كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ملصق، كما يقال: مسحت رأس اليتيم.
وما قيل: إن الباء للتبعيض.
فغير مسلم، دفعا للاشتراك، ولإنكار الأئمة قال أبو بكر عبد العزيز: سألت ابن دريد وابن عرفة عن الباء تبعض؟ فقالا: لا نعرف في اللغة أنها تبعض.
وقال ابن برهان: من زعم أن الباء تفيد التبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه.
وأما قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 6] فمن باب التضمين، والله أعلم، فكأنه قيل: يروى بها عباد الله.
وكذلك قول الشاعر:
شربن بماء البحر
والثانية: الواجب مسح البعض، وقد فهم دليل ذلك مما تقدم، من أن الباء تبعض، ومما روي من أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مسح البعض.
(وعنه) بل في حق المرأة فقط، واختاره الخلال، وأبو
محمد، دفعا للحرج والمشقة عنها، بوجوب مسح الكل.
والرواية الرابعة: الواجب الأكثر، إذ إيجاب الكل قد يفضي إلى الحرج والمشقة غالبا، وأنه منفي شرعا.
فعلى الأولى: يجب مسح الأذنين معه على رواية، واختارها الأكثرون، لأنهما من الرأس كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ولا يجب في أخرى، وهي أشهر نقلا: واختارها الخلال، وأبو محمد، وقال الشيرازي: لو مسح وتخلل مواضع يسيرة، عفي عنها للمشقة، وظاهر كلام الأكثرين بخلافه.
وعلى الثانية والثالثة: البعض مقدر بالناصية، قاله القاضي، وعامة من بعده، لكن لا تتعين على المعروف ولابن عقيل احتمال بتعينها، وصرح ابن أبي موسى بعدم تحديد الرواية فقال: وعنه يجب مسح البعض من غير تحديد.
واتفق الجمهور على أنه لا يجزئ مسح الأذنين عن ذلك البعض، وكذلك مسح ما نزل عن الرأس من الشعر، ولو كان معقوصا على الرأس، وللقاضي في شرحه الصغير وجه بإجزاء مسح الأذنين عن البعض.
وعلى الرابعة حد الكثير الثلثان، واليسير الثلث، فما دون، قاله القاضي في تعليقه، وأبو الخطاب في خلافه الصغير، وأطلق ذلك جماعة.
وقول الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ومسح الرأس.
يدخل فيه ولو مسح بأصبع أو بأصبعين وهو الصحيح من الروايتين، ويدخل أيضا ما لو مسح بخرقة أو خشبة، وهو أصح القولين عند أبي البركات، ويدخل أيضا ما إذا وقف تحت مطر ونحوه، قاصدا
للطهارة، وأمر يده، لوجود المسح، أما إن لم يمرها، ولم يجر الماء، فإنه لا يجزئه على أشهر القولين، وإن جرى الماء خرج على روايتي غسله كما سيأتي، ولو لم يقصد الطهارة فأصابه ماء فمسح قاصدا لها فإنه يجزئه، على إحدى الروايتين، وهو ظاهر كلام الخرقي، ومختار أبي البركات، (والثانية) - وبها قطع صاحب التلخيص، وابن عقيل زاعما بأنها تحقيق المذهب - لا يجزئه.
ويخرج من كلامه ما لو وضع يده على رأسه ولم يمرها، فإنه لا يجزئه، لعدم المسح، وبه قطع أبو البركات وغيره، ولأبي محمد فيه احتمال بالإجزاء، وما لو غسل رأسه بدل مسحه، وهو الصحيح من الروايتين، عند أبي البركات، وابن عقيل، نعم: إن أمر يده أجزأه، على المعروف المشهور، وقيد ابن حمدان إجزاء الغسل عن المسح بما إذا نواه به، والله أعلم.
تنبيهات (أحدها) : حد الرأس من المقدم، بحيث لا يسمى وجها، وقد تقدم حد الوجه، وبه يعرف حد الرأس، ومن المؤخر بحيث لا يسمى قفا، والناصية مقدم الرأس، قاله القاضي وغيره.
(الثاني) : الواجب مسح ظاهر الشعر، فلو مسح البشرة لم يجزئه، كما لو غسل باطن اللحية دون أعلاها، نعم لو حلق البعض، فنزل عليه شعر ما لم يحلق أجزأه المسح عليه.
(الثالث) : صفة المسح أن يضع أحد طرفي سبابتيه على طرف الأخرى ويضعهما على مقدم رأسه، ويضع الإبهامين
على الصدغين، ثم يمرهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى مقدمه، نص عليه أحمد، وهو المشهور، والمختار.
83 - لحديث عبد الله بن زيد وغيره، وفيه خلاف كثير، أعرضنا عنه اختصارا، والله أعلم.
غسل الرجلين في الوضوء
قال: وغسل الرجلين.
84 - ش: للآية الكريمة، فإن جماعة منهم علي، وابن مسعود، وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قرءوا: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: 6] بالنصب، عطفا على المغسول، وهو قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: 6] وقراءة الخفض قيل: عطف على المغسول، والخفض للمجاورة، كما قالوا: جحر ضب خرب.
فخرب.
خفض بمجاورة
الضب، مع أنه صفة للمرفوع، وهو الحجر.
وقيل: منه قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: 156] (فعظيم) خفض بمجاورة اليوم وهو صفة للعذاب، ورد بأن الإعراب بالمجاورة شاذ، فلا ينبغي حمل الكتاب العزيز عليه.
وقيل: بل المعطوف على الممسوح، ثم قيل: المراد مسح الخفين.
وعلى قراءة النصب غسل الرجلين، تكثيرا لمعنى الآية الكريمة، وقيل: بل أطلق المسح وأريد خفيف الغسل، فمعنى القراءتين واحد، وهو أولى، إذ الأصل توافق القراءتين، ويشهد لذلك ما قاله أبو علي الفارسي، فإنه قال: العرب تسمي خفيف الغسل مسحا، يقولون: تمسحت للصلاة، أي توضأت لها، ونحوه قال أبو زيد وغيره، وخصت الأرجل بذلك - والله أعلم - دون بقية الأعضاء لأنها تقصد بصب الماء كثيرا، فهي مظنة الإسراف المنهي عنه، فلذلك عطف على الممسوح، تنبيها على الاقتصاد في صب الماء، وقيل: (إلى الكعبين) ليزول وهم من يظنها ممسوحة، إذ المسح لم يحدد في كتاب الله عز وجل، بخلاف الغسل.
ويؤيد أن المراد من الآية الغسل بيان من له البيان، وهو رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
85 - فإن الواصفين لوضوئه - كعثمان، وعلي، وعبد الله بن زيد، وغيرهم - أخبروا أنه غسل رجليه.
86 - وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -] قال: «تخلف عنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفر، فأدركنا وقد أرهقنا العصر - ويروى: أرهقتنا العصر.
فجعلنا نتوضأ، ونمسح على أرجلنا، قال: فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين، أو ثلاثا» .
87 - وفي مسلم «عن عمرو بن عبسة قال: قلت يا نبي الله حدثني عن الوضوء.
قال: «ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرت خطايا وجهه، وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى: فحمد الله، وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله، إلا انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه» وفي رواية أحمد - رحمه
الله - وابن خزيمة في صحيحه، كما أمر الله تعالى بعد غسل الرجلين.
88 - على أن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أجمع أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على غسل القدمين.
(تنبيه) : «أرهقنا العصر» أخرناها عن وقتها، حتى كدنا نغشها، ونلحقها بالصلاة التي بعدها، «وأرهقتنا العصر» أي قاربتنا العصر.
والله أعلم.
قال: إلى الكعبين
ش: أي حد الغسل إلى الكعبين، وهذا يوهم أنه لا يجب إدخالهما في الغسل، وليس كذلك، بل حكمهما حكم اليدين، وقد قيل: إن الرجل من أصل الفخذ إلى القدم، وكأن الخرقي إنما ترك التنبيه على ذلك، اكتفاء بما تقدم له في اليد، والله أعلم.
قال: وهما العظمان الناتئان.
89 - ش: أي الكعبين هما العظمان الناتئان، إذ في الحديث أن الصحابة كان أحدهم يلصق كعبه بكعب من إلى جنبه في الصلاة، والله أعلم.
قال: ويأتي بالطهارة عضوا بعد عضو، كما أمر الله تعالى
ش: أي يبدأ بغسل الوجه، ثم اليدين، ثم يمسح الرأس، ثم يغسل الرجلين، وهذا هو المذهب بلا ريب، للآية الكريمة، فإنه سبحانه وتعالى أدخل ممسوحا بين مغسولين، وقطع النظير عن نظيره، أما على قراءة النصب فواضح، وكذلك على قراءة الخفض، لأن مع تأخير الرجلين أدخلا في حيز المسح، وأريد به الغسل، ولا يقطع النظير عن نظيره، ويفصل بين الأمثال في الكلام العربي، إلا لفائدة، والفائدة هنا - والله أعلم - الترتيب.
90 - على أنه قد روى النسائي: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما دنا من الصفا قال: «ابدءوا بما بدأ الله به» » بصيغة الأمر، وظاهر الأمر البداءة بكل ما بدأ الله به، وأيضا فإن فعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خرج بيانا للآية
الكريمة، ولم ينقل عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه توضأ إلا مرتبا، ولو جاز عدم الترتيب لفعله ولو مرة، تبيينا للجواز، وقد توضأ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرة مرة، على عادة وضوئه، وقال: «هذا الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به» وهذا كله على المذهب، من أن الواو ليست للترتيب، كما هو المذهب، أما إن قلنا إنها له - على رواية - فواضح، فعلى هذا لو بدأ بشيء من الأعضاء الأربعة قبل غسل وجهه لم يحسب له، نعم: إن توضأ منكسا أربع مرات، صح وضوءه إن قرب الزمن، لأنه حصل له من كل مرة غسل عضو اهـ.
(وعن أحمد) - رَحِمَهُ اللَّهُ - رواية تقدمت باغتفار الترتيب بين المضمضة والاستنشاق، وبين بقية أعضاء الوضوء، فأخذ منها أبو الخطاب - في انتصاره، وابن عقيل في فصوله - رواية بعدم وجوب الترتيب رأسا، وتبعهما بعض المتأخرين، منهم أبو البركات في محرره، وغيره، وأبي ذلك عامة الأصحاب، متقدمهم ومتأخرهم، ومنهم أبو محمد، وأبو البركات في شرحه.
واعلم أن الواجب عندنا الترتيب، لا عدم التنكيس، فلو
وضأه أربعة في حالة واحدة لم يجزئه، ولو انغمس في ماء جار، ينوي رفع الحدث، فمرت عليه أربع جريات، أجزأه إن مسح رأسه، أو قيل بإجزاء الغسل عن المسح ولو لم يمر عليه إلا جرية واحدة لم يجزئه، ولو كان انغماسه في ماء كثير راكد فمنصوصه - وبه قطع ابن عقيل، وأبو محمد - أنه إن أخرج وجهه، ثم يديه، ثم مسح برأسه، ثم خرج من الماء أجزأه، مراعاة للترتيب، إذ الحدث إنما يرتفع بارتفاع الماء، عن العضو، وقيل - وقواه أبو البركات -: إن مكث فيه قدرا يتسع للترتيب، وقلنا: يجزئ غسل الرأس عن مسحه، أو مسحه ثم مكث برجليه قدرا يسع غسلهما أجزأه.
(تنبيه) : لم ينص الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - على الموالاة فقيل: ظاهر كلامه أنها لا تجب.
وإلا لم يهملها، وهو رواية حنبل عن أحمد.
91 - اقتداء بابن عمر، فإنه روي عنه أنه توضأ في المسجد، أو في السوق، فأعوز الماء، فأكمله في البيت.
وقيل: بل ظاهره الوجوب، لقوله في مسح الخفين: فإن خلع قبل ذلك، أعاد الوضوء.
ولو لم تجب لكفاه غسل القدمين، إذ قوة كلامه أن الخلع بعد مدة، وهذا رواية الجماعة عن أحمد، وعليها الأصحاب، لظاهر الآية الكريمة إذ قوله
سبحانه: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: 6] إلى آخرها يقتضي الفورية على قاعدتنا، ثم (إذ قمتم إلى الصلاة) شرط و (فاغسلوا) جوابه، [وإذا وجد الشرط، وهو القيام وجب أن لا يتأخر عنه جوابه] وهو غسل الأعضاء الأربعة.
92 - وعن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أنه رأى رجلا يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة، فأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالوضوء والصلاة» . رواه أبو داود، وأحمد وجود إسناده، ولم يستفصله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هل فرط أم لا؟ ثم إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم ينقل عنه أنه توضأ إلا مرتبا متواليا، وفعله - كما تقدم - خرج بيانا للآية الكريمة.
وفي المذهب قول ثالث، اختاره أبو العباس، وزعم أنه الأشبه بأصول الشريعة.
وأصول أحمد، اعتمادا على قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] .
93 - وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» والتارك لعذر قد فعل ما استطاع، ونظرا إلى أن التتابع في صوم شهري الكفارة واجب بالنص والإجماع ثم لو تركه لعذر لم ينقطع، وكذلك الموالاة في قراءة الفاتحة، ثم لو تركها (ولو) كثيرا - لاستماع قراءة [الإمام] ونحو ذلك أتمها، وكذلك الموالاة في الطواف والسعي، لا تبطل بفعل المكتوبة، وصلاة الجنازة، وطرد ذلك هنا أنه لو أنقذ غريقا، أو أمر بمعروف، ونحو ذلك في أثناء الوضوء، لم يضره وإن طال، وكذلك الصلاة تجب الموالاة فيها، بحيث لا يفرق بين أبعاضها بما ينافيها، ثم لو فرق لضرورة لم يضره.
94 - كما ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر في صلاة الخوف: أن الطائفة الأولى تذهب بعد صلاة ركعة، وجاه العدو، ثم ترجع إلى صلاتها بعد أن تصلي الطائفة الثانية الركعة الثانية، وتذهب جهة العدو، وكذلك من سبقه الحدث، يتوضأ ويبني، على أحد القولين، ما لم يبطل صلاته بكلام عمد ونحوه.
95 - ثم ما وقع للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث ذي اليدين، من الكلام، والقيام والمشي، إلى غير ذلك، ومثله يبطل الصلاة لولا العذر.
وأجاب عن حديث خالد بن معدان بأن أمره بالإعادة كان لتفريطه، وهو عدم معاهدته الوضوء، ثم طرد ذلك في الترتيب، وقال: لو قيل بسقوطه للعذر، كما إذا ترك غسل وجهه فقط لمرض ونحوه، ثم زال قبل انتقاض وضوئه فغسله لتوجه اهـ.
فعلى الأولى: لا أثر للتفريق، لكن يحتاج إلى استئناف نية، قاله ابن عقيل، وأبو البركات، معللين بأن النية الحكمية تبطل بالفصل الطويل، كما تبطل به قبل الشروع.
وعلى الثانية: المؤثر تفريق يفحش عادة، في رواية حكاها ابن عقيل، إذ ما لا حد له في الشرع، المرجع فيه إلى ذلك، كالحرز، والقبض، والمشهور عند الأصحاب: المؤثر أن يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله.
زاد أبو البركات: أو أخر عضوا عن أوله إلى أن ينشف أوله اهـ في الزمن المعتدل شتاء وصيفا، وهواء أو قدر ذلك، ولعل هذا أضبط للعرف المتقدم، فيتحد القولان، وحكى ابن عقيل وجها أن المؤثر بنشاف عضو (ما) فلو نشف وجهه قبل غسل رجليه بطل وضوءه، (ويستثنى) مما تقدم ما إذا كان الجفاف لسنة، من تخليل أو إسباغ، أو إزالة شك، ونحو ذلك، فإنه لا يؤثر،
فلو كان لعبث، أو إسراف، أو زيادة على الثلاث أثر، وكذلك إن كان لإزالة وسخ لغير طهارة، وإن كان لوسوسة، أو إزالة نجاسة: فوجهان، وإن كان لعوز الماء، أو للاشتغال بتحصيله أثر، وعنه متى كان في علاج الوضوء فلا بأس والله أعلم.
عدد مرات الوضوء
قال: والوضوء مرة مرة يجزئ، والثلاث أفضل
ش: المرة هي التي عمت المحل بالغسل، ولا إشكال في الاجتزاء بها.
96 - لما صح أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ مرة مرة، وتوضأ مرتين مرتين، وتوضأ ثلاثا ثلاثا.
97 - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال «توضأ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مرة مرة، ثم قال: «هذا وضوء من لا تقبل له صلاة إلا به» ، ثم
توضأ مرتين مرتين، ثم قال: «هذا وضوء من يضاعف له الأجر مرتين» ثم توضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي» رواه البيهقي في السنن، وفي رواية: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» .
98 - ولابن ماجه نحوه عن أبي بن كعب.
والثلاث أفضل بلا ريب، لأنه الذي واظب عليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه.
واقتصار المصنف على الثلاث يقتضي أنه لا يستحب الزيادة على ذلك ولا إشكال فيه، وقد صرح بعضهم بالكراهة.
99 - لأن في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «توضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، أو ظلم وأساء» رواه أبو داود، وهذا لفظه، ورواه أحمد , والنسائي، وصححه ابن خزيمة، وفي
رواية لأحمد، والنسائي مختصرا: «فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى، وظلم» وليس في رواية أحد منهم «أو نقص» غير أبي داود، وقد تكلم فيه مسلم وغيره، وأوله البيهقي على نقصان العضو، قال الذهبي: وكذلك ينبغي أن تفسر الزيادة والله أعلم.
صلاة الفريضة بوضوء النافلة
قال: وإذا توضأ لنافلة، صلى بها فريضة ش: هذا يلتفت إلى ما تقدم من أن النية في الاصطلاح الشرعي هي قصد رفع الحدث، أو استباحة ما لا يباح إلا بالطهارة، والنافلة لا تباح إلا بالطهارة، والله أعلم.
قراءة القرآن للجنب والحائض والنفساء
قال: ولا يقرأ القرآن جنب ولا حائض ولا نفساء.
100 - ش: لما روي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقضي حاجته، ثم يخرج فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم، ولا يحجبه.
وربما قال: ولا يحجزه شيء من القرآن ليس الجنابة» . رواه الخمسة، وصححه الترمذي.
101 - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن» رواه أبو داود وحكم
النفساء حكم الحائض إذ دم النفاس هو دم الحيض «حقيقة» .
102 - مع أنه قد روي عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تقرأ الحائض ولا النفساء من القرآن شيئا» رواه الدارقطني.
وقول الخرقي: القرآن.
الألف واللام للجنس، فيتناول القليل والكثير، وهو إحدى الروايات، واختارها أبو البركات، لظواهر النصوص المتقدمة، (وعنه) : يجوز لهم قراءة بعض آية، كما لو لم يقصد بذلك القرآن، (وعنه) : تجوز قراءة الآية ونحوها حكاها الخطابي وأشار إليها في التلخيص فقال: وقيل: يتخرج من تصحيح خطبة الجنب جواز قراءة الآية مع اشتراطها، ويستثنى من ذلك قول: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) تبركا، وعلى الغسل والوضوء، والذبيحة، ونحو ذلك، و (الحمد لله رب العالمين) عند تجدد نعمة ونحوه، بشرط عدم قصد القراءة، نص عليه، وهذا يخرج من كلام الخرقي - رحمه
الله - لانتفاء القراءة والحال هذه، والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذكر الجنب والحائض، والنفساء، وبعض المتأخرين كأبي الخطاب، ومن تبعه يقول: ومن لزمه الغسل.
فيدخل في كلامهم الكافر إذا أسلم، على المذهب من: لزوم الغسل له.
والله أعلم.
لا يمس المصحف إلا طاهر
قال: ولا يمس المصحف إلا طاهر (والله أعلم) . 103 - ش: لما روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر - وهو ابن محمد بن عمرو بن حزم - أن في الكتاب الذي كتبه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعمرو بن حزم: «أن لا يمس القرآن إلا طاهر» وكذلك رواه أحمد، وأبو داود مرسلا، ورواه النسائي، والدارقطني، من رواية الزهري، عن أبي بكر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
104 - وعن ابن عمر أنه قال: لا يمس المصحف إلا على طهارة.
احتج به أحمد [واستدل] بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79] على أن المراد بالكتاب المصحف بعينه وأن ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة: 79] خبر بمعنى النهي، أو أنه نهي علي بابه، وحرك بالضم لالتقاء الساكنين، ورد بأن المشهور عن السلف، وأهل التفسير أن الكتاب اللوح المحفوظ، وأن ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79] الملائكة، ويؤيده الآية الأخرى: ﴿كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ - فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ - فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ - مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ - بِأَيْدِي سَفَرَةٍ - كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: 11 - 16] وأيضا الإخبار بأنه: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: 78] أي مصون، لا تناله أيدي الضالين، وهذه صفة اللوح المحفوظ وأيضا: ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79] من طهرهم غيرهم، ولو أريد طهارة بني آدم لقيل: المتطهرون.
كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222] ويمكن توجيه الاستدلال بالآية على وجه آخر، وهو أن يقال: القرآن الذي في اللوح المحفوظ هو الذي في المصحف، وإذا كان من حكم الذي في السماء أن ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79] فكذلك الذي في الأرض، لأنه هو هو.
وقول الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا يمس.
يشمل مسه بيده، وسائر جسده، ويقتضي أن له حمله بعلاقته، أو بحائل له، منفصل عنه، ولا يتبعه في البيع كعلاقة، أو بحائل تابع للحامل، كحمله في كمه، أو ثوبه، أو تصفحه بعود، ونحو ذلك، وهو المشهور من المذهب، قطع به أبو الخطاب، وابن عبدوس، وصاحب التلخيص، واختاره القاضي وأبو محمد، اعتمادا على مفهوم الحديث (وعنه) : المنع من تصفحه بكمه، وخرجه القاضي والمجد إلى بقية الحوائل، وأبى ذلك طائفة منهم أبو محمد في المغني مشيرا إلى الفرق، بأن كمه وثيابه متصلة به، أشبهت أعضاءه.
ويقتضي أيضا أن له الكتابة من غير مس، وبه جزم أبو محمد، وقيل: بل هو كالتقليب بالعود، وقيل: لا يجوز وإن جاز التقليب.
ولأبي البركات احتمال بالجواز للمحدث دون الجنب، ومحل الخلاف إذا لم يحمله، على مقتضى ما في التلخيص، والرعاية.
وقوله: مصحف.
المصحف معروف، مثلث الميم، وهو شامل لما يسمى مصحفا من الكتاب، والجلد، والحاشية، والورق الأبيض المتصل به، ويخرج منه: كتب الفقه والتفسير والإعراب، ورسالة فيها قرآن، ونحو ذلك، وهو المذهب، نظرا لمفهوم الحديث.
105 - وفي الصحيحين «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب إلى هرقل: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ، من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، وفيه و ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64] الآية إلى ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64] » وحكى القاضي وغيره رواية بالمنع، ويخرج منه المنسوخ، وهو المشهور من الوجهين، وكذلك مس الأحاديث المأثورة عن الرب سبحانه وتعالى.
ويستثنى من مفهوم كلامه: إذا كتب بعض القرآن مفردا عن تفسير وغيره، فإنه لا يجوز مسه، وإن لم يسم مصحفا، نعم في مس الصبيان ألواحهم - قيل: والمصحف، ومس الدراهم المكتوب عليها القرآن، وثوب طرز به - قولان، ظاهر كلامه الجواز.
وقوله: إلا طاهر.
يعني من الحدثين الأكبر والأصغر، أما طهارة الخبث فلا يشترط انتفاؤها، نعم العضو المتنجس يمنع من المس (به) على المذهب، وقد يدخل في كلامه طهارة التيمم، وقد يخرج، وبالجملة يجوز المس بها، وإن لم يكن (به) حاجة إلى ذلك، على المقدم.
ويخرج من كلامه الذمي، لانتفاء الطهارة منه، بل وعدم تصورها، وهو كذلك، نعم له نسخه بدون حمل ومس، على ما قاله القاضي في تعليقه وغيره، وقال أبو بكر (إنه) لا يختلف قوله في ذلك، وقد ذكر أحمد أن نصارى الحيرة كانوا يكتبون المصاحف، لقلة من كان يكتبها، قيل له:
يعجبك هذا؟ قال: لا يعجبني.
فأخذ من ذلك ابن حمدان - والله أعلم - رواية بالمنع، وقال القاضي في تعليقه: يمكن (حملها) على أنهم حملوا المصاحف في حال كتابتها.
ويخرج من كلامه أيضا إذا طهر بعض عضو، فإنه لا يجوز المس به، لأن الماس غير طاهر على المذهب، والله أعلم.
باب الاستطابة والحدث
قال:
باب الاستطابة والحدث
ش: أي (هذا) باب حكم الاستطابة، وحكم الحدث، فحكم الاستطابة: كيف يستطيب بالماء أو بالحجر؟ وأي حجر يستطيب به، ونحو ذلك، وحكم الحدث الذي يوجب الاستنجاء، والذي لا يوجبه.
(والاستطابة) تكون بالحجر وبالماء، سميت بذلك لأنه يطيب جسده بخروج ذلك.
والله أعلم.
ما يكون منه الاستنجاء
قال: وليس على من نام أو خرجت منه ريح استنجاء
ش: المعروف في المذهب أنه لا يجب من الريح استنجاء.
106 - لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «من استنجى من الريح فليس منا» رواه الطبراني، وإذا لم يجب من الريح، فمن النوم الذي هو مظنته أولى، [والله أعلم] .
قال: والاستنجاء لما يخرج من السبيلين
ش: أي ما عدا الريح، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، تقديره: والاستنجاء واجب أو ثابت، أو يثبت أو يجب، لما يخرج من السبيلين، وهما طريقا البول والغائط.
107 - والأصل في وجوب الاستنجاء [في الجملة] ما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه» رواه أحمد، والنسائي، وأبو داود، والدارقطني، وقال إسناد حسن صحيح.
والإجزاء غالبا إنما يستعمل في الواجب.
108 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» رواه الجماعة، وفي رواية للبخاري: «وما يعذبان في كبير» ثم قال: «بلى، كان أحدهما» .
وقد شمل كلام الخرقي النادر، والمعتاد، والطاهر،
والنجس، وهو ظاهر كلام الأصحاب، وخالفهم أبو البركات فقال: لا يجب من الطاهر، كالمنى على المذهب، والدواء الذي تحملت به المرأة، إن قيل بطهارة فرجها، والمذي على رواية، (وشمل) أيضا الرطب واليابس، حتى لو أدخل ميلا في ذكره، ثم أخرجه، وجب عليه الاستنجاء وهو المشهور، ربطا للحكم بالمظنة، وهي استصحاب الرطوبة، وقال في المغني: القياس أنه لا يجب من يابس لا يلوث المحل، وحكى ابن تميم ذلك وجها.
(تنبيه) : «لا يستنزه» أي لا يطلب البعد من البول، والمادة - كما تقدم - للبعد وهو معنى الرواية الأخرى: «لا يستبرئ» أي لا يتبرأ من البول، أي (لا) يتباعد منه، أما رواية: «لا يستتر» فمن الاستتار، أي لا يبالي بكشف عورته، ويحتمل أنه من المعنى الأول، أي لا يجعل بينه وبين بوله سترة، حتى يتحفظ منه، (والنميمة) من: نم الحديث ينمه وينمه، بكسر النون وضمها، نما.
إذا نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض، على جهة الإفساد بينهم، وعرفها بعضهم بأنها المقالة التي ترفع عن قائلها، ليضربها قائلها في دينه، أو نفسه، أو ماله، وهذا التعريف أشمل، لدخول إفشاء السر فيه، ثم قوله: ترفع عن قائلها.
يعم كل ما يحصل به الرفع، ولو بكتابة، أو رمز، ونحو ذلك.
وهي كبيرة عندنا على الأشهر، وكيف لا.
وقد جعلها
الله تعالى صفة لمن اعتدى وكذب، فقال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ - هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: 10 - 11] الآيات.
109 - وأخبر نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن فاعلها لا ينظر الله تعالى إليه، ولا يدخله الجنة فقال: «لا ينظر الله إلى ذي الوجهين» .
110 - وفي الصحيحين: «لا يدخل الجنة قتات» » أي نمام، كما جاء في رواية أخرى.
111 - ولقد أجاد كعب الأحبار، وقال له عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أي شيء في التوراة أعظم إثما؟ قال: النميمة.
فقال عمر: هي أقبح من القتل؟ فقال: وهل يولد [القتل] وسائر الشرور إلا من النميمة؟ قلت: ومصداق ذلك في الكتاب العزيز
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191] وهذا كله إذا تضمنت مفسدة، أما إذا كان فيها مصلحة شرعية، فلا منع فيها، بل ربما وجبت، كما إذا عزم إنسان على قتل إنسان، ونحو ذلك، وعلم ذلك منه، بجور منه، فإنه ينم (عليه) والحال هذه، وكذلك من سعى في الأرض بالفساد، فإنه يخبر به من له ولاية، ونحو ذلك، قال بعضهم: يجوز إذا كان القائل للمقالة ظالما، وللمقول له فيها تحذيرا ونصحا، ولا ريب أن المرجع في ذلك (إلى) المقاصد، قال الله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220] والله أعلم.
ما يكون به الاستنجاء
قال: فإن لم يعد مخرجهما أجزأه ثلاثة أحجار، إذا أنقى بهن، فإن أنقى بدون الثلاثة لم يجزه حتى يأتي بالعدد، فإن لم ينق بثلاثة أحجار زاد حتى ينقي ش: إذا لم يتجاوز الخارج مخرج البول - وهو ثقب الذكر - ومخرج الغائط - وهو ثقب الدبر - أجزأه الاستجمار بالحجر، ثم المشترط شيئان: (أحدهما) : العدد، وهو ثلاثة أحجار، لما تقدم من حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -.
112 - «وقيل لسلمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: نبيكم علمكم كل شيء حتى الخراءة.
قال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أبو بول، وأن نستنجي باليمين، وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، وأن نستنجي برجيع أو عظم» . أخرجه مسلم وغيره.
113 - وما في سنن أبي داود عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» » محمول إن صح على ما زاد على الثلاثة، جمعا بين الأدلة، لأن رواية الصحيحين «من استجمر فليوتر» (والثاني) : الإنقاء إجماعا، وصفته أن يعود الحجر الآخر ولا شيء عليه، أو عليه شيء لا يزيله إلا الماء، فعلى
هذا إن أنقى بثلاثة، فقد حصل الشرطان، وإن أنقى بدون الثلاثة أتى ببقيتها، تحصيلا لشرط العدد، وإن لم ينق بالثلاثة زاد حتى ينقي، تحصيلا لشرط الإنقاء، ويستحب أن يقطع على وتر، لما تقدم من الحديث.
وقول الخرقي: فإن لم يعد مخرجهما.
يحتمل أن يريد المخرج المعتاد وإذا لا يكون في كلامه تعرض لما [إذا] انسد المخرج، وانفتح غيره، ويحتمل أن يريد أعم من ذلك، فيدخل ذلك، وبالجملة ففي المسألة وجهان، الإجزاء، وهو قول القاضي، والشيرازي، وعدمه، وهو قول ابن حامد، واختيار أبي محمد وحينئذ يتعين الماء، وسواء انفتح فوق المعدة أو تحتها، صرح بذلك الشيرازي، وقيد أبو البركات، المسألة - تبعا لابن عقيل - بما إذا انفتح أسفل المعدة، قال ابن تميم: ظاهر كلام [بعض] الأصحاب إجزاء الوجهين مع بقاء المخرج أيضا، اهـ.
وقوة قوله: أجزأه ثلاثة أحجار.
يفهم أن الماء أفضل، وهو المشهور، والمختار من الروايات، لزوال الجسم والأثر، ولهذا طهر المحل، والحجر لا يزيل الأثر ومن ثم لم يطهر على الأشهر، (والثانية) - واختارها ابن حامد -: الحجر أفضل لإجزائه إجماعا.
113 - م - وعمل السلف عليه، ولهذا أنكر الماء طائفة منهم،
(والثالثة) : يكره الاقتصار على الماء، حذارا من مباشرة النجاسة، مع عدم الحاجة إلى ذلك، وبكل حال جمعهما أفضل.
114 - لما روت معاذة «أن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني أستحييهم منه، وإن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يفعله» . رواه الترمذي، والنسائي.
115 - وعن «عويم بن ساعدة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتاهم في مسجد قباء، فقال: «إن الله [تعالى قد] أحسن عليكم الثناء في الطهور، في قصة مسجد قباء، فما هذا الطهور الذي تتطهرون به؟» قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئا، إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، يغسلون أدبارهم، فنغسلها كما غسلوها» . رواه أحمد، وابن خزيمة في صحيحه، وظاهر كلام ابن أبي موسى أن الجمع في محل الغائط فقط، ويستثنى من قول الخرقي ما إذا خرجت أجزاء الحقنة فإن الحجر لا يجزئ في ذلك، قاله ابن عقيل.
تنبيهان حول الاستنجاء
(تنبيهان) : «أحدهما» : قال الشيخان وغيرهما: كيفما حصل الإنقاء جاز، إلا أن المستحب في الدبر - كما قال القاضي وغيره - أن يمر الأول من صفحته اليمنى، إلى مؤخرها، ثم يديره على اليسرى، حتى يرجع إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يمر الثاني من مقدم اليسرى كذلك، ثم يمر بالثالث على المسربة والصفحتين، فإن أفرد كل جهة بحجر فوجهان، (الاجزاء) ، وهو رواية، حكاها ابن الزاغوني.
116 - لما روى سهل بن سعد عن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه سئل عن الاستطابة، فقال: «أو لا يجد أحدكم حجرين للصفحة، وحجرا للمسربة» رواه الدارقطني وحسن إسناده.
(وعدمه) قاله أبو
جعفر، وابن عقيل، لأنه تلفيق لا تكرار، أما في القبل فيأخذ ذكره بشماله، ويمسحه بالأرض، أو بالحجر ونحوهما، فإن كان الحجر صغيرا، ولم يمكنه أن يجعله بين عقبيه، أو بين أصابعه، فهل يمسكه بيمينه، ويمسح بشماله، أو بالعكس، فيه وجهان، أصحهما الأول.
117 - لئلا يدخل تحت: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه» والأفضل أن يبدأ الرجل بالقبل، وتخير المرأة، في وجه قطع به ابن عقيل، وأبو محمد، وتبدأ بالدبر في آخر، قطع به الشيرازي وابن عبدوس.
(الثاني) : الخراءة بكسر الخاء، ممدود مهموز، اسم فعل الحدث، وأما الحدث نفسه فبغير تاء، ممدود، مع فتح الخاء وكسرها، قاله القرطبي، وقال الجوهري:
خرئ خراءة مثل كره كراهة.
فجعل الحدث بالفتح والمد، «والغائط» المكان المطمئن من الأرض، سمي الخارج به، تسمية للحال باسم المحل، لكثرة قصد ذلك «والرجيع» الروث والعذرة، سمي رجيعا لرجوعه عن حاله الأولى، بعد أن كان
طعاما أو علفا، وكل شيء من قول أو فعل رد فهو رجيع، إذ معناه: مرجوع أي مردود وقيل: المراد بالرجيع هنا الحجر الذي قد استنجي به، و «أجل» أي نعم، قال الأخفش: إلا أنه أحسن من «نعم» في الخبر، و «نعم» أحسن منه في الاستفهام، و «المسربة» بفتح الراء وضمها - مجري الغائط، مأخوذ من: سرب الماء.
والله أعلم.
الاستنجاء بالخشب والخرق وكل ما أنقى
قال: والخشب والخرق وكل ما أنقى به فهو كالأحجار
ش: هذا هو المشهور، والمختار من [الروايتين] .
118 - لما روى خزيمة بن ثابت قال: «سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الاستطابة فقال: «بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع» فلولا أن اسم الأحجار يعم الجوامد لم يكن لاستثناء الرجيع معنى، وإنما خص الحجر - والله أعلم - بالذكر لأنه أعم الجامدات وجودا، وأسهلها تناولا.
119 - وقد روي عن طاوس، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أتى أحدكم البراز، فليذهب معه بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب، ثم ليقل: الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأمسك علي ما ينفعني» رواه الدارقطني، والبيهقي، موقوفا ومرفوعا، وقال: الموقوف أرجح.
120 - وعن مولى عمر، قال: كان عمر إذا بال قال: ناولني شيئا أستنجي به.
فأناوله العود، والحجر، أو يأتي حائطا يتمسح به، أو يمسه الأرض، ولم يكن يغسله.
رواه البيهقي وقال: إنه أصح ما في الباب وأعلاه.
(والثانية) واختارها أبو بكر: تتعين الأحجار، جمودا على ظواهر النص.
تنبيهان: (أحدهما) : إذا استجمر بجلد سمك أو مذكى، فحكى ابن عقيل عن الأصحاب أنهم خرجوه على الروايتين، قال: ويحتمل عندي المنع مطلقا، لأنه مطعوم، والأصحاب غفلوا عن هذه الخصيصة.
قلت: لم يغفلوا عن ذلك، بل قد قطع ابن أبي موسى بالمنع، معللا بأنه طعام.
121 - وروى أبو داود والنسائي، والترمذي واللفظ له، عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من الجن» » ، وإذا نهينا عن الاستنجاء بطعام الجن، فبطعامنا أولى.
(الثاني) : «البراز» بفتح الباء: موضع قضاء الحاجة، وفي الأصل: الفضاء الواسع من الأرض، وأكثر الرواة يروونه بكسر الباء، وهو غلط [والله أعلم] .
الاستنجاء بالرجيع والعظم والطعام
قال: إلا الروث، والعظام، والطعام.
ش: هذا استثناء من كل ما أنقى، وقد تقدم حديث سلمان في النهي عن الاستنجاء بالرجيع، والعظم.
واعلم أنه يشترط في المستجمر به شروط:
(أحدها) : أن يكون جامدا؛ لأن المائع إن كان ماء فهو استنجاء وليس باستجمار، وإن كان [غير] ماء لم يجز كما تقدم.
(الثاني) : أن يكون طاهرا، لما تقدم من حديث سلمان وغيره.
122 - «وعن ابن مسعود قال: أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: «إنها ركس» رواه البخاري وغيره، والركس النجس.
(الثالث) : أن يكون منقيا، فلا يجوز بالفحم الرخو، ولا بالزجاج ونحوه، إذ المقصود الإنقاء، ولم يحصل.
(الرابع) : أن لا يكون محترما، فلا يجوز بطعامنا، ولا بطعام دوابنا، وكذلك طعام الجن ودوابهم، وكذلك كتب الفقه والحديث، وما فيه اسم الله تعالى، ونحو ذلك، وتجل الكتب المنزلة أن تذكر إذا، وما اتصل بحيوان، كذنبه وصوفه، ونحو ذلك.
(الخامس) : أن لا يكون محرما، فلا يجوز بمغصوب ونحوه، وهذا الشرط قد أهمله المصنف، (والأربعة) الباقية قد
تؤخذ من كلامه، (أما) الجامد فلتمثيله بالخشب والخرق، (وأما) المنقي فلقوله: وكل ما أنقى [به] (وأما) الطاهر فلأنه استثنى الروث والعظام، وذلك شامل للطاهر منهما والنجس، فيلحق بالنجس منهما كل نجس، (وأما) المحترم فلأنه منع من الطعام، وغيره في معناه، ومتى خالف واستجمر بما نهي عنه، لم يجزئه على المذهب، لارتكابه النهي.
123 - وفي الدارقطني وصححه «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى أن يستنجى بعظم أو روث، وقال: «إنهما لا يطهران» » وخرج بعضهم الإجزاء في الحجر المغصوب ونحوه من رواية صحة الصلاة في بقعة غصب ونحوها، ورد بأن الاستجمار رخصة، والرخص لا تستباح على وجه محرم.
واختار أبو العباس في قواعده الإجزاء في ذلك، وفي المطعوم ونحوه، ومن مذهبه زوال النجاسة بغير الماء من المزيلات، كماء الورد ونحوه، نظرا إلى أن إزالة النجاسة من باب التروك المطلوب عدمها، ولهذا لا يشترط لزوالها قصد، حتى لو زالت بالمطر ونحوه، أو بفعل مجنون، حصل المقصود، والنهي تأثيره في العبادات، إذ القصد المتقرب به إلى الله سبحانه [وتعالى] لا يكون على وجه محرم.
(قلت) :
وهذا جيد إن لم يصح ما رواه الدارقطني، أما مع صحته - وقد قال: إن إسناده صحيح.
- فمردود.
وحيث قيل بعدم الإجزاء فإنه يتعين الماء في الشرط الأول، وهو ما إذا استجمر بمائع غير الماء، وكذلك في الثاني، على ما قطع به أبو البركات، وأبو محمد في الكافي، وفي المغني احتمال بإجزاء الحجر، وهو وهم، وفي الثالث: يعدل إلى حجر منق، وفي الرابع والخامس: هل يجزئه الحجر جعلا لوجود آلة النهي كعدمها، أو يعدل إلى الماء، لعدم فائدة الحجر إذا لنقاء المحل، وإذا يتعين الماء، نظرا «لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الروث والعظم: «إنهما لا يطهران؟» فيه وجهان [والله أعلم] .
(تنبيه) : الروث للدواب - قاله أبو عبيد - كالعذرة للآدميين، والركس قال أبو عبيد: شبيه بالرجيع، يقال: ركسه وأركسه.
إذا ردده، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: 88] أي ردهم إلى حكم الكفار.
[والله أعلم] . قال: والحجر الكبير الذي له ثلاث شعب يقوم مقام الثلاثة الأحجار.
ش: هذا هو المشهور، المعمول به من الروايتين، إذ الشعب الثلاثة يحصل بها ما يحصل بالأحجار، من كل وجه، فلا معنى للجمود على التعداد.
124 - وقد روى البيهقي عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثا» » ولأحمد عنه، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا تغوط أحدكم فليمسح ثلاث مرات» » . (والرواية الثانية) - واختارها أبو بكر، والشيرازي - لا بد من تعداد الأحجار، جمودا على عامة النصوص الصحيحة، وعلى هذه: لو كسر ما تنجس من الحجر، أو غسله ثم استجمر به، أو استجمر بثلاثة أحجار ذي شعب، أو مسح بالأرض أو بالحائط [في] ثلاثة مواضع، فوجهان في الجميع، الصحيح منهما الإجزاء [والله أعلم] .