شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 498-537
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 498-537
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

والمعتمد في المسألة سد الذرائع، فإنه قد يتخذ اشتراط القطع حيلة، ليسلم له العقد، وقصده الترك، والذرائع معتبرة عندنا في الأصول وقد عاقب الله سبحانه وتعالى أصحاب السبت بما عاقبهم به، لما نصبوا الشباك يوم الجمعة، حيلة على الصيد بها يوم السبت، وعاقب أصحاب الجنة بما عاقبهم، لما قصدوا حرمان الفقراء، والتحيل على إسقاط حق الله سبحانه، ونهى سبحانه عن سب الآلهة التي تدعى من دون الله، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سب الله جل وعلا، بقوله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108] . 1889 - وامتنع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من قتل المنافقين، حذارا من أن يقال: إن محمدا يقتل أصحابه.

1890 - ومنع - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سائق الهدي أن يأكل منه هو أو أحد من رفقته إذا عطب دون محله، حذارا من أن يقصر في علفه ويفرط فيه.
1891 - ومنع القاتل من الإرث، لئلا يتخذ ذلك وسيلة إلى تعجيل الميراث.
1892 - وأمر عمر بقتل الجماعة بالواحد، سدا للذريعة أيضا، وأدلة هذا الأصل كثيرة، وقد عمل إمامنا على ذلك في كثير من المسائل.
(والرواية الثانية) لا يبطل البيع، نظرا إلى أن المبيع بحاله، وغاية الأمر أنه انضاف إليه غيره، وذلك لا يقتضي البطلان، بدليل ما لو اشترى حنطة فاختلطت بأخرى ولم تتميز، (والثالثة) : نقلها أبو طالب - إن قصد الحيلة فسد البيع، لمقارنة النهي للعقد إذا، وإن لم يقصد

الحيلة لم يفسد، لخلو العقد عن النهي ظاهرا وباطنا، وقد اختلف الأصحاب في هذه الرواية والتي قبلها، فأثبتها ابن عقيل وغيره، وتأول الثالثة شيخه فقال: معناها ما إذا لم يقصد الحيلة وهو أسهل، يعني أنه لا يأثم، وإن قصد الحيلة أثم، قال: وإلا فهما يتفقان في حكم الصحة والبطلان، إذ ما يبطل العقد لا فرق فيه بين القصد وعدمه، قال: فمحصول المذهب فيه روايتان، وأبو محمد تأول الثانية على ما إذا لم يقصد الحيلة، ومع القصد يبطل البيع عنده رواية واحدة، ومحل الخلاف عنده مع عدم القصد، وطريقته أخص الطرق، كما أن أعم الطرق طريقة ابن عقيل.
(وحيث قيل) بالفساد فإن المبيع بزيادته للبائع، نص عليه أحمد، ويرد الثمن، لأنه قد تبين عدم الشرط المصحح للعقد، فبطل من أصله.
(وحيث قيل) بالصحة فهل يشترك البائع والمشتري في الزيادة، لحدوثها عن ملكيهما، أو يتصدقان بها استحسانا للاختلاف؟ فيه روايتان منصوصتان، وحمل القاضي في

روايتيه وفي تعليقه كلا النصين على الاستحباب، وجعل الزيادة للمشتري، هذا هو التحقيق في النقل، وفاقا لنصوص الإمام وللقاضي في التعليق، وأبي البركات، وحكى ابن الزاغوني وأبو محمد وغيرهما رواية أن البائع يتصدق بالزيادة على القول بالبطلان، وكأنهم تبعوا القاضي في روايتيه، فإنه زعم أن حنبلا روى ذلك عن الإمام، وفيه نظر، فإنه صرح في التعليق بأن حنبلا وابن سعيد اتفقا على الصحة، إلا أن ابن سعيد [قال] : يشتركان، وحنبلا قال: يتصدقان، وفي الكافي رواية بالشركة على القول بالبطلان أيضا، وكأنه أخذها من قول ابن أبي موسى: وقيل عنه.
ويتلخص من ذلك أن على القول بالبطلان ثلاثة أقوال، كما ذلك على القول بالصحة.
ومعنى التصدق بالزيادة أو الاشتراك فيها أن ينظر كم قيمتها وقت العقد، وكم قيمتها بعد الزيادة، فما بينهما محل التردد،

فإذا قيل - مثلا - قيمتها وقت العقد مائة، ثم صارت قيمتها بعد الزيادة مائتين، فالصدقة أو الشركة له بالمال الزائد.
ثم من المباشر للصدقة فيها؟ قد تقدم أن على رواية البطلان يتصدق بها البائع، أما على رواية الصحة فظاهر نص الإمام كما سيأتي أنهما يتصدقان بها، وقال ابن الزاغوني: لا تدخل في ملك واحد منهما، ويتصدق بها المشتري.
(تنبيه) : ترجم الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - المسألة إذا ترك حتى بدا الصلاح، وكذا القاضي وجماعة، وكذا وقعت نصوص أحمد الذي حكم فيها بالبطلان، أما نصاه اللذان حكم فيهما بالصحة، فقال فيهما: إذا كبرت وزادت، قال في رواية ابن سعيد: لا يشتري الرطبة إلا جزة، فإن تركها حتى تطول وتكبر كان البائع شريكا للمبتاع في الثمن، إلا أن يكون يسيرا، قدر يوم أو يومين، وكذلك النخل، ومن ثم استثن ابن عقيل من كون البائع يشارك المشتري الزمن اليسير، تبعا لنص الإمام انتهى، وقال في

رواية حنبل: إذا باعه زرعا على أن يجزه، أو نخلا على أن يصرمه، فتركه حتى زاد، فالزيادة لا يستحقها واحد منهما، ويتصدقان بها، فقد يقال بتقرير نصوصه، فالبطلان إذا بدا الصلاح، والصحة إذا لم يبد، والله أعلم.

قال: وإن اشتراها بعد أن يبدو صلاحها على الترك إلى الجذاذ جاز.
ش: الأصل في ذلك ما تقدم من نهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن بيعها حتى تزهو، ونحو ذلك.
1893 - وعن عمرة «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة» ، رواه مالك في الموطأ.
ودلالة هذه الأحاديث من أوجه (أحدهما) : أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غيا النهي بغاية، فبوجودها يزول النهي، ويبقى على أصل الإذن في جواز البيع (الثاني) أن ما بعد الغاية والحال هذه يعطى

عكس حكم ما قبلها، وإلا فذكر الغاية إذا وعدمها سيان، وما قبلها لا يجوز إلا بشرط القطع، فما بعدها يجوز وإن شرط الترك، (الثالث) : أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علل المنع بعلة، وهي الخوف من تلفها، ووقوع العاهة بها، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما، وإذا بدا الصلاح زالت العلة غالبا، فيزول المنع انتهى، والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - نص على ما إذا اشتراها بشرط القطع، ليصرح بمخالفة الخصم، ويفهم منه بطريق التنبيه صورة الوفاق، وهي ما إذا أطلق.
(تنبيهان) : «أحدهما» بدو الصلاح في شجرة صلاح لجميعها، بلا خلاف أعلمه بين الأصحاب، وكثير منهم يقول: رواية واحدة، واختلف في صلاح بعض النوع، هل يكون صلاحا [لسائر ذلك النوع الذي في القراح؟ فيه روايتان، أشهرهما عن الإمام: لا يكون صلاحا له كما لا يكون صلاحا] لقراح آخر، وهذا اختيار أبي بكر في الشافي، وابن شاقلا في تعاليقه، واستدل له ابن شاقلا بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حتى يبدو صلاحه» وقال: وهو يقتضي الكل

بدلالة قَوْله تَعَالَى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: 29] فإنه يقتضي الكل لا البعض (والثانية) : - وهي اختيار الأكثرين، ابن أبي موسى، وابن حامد، والقاضي وأصحابه وغيرهم - يكون صلاحا كما في النخلة الواحدة [إذ سوء المشاركة والاختلاط موجود في النوع، كما في النخلة الواحدة] ، وخرج بذلك قراح آخر، واختلف القائلون بهذه الرواية في النوع - كالبرني مثلا - هل يكون صلاحا لسائر الجنس الذي في القراح؟ فقال القاضي، وابن عقيل، وأبو محمد والأكثرون: لا يكون صلاحا، وقال أبو الخطاب: يكون صلاحا، وهو ظاهر النص الآتي.
ولا نزاع أن المذهب أن صلاح الجنس لا يكون صلاحا لجنس آخر، وكذلك صلاح نوع من بستان، لا يكون صلاحا لنوع آخر من بستان آخر، وعنه أن بدو الصلاح في شجرة من القراح صلاح له ولما قاربه.

(الثاني) نص أحمد في الرواية الأولى: إذا احمر بعضه وبعضه أخضر، يباع الذي بلغ، وهذا يشمل النخلة والنخلات، لكن القاضي قال: يجب أن يحمل هذا على أنه لا يكون صلاحا لنخلة أخرى، أما النخلة فيكون صلاحا لها رواية واحدة، ونصه في الثانية، في بستان بعضه بالغ، وبعضه غير بالغ: بيع إذا كان الأغلب عليه البلوغ، فمن القائلين بالرواية الثانية، من قصر الحكم على الغلبة، كالقاضي في تعليقه، وأبي حكيم النهرواني، وأبي البركات، تبعا لهذا النص، ومنهم من سوى بين القليل والكثير، كابن أبي موسى مصرحا به، وأبي الخطاب وغير واحد، تبعا - والله أعلم - للنص المحكي أخيرا، ويتلخص في المسألة ثلاث روايات، (الثالثة) الفرق بين الغلبة وغيرها، ثم كلا النصين اللذين حكم فيهما الإمام بالصلاح يشملان النوع، والجنسين، كما يقوله أبو الخطاب، عكس المشهور.
واعلم أن معنى: ما لم يبد صلاحه في حكم ما بدا صلاحه، في جواز بيعه مع ما بدا صلاحه تبعا له، فلو أفرد بالبيع فوجهان، وحكاهما القاضي في المجرد، فيما لم يؤبر من النوع، إذا أفرد بالبيع أن ثمرته تكون للبائع، إن قيل: إن ما لم يؤبر تبع لما أبر، وخالفه ابن عقيل فقال: إن الثمرة

  • والحال هذه - تكون للمشتري قولا واحدا، والله أعلم.

قال: فإن كانت ثمرة نخل فبدو صلاحها أن تظهر فيها الحمرة أو الصفرة، وإن كانت ثمرة كرم فصلاحها أن تتموه، وصلاح ما سوى النخل والكرم أن يبدو فيه النضج.
ش: لما أناط الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - جواز البيع ببدو الصلاح فسره وبينه، بأنه ظهور الحمرة أو الصفرة في ثمرة النخل، وذلك لما تقدم عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: حتى تحمر وتصفر.
1894 - وعن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن تباع الثمرة حتى تشقح، قيل: وما تشقح؟ قال: حتى تحمار وتصفار ويؤكل منها» . 1895 - وسأل سعيد بن فيروز ابن عباس عن بيع النخل، فقال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع النخل حتى يأكل منه أو يؤكل، وحتى يوزن، قال فقلت: وما يوزن؟ فقال رجل عنده: حتى يحزر» . متفق عليهما، وصلاح ثمرة الكرم أن تتموه، أي يجري فيها الماء الحلو وتلين، وكذلك ما سوى ثمرة النخيل والكرم، صلاحه أن يبدو فيه النضج لصلاحيته، وكذلك الذي قبله للأكل، وإذا يدخل في معنى الأحاديث السابقة، وعلى هذا أيضا ينبغي أن يحمل كلام الخرقي في ثمرة النخل، أنه لا بد مع احمرارها واصفرارها من صلاحيتها للأكل، وفاقا لحديث جابر وابن عباس، وكذلك جعل أبو البركات الضابط في جميع الثمار أن يطيب أكلها، ويظهر فيها النضج، وأبو محمد جعل ما يتغير لونه عند صلاحه، كالأجاص، والعنب الأسود، صلاحه تغير لونه كثمرة النخل، والضابط الذي ذكره أبو البركات أجود.
(تنبيهان) : «أحدهما» اختلف الأصحاب فيما يؤكل صغارا وكبارا، كالقثاء والخيار، ونحوهما، فقال القاضي وابن عقيل: صلاحه تناهي عظمه، وقال أبو محمد: أكله

عادة.
وتوسط صاحب التلخيص فقال: صلاحه التقاطه عرفا، وإن طاب أكله قبل ذلك.
(الثاني) «تشقح» بضم التاء وإسكان الشين، وتخفيف القاف، مضارع «أشقح» وقد فسره جابر، و «تحزر» بتقديم الزاي على الراء، أي تخرص، وفي بعض الأصول بتقديم الراء، قيل: إنه تصحيف، والله أعلم.

قال: ولا يجوز بيع القثاء والخيار، والباذنجان، وما أشبهها إلا لقطة لقطة.
ش: لا يجوز بيع الخيار، والباذنجان، وما أشبه ذلك - كالقثاء والبطيخ - إلا لقطة لقطة، لأن الزائد على ذلك غير معلوم، فلم يجز بيعه، لعدم العلم به.
واعلم أن هذه الأشياء عند جمهور الأصحاب أصولها كالشجر النابت، وثمرتها كثمرته، فتباع أصولها مطلقا، وثمرتها قبل بدو صلاحها [معها] ، أو لمالكها على وجه، أو بشرط القطع، أو مطلقا بشرطه على رواية، وبعد بدو الصلاح يباع الموجود منها واختار صاحب التلخيص المنع

من بيع ثمارها قبل بدو صلاحها إلا بشرط القطع، وإن بيعت مع أصولها، لتعرضها للآفة مع الأصول إلا إن بيعت مع الأرض، أو لمالكها، وقياس قوله أن أصولها لا تباع صغرة إلا إذا أمنت العاهة، إلا أن تباع مع الأرض أو لمالكها، أو بشرط القطع، والله أعلم.

قال: وكذلك الرطبة كل جزة.
ش: حكم الرطبة وما ثبت أصوله في الأرض ويؤخذ دفعة بعد دفعة - كالنعنع، والهندباء، ونحو ذلك - حكم الخيار، والباذنجان، لا يباع إلا الموجود منه جزة جزة، بشرط القطع في الحال، إذ ما لم يظهر معدوم، والموجود متى ترك ولم يقطع اختلط بغيره، وإذا يفضي إلى مشاجرة ونزاع، وذلك مما لا يرضاه الشارع.
(تنبيه) : حكم بيع الخيار ونحوه، والرطبة ونحوها - إذا بيع بشرط القطع، ثم ترك حتى طالت الجزة، أو حدثت ثمرة أخرى ولم يتميزا - حكم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، إذا بيعت بشرط القطع، ثم تركت حتى بدا صلاحها على ما تقدم، قال غير واحد: ونص أحمد وقع في رواية ابن

سعيد في الرطبة إذا تركها حتى طالت بالصحة، وأظن أن ذلك وقع لابن عقيل أيضا.
أما إن اشتريت ثمرة بعد بدو صلاحها، فحدثت ثمرة أخرى للبائع، فإن تميزتا فلا كلام، وإن لم تتميزا اشتركا بقدر ما لكل منهما، فإن لم يعلم القدر وقف الأمر حتى يصطلحا، هذا رأي ابن عقيل، وأبي محمد وهو الصواب، بخلاف الثمرة قبل بدو صلاحها ونحوها، لارتكاب النهي ثم، وسدا للذريعة، لئلا يتخذ ذلك حيلة لما هو ممنوع منه شرعا، وأجرى أبو الخطاب في ذلك الروايتين اللتين في الثمرة قبل بدو صلاحها، وقال القاضي: إن كانت الثمرة للبائع، فحدثت أخرى، قيل لكل منهما: اسمح بنصيبك.
فإن فعل أجبر الآخر على القبول، وإن امتنعا فسخ العقد، وإن اشترى ثمرة فحدثت أخرى لم يقل للمشتري اسمح، إذ الثمرة كل المبيع، ويقال للبائع ذلك، فإن سمح أجبر المشتري على القبول، وإلا فسخ العقد، قال ابن عقيل: ولعل هذا القول لبعض أصحابنا، فإني لم أجده معزيا إلى أحمد، والله أعلم.

قال: والحصاد على المشتري.
ش: الحصاد قطع الزرع، والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - كأنه استعمله في جميع ما تقدم، لأن الجميع قطع، وإنما كان ذلك على المشتري لأنه لتفريغ ملكه عن ملك البائع، وأنه عليه كنقل الطعام ونحوه، وفارق الكيل والوزن والذرع والعدد، فإنهن من تمام التسليم، وذلك على البائع، والتسليم هنا حصل بالتخلية، والله أعلم.

قال: فإن شرطه على البائع بطل البيع.
ش: اختلف الأصحاب أولا في جواز هذا الشرط، فذهب جماعة منهم - كأبي بكر، وابن حامد، والقاضي وجماعة من أصحابه وغيرهم - إلى جوازه، لما سيأتي إن شاء الله تعالى من أن البيع لا يبطله شرط واحد، ولأن قصاراه أنه بيع وإجارة، وإنهما جائزان منفردين، فجازا مجتمعين، وذهب الخرقي إلى منعه، وهو الذي أورده ابن أبي موسى مذهبا، لأنه اشترط العمل في المبيع قبل ملكه، أشبه ما

لو استأجره ليخيط له ثوب زيد إذا ملكه، وأجيب بأن في مسألتنا حصلت الإجارة والملك معا، ومثل ذلك لا يمنع، على المنصوص في جواز رهن المبيع على الثمن، بخلاف ما تقدم، وعلى هذا القول هل يبطل البيع لبطلان الشرط؟ فيه روايتان حكاهما ابن أبي موسى.

والخرقي قطع بالبطلان، فيحتمل أن مذهبه بطلان البيع بالشرط الفاسد، وهو إحدى الروايتين، واختيار القاضي وابن عقيل، ويحتمل أن يخص البطلان هذا الشرط، وهو المرجح عند أبي محمد.
(تنبيه) : خرج أبو الخطاب وجماعة من أتباعه من قول الخرقي عدم صحة اشتراط منفعة البائع في المبيع مطلقا، وأبو البركات وصاحب التلخيص ذكرا ذلك رواية، فيحتمل أن مستندهما ذلك، ويحتمل أنهما اطلعا على نص، وتردد أبو محمد في التخريج، والأرجح عنده عدمه، وقصر كلام الخرقي على هذه المسألة وشبهها مما يفضي إلى التنازع، فإن البائع يريد القطع من أسفل، ليبقى له بقية، والمشتري يريد الاستقصاء ليزيد له ما يأخذه، وإنما ترجح ذلك عنده لما تقدم من إفضاء ذلك إلى التنازع، وليوافق المذهب [في صحة اشتراط منفعة البائع في المبيع، إذ القاضي قد قال: إنه لم يجد بما قال الخرقي رواية في المذهب] لأن الخرقي قال بعد: والبيع لا يبطله شرط واحد.

وجميع ذلك معترض، أما الإفضاء إلى التنازع فممنوع، إذ القطع على ما جرت به العادة، كما لو لم يشترطه عليه، وأما موافقة المذهب فإن المذهب أيضا عند الأكثرين صحة هذا الشرط، والقاضي إنما كلامه فيه، وأما قول الخرقي فلا بد من تخصيصه بهذا الشرط، أو بشرط منفعة البائع في المبيع.
وبالجملة يتلخص في صحة اشتراط منفعة البائع في المبيع ثلاثة أقوال، (الصحة) مطلقا، وهو المختار للأكثرين، والمنصوص عن الإمام.
1896 - محتجا بأن محمد بن مسلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اشترى من نبطي جزرة حطب، وشارطه على حملها، (والمنع) مطلقا، (والمنع) في جز الرطبة وما في معناها، والصحة فيما عدا ذلك، ثم محل الخلاف إذا كانت المنفعة معلومة، أما إن جهلت لهما أو لأحدهما فإنه لا يصح اشتراطها بلا نزاع نعلمه، والله أعلم.

الاستثناء في البيع

قال: وإذا باع حائطا واستثنى منه صاعا لم يجز، فإن استثنى نخلة أو شجرة بعينها جاز.
ش: لا نزاع فيما نعلمه في جواز الثنيا كانت معلومة، ولم تعد على المستثني بجهالة، كما إذا باع حائطا واستثنى منه نخلة بعينها أو نخلات كذلك، ونحو ذلك.
1897 - لما روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن المحاقلة والمزابنة، والثنيا إلا أن تعلم» ، رواه النسائي، والترمذي وصححه، وهذه الثنيا معلومة، فصحت بمقتضى الحديث، ولأن مثال ذلك إذا كان في الحائط مائة نخلة مثلا، واستثنى نخلة منه فقال: بعتك تسعا وتسعين.

ولا إشكال أيضا في منع الثنيا إذا كانت مجهولة، كما لو قال - والحال ما تقدم -: إلا نخلة، أو إلا جزءا من الثمرة، ونحو ذلك، للحديث أيضا، ولأن جهالة المستثنى تفضي إلى جهالة المستثنى منه، ومن شرط المبيع كونه معلوما.
1898 - بدليل نهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الغرر، ونحو ذلك.
واختلف فيما إذا باع حائطا واستثنى منه صاعا، أو صبرة لا يعلمان قفزانها واستثنى منها قفيزا، ونحو ذلك، أو باع حائطا واستثنى ثلث ثمرته أو ربعها، أو صبرة واستثنى سبعها أو ثمنها ونحو ذلك، على ثلاثة روايات، (إحداهما) : الصحة في الجميع، اعتمادا على الحديث، إذ الثنيا والحال هذه

معلومة، وقد قيل: إنه إجماع أهل المدينة، (والثانية) : - وهي اختيار أبي بكر، وابن أبي موسى - عدم الصحة في الجميع، لأن الثنيا والحال هذه تفضي إلى جهالة المبيع، وبيانه أن المبيع والحالة هذه إنما علم بالمشاهدة، وبعد إخراج المستثنى تختل المشاهدة، وإذا يدعى تخصيص الحديث لذلك (والثالثة) : يصح في: إلا ثلثها، إلا سبعها، ونحو ذلك، إذ معناه، بعتك ثلثيها، بعتك ستة أسباعها، وهو معلوم، ولا يصح في: إلا صاعا، إلا قفيزا، ونحو ذلك، لما تقدم من أن المصحح للبيع - والحال هذه - الرؤية، وبإخراج الصاع ونحوه تختل، وهذه الرواية اختيار القاضي وجماعة من أصحابه، وأبي محمد وغيرهم.
واختلف الأصحاب فيما إذا باع نخلة واستثنى منها صاعا ونحو ذلك، فأجرى أبو محمد فيه الخلاف، وقطع القاضي في شرحه، وفي جامعه الصغير بالصحة، معللا بأن الجهالة هنا يسيرة فتغتفر، بخلاف ثم، وكذا وقع نص أحمد في رواية حنبل بالصحة، وتردد القاضي في التعليق

فيه، هل يجري على ظاهره، لما تقدم من قلة الجهالة، أو يحمل على الرواية التي قال فيها ثم بالصحة.
واختلفوا أيضا فيما إذا قال: بعتك هذا الحيوان إلا ثلثه، أو إلا ربعه، ونحو ذلك، فأجازه أبو محمد، وابن عقيل، كما لو قال في الصبرة: إلا ثلثها، ومنع ذلك القاضي في المجرد، قال: على قياس قول الإمام في الشحم، ورد بأن الشحم مجهول، ولا جهالة هنا، وحمل ابن عقيل كلام شيخه على أنه استثنى ربع لحم الشاة، لا ربعها مشاعا، ثم اختار الصحة في ذلك أيضا، والله أعلم.

وضع الجوائح

قال: وإذا اشترى الثمرة دون الأصل فلحقتها جائحة من السماء رجع بها إلى البائع.
ش: لا نزاع عندنا فيما نعلمه في وضع الجوائح في الجملة.
1899 - لما روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إن بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ من مال أخيك بغير حق؟» وفي رواية: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بوضع الجوائح» . رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وللنسائي في رواية أخرى «من باع ثمرا فأصابته جائحة فلا يأخذ من أخيه شيئا، علام يأكل أحدكم مال أخيه المسلم» ولأن الثمار على رؤوس الأشجار تجري مجرى الإجارة، لأنها تؤخذ شيئا فشيئا كالمنافع، ثم المنافع إذا تلفت قبل مضي المدة كانت من ضمان المؤجر، كذلك الثمار، لا يقال: المنافع قبل مضي المدة غير مقبوضة، بخلاف الثمار فإنها مقبوضة، لأنا نقول: كلاهما في حكم المقبوض من وجه، ولهذا جاز التصرف في كل منهما على المذهب، ثم لا نسلم أن الثمرة مقبوضة القبض التام، بدليل أنها لو تلفت بعطش كانت من ضمان البائع، فلا ترد صحة التصرف فيها، فإنا نمنعه على رواية اختارها أبو بكر، فيما حكاه عنه ابن شاقلا.
1900 - وقال: إنه قول زيد بن ثابت، وإن سلمناه فالإجارة، يجوز التصرف فيها، وإذا تلفت كانت من ضمان المؤجر.

1901 - وقد اعترض على هذا بالحديث الصحيح «أن رجلا أصيب على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تصدقوا عليه» ، قال: فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» ولو كان الضمان على البائع لكانت المصيبة عليه، وأجيب بأن هذا واقعة عين، فيحتمل أنه أصيب بعد حرزها وقبضها القبض التام.
1902 - واعترض أيضا بحديث عمرة بنت عبد الرحمن، قالت: «ابتاع رجل ثمرة حائط في زمان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فعالجه وقام فيه، حتى تبين له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع له أو يقيله، فحلف أن لا يفعل، فذهبت أم المشتري إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فذكرت ذلك له، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تألى فلان أن لا يفعل خيرا» رواه أحمد ومالك في الموطأ

وظاهره أن الوضع غير واجب على البائع، وإلا لطلب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - البائع، وأمره بذلك، وأنكر عليه حلفه، وامتناعه من الواجب، وقد أجيب بأن الجائحة هنا يحتمل أن تكون بفعل آدمي والضمان عليه، ويحتمل أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علم أنه ينزجر بقوله، ويخرج من الحق، فلم يحتج إلى طلبه.
1903 - ويشهد لذلك ما في المسند أن الرجل بلغه، فأتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله، إن شئت الثمن كله، وإن شئت ما وضعوا، فوضع عنهم ما وضعوا.
1904 - وفي الموطأ فسمع بذلك رب الحائط، فأتى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا رسول الله، هو له ويحتمل أنه كان قبل الأمر بوضع الجوائح، على أنه ليس في الحديث أن الثمرة أصابتها جائحة، مع أن الحديث مرسل، ثم يضعفه اختلاف ألفاظه، وما في المغني من أن المرأة قالت: فأذهبتها الجائحة، وأنه متفق عليه [الظاهر] أنه وهم.

واعترض أيضا بالأحاديث الصحيحة من نهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الثمرة حتى تزهو، وقوله: «أرأيت إن لم يثمرها الله بم تستحل مال أخيك؟» ولو كان الضمان على البائع لما استحل مال أخيه، وهذا أقوى ما اعترض به.
وقد أجاب عنه القاضي بأن معناه: بم تستحل جواز الأخذ، فهو إنكار على البائع في أخذ الثمن، نظيره قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 21] ولا يخفى أن ظاهر اللفظ خلاف هذا.
والذي يظهر لي عدم القول بوضع الجوائح، وأن ذلك كان أولا، حين كانوا يتبايعون الثمار قبل بدو الصلاح.
1905 - بدليل ما قال زيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «كان الناس في عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتبايعون الثمار، فإذا جذ الناس وحضر تقاضيهم، قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدمان، أصابه مراض، أصابه قشام، عاهات يحتجون بها، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما كثرت عنده الخصومة -: «إما لا فلا تبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر» كالمشورة يشير بها، لكثرة خصومتهم، رواه البخاري، وأبو داود، وزاد: «يتبايعون الثمار قبل بدو صلاحها» ، وهذا بين في أنهم كانوا يتبايعون الثمار [قبل بدو صلاحها، وأن الجوائح ما كانت توضع، وإلا لم يكن في الخصومة فائدة، وأن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قطع ذلك، بأن منع البيع] قبل بدو الصلاح.
ولا تفريع على هذا، أما على المذهب، فهل توضع الجوائح مطلقا، عملا بعموم الحديث، وهو اختيار جمهور الأصحاب، إلا القدر اليسير الذي لا بد من تلفه غالبا، قال أحمد: لا أقول في عشر تمرات، ولا عشرين تمرة، وما أدري ما الثلث؟ أو لا يوضع إلا أن أتلفت الثلث فصاعدا، وهو اختيار الخلال، لأن اليسير مغتفر إذ لا بد من تلف ما غالبا، وما دون الثلث يسير.

1906 - بدليل قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الثلث، والثلث كثير» ؟ على روايتين، وقيدهما ابن عقيل وصاحب التلخيص بما بعد التخلية، وظاهره أن قبل التخلية الكل على البائع، ثم على الثانية: عل يعتبر الثلث بالقدر أو بالقيمة؟ فيه قولان.
ومعنى وضع الجوائح أن الثمرة إذا تلفت أو بعضها قبل الجذاذ كان ذلك من ضمان البائع على المذهب، فيرجع المشتري عليه بالثمن أو ببعضه حسب التالف.
وعلى الرواية الأخرى إن أتلفت دون الثلث فمن ضمان المشتري، وإن أتلفت الثلث فصاعدا فمن ضمان البائع، وإن تعيبت الثمرة ولم تتلف خير المشتري بين الإمضاء والأرش، وبين الرد وأخذ الثمن كاملا.

ثم الجائحة التي هذا حكمها ما لم يكن بفعل آدمي، كالريح، والمطر، والجراد، والبرد، ونحو ذلك، أما ما كان بفعل آدمي كالحاصلة من قطاع الطريق، ونهب الجيوش، ونحو ذلك، فإن المشتري مخير بين فسخ العقد، ومطالبة البائع بالثمن، وبين إمضائه ومطالبة المتلف بالبدل، قاله القاضي وغير واحد، واختار أبو الخطاب في الانتصار أن الضمان - والحال هذه - يستقر على المشتري، فيلزم العقد في حقه، ثم يرجع هو على المتلف، وفي التلخيص وغيره أن في إحراق اللصوص، ونهب الحرامية والجيوش وجهان، يعني هل هو من الجائحة أم لا؟ وكأن مرادهم خلاف أبي الخطاب وشيخه، انتهى.
وقول الخرقي: اشترى الثمرة.
الألف واللام للعهد، أي: الجائز بيعها، وذلك بعد بدو صلاحها مطلقا، وقبله بشرط القطع، (وقوله) : دون الأصل، يخرج به ما إذا اشتراها

مع الأصل، فإن ضمانها يستقر عليه، لحصولها تابعة لما ضمانه عليه، وهو الأرض.
(وقوله) : ولحقتها جائحة من السماء.
يخرج به الجائحة من آدمي، وكذا قال أبو البركات، وظاهره كقول أبي الخطاب.
(وقوله) : رجع بها على البائع.
هذا فيما قبل تناهي الثمرة، أما إن جذت فلا نزاع في استقرار العقد، ولزوم الضمان للمشتري، وكذلك إن حصل تناهيا، لأن التفريط إذا من المشتري، وكذلك إن تمكن من قطعها ولم يقطعها، فيما إذا بيعت قبل الصلاح بشرط القطع، قاله أبو البركات، والقاضي فيما حكاه عنه أبو محمد، وهو احتمال له في التعليق، لما تقدم، وزعم فيه أن ظاهر كلام الإمام الوضع أيضا، اعتمادا على إطلاقه، ونظرا إلى أن القبض لم يحصل.

ثم قول الخرقي: اشترى الثمرة.
يشمل ثمرة النخل وغيرها، وأحمد قال - فيما حكاه عنه ابن عقيل -: إنما الجوائح في النخل، فظاهره إخراج ثمرة الشجرة، لكن قال القاضي: إنما أراد إخراج [الزرع] ، والخضروات إذ لا فرق يظهر بين الشجر، والنخل.
ويخرج من قول الخرقي وأحمد ما عدا الثمار، من الزرع، والخضروات، فلا وضيعة في ذلك، بل ضمانه على المشتري، وهذا أحد احتمالي القاضي: وقال: إنه الأشبه، بعد أن قال: إنه لا يعرف الرواية في ذلك، وفرق بأن الزرع لا يباع من غير شرط القطع إلا بعد تكامل صلاحه، فإذا تركه بعد فقد فرط، والثمرة تباع بعد بدو الصلاح، وقبل تكاملها على الترك، فلا تفريط.
(والثاني) : وبه قطع أبو البركات حكم ذلك حكم الثمرة بالقياس عليها.
(تنبيهان) : «أحدهما» : ليس من الجائحة إذا استأجر أرضا للزراعة فزرعها ثم تلف الزرع بغرق أو نحوه، نص عليه

أحمد، وقاله الأصحاب، قال أبو محمد: ولا نعلم فيه خلافا، لأن المعقود عليه منفعة الأرض، وقد استوفيت بالزراعة، والتلف حصل لمال المستأجر، فهو كما لو استأجر بهيمة لحمل متاع، فحملته فتلف أو سرق.
(الثاني) : «الجائحة» في اللغة واحدة الجوائح، وهي الآفات التي تصيب الثمار فتتلفها، يقال: جاحهم الدهر يجوحهم، واجتاحهم، إذا أصابهم مكروه عظيم، «وتألى» حلف، و «الدمان» بفتح الدال، [وتخفيف الميم] ، عفن يصيب النخل فيسوده، و «المراض» داء يقع في الثمرة فتهلك، يقال: أمرض الرجل.
إذا وقع في ماله العاهة، و «القشام» هو أن ينتقص ثمر النخل قبل أن يصير بلحا، و «إما لا» أصله، إن ما لا.
فأدغمت

النون في الميم، والمعنى: إن لم يفعل فليكن هذا.
وتمال إمالة خفيفة، والله سبحانه أعلم.

تلف المبيع قبل القبض

قال: وإذا وقع البيع على مكيل، أو موزون، أو معدود، فتلف قبل قبضه فهو من مال البائع، وما عداه فلا يحتاج فيه إلى قبض، فإذا تلف فهو من مال المشتري.
ش: المبيع على ضربين، متميز، وغير متميز، فغير

المتميز قسمان (أحدهما) مبهم تعلق به حق توفية، كقفيز من هذه الصبرة، ورطل من هذه الزبرة، ونحو ذلك، فهذا يفتقر إلى القبض، على المذهب المعروف، المقطوع به عند عامة الأصحاب، حتى إن بعضهم يقول: رواية واحدة.
1907 - لما روي «عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أنه قال: مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيا مجموعا فهو من مال المبتاع» . ذكره البخاري من قول ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - تعليقا،

واحتج به أحمد، وقول الصحابي: مضت السنة.
ينصرف إلى سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو يدل بمفهومه على أن المبيع من مال البائع، وفي كلام أبي محمد ما يقتضي حكاية رواية بعدم افتقار ذلك إلى القبض، ولا يتابع عليها.
(القسم الثاني) : مبهم لم يتعلق به حق توفيه، كنصف العبد، وربع الإناء، وسدس القربة، ونحو ذلك، فاختلف كلام صاحب التلخيص فيه، ففي البلغة أنه كالذي قبله، قال: وإنما يفترقان في أنه لو تلفت الصبرة إلا قفيزا منها تعين أنه المبيع، بخلاف الجزء المشاع.
وفي التلخيص في البيع وفي الرهن جعله من المتميزات، فيه الخلاف الآتي.
والمتميز قسمان أيضا: (أحدهما) : ما تعلق به حق توفية، كبعتك هذا القطيع كل شاة بدرهم، وهذا الثوب على أنه عشرة أذرع.
فالمشهور عند الأصحاب - وبه قطع أبو البركات وغيره - أنه كالمبهم الذي تعلق به حق توفية، إناطة بها، قال في التلخيص: وخرج بعض الأصحاب فيه وجها أنه كالعبد والثوب، بناء على أن العلة ثم اختلاط المبيع بغيره.
قلت:

وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور، وذكر له قول الثوري: كل شيء ليس فيه كيل، ولا وزن، ولا عدد، فخراجه، وحمله، ونقصه على المشتري، وكل بيع فيه كيل، أو وزن، أو عدد، فلا بد للبائع أن يوفيه.
فقال أحمد: أما العدد فلا، ولكن كل ما يكال ويوزن فلا بد للبائع أن يوفيه، لأن ملكه قائم فيه.
(القسم الثاني) متميز لم يتعلق به حق توفية، كالعبد، والدار، والصبرة، ونحو ذلك من الجزافيات، ففيه روايات.
(إحداهن) - وهي الأشهر عن الإمام، والمختار لجمهور الأصحاب - عدم افتقار ذلك إلى القبض، لمنطوق ما تقدم عن ابن عمر.
1908 - وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى «أن الخراج بالضمان» رواه الخمسة، أي: حاصل أو ثابت بسبب

الضمان، وفي رواية: «أن رجلا ابتاع غلاما فاستعمله، ثم وجد به عيبا، فرده بالعيب، فقال البائع: غلة عبدي؟ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الغلة بالضمان» رواه أحمد، وأبو داود، وظاهره أن المبيع المتعين من ضمان المشتري، لأنه جعل خراجه له، بسبب أن ضمانه عليه.
(والثانية) : افتقار ذلك إلى القبض، حكاها جماعة، منهم أبو الخطاب في الانتصار، وأخذها من قول أحمد في

رواية الأثرم: إن الصبر لا تباع حتى تنقل.
قال: وهي معينة كالعبد والثوب.
وأظهر من هذا أخذها من رواية مهنا، في من تزوج امرأة على غلام بعينه، ففقئت عين الغلام ولم تقبضه فهو على الزوج، وهذه قال في التلخيص: إنها اختيار ابن عقيل، والذي في الفصول تصحيح الأولى، ثم إنه حكى عن أبي بكر ما يقتضي تأويل الثانية، واختار هو أنها على ظاهرها، وأن عليها لا يكون الضمان على المشتري، وهذا ليس منه اختيارا للرواية، إنما فيه إثباتها، نعم هو يختار أنه لا يجوز التصرف في ذلك قبل قبضه.
1909 - وبالجملة استدل لهذه الرواية بما روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: ابتعت زيتا في السوق، فلما استوجبته لقيني رجل فأعطاني به ربحا حسنا، فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجل من خلفي بذراعي، فالتفت فإذا زيد بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك، «فإن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن تباع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم» ، رواه أحمد، وأبو داود.

1910 - وعن «حكيم بن حزام - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قلت: يا رسول الله، إني أبتاع هذه البيوع، فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال «يا بن أخي إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه» رواه البيهقي في سننه.
(والرواية الثالثة) : أن المفتقر من ذلك إلى القبض هو الطعام، وإن كان غير مكيل ولا موزون، على ظاهر ما نقله أحمد بن الحسين الترمذي، وقد سأله عن بيع الفاكهة قبل القبض، فقال: في هذا شيء إن خرج مخرج الطعام، لأن الحديث في الطعام، وأصرح من هذا رواية الأثرم، وسأله عن قوله: نهى عن ربح ما لم يضمن.
قال: هذا في الطعام وما أشبهه، من مأكول، أو مشروب، فلا تبعه حتى تقبضه، ونحوه نقله المروذي، وهذه الرواية قال ابن عبد البر: إنها الأصح عن إمامنا، وإليها ميل أبي محمد بل ظاهر كلامه إناطة الحكم بها، وعدم النظر إلى كون المبيع مبهما أو مما تعلق به حق توفية، أو غير ذلك.
1911 - وقد استدل لها بما روى ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: «من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه» قال: وكنا نشتري الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه» . 1912 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يبيع الرجل طعاما حتى يستوفيه» ، وفي رواية: حتى يكتاله.
متفق عليهما.
1913 - وفي مسلم نحوهما من حديث جابر، وأبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل