لأمه، كأس الحيط، ويدل هذا من كلامه على أن للحمل حكما، وأنه يأخذ قسطا من الثمن، وهو التحقيق، واختيار أبي محمد وغيره، وعن القاضي أنه لا حكم له وبيان ذلك، وما يتفرع عليه له محل آخر.
(تنبيه) : «حبل الحبلة» بفتح الباء فيهما على الصحيح رواية ولغة، والحبل مصدر: حبلت المرأة.
بكسر الباء: تحبل.
بفتحها، إذا حملت، والحبلة جمع حابل كظالم وظلمة، وأصل الحبل في بنات آدم، والحمل في غيرهن، قاله أبو عبيد، وقد فسر ابن عمر ذلك، وإلى تفسيره صار الفقهاء، وقال المبرد: حبل الحبلة حمل الكرمة قبل أن تبلغ، والحبلة الكرمة، بسكون الباء وفتحها «والمضامين، والملاقيح» قد فسرهما سعيد بن المسيب، قال الشافعي: الملاقيح ما في بطون الإناث، والمضامين ما في

ظهور الجمال.
وكذا فسره أبو عبيد وغيره، والله أعلم.

بيع عسب الفحل

قال: وبيع عسب الفحل غير جائز.
ش: عسب الفحل ضرابه، وبيع ذلك - وكذلك إجارته لذلك - لا تصح، للنهي عن ذلك.
1963 - ففي البخاري عن ابن عمر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن عسب الفحل» . 1964 - وفي مسلم: «نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ضراب الفحل» ، ولأنه لا يتحقق تسليم ذلك، لأنه معلق باختيار الفحل وشهوته.

ولابن عقيل احتمال: يجوز إجارته لذلك، لأنها منفعة مقصودة، والغالب حصول النزو، فيكون ذلك مقدورا عليه، وجوز أبو محمد دفع الأجرة دون أخذها، لاحتياج الدافع إلى ذلك.
1965 - ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى الحجام.
1966 - وقال: «إن كسبه خبيث» وفيما قاله نظر، لأنه إن سلم أن الخبيث المحرم فالمراد بالكسب الأجرة، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يدفع إليه ذلك أجرة، وإلا يلزم أنه أعانه على المعصية،

وهو ممتنع قطعا، وإنما دفع إليه ما دفعه على سبيل البر والصلة.
وقد بالغ إمامنا - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فمنع أن يعطى صاحب الفحل شيئا على سبيل الهدية ونحوها، وقوفا على ما ورد، وقال: لم يبلغنا أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى في مثل هذا شيئا، كما بلغنا في الحجام، وقد قرر القاضي ذلك، وقال: إنه مقتضى النظر، لكن ترك في الحجام للنص، فيبقى فيما عداه على مقتضى المنع، وأبو محمد حمل كلام الإمام أحمد على التورع، وجوز الدفع إليه على سبيل الهدية ونحوها.
1967 - لما روي عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن رجلا من بني كلاب سأل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن عسب الفحل، فنهاه عن ذلك، فقال: يا رسول الله إنا نطرق ونكرم، فرخص في الكرامة» ، رواه الترمذي، (قلت) : وهذا الحديث الظاهر أنه لم

يثبت عند الإمام، والله سبحانه أعلم.

بيع النجش

قال: والنجش منهي عنه.
ش: هذا مما لا ريب فيه.
1968 - فعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تتلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد» . 1969 - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن النجش» ، والنجش أن تعطيه بسلعته أكثر من ثمنها، وليس في نفسك شراؤها، فيقتدي بك غيرك.

1970 - وقال ابن أبي أوفى: الناجش آكل ربا، خائن، وهو خداع باطل لا يحل.
ذكره البخاري تعليقا.
وظاهر كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن البيع مع النجش صحيح، لأنه قال: والنجش منهي عنه، وقال فيما تقدم: غير جائز، وهذا هو المذهب المشهور، لأن النهي لحق آدمي معين، ويمكن تداركه، فأشبه تلقي الركبان، وبيع المدلس، ونحو ذلك، وقيل عن أحمد رواية أخرى، أن البيع باطل تغليبا لحق الله تعالى في النهي، وقال أبو محمد: إن هذا اختيار أبي بكر، والذي في التنبيه: أن النجش لا يجوز.
وفي المذهب قول ثالث، صححه ابن حمدان: إن نجش البائع، أو واطأ على ذلك بطل البيع، وهذا القول خرجه صاحب التلخيص من قول أبي بكر، في إبطال البيع بتدليس العيب، وهو يؤيد رد ما حكاه عنه أبو محمد من البطلان

مطلقا، انتهى، ووجه هذا القول أن البائع أحد ركني العقد، فارتكابه النهي يفسد البيع، بخلاف الأجنبي.
وإذا صح البيع فحيث غر المشتري - وذلك بأن كان جاهلا بالقيمة، فغبن غبنا يخرج عن العادة - ثبت له الخيار، نص عليه، دفعا للضرر عنه المنفي شرعا، أما إن كان عارفا بالقيمة فلا خيار له، لأنه الظالم لنفسه بتفريطه.
والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - لم يتعرض للخيار، فيحتمل أنه لم ير ذلك، كما هو قول بعض أهل العلم، لأنه فرط، حيث اشترى ما لا يعرف قيمته، والله أعلم.

قال: وهو أن يزيد في السلعة، وليس هو مشتريا لها.
ش: هذا تفسير النجش، وإذا يغر المستام، وهو نحو تفسير ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وهو حرام وخداع، كما قال ابن أبي أوفى، وقد زاد بعض أصحابنا في تفسيره، فقال: ليغر الغر.
وهو حسن، لأن غير الغر - وهو العارف بالقيم -

لا يغتر بمثل ذلك، وإن اغتر فذلك لعجلته، وعدم تأمله، وأصل النجش قيل: الاستثارة والاستخراج، ومنه سمي الصائد ناجشا، لاستخراجه الصيد من مكانه، فالزائد في السلعة كأنه استخرج من المستام في ثمن السلعة ما لا يريد أن يخرجه، وقيل: أصل النجش مدح الشيء وإطراؤه، والناجش يغر المشتري بمدحه، ليزيد في الثمن، انتهى.
وحكم زيادة المالك في الثمن - كأن يقول: أعطيت في هذه السلعة كذا.
وهو كاذب - حكم نجشه، والله أعلم.

بيع الحاضر للبادي

قال: فإن باع حاضر لباد فالبيع باطل.
ش: الحاضر المقيم في المدن والقرى، والبادي المقيم بالبادية، والمراد هنا بالبادي - على ما قال أبو محمد - من يدخل البلدة من غير أهلها، وإن كان من قرية أو من بلدة أخرى، والحاضر المقيم في البلد، ولا ريب «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الحاضر للبادي» . 1971 - فعن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا بيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» رواه مسلم، والترمذي، وأبو داود، والنسائي.

1972 - وعن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يبيع حاضر لباد، وإن كان أخاه لأبيه وأمه» . 1973 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد» متفق عليهما.
1974 - وروي أيضا ذلك من حديث ابن عمر، وأبي هريرة، وطلحة بن عبيد الله، وإنما نهى عن ذلك - والله أعلم - لأنه متى ترك القادم يبيع سلعته اشتراها الناس منه برخص، وتوسع عليهم السعر، بخلاف ما إذا تولى الحاضر بيعها، فإنه لا يبيعها غالبا إلا بغلاء، وإذا يحصل الضرر لأهل البلد،

وقد أشار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في تعليله إلى ذلك.
ولما كان هذا المعنى وجوده في أول الإسلام أكثر، لما كان عليهم من الضيق، اختلف العلماء في بقاء النهي، وعن إمامنا - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ذلك روايتان (إحداهما) زواله، وقال: كان ذلك مرة.
(والثانية) - وهي المشهورة عنه، وعليها الأصحاب - بقاؤه، لعمومات النهي، ووجود المعنى إذا، فعلى الأولى لا تفريع، أما على المذهب فإذا باع الحاضر لهم، فهل يبطل البيع بشرطه، وبه قطع الخرقي، اعتمادا على النهي لاقتضائه فساد المنهي عنه، ولأن الضرر لا يمكن تداركه لأنه لآدمي غير معين، بخلاف تلقي الجلب، أولا يبطل، لأن النهي لمعنى يتعلق بعين المعقود عليه، وهو النظر لأهل البلد، لمقصود التوسعة، فهو كتلقي الركبان، نظرا لحق الجالبين، لكن ثبت الخيار ثم، لاختصاص الضرر بالعاقد، وهنا غلاء السعر عام؟ على روايتين، وجعل ابن المنجا الصحة على القول بزوال النهي، والبطلان على القول ببقائه ليس بشيء، إنما الروايتان على القول بالبقاء.

ومقتضى كلام الخرقي صحة الشراء للبادي، وهو كذلك، لأن النهي إنما ورد عن البيع، لمعنى يختص به، وهو الرفق بأهل الحضر، وهذا غير موجود في الشراء للبادي، إذ لا يتضرر الحاضر إذا لم يغبن البادي، والخلق في نظر الشارع على السواء.
(تنبيه) : هل للحاضر أن يشير على البادي، من غير أن يباشر العقد؟ مال أبو محمد إلى جواز ذلك.
1975 - اقتداء بطلحة بن عبيد الله، فإنه قال لباد سأله أن يبيع له: «إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يبيع حاضر لباد» ، ولكن اذهب إلى السوق، فإن جاءك من يبايعك فشاورني، حتى آمرك وأنهاك.
1976 - (قلت) : وقد روى البيهقي في سننه عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ادعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه» وهذا نص إن صح، والله أعلم.

قال: وهو أن يخرج الحضري إلى البادي، وقد جلب السلع، فيعرفه السعر، ويقول: أنا أبيع لك بكذا، فنهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك، وقال: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» . ش: أي بيع الحاضر للبادي - الذي قد نهى عنه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والذي هو باطل - هو هذا، وهو (أن يخرج الحضري إلى البادي) أي ليبيع له، فإن كان القاصد هو البادي لم يكن للحاضر أثر في الفعل، وإذا يصح البيع، ويزول النهي، وعموم الأحاديث - وهو الذي فهمه طلحة ابن عبيد الله - يقتضي عدم اشتراط ذلك، انتهى.
(وأن يكون) البادي جلب السلع، أي للبيع لا للخزن ونحو ذلك، [لأن المنع كان لأجل التوسعة، ومع قصد الخزن ونحو ذلك التوسعة في ترغيبه في البيع] . (وأن يكون) البادي جاهلا بالسعر، والحاضر عارفا به، ليعرفه إياه، لأنه

إذا كان عارفا بالسعر لم يزده الحاضر على ما عنده شيئا، وحكى ابن أبي موسى رواية بالبطلان وإن عرف البادي السعر، ورواية بالبطلان أيضا وإن جهل الحاضر السعر.
وزاد القاضي وغيره شرطين آخرين (أحدهما) أن يريد البادي البيع بسعر اليوم، فإن كان قصده البيع بسعر معلوم، كان المنع من البيع من جهته، لا من جهة الحاضر، وزاد بعضهم في هذا الشرط: أن يقصد البيع بسعر اليوم حالا لا نسيئة.
(الشرط الثاني) أن يكون بالناس حاجة إليها، لأن مع عدم حاجتهم التوسعة مستغنى عنها، وهذه الشروط الخمسة شروط للبطلان والنهي، متى فقد واحد منها صح البيع، وزال النهي، والله سبحانه أعلم.

حكم تلقي الركبان

قال: ونهى عن تلقي الركبان.
1977 - ش: الأصل في ذلك ما روى ابن عمر «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن تلقي السلع حتى يهبط بها الأسواق» .

1978 - وعن ابن عباس: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تتلقى الركبان، ولا يبيع حاضر لباد» . متفق عليهما.
1979 - وفي الصحيح أيضا نحو ذلك عن ابن مسعود، وأبي هريرة.
(تنبيه) : يجوز تلقي الجلب في أعلى السوق، قاله أبو محمد، لأن في حديث ابن عمر: «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن تتلقى السلع حتى يهبط بها إلى السوق» . والله أعلم.

قال: فإن تلقوا واشترى منهم فهم بالخيار إذا دخلوا السوق، وعرفوا أنهم قد غبنوا، إن أحبوا أن يفسخوا البيع فسخوا.
ش: إذا تلقيت الركبان فاشترى منهم، فهل يصح البيع، وهو المذهب المنصوص المقطوع به.
1980 - لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه شيئا فصاحبه بالخيار إذا جاء السوق» روه مسلم، وأبو داود،

والترمذي.
ولأن الحق في النهي لآدمي معين، أمكن تداركه، وبهذا فارق الحاضر للبادي، والبيع في وقت النداء، أو لا يصح، اعتمادا على عامة الأحاديث في النهي المطلق؟ على روايتين.
وعلى المذهب للركبان الخيار إذا هبطوا السوق، ورأوا أنهم قد غبنوا، على ظاهر الحديث، وقول عامة الأصحاب، ولم يشترط ذلك بعض المتأخرين، بل العلم بالغبن لأن دخول السوق في الحديث حيلة - والله أعلم - بمعرفة الغبن، فإذا عرف قبل ثبت له الخيار.
وشرط ثبوت الخيار بالغبن أن يكون فاحشا، يخرج عن العادة على المذهب، وقدره بعض الأصحاب بالسدس،

وبعضهم بالثلث، والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أطلق الغبن فيحتمل أنه اكتفى بمجرد الغبن، ويحتمل أن يكون موافقا للأصحاب، إذ الغبن إذا لم يخرج عن العادة لم يطلق عليه في العرف غبن.
وحكم البيع لهم حكم الشراء منهم، إذ الخديعة موجودة فيهما، وإذا الخرقي إنما ذكره الشراء لأنه الغالب.
وقوة كلام الخرقي يقتضي أن الحكم مخصوص بقصد التلقي، فلو خرج بغير قصد، فوافقهم فاشترى منهم، لم يحرم عليه ذلك، وهو احتمال لأبي محمد، وقال القاضي: لا فرق بين القصد وعدمه في امتناع الشراء منهم، إذ النهي دفعا للخديعة والغبن عنهم، وهذا موجود وإن لم يقصد التلقي.

(تنبيه) : المعنى في النهي عن التلقي، والله أعلم، أن المتلقي غالبا إما أن يكذب في سعر البلد، وإذا يكون غارا غاشا، أو يسكت فيكون مدلسا خادعا، أما إن صدق في سعر البلد، فهل يثبت للركبان الخيار، لعموم النهي أو لا يثبت لانتفاء الخديعة؟ فيه احتمالان والله أعلم.

بيع العصير ممن يتخذه خمرا

قال: وبيع العصير ممن يتخذه خمرا باطل.
ش: هذا هو المذهب بلا ريب، لأنه وسيلة إلى المحرم، والوسيلة إلى المحرم محرمة بلا ريب، وإذا يبطل البيع لارتكاب المحرم، قال جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] . 1981 - وفي السنن «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وشاربها، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها» وأشار إلى كل معاون عليها ومساعد فيها.

وفي المذهب قول آخر: يصح البيع مع التحريم، وشرط البطلان على البائع قصد المشتري ذلك، إما بقوله، أو بقرائن دلت على ذلك، أما إن ظن ذلك ولم يتحققه فإن البيع يصح مع الكراهة، قاله صاحب التلخيص، وحكم ما كان وسيلة إلى المحرم كذلك، كبيع السلاح للبغاة، أو لأهل الحرب، أو الجارية للغناء، أو الأقداح والخبز والفواكه والمشموم والشموع لمن يشرب عليها المسكر، والبيض للقمار، والحرير لمن يحرم عليه، ونحو ذلك، أما بيع السلاح من أهل

العدل لقتال البغاة، وقطاع الطريق، فجائز، والله أعلم.

قال: ويبطل البيع إذا كان فيه شرطان، ولا يبطله شرط واحد.
ش: يبطل البيع بشرطين في الجملة.
1982 - لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك» رواه أبو داود، والترمذي وصححه، ولا يبطل بشرط واحد، لمفهوم ما تقدم.
1983 - وللحديث الصحيح «من باع نخلا مؤبرة فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع» . 1984 - قال الإمام أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنما نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن شرطين في البيع، قال: وحديث جابر يدل على إباحة

الشرط، حين باعه جملة، واستثنى ظهره إلى المدينة، ويستثنى من ذلك - على رأي الخرقي - جز الرطبة فقط، وما في معناها على ما تقدم.
وعموم كلام الخرقي يدخل فيه الشرط الفاسد، فلا يفسد البيع به، وهو إحدى الروايتين، وقد تقدم ذلك أيضا.
(تنبيه) : اختلف في الشرطين المبطلين للعقد، فعن القاضي في المجرد أنهما شرطان مطلقا، أي سواء كانا صحيحين أو فاسدين، من مصلحة العقد أو من غير مصلحته، زاعما أن هذا ظاهر كلام أحمد، ومعتمدا على إطلاق الحديث، وكذلك قال ابن عقيل في التذكرة، معللا بأن اشتراط الشرطين يفضي إلى اشتراط الثلاثة، وما لا

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل