شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 578-617
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 578-617
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ورجع عليه بقدر النماء، فجعلوا الراجع بقدر النماء هو البائع، قال: وكذا صرح به ابن عقيل في النظريات، قال أبو العباس: وهو غلط، بل الراجع المشتري على البائع بقدر النماء، فإن قوله: نمت عنده، ظاهر في النماء المتصل، ولو فرض أنه غير المتصل [فلم يذكر أنه تلف بيد المشتري، والأصل بقاؤه، قال: فتكون هذه الرواية أن الزيادة المتصلة] لا يجب على المشتري الرد بها، بل له إذا أراد رد العين أن يأخذ من البائع قيمة الزيادة.
انتهى.
ويستثنى على المذهب إذا كانت الزيادة ولد أمة، فإنه يتعذر على المشتري الرد، لتعذر التفرقة الممنوع منها شرعا، هذا اختيار الشيخين، وظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور، لكن إذا اختار ردهما معا فهل يلزم البائع

القبول؟ يحتمل وجهين، الظاهر اللزوم، وقال الشريف، وأبو الخطاب في خلافيهما، وشيخهما فيما أظن في تعليقه: له إمساك الولد ورد الأم، لأنه موضع حاجة، وهو ممنوع، للتمكن من الأرش.
إذا عرف ذلك رجعنا إلى لفظ المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فقوله: إذا اشترى أمة ثيبا.
يحترز عن البكر كما سيأتي، وقوله: فأصابها أو استغلها.
لأنه إذا لم يصبها ولم يستغلها المبيع بحاله ولا كلام، وقوله: ثم ظهر على عيب، يخرج ما إذا كان عالما حال العقد، لدخوله على بصيرة، وإذا لا رد له ولا أرش، وقوله: كان مخيرا.
إلى آخره، مبني على القواعد الثلاث المتقدمة، وهي أن مشتري المبيع المعيب غير عالم بعيبه يخير بين الرد، والإمساك مع الأرش، وأن وطء الثيب ليس بعيب، وأن الغلة للمشتري، ولا يمنع الرد، وقوله: لأن الخراج بالضمان.
تعليل لأن الغلة للمشتري، وقوله: والوطء كالخدمة.
بيان لأن الوطء ليس بعيب.
والألف واللام في الوطء لمعهود تقدم، وهو وطء الثيب، والله أعلم.

قال: فإن كانت بكرا فأراد ردها كان عليه ما نقصها.
ش: أي فأراد ردها بعدما أصابها، ولا إشكال أن وطء البكر يعيبها عرفا، وينقصها حسا، لأنه يذهب جزءا منها، وإذا فقد تعيب المبيع عنده، فهل يمنعه ذلك من الرد إذا اطلع على عيب؟ فيه روايتان مشهورتان، (أشهرهما) عن الإمام - وهو اختيار الخرقي، والقاضي أبي الحسين، وأبي الخطاب في الانتصار، وأبي محمد، وغيرهم، قال في التلخيص: هي المشهورة، وعليها الأصحاب -: أن ذلك لا يمنع الرد، لما تقدم من حديث المصراة، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل للمشتري الرد، مع ذهاب جزء من المبيع وهو اللبن، وجعل التمر بدله.
1931 - وروى الخلال بسنده، عن ابن سيرين، أن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال - في رجل اشترى ثوبا ولبسه، ثم اطلع على عيب -: يرده وما نقص.
فأجاز الرد مع النقصان، وعليه اعتمد أحمد.

1932 - وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نحو ذلك أيضا، قال: إن كانت ثيبا رد معها نصف العشر، وإن كان بكرا رد العشر.
لكنه ضعيف، ولهذا لم يعتمده الإمام، ولأن ثبوت الرد كان ثابتا له قبل حدوث العيب عنده، والأصل البقاء ما لم يأت دليل، ثم الحمل على البائع أولى، لأنه إما مدلس، أو مفرط، حيث لم يختبر ملكه.
(والثانية) - واختارها أبو بكر، وابن أبي موسى، وأبو الخطاب في خلافه الصغير - يمنع ذلك الرد، إذ الرد كان لإزالة الضرر [عنه، ومع وجود العيب يلحق الضرر بالبائع، والضرر لا يزال بالضرر] .

1933 - وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في رجل اشترى جارية فوطئها فوجد بها عيبا - قال: لزمته، ويرد البائع ما بين الصحة والداء، وإن لم يكن وطئها ردها.
لكنه ضعيف أيضا، ومن ثم قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا يعلم يثبت عن عمر ولا علي.
فعلى هذه الرواية يتعين للمشتري الأرش، وعلى الأولى على المشتري مع الرد أرش النقص الحادث عنده، وهو ما نقص المبيع المعيب بالعيب، مثاله أن يقال في مسألتنا: كم قيمتها بكرا معيبة بالعيب القديم؟ فإذا قيل: مائة.

فيقال: وثيبا؟ فإذا قيل: ثمانون.
فما بينهما عشرون، فهو الواجب، وعلى هذا.
وعن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - رواية أخرى أن الواجب في وطء البكر المهر، مع أرش البكارة.
والله أعلم.

قال: إلا أن يكون البائع دلس العيب، فيلزمه رد الثمن كاملا.
ش: هذا استثناء مما إذا تعيب المبيع عنده، فإنه على رأيه يرده مع الأرش، واستثنى من ذلك إذا دلس البائع العيب، أي كتمه وأخفاه، فإن للمشتري الرد بلا أرش، وإذا يلزم البائع رد الثمن كاملا، وهذا هو المذهب المنصوص المعروف، وقد نص الإمام على أن المبيع لو تلف عند المشتري - والحال هذه - ثم علم العيب رجع بالثمن كله، ولا شيء عليه للتلف، وبالغ ابن أبي موسى فقال - في صورة الخرقي -: له الرد قولا واحدا، ولا عقر عليه، وذلك لأن البائع مع التدليس قد ورط المشتري وغره، فاقتضى

الحمل عليه، وصالا كالغار بحرية أمة، الضمان عليه بقضاء الصحابة، فكذلك هنا، ومال أبو محمد إلى وجوب الأرش والحال ما تقدم، مستدلا بحديث المصراة، فإن الشارع جعل لبائعها بدل اللبن، مع تدليسه وارتكابه النهي، وبحديث «الخراج بالضمان» والمشتري - والحال هذه - له الخراج، فيكون الضمان عليه لعموم الحديث، وهذا هو الصواب، وقد حكاه أبو البركات رواية، وكذلك صاحب التلخيص، لكنه إنما حكاها في التلف، إذ المشتري لا يرجع إلا بالأرش، والله أعلم.

قال: وكذلك سائر المبيع.
ش: استعمل الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - «سائر» هنا بمعنى «باقي» وهي اللغة الفصحى، كما تقدم، أي باقي المبيع حكمه حكم الأمة فيما تقدم، في أنه إذا اطلع على عيب فيه، خير بين الرد وبين الأرش، [وفي أنه إذا استغله أو فعل فيه فعلا ليس بعيب، لم يمنع ذلك من رده] ، وفي أنه إذا تعيب عنده

له الرد، مع رد النقص الحادث عنده، إلا مع التدليس فلا أرش عليه.
واعلم أن مذهب أبي بكر في التنبيه أن وطء الأمة يمنع الرد مطلقا، معللا باحتمال أن تحمل منه، وتعيب المبيع لا يمنع الرد، فهو قول ثالث، والله أعلم.

قال: ولو باع المشتري بعضها ثم ظهر على عيب، كان مخيرا بين أن يرد ملكه منها بمقداره من الثمن، أو يأخذ أرش العيب بقدر ملكه فيه.
ش: إذا لم يعلم المشتري بالعيب حتى باع بعض المبيع، فله أرش الباقي في ملكه بلا نزاع نعلمه، فإذا باع النصف مثلا، كان له أخذ نصف الأرش، وإن باع الربع كان له ثلاثة أرباع الأرش، وهل له أرش ما باعه؟ فيه روايتان مبنيتان على ما إذا باع الجميع ثم علم بالعيب، هل له الأرش، وهو اختيار القاضي، وأبي محمد، كما لو لم يبعه إذ الأرش بدل الجزء الفائت، أو لا أرش له إلا أن يعود إليه، وهو ظاهر كلام الخرقي، لتوقع العود، أو لاستدراك ظلامته بالبيع؟ فيه روايتان، وهل له رد ما بقي من ملكه من المبيع؟ فيه روايتان أيضا، بناهما القاضي، وابن الزاغون، وغيرهما على تفريق الصفقة، قال أبو محمد عن القاضي: سواء كان المبيع عينا واحدة أو عينين، وابن الزاغوني

مثل بالعينين، وخص أبو محمد الخلاف بما إذا كان المبيع عينين لا ينقصهما التفريق، كالعبدين، والثوبين، أما إن كان عينا واحدة، أو عينين لكن ينقصهما التفريق، كزوجي خف، ونحو ذلك، فيمتنع عليه الرد، دفعا للضرر عن البائع، لنقص المبيع - والحال هذه - بالتفريق، إلا أن يكون البائع دلس المبيع، فإن للمشتري الرد مطلقا، لأن نقص المبيع عنده مع التدليس لا أثر له.
قلت: الضرر يندفع عن البائع برد أرش نقص التشقيص، وقد صرح بذلك صاحب التلخيص، وإذا فما قاله غيره أوجه.
وقول الخرقي: ولو باع المشتري بعضها.
(يحتمل) أن يرجع الضمير إلى بعض السلعة المبيعة، وعلى هذا شرح ابن الزاغوني، وإذا يكون اختيار الخرقي جواز رد الباقي، وكذا

حكى أبو محمد عنه، وعلى هذا إن حصل بالتشقيص نقص رد أرشه من كلامه السابق، إلا مع التدليس كما تقدم (ويحتمل) أن يرجع إلى بعض السلعة المدلسة، وعلى هذا لا يكون في كلامه تعرض لرد الباقي، فيما إذا كان المبيع غير مدلس.
وقد اقتضى كلام الخرقي أنه ليس له رد ما باعه، وهو واضح، نعم إذا عاد إليه ولو بعقد فله الرد إن لم يأخذ أرشه، ولم يعلم بعيبه حين بيعه، والله أعلم.

قال: وإن ظهر على عيب بعد إعتاقه لها أو موتها في ملكه فله الأرش.
ش: إذا ظهر المشتري على عيب في السلعة المبيعة، بعد أن تلفت - تلفا معنويا كالإعتاق، ونحوه الوقف، والاستيلاد، أو حسيا كالموت - فله الأرش رواية واحدة، لأنه كان له قبل ذلك، والأصل البقاء، وفارق البيع على رواية، لعدم توقع العود، وعدم استدراك الظلامة، وهل له الفسخ، والرجوع بالثمن، وغرامة القيمة؟ عامة الأصحاب على أنه ليس له ذلك، ولأبي الخطاب تخريج بجواز ذلك، كأنه من

رواية تلف المبيع في مدة الخيار، وفرق صاحب التلخيص بأن هنا يعتمد الرد ولا مردود، وثم يعتمد الفسخ.
وظاهر كلام الخرقي أن أرش العبد المعتق يكون للمشتري، ولا يلزمه صرفه في الرقاب، وهو إحدى الروايتين وأصحهما، إذ العتق إنما صادف الرقبة، لا الجزء الفائت، (والثانية) : يجب صرفه في الرقاب، لأنه خرج عن الرقبة لله تعالى، ظانا سلامتها، وذلك يقتضي خروجه عن هذا الجزء، وأبو محمد يحمل هذه الرواية على الاستحباب، والقاضي يحملها على ما إذا كان العتق كان في واجب، أما إن كان تبرعا فالأرش له قولا واحدا.
ومفهوم كلام الخرقي أنه لو حصل تصرف المشتري بالبيع، أو العتق، ونحوهما، بعد العلم بالعيب، أنه لا أرش له، وهو المشهور عند الأصحاب، لأنه قد رضي بالمبيع، فسقط حقه من الأرش، كما سقط من الرد بلا نزاع، وحكى صاحب التلخيص [عن بعض الأصحاب أن الأرش لا يمنع التصرف مطلقا، وأبو محمد يقول: إن هذا]

قياس المذهب، كما لو اختار الإمساك والمطالبة بالأرش، ولأن الأرش عوض الجزء الفائت بالعيب، وذلك موجود مع التصرف.
(تنبيه) : إذا لم يعلم بالعيب حتى خرجت السلعة المبيعة عن ملكه بهبة، فهل له الأرش؟ إن قلنا -: فيما إذا باعها -: له الأرش.
فكذلك هنا، وإن قلنا: لا أرش له ثم.
فهنا روايتان مبنيتان على تعليل عدم الأرش في البيع، فإن علل باستدراك الظلامة وجب هنا، لعدم الاستدراك، وإن علل بتوقع العود لم يجب هنا لذلك، ومختار القاضي وأبي محمد الوجوب، والله أعلم.

قال: وإن ظهر على عيب يمكن حدوثه بعد الشراء وقبله حلف المشتري، وكان له الرد أو الأرش.
ش: إذا ظهر المشتري على عيب يحتمل حدوثه بعد الشراء وقبله، كالسرقة، والإباق، والخرق في الثوب، ونحو

ذلك، ففيه روايتان مشهورتان: (إحداهما) : - وهي اختيار الخرقي - القول قول المشتري مع يمينه، إذ الأصل عدم القبض في الجزء الفائت، فكان القول قول من ينفيه، كما لو اختلفا في قبض المبيع.
(والثانية) : - وهي أصوبهما واختيار القاضي في الروايتين، وأبي الخطاب في الهداية - القول قول البائع مع يمينه، لأن الأصل السلامة، وعدم استحقاق الفسخ، فكان القول قول من يدعي ذلك، ولو لم تحتمل الدعوى إلا قول المشتري - كالإصبع الزائدة، والجراحة المندملة عقب العقد، ونحو ذلك - فإن القول قوله بلا يمين، للعلم بصدقه بلا نزاع، وكذلك إن لم تحتمل إلا قول البائع - كالجرح الطارئ الذي لا يحتمل كونه قديما، ونحو ذلك - فإن القول قوله بلا يمين أيضا لما تقدم.
(تنبيه) : صفة يمين المشتري أن يحلف أنه اشتراه وبه هذا العيب، أو أنه ما حدث عنده، أما يمين البائع فعلى حسب جوابه، إن أجاب أن هذا العيب لم يكن فيه حلف على ذلك، وإن أجاب أنه ما يستحق علي ما يدعيه من الرد حلف على ذلك، ويحلف على البت، على المشهور من الروايتين، والله أعلم.

قال: وإذا اشترى ما مأكوله في جوفه، فكسره فوجده فاسدا، فإن لم يكن له مكسورا قيمة - كبيض الدجاج - رجع بالثمن على البائع، وإن كان له مكسورا قيمة - كجوز الهند - فهو مخير في الرد، ويأخذ الثمن، وعليه أرش الكسر، أو يأخذ ما بين صحيحه ومعيبه.
ش: مناط هذه المسألة إذا اشترى ما لا يطلع على عيبه إلا بكسره، كالذي ذكره الخرقي ونحوه، فكسره فوجده معيبا، هل له شيء، أو لا شيء له ما لم يشترط سلامته؟ فيه روايتان: (إحداهما) : لا شيء له ما لم يشترط سلامته، اعتمادا على العرف، إذ الناس في بياعاتهم على ذلك.
(والثانية) : - وهي المذهب بلا ريب - له شيء، نظرا إلى أن إطلاق العقد يقتضي السلامة من عيب لم يطلع عليه المشتري، [فاعتمد ذلك] . 1934 - ودليل هذا الأصل ما روي «عن العداء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: كتب لي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة، من محمد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، اشترى منه عبدا أو أمة - شك عباد أحد الرواة - لا داء، ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم» رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وهذا يدل على أن بيع المسلم هذا حاله.
وعلى هذا لا يخلو إما أن يكون لمكسور ذلك قيمة، أو لا قيمة له، فإن لم يكن لمكسوره قيمة - كبيض الدجاج، والجوز الخرب، قال أبو محمد: والبطيخ التالف - فإنا نتبين فساد العقد، لانتفاء شرطه وهو المنفعة، وإذا يرجع المشتري بالثمن كله.
وإن كان لمكسوره قيمة - كجوز الهند، وبيض النعام - فإن كسره كسرا لا ينتفع به معه فقد أتلفه، فيتعين له الأرش، وإلا إن كان الكسر بقدر استعلام المبيع فهل ذلك بمنزلة العيب الحادث عنده؟ يخرج فيه روايتيه، أو ليس بعيب، فيرده بلا أرش، وهو اختيار القاضي، لأنه لا يمكنه معرفة المبيع إلا بذلك، مع أن البائع سلطه عليه، أو له الرد

مع الأرش، وهو أعدل الأقوال، واختيار أبي محمد، وصاحب التلخيص، ويشهد له قصة المصراة، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل للمشتري الرد، مع رد بدل ما تلف بيده من المبيع، وهو اللبن، مع تدليس البائع وغروره، فهنا أولى؟ على ثلاثة أقوال.
وإن كان كسرا يمكن استعلام المبيع بدونه، فلا ريب أنه على الروايتين المتقدمتين، فيما إذا عاب عنده، نعم على قول القاضي في الذي قبله، إذا رد هل يلزمه أرش الكسر أو لا يلزمه إلا الزائد على استعلام المبيع؟ محل تردد، والله أعلم.

قال: وإذا باع عبدا وله مال - قليلا كان المال أو كثيرا - فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع، إذا كان قصده العبد لا المال.

ش: إذا باع عبدا وله مال فماله للبائع، إلا أن يشترط المبتاع، فيكون له بشرطه.
1935 - لما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -[قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «من ابتاع نخلا قد أبرت، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدا له مال، فماله للذي باعه، إلا أن يشترط المبتاع» ] رواه مسلم وغيره.
1936 - وعن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحوه، رواه أبو داود.
1937 - وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى بذلك.
1938 - وعن عبادة نحوه، رواه البيهقي في سننه.

وشرط الخرقي لصحة اشتراط المبتاع مال العبد مطلقا، أن يكون قصده العبد لا المال، لأن المال إذا يدخل عن طريق التبع، فلا تضر جهالته ولا غير ذلك، كأساسات الحيطان، لا يقال: فباشتراطه يدل على أنه مقصود، لأنا نقول: المقصود بالشرط - والحال هذه - بقاء المال في يد العبد، من غير التفات إلى المال، وتحقيق ذلك ألا ترى أن الشارع جوز قرض الدراهم وغيرها، مع أنه مفض إلى بيع دراهم بدراهم إلى أجل، لكن لما كان القصد منه الرفق، لا بيع دراهم بدراهم نسيئة، لم يمنع منه، أما إن كان قصده المال فإنه يشترط لصحة الشرط اشتراط شروط المبيع، من العلم بالمال، وكونه مع العوض المبذول لا يجري الربا بينهما، وغير ذلك، كما يشترط ذلك في العينين المبيعتين، لأنه إذا بمنزلتهما.
واعلم أن من مذهب الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن العبد لا يملك، فكلامه خرج على ذلك، وهو ظاهر كلام القاضي في التعليق، وتبعهما أبو البركات، أما إن قلنا: العبد يملك.
فصرح أبو البركات بأنه يصح شرطه إن كان مجهولا، ولم

يعتبر أبو محمد الملك، بل أناط الحكم بالقصد وعدمه، وزعم أن هذا منصوص أحمد والخرقي، وفي نسبة ذلك إليهما نظر، لاحتمال بنائهما على الملك كما تقدم، وهو أوفق لكلام الخرقي، ولمشهور كلام الإمام، وحكى أبو محمد عن القاضي أنه رتب الحكم على الملك وعدمه، فإن قلنا: يملك.
لم يشترط، وإن قلنا: لا يملك.
اشترط، وحكى صاحب التلخيص عن الأصحاب أنهم رتبوا الحكم على القصد وعدمه، كما يقوله أبو محمد، ثم قال: وهذا على القول بأن العبد يملك، أما على القول بأنه لا يملك، فيسقط حكم التبعية، ويصير كمن باع عبدا ومالا، وهذا

عكس طريق أبي البركات، ثم يلزم منه التفريع على الرواية الضعيفة، ويتلخص في المسألة أربع طرائق، والله أعلم.

البيع بشرط البراءة من العيوب

قال: ومن باع حيوانا أو غيره بشرط البراءة من كل عيب لم يبرأ، سواء علم به البائع أم لم يعلم.
ش: من باع شيئا وشرط البراءة من كل عيب - بأن يقول: بعتك وأنا بريء من كل عيب - لم يبرأ، وكذلك إن لم يعمم ولم يبين، بأن قال: من عيب كذا إن كان فيه، ولا فرق في ذلك بين علم البائع وعدمه، على المنصوص والمختار للأصحاب من الروايات، لأنه خيار ثبت شرعا بمطلق العقد، فلم يسقط بشرط الإسقاط، الدليل عليه خيار الرؤية، وخيار الفسخ عند انقطاع المسلم فيه في المحل، ولأن في ذلك خطرا وغررا، وهما منفيان شرعا.
(والرواية الثانية) : إن علم البائع بالعيب وكتمه لم يبرأ، لأنه إذا مدلس مذموم.
1939 - قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس منا من غش» وقال: «من غش فليس مني» .

1940 - وقال: «المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم إن باع من أخيه بيعا أن لا يبينه له» وإن لم يعلم برئ، لعدم ارتكابه الذم، وتمهد عذره في ذلك.
1941 - وبهذا قضى عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ففي الموطأ أن ابن عمر باع غلاما له بثمانمائة درهم، وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه: بالغلام داء ولم يسمه، فاختصما إلى عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقال الرجل: باعني عبدا وبه داء ولم يبينه لي.
فقال ابن عمر: بعته بالبراءة، فقضى عثمان على ابن عمر باليمين، أن يحلف له: لقد باعه الغلام وما به داء يعلمه.
فأبي عبد الله أن يحلف له، وارتجع العبد، فباعه عبد الله بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم، ومثل هذا يشتهر ولم ينكر، فينزل منزلة الإجماع، مع أن مالكا قد حكاه إجماعا لهم، فقال: الأمر المجتمع عليه عندنا في من باع عبدا أو حيوانا بالبراءة، فقد برئ من كل عيب، إلا أن يكون علم في ذلك عيبا فكتمه، فإن كان علم عيبا فكتمه لم تنفعه

تبرئته، وكان ما باع مردودا عليه، (وعن أحمد) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صحة البراءة من المجهول، فخرج من ذلك أبو الخطاب وأتباعه صحة هذا الشرط، لأن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - علل الرواية بالجهالة ويستدل لهذا التحريم بعموم «المسلمون عند شروطهم» ونحو ذلك.
1942 - وبدليل الأصل، وهو ما روي «أن رجلين اختصما في مواريث درست إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: استهما وتوخيا الحق، وليحلل كل منكما صاحبه»

انتهى.
(فعلى المذهب) يلغو الشرط، ويصح العقد، وخرج أبو الخطاب أيضا ومن تبعه قولا ببطلانهما، من الرواية في الشروط الفاسدة، وفرق القاضي في المجرد بأن إطلاق العقد يقتضي عدم الرد، إذ الأصل السلامة، واشتراط عدم الرد شرط من مقتضى العقد، وكأنه اشتراه بغير شرط البراءة، وقد أصاب به عيبا، فيخير بين الإمساك والرد.
«وعلى الثانية» لو ادعى المشتري أن البائع علم بالعيب، وإنما اشترط البراءة تدليسا، فالقول قول البائع مع يمينه، ولا تفريع على الثالثة.

ونص الخرقي على الحيوان لينبه على مذهب الغير.
(تنبيه) ليس منصوص المسألة: بعتك على أن به عيب كذا، وأنا بريء منه، بل هنا يصح الشرط، كما لو قال: وبه هذا العيب، وأوقفه عليه، والله أعلم.

قال: ومن باع سلعة بنسيئة، لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها به.
ش: أي نقدا، بقرينة ذكر النسيئة أولا.
1943 - وذلك لما روى الدارقطني بسنده إلى أبي إسحاق السبيعي، عن امرأته، أنها دخلت على عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم، فقالت: يا أم المؤمنين إني بعت غلاما من زيد بثمانمائة درهم نسيئة، وإني ابتعته منه بستمائة نقدا، فقالت لها عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: بئس ما اشتريت، وبئس ما شريت، إن جهاده مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد بطل إلا أن يتوب.
ومثل هذا لا يقال قياسا، إنما يقال توقيفا،

وأيضا ما تقدم من سد الذرائع، إذ ذلك وسيلة إلى بيع ثمانمائة بستمائة إلى أجل، وإنه لا يجوز.
1944 - ومن ثم يروي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - في مثل ذلك أنه قال: أرى مائة بخمسين بينهما حريرة.
1945 - وقد روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم» رواه أبو داود وقد فسر أبو عبيد الهروي العينة بما تقدم.
وقيل: بالجواز، كما لو كان الشراء بعد قبض ثمنه بدونه، أو قبله بمثله أو أكثر، ونحو ذلك، وينبغي أن يقيد هذا بما إذا لم يكن حيلة، أما إن قصد الحيلة ابتداء فإن العقدين يبطلان، وقول الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إن كان هذا ثابتا - أي ما روي عن عائشة - فتكون عابت عليه بيعا إلى العطاء، لأنه أجل غير معلوم، بناء منه على أن في بعض الروايات:

إني بعته جارية إلى العطاء.
مردود بأن في رواية أخرى قالت: أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾ [البقرة: 275] وهذا دليل على أنها - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - رأت أن ذلك ربا، وعابته لذلك، (وقوله أيضا) : إن زيدا خالفها، وإن القياس معه، فقوله أولى.
معترض بأنه لم ينقل أنه خالفها بعد إنكارها عليه، والظاهر أنه لم يكن عنده علم بالمسألة، فاعتمد على الأصل في الإذن في البيع، وإذا فتوعد عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - على استمراره على ذلك، ولا نسلم أن القياس معه، بل القياس المنع، اعتمادا على [قاعدة سد الذرائع، ثم لا نسلم أن موافقة القياس تقتضي ترجح قوله، بل العكس، إذ من] خالف القياس الظاهر أن قوله عن توقيف، ومن ثم قال بعض العلماء: إن قول الصحابي إذا خالف القياس حجة، بخلاف ما إذا لم يخالفه.
انتهى.

والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - ترجم المسألة بقوله: ومن باع سلعة إلى آخره، اكتفاء بالمعتاد في ذلك، وتمام ترجمتها «بأن يشتري ما باعه نقدا، هو أو وكيله، من مشتريه، بدون ما باعه به نسيئة، قبل قبض ثمنه، مع بقاء صفته» «فنقدا» يخرج ما لو كان البيع بعرض والشراء بنقد، أو بالعكس، أو البيع بعرض والشراء بآخر، فإنه يجوز إذ لا ربا بين الأثمان والعروض، ولا بين عرضين، «وهو أو وكيله» يخرج ما لو كان المشتري أباه أو ابنه، ونحو ذلك، فإنه يجوز، وفيه تصريح بأن فعل الوكيل كفعل الموكل، و «من مشتريه» يخرج ما لو اشتراه من غيره، بعد انتقاله إليه، ونحو ذلك، فإنه يجوز، و «بدون ما باعه به» يخرج ما إذا باعه بمثله أو أزيد، فإنه يجوز، ويخرج ما إذا باعه بجنس - كالدراهم مثلا - واشتراه بجنس آخر، كالدنانير، فإنه يجوز على قول الأصحاب، كما لو اشتراه بعرض، وأبو محمد يختار المنع، لأن النقدين كالجنس الواحد في معنى الثمنية، و «نسيئة» هو أحد شقي المسألة، أن يبيع نقدا ويشتري نسيئة، و «قبل قبض ثمنه» يخرج ما إذا باعه

بعد قبض الثمن، فإنه يجوز، و «مع بقاء صفته» يخرج ما إذا تغيرت صفته بما ينقصه، فإنه يجوز شراؤه بأقل مما باع به، أما لو تغيرت بزيادة فبطريق التنبيه لا يجوز، ويفهم من تغير الصفة أنه لا أثر لتغير السعر.
(تنبيه) : عكس هذه المسألة إذا كان البيع حالا، والشراء بأكثر مما باعها به نسيئة، وفي ذلك روايتان، حكاهما أبو العباس: (إحداهما) : - ونص عليها في رواية حرب - المنع كالتي قبلها.
(والثانية) : - وهي احتمال لأبي محمد - الجواز ما لم يكن حيلة، نظرا لأصل حل البيع، خرج منه الصورة المتقدمة، وهذه لا تساويها، لندرة وقوعها، فتبقى على الأصل، والله أعلم.

قال: وإذا باع شيئا مرابحة، فعلم أنه زاد في رأس المال، رجع عليه بالزيادة وحظها من الربح.
ش: المرابحة البيع برأس المال وربح معلوم، نحو: بعتك برأس مالي وربح عشرة.
أو: على أن أربح في كل عشرة

درهما، وهو «ده يازده» ويشترط للصحة في الصورتين معرفة البائع والمشتري لرأس المال حال العقدين، فلو جهلا أو أحدهما لم يصح.
إذا عرف هذا، وتبايعا كذلك، ثم علم المشتري بعد ذلك - ببينة أو إقرار - أن البائع زاد في رأس المال، - كأن كان رأس المال تسعين، فأخبر أنه مائة - فإن المشتري يرجع عليه بالزيادة - لأن البائع التزم له البيع برأس المال - بحظها من الربح، لأن العشرة مثلا إذا سقطت يسقط ما يقابلها، لأنه إنما ثبت تبعا لها، ولأبي محمد احتمال في:

وربح عشرة.
أن المشتري لا يرجع بشيء من الربح، لأن البائع إنما رضي بإخراجها عن ملكه بهذا الربح.
انتهى.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا خيار للمشتري والحال هذه، وهو إحدى الروايتين، واختيار صاحب التلخيص فيه، لأنه ازداد خيرا، إذ من رضي بمائة وعشرة مثلا، يرضى بتسعة وتسعين، (والثانية) : له الخيار.
لاحتمال أن له غرضا في الشراء بالثمن الأول، لتحلة قسم، أو وفاء بعهد، ونحو ذلك، ثم مع ظهور خيانة البائع يزول ائتمان المشتري له في الثمن الثاني، والله أعلم.

قال: وإن أخبر بنقصان من رأس ماله، كان للمشتري ردها أو إعطاؤه ما غلط به.
ش: إذا باع مرابحة ثم أخبر بنقصان من رأس المال - مثل أن يخبر أن رأس ماله مائة، ثم يدعي أن رأس ماله إنما هو

مائة وعشرة، وأنه غلط فيما أخبر به أولا - فهل (القول قوله) وهو ظاهر قول الخرقي، لأن البائع لما دخل معه في المرابحة فقد ائتمنه، والقول قول الأمين، (أو لا يقبل قوله) إلا أن يكون معروفا بالصدق، لترجح قوله إذا، بخلاف ما إذا لم يكن معروفا بذلك، فإن الظاهر كذبه، فيلغى قوله، (أو لا يقبل إلا ببينة) ، لأن مجرد قوله الثاني يعارضه قوله الأول، فيتساقطان، بخلاف ما إذا كان مع الثانية بينة، فإنه يترجح بها، وهذا اختيار أبي محمد، وحمل كلام الخرقي عليه، مدعيا أن الخرقي إنما لم يذكر ذلك لأنه عطفه على قوله قبل: فعلم أنه زاد في رأس المال.
والعلم يكون ببينة أو إقرار، كذلك هنا.
(أو لا يقبل قوله) وإن أتى ببينة، لتكذيبه لها ظاهرا؟ أربع روايات.
فعلى الأولى إن صدق المشتري البائع فلا يمين عليه، وإن كذبه فعليه اليمين، كغيره من الأمناء، وهذه اليمين تستفاد من قول الخرقي بعد: وكل من قلنا: القول قوله.
فلصاحبه عليه اليمين.
وصفة هذه اليمين، كما قاله أبو الخطاب: إني غلطت، وشراؤها علي كذا، لأنه يحلف على فعل نفسه،

فيمينه على البت، وكذلك الحكم على الثانية إن كان معروفا بالصدق، وإلا فدعواه ملغاة رأسا إن لم يكن له بينة، وكذلك تلغى دعواه على الثالثة إن لم يكن له بينة، وكذلك على الرابعة مطلقا، بقي إذا لم يقبل مجرد قوله، فادعى أن المشتري يعلم غلطه، فأنكر، فإن القول قوله، لإنكاره، وهل ذلك مع يمينه، وهو رأي أبي محمد، أو لا يمين عليه، وهو رأي القاضي لأنه مدع، واليمين على المدعى عليه؟ على قولين، ورد قول القاضي بأنه - والحال هذه - مدعى عليه.
إذا عرف هذا فحيث ثبت أنه أخبر بنقصان - إما بتصديق المشتري له، وإما بقوله، أو ببينة، ونحو ذلك - فإن المشتري يخير بين إعطاء البائع ما غلط به، لأن بيعه كان

برأس ماله، ورأس ماله قد ثبت أنه كذلك، فإن لم يعطه كان له الفسخ، وبين الرد، لأنه لم يرض بالزائد، نعم إن رضي البائع بترك الزيادة فلا رد له.
ولم يذكر الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن البائع - والحال هذه - يرجع على المشتري بحظ ما غلط به من الربح، وكذا أبو الخطاب في الهداية، وصاحب التلخيص فيه، وأبو البركات، وقال أبو محمد: يرجع بحظ ذلك من الربح، فإذا قال: وربح درهم في كل عشرة.
رجع بدرهم، إذا كان الغلط بعشرة، وكذلك إن قال: وربح عشرة.
وكان ما أخبر به أولا مائة، وله احتمال في هذه الصورة فقط، أنه لا يرجع بشيء، لرضاه في السلعة بربح عشرة، والله أعلم.

قال: وله أن يحلفه أنه وقت ما باعها لم يعلم أن شراءها أكثر من ذلك.
ش: حيث ثبت أن البائع أخبر بنقصان - إما بقوله، أو ببينة، ونحو ذلك - فادعى عليه المشتري أنه وقت البيع كان عالما أن شراءها أكثر مما أخبر به، فإن دعواه تسمع، لأن

البائع لو أقر بذلك لزم البيع في حقه بما أخبر به، أولا، لرضاه به، وتعاطي سببه، فهو كمشتري المعيب عالما بعيبه، ثم إن أقر البائع بذلك لزم البيع بما حصل الإخبار به أولا، لما تقدم، وإن أنكر - بأن قال: ما علمت ذلك.
ونحوه - فللمشتري أن يحلفه على حسب جوابه، فإن حلف فلا كلام، وإن نكل، أو أقر قضي عليه، والله أعلم.

اختلاف المتبايعين في البيع

قال: وإن باع شيئا واختلفا في ثمنه تحالفا.
ش: إذا اختلف المتبايعان في ثمن المبيع - كأن قال البائع: بعته بمائة.
مثلا، وقال المشتري: إنما اشتريته بخمسين.
ونحو ذلك - فإن كانت لأحدهما بينة حكم بها، وإلا تحالفا، على المشهور، والمختار للأصحاب من الروايات.
1946 - لما روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» متفق عليه واللفظ لمسلم.

1947 - وللبيهقي «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» وكل من المتبايعين مدع ومنكر، إذ البائع في مثالنا يدعي فضل الثمن، والمشتري ينكره، والمشتري يدعي السلعة بأقل، والبائع ينكره، وإذا يحلف كل واحد منهما على ما أنكره، عملا بعموم الحديث.
1948 - وللبيهقي في سننه عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن [الفقهاء من] أهل المدينة، كانوا يقولون: إذا تبايع الرجلان واختلفا في الثمن تحالفا، فأيهما نكل لزمه القضاء، فإن حلفا فالقول قول البائع، وخير المبتاع، إن شاء أخذ بذلك الثمن، وإن شاء ترك، وقد زعم أبو محمد أن في بعض ألفاظ حديث ابن مسعود الآتي «إذا اختلف المتبايعان، والسلعة قائمة، ولا بينة لأحدهما تحالفا» (والثانية) القول

[قول] البائع مع يمينه، حكاها ابن أبي موسى، وابن المنذر، وزاد: ويترادان البيع.
1949 - لما روى ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا اختلف المتبايعان، وليس بينهما بينة، فالقول ما يقول صاحب السلعة، أو يترادان» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وفي رواية: «أو يتتاركان» وفي أخرى «فالقول ما قال البائع، والمبتاع بالخيار» وفي أخرى لأحمد والنسائي «عن أبي عبيدة، وأتاه رجلان تبايعا سلعة، فقال هذا: أخذت بكذا وكذا، وقال هذا: بعت بكذا وكذا.
فقال أبو عبيدة: أتي عبد الله في مثل هذا، فقال: حضرت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مثل هذا، فأمر بالبائع أن يستحلف، ثم يخير المبتاع، إن شاء أخذ، وإن شاء ترك» . ولم أر في شيء

من ألفاظ الحديث «تحالفا» . وهذه الرواية، وإن كانت خفية مذهبا، فهي ظاهرة دليلا، اعتمادا على هذا الحديث، لا يقال: هذا الحديث منقطع، كما قال الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وكذا قال ابن عبد البر [وغيره: إن فيه انقطاعا.
لأنا نقول: لما تعددت طرقه، تقوى بعضها ببعض، ودل ذلك على أن له أصلا، وقد قال ابن عبد البر] : هو محفوظ، مشهور، أصل عند جماعة

العلماء، تلقوه بالقبول، وبنوا عليه كثيرا من فروعه، قد اشتهر عنهم بالحجاز، والعراق، شهرة يستغنى بها عن الإسناد.
1950 - كما اشتهر حديث «لا وصية لوارث» انتهى.
ويشهد لذلك أيضا (من جهة المعنى) أن السلعة كانت للبائع، والمشتري يدعي نقلها بعوض، والبائع ينكره إلا

بالعوض الذي عينه، والقول قول المنكر، وعدم الرضى إلا بذلك، (ومن جهة المذهب) إذا اختلف المكاتب وسيده في عوض الكتابة: القول قول السيد.
على رواية مرجحة عند البعض.
وما ذكر للرواية الأولى فغايته أنه عموم، على أنه قد يمنع أن كلا منهما، منكر، بل قد يقال: البائع هو المنكر للنقل بالعوض الذي ذكره المشتري، أو المنكر هو المشتري، لأن حقيقة ما يدعي عليه قدر رأس المال، وهو ينكره.
(والثالثة) : حكاها أبو الخطاب في الانتصار: إن كان قبل القبض تحالفا، لما تقدم أولا، وإن كان بعده فالقول قول المشتري، لاتفاق البائع والمشتري على حصول الملك له، ثم البائع يدعي عليه عوضا، والمشتري ينكر بعضه، والقول قول المنكر، والله أعلم.

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل