كتاب الأضاحي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
حكم الأضحية، كالهدي إذا عطب، لا يخرج عن حكم الهدي على رواية، ويكون معنى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «شاة لحم» أي في فضلها وثوابها خاصة، دون ما يصنع بها.
ذبح الكتابي للأضحية
قال: ولا يستحب أن يذبحها إلا مسلم.
ش: لا نزاع في ذلك، لأنها قربة وطاعة، فلا يليها غير أهل القرب، ومقتضى كلام الخرقي أنه يجوز أن يذبحها غير المسلم، ومراده بذلك الكتابي، بدليل ما تقدم له، وقد اختلف عن أحمد في ذلك، (فعنه) - وهو اختيار الخرقي وعامة الأصحاب - يجوز، لأنه يجوز له ذبح غير الأضحية، فجاز له ذبح الأضحية كالمسلم، ولأن الكافر يجوز أن يتولى ما هو قربة للمسلم كبناء المساجد ونحو ذلك، (وعنه) المنع.
3636 - لأن في حديث ابن عباس الطويل «ولا يذبح ضحاياكم إلا طاهر» .
3637 - وقال جابر: لا يذبح النسك إلا مسلم.
وحملا على الكراهة التنزيهية، اهـ.
ويشترط أن ينوي المسلم ذلك، ويكون توكيل الذمي في
مجرد النحر، نعم في المعينة لا يحتاج إلى نية، نظرا للتعيين.
(تنبيه) : عامة الأصحاب على حكاية الروايتين على الإطلاق، وخصهما ابن أبي موسى والشيرازي بالبقر والغنم، وجزما في الإبل بعدم الإجزاء، وقال الشريف وأبو الخطاب في خلافيهما: هذا - أي جواز ذبح الكتابي - على الرواية التي تقول: الشحوم المحرمة على اليهود لا تحرم علينا، زاد الشريف: أو على كتابي نصراني، ومقتضى هذا أن محل الروايتين على القول بحل الشحوم، أما إن قلنا بتحريم الشحوم فلا يلي اليهودي بلا نزاع، وقد أشار أبو محمد إلى هذا، فإنه علل المنع بأن الشحم محرم علينا، فيكون ذلك إتلاف جزء منها، وأجاب بمنع تحريم الشحم.
استحباب أن يذبح المضحي بنفسه
قال: فإن ذبحها بيده كان أفضل.
ش: اقتداء بالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضحى بكبشين أقرنين أملحين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما، ونحر من البدن التي ساقها في حجته ثلاثا وستين بدنة، ولأن فعل القرب أولى من الاستنابة فيها، فإن استناب جاز بلا نزاع، وقد استناب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما غبر عليه من بدنه، والمستحب إذا لم يذبح بيده أن يمسك المدية بيده حال الإمرار، فإن لم فليحضر، لأن في حديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - الطويل «واحضروها إذا ذبحتم، فإنه يغفر لكم عند أول قطرة من دمها» والله أعلم.
النية والتسمية عند الأضحية
قال: ويقول عند الذبح: باسم الله والله أكبر.
ش: قد تقدم هذا، وأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سمى وكبر، والأولى أن يكون ذلك عند تحريك يده بالذبح، والله أعلم.
قال: فإن نسي لم يضره.
ش: إذا نسي التسمية فلا يضره، وقد تقدم ذلك والخلاف فيه، فلا حاجة إلى إعادته.
قال: وليس عليه أن يقول عند الذبح عمن، لأن النية تجزئ.
ش: لا ريب في الاكتفاء بالنية، إذ الأعمال بها، نعم إن ذكر من ضحى عنه فحسن.
3638 - لأن في حديث جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «اللهم منك وإليك عن محمد وأمته، باسم الله والله أكبر» ثم ذبح» .
وقول الخرقي: لأن النية تجزئ.
إشعار بأنه لا بد من النية، ولا إشكال أنها لا تصير أضحية إلا بالنية، بقي هل تحتاج إلى تجديد النية عند الذبح؟ قال في التلخيص: إذا قال: جعلت هذه أضحية.
أغناه عن تجديد النية عند الذبح، وكذا إذا نذرها بعينها، بخلاف ما إذا نذرها في ذمته، ثم قال: جعلتها هذه.
فإنه لا بد وأن ينويه وقت الذبح.
قلت: وعلى هذا ففي المتطوع به لا بد وأن ينويه عند الذبح.
الاشتراك في الأضحية
قال: ويجوز أن يشترك السبعة فيضحوا بالبقرة أو البدنة.
ش: قد تقدمت هذه المسألة في أول الباب، وقد يقال: إنه إنما أعادها هاهنا لأن كلامه السابق في أن البدنة أو البقرة تجزئ عن سبعة، فهذا قد يقال فيما إذا ذبحها ذابح عنهم ونحو ذلك، وهذه المسألة فيما إذا اشتركوا فيها، والأجود أن يقال: إن كلامه السابق في الواجب، إذ الإجزاء مشعر بذلك، وهنا في التطوع، ونبه بذلك على مخالفة من فرق بينهما اهـ.
(تنبيه) : الاعتبار أن يشترك الجميع دفعة، فلو اشترك ثلاثة في بقرة أضحية، وقالوا: من جاء يريد أضحية شاركناه.
فجاء قوم فشاركوهم، لم تجزئ إلا عن الثلاثة، قاله الشيرازي.
حكم العقيقة
قال: والعقيقة سنة.
ش: قال الأزهري: قال أبو عبيد: قال الأصمعي وغيره: العقيقة أصلها الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، وسميت الشاة المذبوحة عند حلق شعره عقيقة، على عادتهم في تسمية الشيء باسم سببه، ثم اشتهر ذلك فلا يفهم من العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة، وقال ابن عبد البر: أنكر أحمد هذا التفسير، وقال: إنما العقيقة الذبح نفسه، وذلك لأن أصل العق القطع، ومنه: عق والديه.
إذا قطعهما، والذبح قطع الحلقوم والمريء.
والعقيقة مشروعة مطلوبة عندنا بلا ريب.
3639 - لما روي «عن أم كرز الكعبية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أنها سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن العقيقة، فقال: «نعم عن الغلام شاتان، وعن الأنثى واحدة، ولا يضركم ذكرانا كن أو إناثا» » . رواه أحمد، والترمذي وصححه.
3640 - «وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا» . رواه أبو داود والنسائي، وقال: بكبشين كبشين.
3641 - وعن بريدة الأسلمي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران.
رواه
أبو داود وقال أحمد: العقيقة سنة عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد عق عن الحسن والحسين، وفعله أصحابه.
واختلف أصحابنا هل تنتهي هذه المطلوبية إلى الوجوب؟ فقال أبو بكر في التنبيه بانتهائها إلى ذلك، قال أبو الخطاب: ويحتمله كلام أحمد.
3642 - لما روى الحسن، عن سمرة، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «كل غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق رأسه ويسمى» . رواه الخمسة وصححه الترمذي.
وقال الإمام أحمد والنسائي وغيرهما: لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة.
3643 - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بتسمية المولود يوم سابعه، ووضع الأذى عنه والعق» . رواه الترمذي وقال: حسن غريب.
وقال عامة الأصحاب - وهو المعروف عن أحمد - بعدم انتهائها إلى ذلك، ووقفوا عند القول باستحبابها.
3644 - لما روي عن عمرو بن شعيب أيضا، عن أبيه، عن جده، قال: «سئل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن العقيقة، فقال: «لا أحب العقوق» وكأنه كره الاسم، فقالوا: يا رسول الله، إنما نسألك عن أحدنا يولد له.
قال: «من أحب أن ينسك عن ولده فليفعل، عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة» » رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وإذا يحمل ما تقدم على تأكيد الاستحباب، جمعا بين الأدلة، ويرجحه الأمر بالتسمية يوم السابع والحلق، وليس ذلك بواجب، وإذا كانا مستحبين فكذلك الذبح، حذارا من استعمال الأمر في حقيقته ومجازه، لا لمجرد دلالة الاقتران.
على من تكون العقيقة ووقت ذبحها
قال: عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة.
ش: لما تقدم من حديثي أم كرز، وعبد الله بن عمرو، وعق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الحسن والحسين قد جاء فيه كبش، وجاء كبشان، مع أن رواية الكبش قد تحمل على الجواز، وعلى عدم الوجدان، وكذا نقول بجواز أن يذبح شاة واحدة إذا لم يقدر على غيرها، والأولى كون الشاتين متماثلتين، لما تقدم في الحديث «متكافيتان» قال أحمد: يعني متقاربتين
أو متساويتين.
قال: تذبح يوم السابع.
ش: وذلك لما تقدم من حديثي سمرة وعبد الله بن عمرو، وظاهر كلام الخرقي أن جميع العقيقة تذبح يوم السابع، وقال ابن البنا: تذبح إحدى شاتي الغلام يوم ولادته، والأخرى يوم سابعه، والأول هو المعروف في النقل، وهو ظاهر الحديث، فإن فات السابع فقال الأصحاب في أربع عشرة، فإن فات ففي إحدى وعشرين.
3645 - لأن ذلك يروى عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وهذا على سبيل الاستحباب وبعد يجزئ لحصول المقصود، وكذلك قبل بعد الولادة، إذ هو أول الوقت، فإن تجاوز إحدى وعشرين ففيه احتمالان: (أحدهما) : يستحب في كل سابع، فيذبح في ثمانية وعشرين، ثم في خمس وثلاثين، وعلى هذا قياسا على ما تقدم.
(والثاني) : يفعل في كل وقت، لأن هذا قضاء، فلم يتوقت كقضاء الأضحية وغيرها.
ما يجزئ في العقيقة ومصرفها
قال: ويجتنب فيها من العيوب ما يجتنب في الأضحية.
ش: يجتنب في العقيقة من العيب ما يجتنب في الأضحية، لأنها قربة يتقرب بها إلى الله تعالى، شكرا على نعمته، فأشبهت الأضحية، فعلى هذا لا يعق بعوراء بين عورها، ولا عرجاء بين عرجها، ولا مريضة بين مرضها، ولا عجفاء لا تنقي، وبيان ذلك مفصلا قد تقدم.
قال: وسبيلها في الأكل والصدقة والهدية سبيلها.
ش: لأنها نسيكة مشروعة، أشبهت الأضحية، قال أبو محمد: وإن طبخها ودعا إخوانه فأكلوها فحسن.
قال: إلا أنها تطبخ أجدالا.
ش: يعني أن الأولى في العقيقة أن تفصل الأعضاء، فتطبخ كذلك، ولا تكسر عظامها، تفاؤلا بسلامة المولود.
3646 - وفي مراسيل أبي داود، عن جعفر، عن أبيه «، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: في العقيقة التي عقتها فاطمة عن الحسن والحسين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - «أن يبعثوا إلى بيت القابلة برجل، وكلوا وأطعموا، ولا تكسروا منها عظما» ولهذا قال أبو بكر في التنبيه: يعطي القابلة منها فخذا.
(تنبيه) : الأجدال واحدها جدل بالدال غير المعجمة وهو العضو، والله سبحانه أعلم.