شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 182-221
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 182-221
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال: وإن أراد أن يدعو لإنسان دعا.
ش: أي للسلطان ونحوه، لأن صلاحه صلاح المسلمين، ولأن الدعاء للمعين يجوز في الصلاة على الصحيح، فكيف بالخطبة، ولا يستحب ذلك، لما فيه من مخالفة السبب، نعم دعاؤه للمسلمين مستحب.
849 - لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دعا في خطبة الجمعة مستسقيا.
ويستحب رفع اليد في الدعاء عند ابن عقيل، لعموم مطلوبية رفع الأيدي في الدعاء، وهو بدعة عند أبي البركات.
850 - لما «روى عمارة بن رؤيبة، أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه، فقال: قبح الله تينك اليدين، لقد رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما كان يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بأصبعه المسبحة» ، رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

قال: [ثم تقام الصلاة] وينزل.
ش: كذلك توارثه الخلف، عن السلف، عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والمراد بثم هنا الترتيب، وأن الصلاة تتأخر عن الخطبة، وليس المراد التراخي، بل الموالاة شرط كما تقدم، وهل ينزل عند قول المؤذن: قد قامت

الصلاة.
أو يبادر بحيث يصل إلى المحراب عند قولها؟ فيه احتمالان، حكاهما في التلخيص.

عدد ركعات الجمعة والقراءة فيها

قال: فيصلي بهم الجمعة ركعتين.
ش: هذا إجماع معلوم بالضرورة، وقد قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: صلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر.

قال: يقرأ في كل ركعة منهما بالحمد، وسورة.
ش: لا نزاع في ذلك، وقد استفاضت السنة بذلك عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والمستحب أن تكون السورة في الأولى الجمعة، وفي الثانية المنافقين، على المشهور من الروايتين.
851 - لما روى ابن عباس «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرأ في الفجر [يوم الجمعة] ﴿الم - تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: 1 - 2] في الأولى، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: 1] وفي صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين» . رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
852 - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ بهما.
مختصر، رواه مسلم أيضا وغيره.
(والرواية الثانية) : يقرأ في الثانية بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] اختارها أبو بكر في التنبيه.
853 - لما روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرت «عن ابن مسعود قال: كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في صلاة الجمعة يقرأ بسورة الجمعة، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] وفي صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم - تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: 1 - 2] و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: 1] .» 854 - وقد جاء في الصحيح «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالغاشية» . 855 - «وأنه قرأ في الأولى بسبح، وفي الثانية بالغاشية» . 856 - وجاء في سنن سعيد «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قرأ مع سورة الجمعة ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1] » والله أعلم.

قال: ويجهر بالقراءة.

ش: هذا أمر متوارث من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإلى زماننا هذا، والله أعلم.

ما تدرك به الجمعة

قال: ومن أدرك معه منها ركعة يسجد فيها أضاف إليها أخرى، وكانت له جمعة.
857 - ش: لعموم قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة» . 858 - ويؤيده ما روى النسائي عن ابن عمر قال: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أدرك ركعة من الجمعة أو غيرها فقد تمت صلاته» . 859 - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[قال] : «من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك» رواه النسائي أيضا.

قال: ومن أدرك معه أقل من ذلك بنى على ظهر، إذا كان قد دخل بنية الظهر.
ش: إذا أدرك مع الإمام أقل من ركعة بسجدتيها فله صورتان (إحداهما) أن يدرك معه ما لا يعتد له به، كما إذا أدركهم في التشهد، أو بعد الركوع في الثانية، والمذهب المعروف هنا أن الجمعة لا تحصل له.
860 - لما روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: « «من أدرك من الجمعة ركعة أضاف إليها أخرى، ومن أدركهم جلوسا صلى الظهر أربعا» ، رواه الدارقطني وغيره من طرق فيها مقال، إلا أن أحمد، قال: لولا الحديث الذي يروى في الجمعة، لكان ينبغي أن يصلي ركعتين إذا أدركهم جلوسا.
وظاهر هذا أنه يعتمد عليه.

861 - ولأن هذا قول الصحابة، حكاه أبو بكر عنهم في التنبيه إجماعا، وقال مهنا: قلت لأحمد: إذا أدركت التشهد مع الإمام يوم الجمعة كم أصلي؟ قال: أربعا، كذلك قال ابن مسعود، وكذلك فعل أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وحكى بعضهم رواية عن أحمد أن الجمعة تدرك ولو بتكبيرة، كبقية الصلوات.
862 - ولعموم «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» ومنع بعض الأصحاب من صحة الصلاة مع الإمام والحال هذه رأسا، لأن الجمعة فاتته، والظهر لا تصح خلف من يؤدي الجمعة لاختلاف النيتين، والمذهب الأول، وعليه إذا لم تصح له جمعة فتصح له ظهرا، ولكن بشرط أن ينويه بإحرامه،

على قول الخرقي، فلو نوى جمعة لم تصح، وهو ظاهر كلام أحمد، لأنه قال: يصلي الظهر أربعا، واختيار أبي البركات، وذلك لظاهر قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ومن أدركهم جلوسا صلى الظهر أربعا» ولأنه إن نوى جمعة فما هي فرضه، فقد ترك فرضه، ونوى غيره، فأشبه من عليه الظهر فنوى العصر، وقال أبو إسحاق ابن شاقلا - وزعم القاضي في التعليق في موضع أنه المذهب - ينوي جمعة، ويبني على ظهر لئلا تخالف نيته نية إمامه، وقيل: إن مبنى الوجهين أن الجمعة هل هي ظهر مقصورة، أم صلاة على حيالها؟ فيه وجهان ذكرهما ابن شاقلا، وعلى الوجهين شرط صحة الظهر إحرامه بعد الزوال، فإن كانت قبله كانت نفلا، ولم يجزئه جمعة لفواتها، ولا ظهرا لفوات شرطها وهو الوقت.
والصورة الثانية أن يدرك معه ما يعتد به، كمن أدرك الركوع في الثانية، وزحم عن السجود، أو أدرك القيام، وزحم عن الركوع والسجود، أو سبقه الحدث ففاته ذلك

بالوضوء - وقلنا: يبني - حتى سلم الإمام.
ففيه روايات (إحداها) يتمها جمعة، (اختارها) الخلال، لأنه أدرك ما يعتد به، أشبه مدرك الجمعة (والثانية) : لا يدرك الجمعة.
وهي اختيار الخرقي، وأبي بكر، وابن أبي موسى، [والقاضي، وظاهر قول ابن أبي موسى] وأبي الخطاب، لما تقدم في الصورة الأولى من النص والإجماع.
(والرواية الثالثة) : إن أدرك الركوع، وزحم عن السجود، أو نسيه أتمها جمعة، وإن فاته الركوع والسجود لم يصل جمعة، لأنه فاته معظم الركعة.
وحيث قيل: لا يصلي جمعة.
فهل يصلي ظهرا، أو يستأنف؟ يبنى على الخلاف، واختيار [الخرقي] وأبي البركات عدم البناء، لأن شرط البناء الدخول بنية الظهر، وقد فات ذلك، وعلى قول بأنه لا يدرك الجمعة لو أدرك السجدتين في التشهد قبل سلام الإمام فقد تمت ركعته، وأدرك بها الجمعة على رواية صححها أبو البركات، وعلى أخرى لا، ومبناهما أن الإدراك الفعلي هل هو كالحكمي؟ والله أعلم.

قال: ومتى دخل وقت العصر وقد صلوا ركعة أتموا بركعة أخرى، وأجزأتهم جمعة.
ش: آخر وقت الجمعة آخر وقت الظهر بالاتفاق فإذا خرج وقت الظهر وقد أحرموا بالجمعة أتموها جمعة، وأجزأتهم عند جمهور الأصحاب، أبي بكر، وابن أبي موسى، وابن حامد، والقاضي وأصحابه، حتى إن أبا البركات حكاه عن ما عدا الخرقي، لأنها صلاة مؤقتة، فلا يمنع خروج وقتها إتمامها، كبقية الصلوات.
وظاهر كلام الخرقي أنهم إن أدركوا ركعة أتموها جمعة، وإن أدركوا أقل من ذلك فلا، وبه قطع أبو محمد في المقنع، لمفهوم قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك» «ومن أدرك ركعة من الجمعة أو غيرها فقد تمت جمعته» وعلى هذا إذا لم يصلوا ركعة فهل يتمون ظهرا، أو يستأنفون ظهرا؟ على وجهين سبقا.
وليس عن أحمد في المسألة نص إلا فيما قبل السلام، فإنه قال في رواية صالح وعبد الله: إذا صلى الإمام الجمعة فلما تشهد قبل أن يسلم دخل وقت العصر، فإنه تجزئه صلاته.

فأخذ أبو محمد من هذا أن ظاهر كلام أحمد أن الوقت يشترط لجميع الصلاة لا السلام وأن الوقت إن خرج قبل ذلك صلوا أو استأنفوا، ولم يعرج أحد من الأصحاب فيما علمت على ذلك، ودعوى أبي محمد أن هذا ظاهر النص يتنازع فيه، فإن ظاهره أنه وقع جواب سؤال كما هو دأب أحمد، وإذا فلا مفهوم له اتفاقا، وإن لم يكن جواب سؤال فقد يسلم الظاهر بناء على المفهوم، وقد ينازع فيه، والله أعلم.

حكم من دخل والإمام يخطب

قال: ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما.
863 - ش: في الصحيحين عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «جاء رجل والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: «صليت يا فلان» ؟ قال: لا.
قال: «قم فاركع ركعتين» وفي رواية أبي داود قال له: «يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما» ثم قال: «إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما» » ويقتصر من عليه فائتة عليها، وكذلك من لم يصل سنة الجمعة، إن قيل لها سنة، لأن الصلاة تحصل بكل صلاة يصليها، ولو كانت الجمعة في غير مسجد كدار وصحراء لم يصل شيئا، على ظاهر كلام الأصحاب، لأن الركعتين تحية المسجد، وقد عدم سببهما.

وقد أشعر كلام الخرقي بمنع الصلاة في حال الخطبة، وهو كذلك، ينقطع النفل المبتدأ بجلوس الإمام على المنبر.
864 - لما روى نبيشة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة، ثم أقبل إلى المسجد، لا يؤذي أحدا، فإن لم يجد الإمام قد خرج [صلى ما بدا له، وإن وجد الإمام قد خرج] جلس فاستمع وأنصت حتى يقضي الإمام جمعته وكلامه، إن لم يغفر له في جمعته تلك ذنوبه كلها أن تكون كفارة للجمعة التي تليها» رواه أحمد.
865 - وعن عمر: خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام.
ويستوي في المنع من النفل من يسمع الخطبة ومن لا يسمعها على الصحيح لما تقدم.

866 - وعن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمن عمر يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر، وأذن المؤذنون، جلسنا نتحدث، حتى إذا سكت المؤذن، وقام عمر سكتوا، فلم يتكلم أحد.
رواه مالك في الموطأ.
وقال ابن عقيل: يتطوع الذي لا يسمع بما شاء، معللا بأن المنع كان لأجل السماع وقد انتفى.
والله أعلم.

العدد الذي تصح به الجمعة

قال: وإذا لم يكن في القرية أربعون رجلا عقلاء لم تجب عليهم الجمعة، وإن صلوا أعادوها ظهرا.
ش: يشترط لصحة الجمعة وانعقادها حضور أربعين رجلا، حرا [مكلفا] ، مستوطنا، مقيما، في المشهور من الروايات، قال ابن الزاغوني: اختاره عامة المشايخ.
867 - لما روى عبد الرحمن بن كعب بن مالك - وكان قائد أبيه بعد ما ذهب بصره - عن أبيه كعب أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، قال: فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة؟ قال: لأنه أول من جمع بنا، في هزم النبيت من حرة بني بياضة، في بقيع يقال له بقيع الخضمات.
قلت: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا رواه أبو داود.

868 - وقال أحمد في رواية الأثرم: «بعث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مصعب بن عمير إلى أهل المدينة، فلما كان يوم الجمعة جمع بهم وكانوا أربعين» وكانت أول جمعة جمعت، ويقال: إن هذه

الجمعة هي المنسوبة إلى أسعد بن زرارة، وهذا صريح في انعقاد الجمعة بأربعين، فاقتصرنا عليه، إذ التجميع تغيير فرض، فلا يصار إليه إلا بنص أو اتفاق، ولم يثبت ذلك.
869 - وقد روي عن جابر قال: «مضت السنة أن في كل [أربعين] فما فوق [ذلك] جمعة، وأضحى، وفطرا» . رواه الدارقطني لكنه ضعيف (والرواية الثانية) لا تنعقد إلا بخمسين.
870 - لما روي عن أبي أمامة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «على الخمسين جمعة، وليس فيما دون ذلك» رواه الدارقطني.
(والرواية الثالثة) : تنعقد بثلاثة.
لإطلاق ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: 10] وهذا جمع، وأقله ثلاثة.
(والرواية الرابعة) تنعقد بسبعة، حكاها ابن حامد، وعلى جميع الروايات هل يشترط كون الإمام زائدا على العدد المعتبر؟ فيه روايتان، أصحهما: لا.

إذا تقرر هذا فمتى كان في القرية دون العدد المعتبر فإن الجمعة لا تجب عليهم، لفقد الشرط، ومتى صلوا جمعة أعادوا ظهرا، لأنه الواجب عليهم، لا ما فعلوه.
وقد أشعر كلام الخرقي بجواز إقامة الجمعة في القرى، وأنه لا يشترط لها المصر، وهو كذلك لما تقدم من حديث أسعد بن زرارة، ولأجل هذا الحديث جوز أصحابنا إقامتها فيما قارب البنيان من الصحراء، [والله أعلم] .

تعدد الجمعة في البلد الواحد

قال: وإذا كان البلد كبيرا يحتاج إلى جوامع، فصلاة الجمعة في جميعها جائزة.
ش: لا خلاف في المذهب أنه لا يجوز إقامة جمعتين في بلد من غير حاجة، لأنه خلاف فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه من بعده، واختلف هل يجوز مع الحاجة، كما إذا كان البلد كبيرا، يشق على أهله التجميع في مكان واحد، أو لا يسعهم جامع واحد، أو يخشى من الإقامة بمكان واحد فتنة ونحو ذلك، فعنه: لا يجوز لما تقدم، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: هل علمت أن أحدا جمع جمعتين في مصر واحد؟ قال: لا أعلم أحدا فعله.
(وعنه) - وهو المشهور، واختيار الأصحاب - يجوز قياسا على العيد، بجامع مشروعية الاجتماع لهما، والخطبة.
871 - ودليل الأصل ما حكاه الإمام أحمد عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنه كان يأمر رجلا يصلي بضعفة الناس في المسجد صلاة العيد، ويخرج هو إلى الجبانة ولأن منع ذلك يفضي إلى

منع خلق كثير من التجميع، وهو خلاف مقصود الشارع.
872 - ولأن صلاة الجمعة في الخوف جائزة على الصفة التي صلاها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذات الرقاع، إذا كمل العدد في كل طائفة، والطائفة الثانية قد استفتحت الصلاة بعدما صلاها غيرهم، وجواز ذلك كان لحاجة عارضة، فمع الحاجة الدائمة أولى، [والله أعلم] .

صلاة الجمعة للمسافر

قال: ولا تجب الجمعة على مسافر، ولا امرأة، ولا عبد، وإن حضروها أجزأتهم، وعن أبي عبد الله - رَحِمَهُ اللَّهُ - في العبد روايتان، إحداهما أن الجمعة واجبة عليه، والأخرى ليست بواجبة عليه.
ش: اعلم أن لوجوب الجمعة شروطا، ثم من تجب عليه تارة [تجب عليه] بنفسه وتارة تجب عليه بغيره، فمن تجب عليه بنفسه يشترط له شروط.
(أحدها) أن يكون ممن يكلف بالمكتوبة، وهو المسلم، العاقل، البالغ، فلا تجب على كافر، ولا مجنون، ولا صبي، وفي كلام الخرقي ما يدل على ذلك حيث قال: وإذا لم يكن في القرية أربعون رجلا عقلاء لم تجب عليهم الجمعة.
ذلك لأنها صلاة مكتوبة، أشبهت بقية

المكتوبات.
وهل تلزم الجمعة ابن عشر إن قلنا: تجب عليه المكتوبة؟ فيه وجهان، أصحهما: لا.
873 - لأن في النسائي عن حفصة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «رواح الجمعة واجب على كل محتلم» » (الشرط الثاني) الذكورية فلا تجب على امرأة، وقد صرح به الخرقي هنا.
874 - لما روى طارق بن شهاب أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة، عبد مملوك، أو امرأة أو صبي أو مريض» رواه أبو داود، وقال: طارق رأى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يسمع منه.
وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن لا جمعة على النساء، ولا تجب على خنثى مشكل، لأن ذكوريته لم تتحقق.
الشرط الثالث: الحرية فلا تجب على عبد، في أشهر الروايات وأصحها عند الأصحاب.
875 - لما تقدم من حديث طارق، وروي نحوه من حديث جابر، رواه الدارقطني (والرواية الثانية) تجب عليه، لدخوله في

الآية الكريمة، لأنه من الذين آمنوا، (والرواية الثالثة) إن أذن له سيده وجبت عليه، وإلا فلا تجب عليه، لأن المنع ملحوظ فيه كونه لحق السيد، لاشتغاله بالخدمة، فإذا أذن له زال المانع، والمكاتب والمدبر كالقن، وكذلك المعتق بعضه، لتعلق حق المالك بباقيه، وقيل: تلزمه الجمعة في يوم نوبته إن كان ثم مهايأة، تغليبا لجانب العبادة، ويحتمل هذا كلام الخرقي، لأنه إنما نفى الوجوب عن العبد.
(الشرط الرابع) : الإقامة، فلا تجب على مسافر، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وافى عرفة يوم جمعة، فجمع بين الظهر والعصر، ولم يجمع، ومعه الخلق الكثير، ولم يزل هو وخلفاؤه يسافرون للنسك والجهاد، ولم يصلوا في أسفارهم جمعة، وكما لا يلزم المسافر جمعة بنفسه، فكذلك بغيره، نص عليه.
876 - لما روي عن جابر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة، إلا مريض أو مسافر، أو امرأة، أو صبي، أو مملوك» رواه الدارقطني.
(الشرط الخامس) : الاستيطان.
فلا جمعة على أهل قرية يسكنونها شتاء، ويظعنون عنها صيفا، وكذلك بالعكس، وكذلك المقيم إقامة تمنع القصر، لتجارة، أو علم، لا جمعة عليه إن لم يكن أهل البلد ممن تلزمهم الجمعة، لعدم

الاستيطان، وكذلك المسافر إلى بلد دون مسافة القصر، وأهله ليسوا من أهل الجمعة.
877 - لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان بعرفة يوم الجمعة ومعه خلق كثير من أهل مكة، ولم يأمرهم بجمعة، وهذا الشرط أهمله الخرقي.
(الشرط السادس) الوطن وهي القرية المبنية مما جرت العادة به، من حجر، أو قصب، أو خشب، فلا جمعة على أهل الحلل والخيام، لأن المدينة كان حولها حلل [وخيام] وأبيات من العرب، ولم ينقل أنهم أقاموا جمعة، ولا أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمرهم بذلك.
(الشرط السابع) إذا بلغوا أربعين، وقد تقدم هذا الشرط والكلام عليه (فالتكليف) شرط للوجوب [والصحة، إلا البلوغ فإنه شرط للوجوب] والانعقاد، [ (والذكورية) شرط للوجوب والانعقاد] وكذلك الحرية والإقامة، فالمسافر والعبد والمرأة لا تجب عليهم الجمعة، ولا تنعقد بهم، ولا تصح إمامتهم فيها، وتصح منهم إجماعا، لأن السقوط عنهم رخصة، وأما الاستيطان، والوطن والعدد فشروط أيضا للانعقاد والوجوب [على المكلف] بنفسه.
وقد تجب عليه بغيره، وهو ما إذا سمع النداء كأهل الحلل، والخيام، والقرية التي فيها دون العدد المعتبر، أو التي

يرتحل عنها أهلها بعض السنة، فهؤلاء إذا كانوا من البلد الذي يجمع فيه بحيث يسمعون النداء لزمهم السعي إلى الجمعة، نص عليه أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - ولا تنعقد بهم الجمعة، وهل تصح إمامتهم؟ فيه احتمالان، فالصحة للزوم الجمعة له، وعدمها لعدم انعقادها به، وحكم فاقد الاستيطان - كالمقيم في مصر لعلم، أو شغل ونحو ذلك - كذلك على أصح الوجهين، وقيل: لا تجب [عليه] أصلا، لأنه عن وطنه على مسافة تمنع النداء، أشبه المسافر، وإنما اعتبرنا سماع النداء لعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: 9] الآية.
878 - مع ما روى عبد الله بن عمرو عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «الجمعة على من سمع النداء» رواه أبو داود والدارقطني، وفي لفظ للدارقطني «إنما الجمعة على من سمع النداء» » وإذا عدم سماع النداء انتفى وجوب الجمعة بنفسه وبغيره، لكنهم إذا حضروها صحت منهم، أما إن أقاموها بأنفسهم فلا تصح

منهم، وقد تقدم ذلك للخرقي في دون الأربعين، والمعتبر في حق من تلزمه بسماع النداء أن يكون بمكان يسمع منه النداء غالبا إذا كان المؤذن صيتا، والرياح ساكنة، والأصوات هادئة والموانع زائلة، إذ اعتبار حقيقة السماع لا تمكن، لاختلافه باختلاف حال المنادي، والسامع، ومكانهما، ثم إن أحمد في رواية الأثرم اعتبر سماع النداء وأطلق، وفي رواية صالح، وإسحاق بن إبراهيم قيده بالفرسخ، فاختلف أصحابه فمنهم من لم يقدر النداء بحد على ظاهر رواية الأثرم، وجعل التحديد بالفرسخ رواية أخرى، فتكون [المسألة] على روايتين، ومنهم من حده بالفرسخ قال: لأنه الذي ينتهي إليه النداء غالبا، وهو ظاهر كلام الإمام [أحمد] في رواية صالح، قال: تجب الجمعة على من يبلغه الصوت، والصوت يبلغ الفرسخ، فعلى هذا تكون المسألة رواية واحدة، وأبو الخطاب جعل كل واحدة من سماع النداء ومسافة الفرسخ فما دونهما موجبا، فقال: يسمع النداء أو بينه وبين موضع تقام فيه الجمعة فرسخ، فجعل أيضا المسألة رواية واحدة، إعمالا لنصيه جميعا.
واعلم أن الجمعة إذا وجبت قد تسقط بأعذار، كالمرض

الشديد، والمطر الذي يبل الثياب وغير ذلك مما يبلغ نحو عشرة أشياء، وليس هذا محل بيانها، فيسقط الوجوب إذا، ومتى حضرت والحال هذه وجبت، وانعقدت بمن حضر، وصحت إمامته فيها، والله أعلم.

قال: ومن صلى الظهر يوم الجمعة ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام، أعادها بعد صلاته ظهرا.
ش: لأنه صلى الظهر قبل وجوبها عليه، أشبه من صلاها قبل الزوال، ودليل الوصف أن فرض الوقت عندنا هو الجمعة، وإنما الظهر بدل عنه عند التعذر، بدليل الأمر بالسعي في الآية الكريمة.
879 - وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إن الله افترض عليكم الجمعة» . وقوله: «الجمعة حق واجب على كل مسلم» ولأنه بفعل الجمعة يكون طائعا مثابا، فدل على أنها الأصل، وبتركها إلى الظهر من غير عذر يكون عاصيا بالإجماع.
وقول الخرقي: قبل صلاة الإمام.
أي قبل فراغ الإمام من صلاته، كذا صرح به غيره.
وقوله: أعادها بعد صلاته ظهرا.
هذا إذا تعذر عليه التجميع، أما إن أمكنه فيلزمه، لأن ذلك فرضه.

وقد أفهم كلام الخرقي شيئين.
(أحدهما) أن من صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة بعد صلاة الإمام أن صلاته تصح، ولا إشكال في ذلك، لتعذر التجميع، وهذا بشرطه وهو أن يدخل وقت الظهر.
(الثاني) : أن من لا حضور عليه كالمسافر، والعبد والمرأة، ومن له عذر، ونحوهم من لا حضور عليه، إذا صلى الظهر قبل صلاة الإمام أن صلاتهم تصح، ولا تلزمهم الإعادة، وهذا هو المذهب المنصوص، المختار للأصحاب، لأنه لا يلزمه الجمعة، أشبه الخارج من المصر، حيث لا يسمع النداء، ودليل الوصف قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة» الحديث، وذهب أبو بكر [إلى] أن صلاتهم لا تصح قبل الإمام بحال، كمن تجب عليه الجمعة، لاحتمال زوال العذر، وحكى ذلك ابن عقيل، وابن الزاغوني رواية، وينتقض التعليل [بالمرأة] وعلله ابن عقيل بخشية اعتقاد افتياتهم على الإمام، أو كونهم لا يرون صلاة الجمعة، وهو أيضا منتف غالبا في حق المرأة، ثم إن مثل ذلك لا يعطي المنع الجازم، والله أعلم.

آداب صلاة الجمعة

قال: ويستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل.
ش: لا إشكال في مطلوبية غسل الجمعة واستحبابه.

880 - لما روى أبو سعيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم، والسواك، وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه» . 881 - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده» متفق عليهما.
882 - وعن حفصة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «على كل محتلم رواح الجمعة، وعلى من راح إلى الجمعة الغسل» رواه أبو داود وهل يجب؟ فيه روايتان (إحداهما) يجب.
اختارها أبو بكر، لهذه الأحاديث، لكن لا يشترط لصحة الصلاة اتفاقا.
(والثانية) : لا يجب.
وهي اختيار الخرقي، وجمهور الأصحاب.
883 - لما روى سمرة بن جندب عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» رواه الخمسة إلا ابن ماجه.
884 - وعن ابن عمر أن عمر بينا هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين، فناداه عمر: أية ساعة

هذه؟ فقال: إني شغلت، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد على أن توضأت.
قال: والوضوء أيضا، وقد علمت أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يأمر بالغسل.
متفق عليه.
885 - وهذا الرجل هو عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، كذا في مسلم وهذا كالإجماع من الصحابة على أن الغسل غير واجب، لأن عثمان تركه، ولم يعدله، وقد أقره عمر وغيره من الصحابة على ذلك، وإنكار عمر على ترك السنة، كما أنكر عليه عدم التبكير، وقوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «غسل الجمعة واجب» محمول على تأكيد الاستحباب، كما يقال: حقك علي واجب.
جمعا بين الأدلة، ويرشحه اقترانه بالسواك والطيب، وهما غير واجبين إجماعا.
وقول الخرقي: يستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل.
يخرج منه من لم يأتها ممن لا تجب عليه كالمسافر، والعبد، وغيرهما، فإنه لا يستحب له الاغتسال، ونص عليه أحمد، لحديث حفصة.
886 - وفي الصحيح «إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل» » . ويدخل في كلامه من أتى الجمعة [وإن] لم تجب عليه، كالمسافر ونحوه، فإن الغسل مستحب [له] لما تقدم، إلا المرأة على ظاهر كلام أحمد.

887 - لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وليخرجن تفلات» . ومقتضى كلام الخرقي أن الغسل لأجل الجمعة، فيختص الغسل بما قبلها، ولا نزاع عندنا في ذلك، وأول الوقت من طلوع الفجر يومئذ، والمستحب عند الرواح، والله أعلم.

قال: ويلبس ثوبين نظيفين.
888 - ش: لما روى عبد الله بن سلام أنه سمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول على المنبر في يوم الجمعة «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة، سوى ثوبي مهنته» رواه أبو داود وابن ماجه.
889 - وعن جعفر بن محمد، عن أبيه «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يعتم ويلبس برده الأحمر في العيدين، والجمعة» ، رواه أحمد في مسائل ابنه صالح.

قال: ويتطيب.
ش: لما تقدم من حديث أبي سعيد وغيره، والله أعلم.

صلاة الجمعة قبل الزوال

قال: وإن صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة أجزأتهم.
ش: المذهب المعروف [والمشهور] المنصوص أنه يجوز فعل الجمعة قبل الزوال.
890 - لما روى جابر بن عبد الله «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنزيحها حين تزول الشمس، يعني النواضح» . 891 - «وعن سهل بن سعد الساعدي قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. رواهما أحمد ومسلم» قال ابن قتيبة: لا يسمى قائلة ولا غداء إلا ما كان قبل الزوال.
لإجماع الصحابة.
892 - فروى عبد الله بن سيدان السلمي قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار وشهدتها مع عمر بن الخطاب فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان بن عفان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار.
فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره.
رواه الدارقطني وأحمد محتجا به.
893 - وعن ابن مسعود أنه كان يصلي الجمعة ضحى ويقول: إنما عجلت بكم خشية الحر عليكم.
رواه أحمد.

894 - وعن معاوية نحوه، رواه سعيد، وقال أحمد: روي عن ابن مسعود، وجابر، وسعد، ومعاوية أنهم صلوا قبل الزوال، وإذا صلى هؤلاء مع من يحضرهم من الصحابة ولم ينكر فهو إجماع، وما روي من الفعل بعد الزوال لا ينافي هذا، لأن سائر المسلمين لا يمنعون ذلك بعد الزوال.
(وعن أحمد) - رواية أخرى حكاها أبو الحسين عن والده: لا يجوز قبل الزوال.
895 - لما «روى سلمة بن الأكوع قال: كنا نصلي مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الجمعة إذا زالت الشمس، ثم نرجع فنتتبع الفيء» . متفق عليه.
896 - «وعن أنس: كنا نصلي مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الجمعة حين تميل الشمس» . رواه البخاري وغيره، ولأنها ظهر مقصورة، فكان وقتها كالمقصورة في السفر.
والأول المذهب،

والأحاديث قد تقدم الجواب عنها، وكونها ظهرا مقصورة لنا فيه منع، وإن سلم لا يمنع افتراقهما هنا كما افترقا في كثير من الشروط.
وعلى هذا فهل يختص فعلها بما يقارب الزوال، أو يجوز فعلها في وقت صلاة العيد؟ فيه قولان، (والأول) : اختيار الخرقي وأبي محمد، لأن الثابت من فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصلاة قبل الزوال قريبا [منه] ، فاقتصرنا عليه، واختلفت نسخ الخرقي، ففي بعضها: الخامسة، وكذا حكاه عنه أبو إسحاق بن شاقلا، وأبو الخطاب، وفي أكثرها «السادسة» وهو الذي صححه القاضي، وأبو البركات، لأنه المتيقن، وغيره مشكوك فيه.
(والثاني) : منصوص أحمد، واختيار عامة الأصحاب، لأن ابن مسعود، ومعاوية صلياها ضحى كما تقدم.
897 - وفعلها ابن الزبير في وقت العيد، وصوبه ابن عباس وأبو هريرة، ولأنها صلاة عيد، فجازت قبل الزوال كبقية الأعياد.

898 - ويدل على الوصف قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قد اجتمع في يومكم هذا عيدان» الحديث انتهى، وهل من قبل الزوال وقت لوجوبها؟ فيه روايتان إحداهما: نعم، والثانية: لا، وإنما وقت الوجوب الزوال، وهذا اختيار الأصحاب لعموم ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78] والتقديم [ثم] ثبت رخصة بالسنة والآثار، والله أعلم.

قال: وتجب الجمعة على من بينه وبين الجامع فرسخ والله أعلم.
ش: قد تقدمت هذه المسألة والخلاف في تحديد الوجوب هل هو بالفرسخ، أو بسماع النداء، وأن هؤلاء هم الذين تجب الجمعة عليهم بغيرهم، لا بأنفسهم، ونزيد هنا أن ظاهر كلام الخرقي أن الفرسخ أو سماع النداء يعتبر من الجامع، لأن السعي الذي تختلف المشقة باختلافه إليه ينتهي، وظاهر كلام أحمد - وهو الذي صححه أبو البركات - أنه معتبر من طرف البلد.
899 - لما يروى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «هل عسى أحدكم أن يتخذ الغنم على رأس ميل، أو ميلين، أو ثلاثة من المدينة، فتأتي الجمعة فلا يجمع، فيطبع الله على قلبه، فيكون من الغافلين» رواه أبو بكر النجاد، وفي ابن ماجه نحوه ولأن طرف البلد قد يكون عن الجامع أكثر من فرسخ، أو بحيث لا يسمع النداء، فيفضي اعتبارهما إلى سقوط الجمعة عن من قرب من المصر، وهو ممتنع، والله أعلم.

باب صلاة العيدين

ش: سمي العيد عيدا لأنه يعود ويتكرر لأوقاته، وقيل: لأنه يعود بالفرح والسرور، وقيل: تفاؤلا بعوده، كما سميت القافلة قافلة في ابتداء خروجها، تفاؤلا بقفولها سالمة أي رجوعها، والأصل في مشروعيتها، الإجماع، وما تواتر من أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وخلفاءه صلوها.
900 - وقد قيل في قول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] أن المراد صلاة العيد، واختلف عن أحمد في حكمها، فعنه أنها فرض عين، (وعنه) سنة، (وعنه) وهي المذهب: فرض كفاية، كصلاة الجنازة، والجهاد.

التكبير في العيدين

قال: ويظهرون التكبير في ليالي العيدين، وهو في الفطر آكد، لقول الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185] . ش: يسن التكبير في ليالي العيدين، لأن ابن عمر كبر فيهما.
901 - قال أحمد: كان ابن عمر يكبر في العيدين جميعا، ويعجبنا ذلك، وهو في الفطر آكد، للآية الكريمة.
902 - وقد قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وغيره: هو تكبيرات ليلة الفطر ويسن إظهار التكبير، أي رفع الصوت به، إظهارا للشعار وتنبيها للغافل.
903 - وكان عمر يكبر في قبته بمنى، فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق، حتى ترتج منى تكبيرا.

وظاهر كلام الخرقي أن التكبير لا يتقيد بأوقات الصلوات، بل يكبرون في ليالي العيدين مطلقا، وهو كذلك والله أعلم.

آداب صلاة العيدين

قال: فإذا أصبحوا تطهروا.
ش: دل هذا على شيئين (أحدهما) : أنه يسن التطهير أي الاغتسال للعيدين، لأنه يوم عيد يجتمع الناس فيه، فسن الغسل فيه كيوم الجمعة.
904 - وقد روى الفاكه بن سعد - وكانت له صحبة - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يغتسل يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم الفطر، ويوم النحر» وكان الفاكه بن سعد يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام، رواه عبد الله بن أحمد في المسند، وابن ماجه، ولم يذكر الجمعة، (الثاني) : أن وقت الغسل بعد الفجر، وهو قول القاضي وغيره، وظاهر الحديث، إذ اليوم إنما يدخل بذلك، وجوزه ابن عقيل بعد نصف ليلته، نظرا إلى [أن] المقصود التنظيف وهو حاصل بذلك، ولأنه وقت ضيق، فلو

تقيد الاغتسال بالفجر لفات غالبا، بخلاف الجمعة فإن وقتها متسع.

قال: وأكلوا إن كان فطرا.
ش: قد تضمن منطوق كلام المصنف الأكل في الفطر، ومفهومه الإمساك في الأضحى.
905 - والأصل في ذلك ما روى بريدة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل، ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع» . رواه الترمذي، وابن ماجه والإمام أحمد وزاد: «فيأكل من أضحيته» . 906 - وعن أنس قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترا» . رواه البخاري وليأت بالمأمور به في عيد الفطر [حسا] ، وإن وجد شرعا، وليفطر على أضحيته في الأضحى، وقد اقتضى ما تقدم أنه لا يسن له

التأخير في الأضحى إلا إذا كانت له أضحية، ونص عليه أحمد، والله أعلم.

قال: ثم غدوا إلى المصلى، مظهرين التكبير.
ش: السنة فعل العيد في المصلى.
907 - لما روى أبو سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى» . ولم ينقل عنه أنه صلاهما في المسجد لغير عذر، وكذلك خلفاؤه، من بعده، وقد اشتهر عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه استخلف من يصلي بضعفة الناس في المسجد.
908 - وفي أبي داود وغيره «عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أصابهم مطر في يوم عيد، فصلى بهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاة العيد في المسجد» . 909 - وقد ذكر أحمد في رواية أبي طالب عن مخنف بن سليم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: الخروج إلى المصلى يوم الأضحى يعدل حجة، ويوم الفطر يعدل عمرة.
ويسن التكبير وإظهاره في الرواح إلى المصلى.

910 - لما روى ابن عمر «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى» ، رواه الدراقطني.
911 - وعن ابن عمر أنه كان إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى يجهر بالتكبير، حتى يأتي المصلى، ثم يكبر حتى يأتي الإمام، رواه الدارقطني.
912 - وروي التكبير في العيد عن علي، وأبي قتادة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وينتهي التكبير بالوصول إلى المصلى في رواية، وفي أخرى بخروج الإمام إلى الصلاة، وفي ثالثة - وهي اختيار القاضي وأصحابه - بفراغ الخطبة، والله أعلم.

وقت صلاة العيدين وكيفيتها

قال: وإذا حلت الصلاة تقدم الإمام فصلى بهم ركعتين.
ش: يحتمل أن اللام في الصلاة للعهد، و «حلت» من الحلول أي إذا حلت صلاة العيد، أي جاء ودخل وقتها.

ويحتمل أن اللام [في الصلاة] للجنس، أي جنس الصلاة النافلة، و «حل» من الحل وهو الإباحة، كقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: 157] أي إذا أبيحت صلاة النافلة، وهو إذا ارتفعت الشمس قيد رمح كما تقدم، وهذا أجود، لتضمنه معرفة أول وقت الصلاة، وهو - كما قلنا - إذا خرج وقت [النهي] . 913 - لما روى يزيد بن خمير الرحبي قال: خرج عبد الله بن بشر صاحب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح، رواه أبو داود، وابن ماجه أي وقت صلاة النافلة، وآخر وقتها إذا قام قائم الظهيرة، وهي ركعتان بالإجماع، والسنة المستفيضة، والله أعلم.

قال: بلا أذان ولا إقامة.
914 - ش: في الصحيحين «عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: شهدت مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - العيدين، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بلا أذان ولا إقامة» .

915 - وصح ذلك [أيضا] من حديث ابن عباس وغيره والله أعلم.

قال: ويقرأ في كل ركعة منهما بالحمد الله وسورة.
ش: أما قراءة الحمد فلما تقدم من قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وأما قراءة السورة فلا نزاع في استحبابها لما سيأتي، والمستحب أن يقرأ في الأولى بسبح، وفي الثانية بالغاشية، على أشهر الروايات.
916 - لما روي عن سمرة بن جندب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1] » رواه الإمام أحمد، وهو لابن ماجه من حديث النعمان بن بشير، وابن عباس، ويرشح هذا عمل الصحابة.
917 - فروى النجاد عن أنس وعمر أنهما كانا يقرآن بهما.

(والثانية) : يقرأ في الأولى بقاف، وفي الثانية باقتربت.
918 - لما في مسلم والسنن عن أبي واقد الليثي، «أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرأ بقاف واقتربت» . (والثالثة) : ليس فيهما سورة يتعين استحبابها، وهو ظاهر كلام الخرقي، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تارة قرأ بتين وتارة قرأ بتين، كما تقدم، فدل على أنه لا يتعين.

قال: ويجهر بالقراءة.
ش: هذا إجماع توارثه الخلف عن السلف، وفي قولهم: إنه كان يقرأ في الأولى بكذا، وفي الثانية بكذا، دليل على ذلك، والله أعلم.

قال: ويكبر في الأولى سبع تكبيرات، منها تكبير الافتتاح.
919 - ش: روى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كبر ثنتي عشرة تكبيرة، سبعا في الأولى، وخمسا في الأخرى، ولم يصل قبلها ولا بعدها» ، رواه أحمد وابن

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل