الدنيا جعلت قليلا فما بقي منها إلا قليل من قليل أنشدني أحمد بن موسى الثقفي: [البحر الهزج]
فتى مالت به الدنيا ... وغرته ببارقها
فلاذ بها وعانقها ... وبئست عرس عاشقها
غدا يوما لضيعته ... ليصلح من مرافقها
فلما جاءها والشمس ... تزهر في مشارقها
تلقته جداولها ... تفجر في حدائقها
وأطرف من طرائفها ... جنيا من بواسقها
وجيء بخيرها ثمرا ... وأطيبها لذائقها
وأطعمة مؤلفة ... تباين في مذائقها ⦗٩١⦘
فأمعن في ثرايدها ... وأكثر من شرائقها
وجيء بقهوة صرف ... تساق بكف سائقها
بكفي طفلة خود ... تثنى في مخانقها
فحدث نفسه كذبا ... وزورا غير صادقها
ومناها الخلود بها ... عميا عن بوائقها
فأصبح هالكا فيها ... على أدنى نمارقها
ولاذ بنعشه عصب ... تسير على عواتقها
إلى دار البلى فردا ... وحيدا في مضايقها
ألا إن الأمور غدا ... تصير إلى حقائقها
أنشدني أبي رحمه الله:
[البحر الهزج]
دع الدنيا لناكحها ... يستصبح من ذبائحها
ولا تغررك رائحة ... تصيبك من روائحها
أرى الدنيا وإن عشقت ... تدل على فضائحها
مصدقة لعايبها ... مكذبة لمادحها ⦗٩٢⦘
أنشدني عامر بن عامر الهمداني:
إنما الدنيا إلى الجنة والنار طريق
والليالي متجر الإنسان والأيام سوق
أنشدني الحسن بن عبد الله:
[البحر الطويل]
إذا لم يعظني واعظ من جوارحي ... بنفع فما شيء سواه بنافعي
أؤمل دنيا أرتجي من رخائها ... غلالة سم مورد الموت ناقع
ومن يأمن الدنيا يكن مثل آخذ ... على الماء خانته فروج الأصابع
وكالحالم المسرور عند منامه ... بلذة أصغاث من لأحلام هاجع
فلما تولى الليل ولى سروره ... وعادت عليه عاطفات الفجائع
أنشدني الحسن بن السكن بن سليمان:
[البحر المتقارب]
حياتك بالهم مقرونة ... فما تقطع العيش إلا بهم
لذاذات ديناك مسمومة ... فما تأكل الشهد إلا بسم
إذا تم أمر بدا نقصه ... توقع زوالا إذا قيل تم
١٨٩ - حدثنا علي بن الجعد الجوهري، قال: أنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: خطب عتبة بن غزوان الناس بالبصرة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إن هذه الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم ⦗٩٣⦘ يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وإنكم مفارقوها لا محالة، فانتقلوا منها بخير ما بحضرتكم «فوالذي نفسي بيده ما كانت قبلكم نبوة إلا تناسخت، حتى يكون آخرها ملكا، وستبلون الأمراء بعدنا» قال الحسن: فلقينا بعد عبرا «وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما، وعند الله صغيرا.
ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قريبا من شهر، ما لنا طعام إلا ما نصيب من ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا من أكل الشجر.
ولقد رأيتني التقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فما علمت من السبعة حيا اليوم إلا قد أصبح أميرا على مصر، أعجبتم؟ فما بعدكم أعجب، والذي نفسي بيده لو أن حجرا قذف في شفير جهنم ما بلغ قعرها سبعين سنة.
والذي نفسي بيده، لتملأن، والذي نفسي بيده إن ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين سنة.
والذي نفسي بيده، ليأتين عليه ساعة وهو كظيظ»
١٩٠ - ثنا عثمان بن معبد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، أن علي بن رباح، أخبره أنه سمع عمرو بن العاص، يقول على المنبر: والله