كتاب العيوب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عياض
- الكتاب
- التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ
- المؤلف
- عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)تحقيق: الدكتور محمد الوثيق، الدكتور عبد النعيم حميتي
- الناشر
- دار ابن حزم، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1432 هـ - 2011 م
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1 قوله في العبد 2 "لك رده إلا أن يكون العيب الذي أصابه عندك (عيباً) 3 مفسداً مثل القطع، والشلل، والعور، والعمى، وشبهه" 4، ثم قال: "فإن كان العيب 5 الذي أصابه عندك عيباً، مثل هذه العيوب كنت مخيراً في أن ترد وتغرم بقدر ما أصاب العبد عندك من العيب 6، وإن شئت حبست 7 وأخذت من البائع ما بين الصحة والداء" 8. حمله جميعهم على أن تخييره في تلك العيوب المتقدمة، وعليها بسطوا كلامهم، ولم يختلف تأويلهم عليها إلا ما فسره 9 بعض متأخري
شيوخنا، (واختاره) 1 مما لا يقتضي النظر سواه، من أنه يجب إذا بطل بالعيب الغرض من المبيع، والمنفعة المطلوبة منه، أنه كالفوات لجميعه، ليس فيه إلا قيمته 2، كالعمى، والشلل في اليدين، أو قطعهما، حتى قال بعضهم: ذلك في قطع اليد الواحدة، أو شللها، واستدل أبو عمران بقوله هنا 3 "عيب مفسد" 4. قال: وذكر العمى، والعور 5. قال: فالعمى 6 لا شك أنه يذهب أكثر منافعه، وينقص أكثر قيمته، وقد يعتضد هذا بقوله بعد هذا في الكبير يهرم 7: أنه فوت 8، لا خيار 9 فيه إلا الرجوع بالعيب، خلاف ما له في كتاب محمد 10، وإن كان بعض شيوخنا 11 فرق به بينهما بأن هذا صار بهرمه (جنساً آخر 12، كما قال في الصغير يكبر فصار بكبره) 13 جنساً آخر غير جنسه الأول، حتى يجوز سلم أحدهما في الآخر لو كانا اثنين، وهذا يلزم فيما انبطلت منفعته أيضاً، من الدواب، والرقيق، والحيوان، وزوال المراد منه، وصار من حواشي جنسه،
فانظره 1 وما 2 تأوله من تقدم مثل قول محمد بن مسلمة 3 4، إذا عمي، أو أقعد، أو هرم، أو كانت الدابة سمينة فعجفت، أو انقطع ذنبها حتى تصير في غير حدها الذي تراد 5 له، لم يكن له الرد، وأخذ قيمة العيب 6. قال القاضي: فأما ذكره 7 العمى في الكتاب مع ما ذكر فلا شك أنه لم يقصده، إذ هو فوت محض، وقطع لمنفعة العبد، إلا ما لا بال له في بعضهم، وإنما ذكره (في) 8 أول الباب، في تسمية 9 العيوب المفسدة، ثم لم يذكره في سائر ما ذكره من العيوب الحادثة التي يخير فيها، فتأمله 10 تجده [صحيحاً] 11 كما ذكرت لك، وكثير من الإبانة 12 لهذا 13، فإنما تكلم أولاً فيما يعيبه 14 مما يجب فيه التخيير، ومما لا يجب، (ثم) 15
فصل 1 الكلام فيما يجب فيه التخيير، فلم يعد ذكره، وكذا لم يقع ذكره في كتاب ابن حبيب فيها 2.
وأما القاضي أبو الفرج ففرق 3 في هذا بين ما كان من سبب المشتري، فهذا 4 الذي يرد عنده (معه) 5 ما نقص، وبين ما كان من الله (تعالى) 6 فهذا لا يرد معه شيئاً 7، وهذا 8 خلاف أصل المذهب.
قال القاضي أبو الحسن بن القصار: ذلك سواء، لا يرده (إلا وما نقص) 9، وهذا هو المعروف، والذي عليه بناء المذهب.
وقوله في المسألة "إلا أن يقول البائع أنا أقبله بالعيب وأرد الثمن كله فله ذلك" 10. كذا روى عيسى عن ابن القاسم 11 [وهو قول أشهب، وروى يحيى في العشرة عن ابن القاسم] 12 أنه لا خيار للبائع، والخيار للمبتاع 13، وقاله ابن نافع، وقال: هو قول مالك.
و (الذي) 14 قاله عيسى بن دينار 15 من رأيه.
قال القاضي الباجي: وهو الأظهر من قول المدنيين 1، ورجح شيوخنا هذا القول إذا كانت فيه زيادة مع العيب في قيمة، أو فراهة لحجة المبتاع، وأما إن لم يكن فيه عندهم 2. غير النقص فرجحوا القول الأول.
إذ لا حجة للمبتاع، وإلى هذا نحا اللخمي، وذهب ابن لبابة إلى أن تخيير البائع 3 إنما يصح على قول من رآه في غير المدلس، (لا في المدلس) 4، وهو حسن جيد في الفقه.
[33] وقد نص؛ ابن حبيب في المسألة كلها في تخيير البائع والمبتاع، سواء كان مدلساً، أو غير مدلس 5، وتخييره في الكتاب في المسألة بين التماسك [في العيب والرجوع بقيمة العيب هي مخالفة للسلع المستحق جلها من يد المشتري.
قال: ليس له التماسك] 6 بما بقي لمجهلة الثمن على مذهبه هنا، وغيره يخالفه، لأن هذا المستحق [عليه] 7 عنده وجب له الرد، وفض الثمن على السلع الفائتة، والباقية مما يجهل، ويقع فيه الغرر كثيراً، وإنما هذا في مسألة العيب 8، مثل مكتري الدار ينهدم منها شيء 9، فقد قال (مالك) 10 له التمسك 11 بعقده 12 مما 13 يصيبه من الكراء، وغيره يخالفه.
ومثل "مسألة الشاتين توجد إحداهما غير ذكية" 1 فله التمسك بالذكية، لأن هذه 2 عقود صحيحة، والتقدير في الباقي منها غير متعذر، ولا بعيد، لأن بعض المبيع فات عنده، بخلاف الأولى المستحق بعضها، وقد قال بعضهم: إنما يصح تخييره بعد معرفته بقيمة العيب من الثمن، وترتفع 3 على هذا المعارضة في المسألة.
وقد قيل: بل هو على أحد قوليه في جمع السلعتين.
وقيل: بل هو على القول الآخر، وذكر ابن لبابة أنه على الاختلاف من رواية ابن القاسم عن مالك.
وقد اختلف قول مالك في هذا في كتاب الاستحقاق، وأجازه في كتاب النكاح الثاني، و [في] 4 كتاب القسمة، وكتاب الشفعة.
ومسألة 5 "من اشترى عبدين في صفقة واحدة، فهلك أحدهما، وأصاب بالآخر عيباً 6، قال: له رده، ويأخذ من الثمن بحساب ما كان يصير لهذا العبد" 7.
قالوا: مذهبه فيها سواء، كان الحاضر المعيب أعلى العبدين 8 أو أدونهما، ولذلك لم يفصل الجواب، لأن الثمن هنا عين، وكذلك اختصرها أكثر المختصرين، وقال: بمائة دينار، وكذلك نص عليها في كتاب محمد مبينة 9. وإنما يراعي ذلك مع قيامها، أو مع فوات الأدنى إذا كان الثمن
عرضاً، كما قال في مسألة "العبد بالثوبين" 1 بعد هذا، قالوا: وكذلك إذا كان الثمن عرضاً وقد فات، لأنه يرجع كالعين.
قال ابن لبابة: وكذلك إذا كان الثمن مكيلاً، أو موزوناً، أو معدوداً، تخرجه القسمة، لأن ما يوافق العيب منه معلوم الجزء.
وما قاله ابن لبابة مما يخرجه الجزء كذا هو منصوص في كتاب محمد، وقال: يحبس مبتاعها قدر حصته الفائتة، ويرد ما بقي 2، وذلك أنه متى كان الثمن عينا فلا فائدة في اعتبار الفائت 3 هنا، لأنه لو رد عنه إذا كان أدنى ما يقع له من الثمن مع رده الحاضر المعيب، ورد البائع عليه الثمن، لم يكن معنى في إخراج ذهب، ورد ذهب، ثم المقاصة أيضاً لا فائدة فيها، وإنما يرد هذا المعيب 4، ويرد عليه البائع حصته من الثمن، كان أعلى أو أدنى.
وقد قيل: بل إذا رد هذا المعيب وهو الأعلى، رد قيمة الهالك الأدنى ما 5 بلغت، ورجع المبتاع بجميع الثمن، لأن صفقتهما برد 6 العيب في الأكثر قد انحلت، وفات عند المشتري، فلزمه قيمته.
وقد استبعد هذا بعضهم، ولا وجه لاستبعاد 7 (من استبعده) 8، ومثله في كتاب محمد، قال: ما بلغ 9. قال اللخمي: ما لم تكن القيمة أكثر فيمضي بالثمن، وإنما قيد الأقل منهما.
قال القاضي: وفي قوله نظر، وظاهر كتاب محمد في قوله: ما
بلغ 1، بخلافه 2، وكما راعوا حجة المشتري أنه لا تلزمه المغابنة إذا كان الثمن أكثر، كذلك يجب أن تراعى حجة البائع إذا كان الثمن أقل، ويقول: قد انحل عقدي، وأنت ضامن لعبدي، فلي عليك قيمته.
وكذلك يأتي الكلام في مسألة الثوبين بالعبد، أو الثوب، إذا هلك الأعلى، ووجد العيب بالأدنى، فقال 3 في كتاب محمد: قيمته بما يقع له من قيمة التالف، ولو هلك الأدنى ووجد العيب بالأعلى رده 4 وقيمة الهالك الأدنى، ما بلغت، وكذلك لو هلك الثوب المنفرد، أو العبد، وأصاب بأحد الثوبين عيباً، رد العبد 5 [فقط ورجع بقيمته حتى قيمة المنفرد.
وقد قيل: بل يرد الأعلى القائم وقيمة الأدنى الفائت ويأخذ قيمة عبده أو ثوبه وهذا رأي الأندلسيين.
وقوله في مسألة "مشتري العبد] 6 بثوبين فهلك أحدهما، وأصاب بالثاني 7 عيباً، وإن كان العبد فات بنماء، أو نقصان، أو اختلاف أسواق، رد قيمته يوم قبضه، وإن كان الثوب الذي وجد به العيب ليس بوجه ما اشترى، وهو أدنى الثوبين، نظر 8 إلى الثوب الباقي، كم هو من التالف، أثلث، أم ربع، فيغرمه 9 قابض العبد لصاحب الثوب بما 10 يصيبه من قيمة العبد" 11، كذا ثبتت المسألة بهذا النص في كتاب القاضي
التميمي 1. وسقط من كتاب ابن عتاب، ومن كتاب ابن المرابط، وكثير من النسخ، منها من قوله: ورد قيمته يوم قبضه (إلى قوله:) 2 نظر إلى الثوب 3، والصواب إثباتها عندهم، وقد نبه ابن أبي زمنين على ذلك، واختصرها على الصواب، والكلام محتمل 4 بإسقاطها.
وقال 5 ابن لبابة: وقعت المسألة في المدونة خطأ، وقد أصلحت، وأرى كأن سقط منها شيء، وقد رأيتها مصلحة في بعض الكتب من غير رواية ابن وضاح على ما تقدم، وبذلك 6 تصح المسألة.
قال القاضي: وانظر قوله في الثوبين إذا كان العبد هو المعيب واشتراطه في الباقي منهما إن لم يفت بنماء ولا نقصان، ولا اختلاف أسواق 7 8. وكذلك قال في العبد إذا كان العيب في الثوبين، فجعل اختلاف الأسواق في عوض المعيب مفيتاً له، بخلاف 9 المعيب لأن هذا العوض إذا كان قائماً 10 إنما يرده الحكم، فأشبه البيع الفاسد، فيفيته ما يفيته 11. وهو قوله في كتاب محمد، ووقع في الواضحة في كتاب القسمة خلاف هذا، فانظره.
وظاهر قوله في الكتاب في فوات (أحد) 1 الثوبين إذا كان بالآخر عيب، أنه لا تفسده حوالة سوق، ولأنه مع المعيب كالشيء الواحد، وكبعضه، ويدل عليه تفريقه في الجواب، بينه وبين إذا كان عوضاً [34] للمعيب، وتخصيصه حوالة السوق في العروض 2 دون المعيب 3، وهو؛ المنصوص لابن القاسم في العتبية، وكذلك في كتاب محمد 4.
قال في كتاب محمد: وكأنه وجب العيب بهما.
وقال أيضاً: وكأنه وجد العيب فيهما، ولا يفيته تغير البدن، ولا العيب المفسد على الأصل فيما يفيت الرد بالعيب.
وظاهر ما له في كتاب ابن حبيب، أنه يفيته 5 حوالة السوق، ولا خلاف أن حوالة السوق 6 لا يفيت 7 الرد بالعيب، لكن وقع في المبسوطة 8 لابن كنانة، في مشتري الشاة الحامل فتضع 9 عنده فأكل ولدها ولبنها، ثم ظهر 10 على عيب ردها، وما نقص من ثمنها يوم ابتاعها، وإن أحب أمسكها 11، وأخذ قيمة العيب، فانظر هذا، فكأنه جعل الولد غلة، وراعى نقص الثمن لأجل الولد، وانظر قوله في الثوبين إذا كانا عوض العبد 12 المعيب، أن حوالة الأسواق فيهما، أو في 13 أحدهما فوت له.
قال بعض مشائخ الأندلسيين: [قوله] 1 في أدناهما إذا تلف يرد الأعلى، بخلاف 2 هذا ولا شك أن ذهاب أقلهما فيهما أشد، وأكثر من اختلاف أسواقهما.
وقوله 3 في التقويم للمعيبة يوم وقعت الصفقة بخلاف البيع الفاسد الذي راعى فيه يوم القبض.
قال: "لأن في الفساد 4 لا يضمن إلا بعد القبض، لأن له ألا يقبض، وفي الصحيح القبض له لازم فمصيبتها منه" 5.
فظاهره أنه إنما يعتبر الضمان فحيث يضمن ويلزمه ذلك فحينئذ يتجه تقويمها، فعلى هذا إن سلعة الخيار والمواضعة إنما تقوم يوم تصير في ضمان المشتري بخروجها من أمد الخيار، وبقبول من له الخيار، أو خروج الأخرى من المواضعة.
وقد نبه في الكتاب في آخر المسألة على هذا بقوله: "إذا كانت الجارية مما لا يتواضع مثلها، وبيعت على القبض" 6 وهذا متصل بكلام ابن القاسم في كتاب ابن عتاب [وغيره] 7، وهو لسحنون في كتاب ابن عيسى 8، وضرب على اسم سحنون في كتاب ابن المرابط، وقد نبهنا على شيء من هذا الأصل في كتاب الخيار.
والخلاف في المحبوسة في الثمن 9 [وغيرها] 10 على هذين
الأصلين 1، وكذلك الخلاف في ابتداء العهدة في الغائب الذي فيه عهدة، هل [هو] 2 من يوم البيع، وهو قول أشهب، أو من يوم القبض وهو قول [محمد] 3 بن عبد الحكم.
قال محمد: وإنما يختلف في السلعة المحبوسة (بالثمن) 4 من ضمانها إذا كان البائع لم ينقد، فأما إذا نقد فهي من المشتري، وكذلك إذا لم تحبس بالثمن، ودعاه البائع إلى قبضها فهي من المشتري.
وقوله 5 بعد ذكره هذه المسألة، وذكر قبلها مسألة البيع الفاسد، ثم قال: وقال غيره: (لا أرى عتق المشتري فيها جائزاً، لأنه لم يقبضها، والبيع لم يتم) 6، كذا في بعض النسخ، ولم يكن هذا في كتاب ابن عتاب، وهو صحيح في كتاب ابن عيسى بعد 7 الكلام في عتق البائع المعيب، أنه لا يجوز، أعتق المشتري أو لم يعتق.
وكتب عليها صحت لأحمد، وليست عند يحيى، وإبراهيم، وهي عائدة على مسألة البيع الفاسد، وهو قول سحنون، وتعليله بما علل، وأنه لا تعلق للمشتري بالعتق إذا كان العبد بيد البائع، والبيع فاسد لأنه على ملك البائع بعد، ولم يقبضه المشتري، فيحوزه، ويضمنه.
وقال 8 أشهب: لا يجوز عتق البائع إذا كان (العبد) 9 في يد 10
المشتري 1، ولا يعتق عليه، وإن رجعت إليه، لأنه أعتق ما في ضمان غيره.
قال: فإن كانت في يد غيرهما فمن سبق مضى عتقه، فرأى أن الإفاتة بالعتق لمن هو في يده، وحوزه لأنه أملك به، لا لمن خرج من حوزه، وابن القاسم رأى أن عتق البائع فيها حيث كانت صحيح، لأنها على ملكه بعد، ولم تفت بيد غيره، فيضمنها فتخرج من ملكه 2، وإن عتق 3 المشتري [أيضاً لها] 4، حيث كانت كالقبض لها لشبهة عقده 5 وحرمة الحرية.
وقوله بعد هذا في مشتري السلعة الغائبة بجارية بشرط النقد "لو باعها نفذ البيع وكان عليه قيمتها يوم قبضها، وجاز البيع لمن باعها إذا كان الأول قبضها" 6.
ظاهر 7 هذا أنه إنما يجوز [البيع] 8 إذا كان قبضها، ولو كان بيعه لها قبل 9 القبض لم يجز بيعها، وإلى هذا ذهب فضل، وابن الكاتب وغيرهما من المشايخ، وأنه تأويل ما في الكتاب.
قال فضل: وأما لو كانت موقوفة لم تقبض حتى ينظر أمر الغائب 10 لم يتم للمشتري فيها بيع.
واحتج ابن الكاتب بأنه باع ما ضمانه من غيره.
وذهب ابن محرز في
آخرين إلى جواز 1 البيع، (وإفاتة البيع) 2 الفاسد بالبيع 3 الصحيح، وتأولوا أن قوله في الكتاب: "إذا قبضها" 4 عائد إلى التقويم، أي إنما تقوم يوم قبضها، إذا كان قبضها، وإن لم يقبضها فيوم عقد البيع.
واحتج هؤلاء بقوله في الكتاب: "أن الصدقة تفيتها، كالعتق، والتدبير" 5 و (قد) 6 قال فضل: إن الصدقة كالبيع، على مذهبه، وتأويله (أولاً) 7، وقد احتجت 8 كل فرقة منهما باختلاف قوله في كتاب محمد، فيمن باع ثمرة قبل بدو صلاحها، ثم باعها بعد بدو صلاحها، فقال مرة: عليه مكيلتها، وهذا على القول أنه غير مفيت، وقال مرة: عليه قيمتها.
وهذا على القول أنه مفيت.
وقد يقال: إن (اختلاف قوله هنا) 9 لاختلاف 10 الحال، فإذا عرف الكيل لزمه مثله، وإذا جهل فالقيمة على أصله المعلوم، ولا يكون البيع على الوجهين فوتا.
[35] قال ابن محرز (وغيره) 11: ولم يختلفوا إذا لم يقبض المبيع، ولا أمكنه 12 منه البائع، أنه في ضمان؛ بائعه.
واختلفوا إذا أمكنه منه ولم يقبضه، وانتقد ثمنه، فعند ابن القاسم لا يضمنه أبداً، إلا بالقبض.
وقال أشهب: ضمانه من مشتريه، وإن لم يقبضه، إذا أمكنه من قبضه، أو كان قد نقد ثمنه.
قالوا 1: وكذلك 2 اختلفوا إذا كانت في يد أمين البائع، فأقرها المشتري، وكذلك 3 لو كانت بيد المشتري قبل البيع، ثم اشتراها فتلفت.
قالوا: إلا لو أحدث فيها المشتري حدثاً، فيضمن قيمتها يوم أحدث ذلك 4، بخلاف ما يحدث فيها من غير سببه.
وقد حكي عن أبي محمد في المسألة لو وهب البائع تلك السلعة لرجل بعد قبض المشتري لها فلم يقبضها الموهوب حتى حالت في يد المبتاع، أنه ليس للموهوب فيها ولا في قيمتها شيء، ثم رجع عنه، وقال بعض فقهاء صقلية: هي للموهوب له، لأنها 5 خرجت بالهبة من ملك المشتري، فلا ترجع إليه بالفوات.
وقد اختلف في كتاب ابن حبيب، في بيع الموهوب (له) 6 لما يقبضه، هل هو حوز، وإن كان بيد واهبه، أم لا؟ وقد قال في الباب الثالث بعد هذا: إذا باع (نصف) 7 السلعة المشتراة بيعاً فاسداً إنه فوت، ووقع في بعض نسخ المدونة آخر هذا الباب، بعد ذكر هذه المسألة، والآثار بعدها، "علي ابن زياد عن مالك فيمن ابتاع جارية على ألا يبيع ولا يهب، فباعها المشتري، أنه ينقض البيع وترد إلى صاحبها، إلا أن يرضى أن
يسلمها إليه، ولا شرط فيها، فإن كانت فاتت ولم توجد أعطى البائع فضل ما وضع له من الشرط.
وقد قيل: إن فاتت ببيع أو تدبير أو كتابة أو اتخاذ أم ولد أن عليه قيمتها، ويترادَّان الثمن" 1. وهو ثابت في الأصول القديمة الصحيحة، وثابت في كتاب أبي عبد الله بن الشيخ وجماعة من الرواة، ولم يكن في كتاب ابن عيسى، وأثبتها في كتاب ابن المرابط الدباغ.
قال: وكانا موقوفين في كتاب يحيى، وكانت مخرجة في كتاب ابن عياش 2. قال فضل: ولم يقرأها لنا يحيى، وقرأها لنا عبد الجبار 3. ورواية علي ثابتة في كتابه، وفي موطأ ابن وهب، والقول الآخر لأشهب في كتابه.
وقوله "في السلعة المعيبة هي من المشتري حتى يردها بقضاء من سلطان أو يبرئه منها البائع" 4.
ظاهره: أن قضاء السلطان بردها يخرجها من ضمان المبتاع، ويصيرها في ضمان البائع، وكذلك لمالك في كتاب محمد 5، وله فيه أيضاً: لا يخرجها من ضمانه [وإن قضى به السلطان حتى يقبضها البائع.
وقيل: إذا شهد المبتاع أنه غير راض بالعيب فقد برئ من ضمانها إلا أن يطول الأمر
حتى يرى له راض وهو قول أصبغ 1. وقيل: يخرجها من ضمانه] 2 إثباته العيب عند السلطان.
وقوله "فيما إذا ولدت عند المشتري (إن كانت الولادة [قد] 3 نقصتها، وقد مات الولد [له] 4. أن يردها وما نقصتها 5 الولادة" 6. قال فضل: أراه جعل الجواري مثل عجف الدواب، وانظر (المسألة في) 7 المبسوط، وبيان هذا النقص 8 ما هو.
فإنه قال: وقوله "إذا ماتت أو قتلت وبقي الولد ثم علم بالعيب تقوم هي نفسها" 9. يريد بغير ولد، وهكذا اختصرها الجميع.
قال فضل: وهو قول أشهب أيضاً، وحكى محمد بن عبد الحكم عن ابن القاسم، أنها تقوم بولدها.
قال: ورواه عنه أصحابنا، وقول غيره وهو أشهب 10، "إلا أن يكون ما وصل إليه من قيمة الأم إذا قتلت مثل الثمن الذي يرجع به على) 11 البائع، فلا حجة له" 12. إلى آخر الكلام.
قيل هو وفاق [لابن القاسم] 13، ولا يخالفه في الفصلين.
وقيل: بل يخالفه 14 في الفصلين، وليس للبائع هنا كلام، ولا خيار.
وقتلها، وموتها، يوجب له قيمة العيب، ويقطع الخيار.
وقد وقع هذا في الباب الآخر، "يرد قيمة العيب، ولا يكون للمشتري أن يرد الولد 1 وقيمة الأم إلا أن يقول البائع أنا آخذ الأولاد 2 وأرد الثمن" 3، كذا عند ابن عتاب، وظاهره أنه من قول ابن القاسم 4.
(و) 5 عند يحيى في كتاب ابن المرابط: قال أشهب: إلا أن للبائع، وفي أصل ابن عيسى، قال سحنون: إلا أن للبائع، وقد تكرر اسم سحنون بعد أثناء المسألة.
قال فضل: على المسألة هذا قول أشهب.
وأما ابن القاسم فلا يرى للبائع أخذ الولد 6، [ورد الثمن] 7 وهذا يبطل، وفي بعض حواشي النسخ، قال سحنون، هذا قول أشهب [، وقال غيره: قوله هنا مثل قول ابن القاسم في الباب الأول.
ومسألة " (إذا) 8 اشترى جارية على أنها بربرية، فأصابها خراسانية، له الرد" 9، وكذلك 10 في غير الكتاب، في اشتراطها خراسانية، فأصابها بربرية 11، بخلاف إذا اشترط "غير" 12 هذين الصنفين، فوجدها من أحد
هذين الصنفين، [فلا رد له لأن هذين الصنفين] 1 أفضل الأصناف، فقد وجد أفضل مما اشترط، وإذا اشترط) 2 أحد هذين الصنفين فخرج غيره كان له 3 شرطه، وإن كان الشرط والخلاف فيهما معا، كان له شرطه أيضاً، لإشكال ما بينهما، واختلاف الأغراض فيهما، وتقاربهما في الجودة.
وقوله "في الذي اشترى جارية وأراد أن يتخذها أم ولد" 4 ليس المراد أنه شرط هذا الشرط، ولو شرطه فسد العقد، لكن معناه (نواه) 5، "فوجدها من العرب، فأراد ردها، وقال إن ولدت مني وعتقت يوماً [ما] 6 جر العرب ولاءها، (ولا يكون ولاؤها) 7 لولدي، قال: لا أرى هذا عيباً، ولا أرى [له] 8 ردها" 9.
اختلف في تأويل قوله هذا، هل هو تقرير وتصحيح لقول المشتري، أن العرب يجرون ولاءها، وهو [36] تكذيب له، وأن الولاء على كل حال للمعتق في العرب، والعجم.؛ وظاهره: أن مالكاً يرى ما قاله هذا صحيح 10 (من) 11 أن ولاءها للعرب، وهو 12 تأويل سحنون، ويحيى بن عمر، وغيرهما، إذ 13 لم ينكر قوله، وإنما قال له بعد تسليم علته لا أرى هذا عيباً، ولو أن مالكاً لم ير أن علته صحيحة، وأن ولاءها لمعتقها لا
للعرب، لما قال: "لا أردها، ولا أرى هذا عيباً" 1، وإنما كان يقول: لا أرى لك 2. ردها، ولا حجة لما 3 اعتللت [به] 4، إذ ولاؤها لأولاده 5، وعصبته، وحكى سحنون أن أصحاب مالك مجمعون أن الولاء إنما هو فيمن أعتق من العجم، فأما رقيق العرب فلا ولاء فيهم لمعتقهم، إلا أشهب 6 فقال: ولاؤها 7 لعصبة معتقها، ولا يرثها قومها، لأنه إنما ينظر 8 في أمر متوقع 9 عقباه لغيره، ويتخيل 10 زوال منفعته لسواه، ولما قد يكون أو لا يكون، إذ قد تموت الجارية الآن، فلا يبقى لها ولاء يرغب فيه، أو يموت ولدها وينقطع نسبه 11، أو لا يولد 12 له ولد.
وقيل: بل إنه اشتري على الإطلاق دون شرط، بل تخيل أنها من العرب وطنه، فلم يكن له (قيام) 13، إذ 14 وجد خلاف ما نواه، واعتقده، كما لو لم يشترط جنساً فوجدها على جنس خلاف ما [كان] 15 اعتقد أنها منه، فلا كلام له، قاله في الواضحة، والعتبية 16.
وتأول ابن حبيب قول مالك هذا على مذهب أشهب، وقال 1 ولاؤها ثابت لمعتقها، ونحوه تأويل المغامي 2 3
وقال: معنى قوله: جر العرب (ولاءها) 4: أي [أن] 5 نسبها يستفيض 6، ويقال: فلانة بنت فلان حتى ينسى ولاؤها.
قال: وإنما ينتقل ولاء ولد الحرة إلى موالي أبيهم، وأما من مسه الرق فإن ولاءه لا ينتقل، والقول الأول أظهر بمراد مالك، وعلى اختلافهم في هذا الأصل وقع اختلافهم في تأويل قول مالك المتقدم.
واختلف الشيوخ من القرويين وغيرهم في ترجيح أحد القولين على الآخر، وقال ابن أبي زمنين: قد قال في كتاب الجهاد في العرب إذا سبوا أنهم بمنزلة الأعاجم 7 8 مجملاً، بلا تخصيص 9.
و (قد) 10 قال يحيى بن عمر: في قرشي تزوج أمة رجل من العجم
فأولدها وأعتق الرجل ولدها، قال: يرجعون إلى أنساب قريش، كأنهم 1 لم يمسهم رق قط، وكذلك جميع العرب، لأن أنسابها معروفة تتوارث، واحتج بهذه المسألة، وقد ادعى بعضهم الإجماع على أن ولاء العربي 2 المعتق لمعتقه، دون نسبه، وقد ذكرنا الخلاف فيه، وهذا كله في حكم التعصيب، ولا خلاف أن النسب الداني مقدم على الولاء بكل حال، في العرب والعجم.
وما ذكر عن "الفقهاء السبعة 3 من 4 قولهم فيمن دلس [فيه] 5 بعيب فظهر وقد فات بموت أو عتق أو بحمل من المشتري، فإنه يوضع عنه ما بين قيمته بذلك العيب، وبين قيمته سالماً 6، فإن مات العبد من العاهة التي دلس بها فهو من البائع" 7، ظاهر قول الفقهاء السبعة عند شيوخنا أنه يرجع بالثمن كله إذا مات، ونحوه في العتبية، وحكي مثله 8 عن ابن دحون، وذكر اللخمي أنه مختلف 9 في هذا، هل يرجع عليه بجميع الثمن، أو بقيمة العيب.
وأما قولهم: إذا أولدها ثم ماتت فصحيح أنه يرجع بجميع الثمن لأن المشتري لم يخرجها عن ملكه.
قال القاضي رحمه الله: فحملوا قولهم: فإن فاتت 1 بعيب التدليس بعد فواتها عند المشتري بما ذكره لذكره أولاً الموت فدل أن الفوات بعد بغير 2 الموت، ويحتمل عندي 3 أنه تكلم أولاً على الموت بغير سبب عيب التدليس، ثم ذكر أخيرا الموت بسبب عيب التدليس، وهي قائمة دون التعرض لما فاتت به.
وقوله: "إن حم يوماً أو أصابه رمد" 4. يبين لك أن قول أشهب وابن عبد الحكم وسحنون في الحمى أنها عيب غير معفو عنه، ليس بخلاف، وإن مذهب الكتاب إنما هو في الذي حم يوماً ثم أقلع عنه، لا فيمن دامت به، فإن ذلك مرض يغير المبيع ويحط كثيراً من ثمنه، ويزيده بياناً قوله: وكل 5 عيب ليس بمخوف.
وكذلك لو كان (أول) 6 ما أصابه لوجب التوقف 7 حتى يرى ما لها من إقلاع أو هلاك.
وقوله بعد في الذي (حم) 8 في العهدة إذا ذهب العيب يفسر أن له 9 الرد إذا لم يذهب.
وحكى ابن سهل عن ابن لبابة أنه لا يرده في جميع هذا 10، إلا بما
ينقصه 1 وانظر 2 مسألة (أم) 3 الولد وابنها، ومراعاة ابن القاسم لهما في جبر النقص، فهو يعضد (هنا) 4 هذا النظر، وتأمل قوله في تقويم السلعة إذا ظهر فيها عيب، وحدث 5 عنده عيب.
وقوله أولاً إذا أراد التمسك 6 أنه ينظر إلى قيمتها سالمة وقيمتها معيبة، وينظر مقدار النقص بينهما، فيرد 7 مقداره من الثمن، فهذان تقويمان، ولا خلاف في هذا.
ثم قال: فإن أراد الرد نظر إلى قيمتها يوم اشتراها، وبها العيب الذي اشتراها به، ثم ينظر 8 إلى ما أصابها عند 9 المشتري، كم كان قيمتها يوم قبضها لو كان بها 10، ثم قال آخر الكلام: فيرد ربع الثمن، بعد طرحنا ما يصيب العيب الذي دلسه البائع من الثمن 11، فهذا يبين 12 أنها تقوم ثلاث مرات في هذا الوجه.
وهو الذي نص عليه في كتاب محمد.
وقاله فضل، وغير واحد، وهو الصواب، خلاف ما ذهب إليه أبو سعيد ابن أخي 13 هشام 14
من أنه لا يحتاج فيها إلا إلى قيمتين، قيمتها 1 أولاً بالعيب القديم، وأخرى
[37] بالعيب الحادث عند المشتري، وفيه ظلم على المشتري، على ما فسره الشيوخ في كتبهم، فلا نعيد 2 الكلام فيه، وإنما؛ أشرنا إلى (أن) 3 ما في الكتاب يخالفه 4، ويشهد لقول الجمهور، حتى إنه 5 في النقص 6، مثل ما في غير الكتاب.
وأما قول أحمد ابن المعذل 7 في (هذه) 8 المسألة، من أنه لا يلتفت إلى القيم 9، وإنما يلتفت إلى قيمة العيب الحادث عنده، وما نقص بالغاً ما بلغ فبعيد جدًّا 10، خارج عن أصولهم.
وقد اختلف شيوخنا المتأخرون أيضاً في فرع من هذا الأصل، وهو فيمن باع سلعة بثمن إلى أجل، ثم اطلع على عيب 11، وقد حدث عنده عيب فأراد ردها، ولم يحل أجل الثمن، فذهب عبد الرحيم بن أحمد المعروف بابن العجوز 12 من فقهاء بلدنا، أنه يرد قيمة ما حدث عنده = ابن شبلون، وغيره، وكان يعرف بمعلم الفقهاء.
توفي سنة: 371 هـ، وقيل سنة: 373 هـ. (انظر الديباج: 1/ 347 - 349، وشجرة النور، ص: 96).
نقداً، وخالفه في ذلك بعض فقهاء سجلماسة 1 (الطارئ عليها) 2، وقال: بل يبقى عليه إلى أجل الثمن، كأنه 3 تمسك ببعض السلعة ثم ذكر 4 عبد الرحيم أنه وجد المسألة بعد مسطورة بمثل هذا.
قال القاضي: وهذا هو الصحيح الذي يوجبه النظر.
وقوله "قيمتها يوم قبضها" 5 معناه هنا يوم باعها، لأن البيع هنا صحيح، وقومناها 6 يوم البيع، وإن كان العيب [إنما] 7 حدث بعده بيد المشتري، لأن المشتري هو الذي يغرم قيمته، ويرد السلعة لبائعها، فهو كأنه حبس 8 بعض ما اشتراه، وهو العيب الذي حدث عنده، من فقء عين، أو غيره، فإنما ينظر إلى قيمته يوم ضمنه 9، وهو يوم ابتاعه 10 وقد بين هذا في الكتاب، وقال: "كمثل رجل ابتاع عبدين في صفقة فهلك أحدهما وأصاب عيباً بالآخر 11 " 12.
وقوله: فإن كان الثلث أو النصف أو الربع (رده) 13 ورجع فأخذ جميع الثمن.
يبين أن النصف هنا على أصله، ليس بكثير يفيت البقية.
وقوله إن كانت مما 14 يتواضع مثلها أنها من البائع حتى تخرج من
الحيضة 1 أي من حكم الحيضة، والاستبراء، (لا) 2 من دم الحيضة، لأنها بأول ما ترى الدم، أو تحقق 3 الحيضة ترجع في ضمان المشتري، ويحل له الاستمتاع منها 4، لأنها تنتظر تمام الحيضة، والطهر، هذا ما لا خلاف فيه.
وتمامه في كتاب الاستبراء 5.
"والإباق" 6 - بكسر الهمزة - الاسم.
وقوله "وتنصب 7 " 8 فسره في الكتاب بالطبخ، والعمل، وأصله من التعب 9
وقوله: "تستحق" 10 أي تتصف بالمعرفة، وتستوجب ذلك، ومنه الحقة من الإبل، التي استوجبت أن يحمل عليها، وينزا عليها الفحل.
"وقول ربيعة: كل شرط احتجر 11 به على رجل" 12. كذا، لابن عتاب، وابن المرابط، بالراء.
أي منع به من شيء.
وفي كتابي، عن ابن عيسى (أيضاً) 13: احتجن، بالنون.
(أي) 14 احتبس دونه، ومنع منه، وكلاهما متقارب المعنى 15.
"والرَّسْحَاء" 1 - بالسين والحاء المهملتين - التي لا ألية لها 2، (وهي الزَّلَّاء 3 أيضاً) 4.
"والزَّعْرَاء" 5: التي لا شعر لها هناك 6، وكذلك التي لا شعر لحاجبيها 7، أو غيرهما 8 من جسدها 9، وقد فسره في الكتاب، واختلف في تعليله بما هو معلوم 10.
"والصهباء الشعر" 11: التي شعرها للحمرة.
وقوله: إن 12 كانت من العيوب التي لا تخفى 13. كذا رواية ابن عيسى، وفي كتاب ابن عتاب، تغبى، ومعناه: تجهل ومنه الرجل الغبي.
وقوله: "لغية" 14 - بكسر اللام وفتح الغين 15 - أي لزنا، وغير رشدة 16.
"والجارية الرائعة" 1 الجيدة التي تراد للتسري، لا للخدمة.
وكذلك عليه الجواري، بسكون اللام.
وقيل بكسرها، وتشديدها، والأول أشهر.
"والوخش" 2 - بسكون الخاء - خسيسه 3، وأصله الحقير من كل شيء (أيضاً) 4،
"والحبل" 5 بفتح الباء، الجنين، ما لم يخرج.
وقوله في التفرقة بين العروض، والمكيل 6 والموزون، فإذا تلفت 7 العروض عند بائع العبد فإنه يرجع بقيمتها 8، كذا عند ابن عتاب، وابن المرابط.
وعندنا، عند 9 ابن عيسى عن الذي اشترى العبد، وفي هذه الرواية إشكال في الظاهر، وهي صحيحة، وذلك لأن تلفها من بائع العبد بكل حال، والقيمة فيها لازمة.
وقوله "فيمن ابتاع سلعة حاضرة بسلعة في بيته موصوفة، جائز" 10 وفي كتاب محمد خلافه، إذ لا ضرورة في ذلك بخلاف الغائبة.
وقوله "في الذي يشتري السلعة 11 بيعاً فاسداً، فيبيع نصفها هو فوت 12 " 13 قال ابن عبد الرحمن: معناه في غير المكيل، والموزون.
قال القاضي: وذلك لضرر الشركة في غيرهما، مما لا ينقسم، ولأن 1 النصف في مثل هذا قليل.
وقوله "في الذي يقوم بالعيب والبائع غائب إن كانت غيبته بعيدة تلوم السلطان للبائع إن طمع بقدومه، وإلا باعه، فقضى الرجل حقه" 2.
قال بعضهم: هذا يدل أن الغائب البعيد الغيبة يقضي عليه دون تأجيل، إذا لم يطمع بقدومه، ومثله في غير ما (في) 3 كتاب (من) 4 المدونة.
وقد قال بعد هذا آخر الباب: "وإن كان بعيداً باعه عليه السلطان، إذا خاف على العبد 5 الضيعة، أو النقصان، أو الموت" 6.
قال فضل: كأنه ذهب أنه يتلوم له، إذا لم يخف عليه ضيعة.
قال القاضي: فكأنها على هذا خلاف الأولى.
وليس عندي بخلاف تلوم له فيما يرى فيه التلوم وجه، ولم يخش منه ضرر، فإذا 7 لم يطمع من الغائب بوصول لفرط 8 بعده، أو انقطاع الطرق 9 حينئذٍ، فلا وجه للتلوم، كما قال أولاً.
وكذلك إن طمع، وخيف على العبد الهلاك أو الضياع 10 إن أوقفنا بيعه مدة الاستبراء، لأمر سيده، كما قال آخراً، فهما راجعان إلى شيء واحد.
وقد قيل إن قوله: إذا خيف 1 على العبد [الضيعة والنقصان 2 راجع إلى بيعه لأنه لا يتعين على الحاكم بيعه وإنصاف الغائب من العبد] 3، نفسه إذا كان له مال غيره، فإنما يبيع العبد في إنصافه إذا كان أولى ما يبيع عليه، لما يخاف عليه من الموت، والنقصان 4، بخلاف العقار، والمتاع الذي هو آمن من الحيوان [38] الغائب، من هذا الوجه، وإنما يبيع الحاكم على الغائب؛ أحق ما يبيع عليه مما هو أنظر له، إلا أن يكون في بيع ذلك طول، وضرر على الغرماء، فينظر لهم في غيره بحسب ذلك طول 5.
وقد قيل أيضاً: إنما ذكر بيعه العبد في الكتاب لأنه لم يكن للغائب مال غيره بدليل قوله: "فإن كان فيه نقصان اتبع المشتري البائع بما بقي" 6 ولو كان له مال لأنصفه الحاكم منه.
وقوله في البيع الفاسد: "إذا ثبت ولم يتغير رأيت أن يعمل به كما وصفت لك في العيب" 7 كذا عند ابن عيسى، وفي كتاب ابن عتاب: رأيت أن يقبل قوله كما وصفت لك، ومعنى هذا عندي أن يستمع 8 إلى 9 شكواه، ويقبل قوله في رغبته في التحلل 10 من الفساد، ويعمل فيه من البيع، والإنصاف، كما وصف قبل.
وقوله: "إذا فات جعله القاضي على المشتري بقيمته يوم قبضه
(ويترادَّان) 1 فيما بينهما إن كان لأحدهما فضل على صاحبه، إذا لقي بائعه يوماً ما" 2 فمفهومه أنه لا تؤخذ من المشتري الزيادة، ولا توقف، وأنه لم يكن للغائب مال يوفى المشتري منه ما نقصه، إن كان ثم نقص، قالوا: لأن ذلك خير للغائب أن يتركه في ذمته، من أن يخرجه منها، ويوقفه في أمانة، وكان المشتري لبقائها في ذمته أهلاً، وهو من النظر للغائب.
وقد قال في كتاب طلاق السنة: إن السلطان ينظر لكل غائب 3، وهذا تعارض لجوابه 4 إذا كانت السلعة قائمة في الفساد فباعها، وبمسألة العيب أن توقف الفضلة، ولم يترك ذلك عند المشتري.
وقد يقال: لعله 5 لم يثق هناك المشتري، ووثقه هنا.
وقيل: بل لعل هذه الفضلة 6 كديون الغائب التي لا يقبضها السلطان، بخلاف المفقود، والغائب هنا قد رضي بمعاملته، فيبقى ديناً في ذمته، ولا فرق بين الوجهين، إذا رأى السلطان ترك الزيادة عند القائم 7 إذا قوم عليه، أو عند 8 المشتري إذا باع، إذا كان أهلاً لذلك، وما باعه السلطان لم يكن من سبب البائع، ولا رضاه، فالسلطان 9 ينظر فيه كمال طرأ له، وهذا يعارض بأن البائع لم يرض [قط] 10 بأن يترك في ذمته شيئاً، وإنما دفع إليه عوضاً عما أخذ، فإذا انفسخت المعاملة صار (كهذا) 11 الذي باع منه السلطان، ولم يعامله هو قط.
وقد اختلف شيوخنا هل يقضي القاضي على الغائب من مال بيد من اعترف أنه للغائب، أم لا؟ حتى يثبت أنه ملكه، إذ قد يكون وديعة عند الغائب، أو غير ذلك، (انظر في كتاب ابن سهل ذلك) 1، ولا يعترض على هذا، بما ذكره 2 من جعل الودائع في الذمم، وأنه من باب سلف جر نفعاً، لأن ذمة هذا مغمورة قبل بما لزمها 3 من الزائد 4 على الثمن.
"وقول ربيعة في المشترط أن يتخذ جارية أم ولد، إن وطئها كان في ذلك رأي الحاكم" 5 معناه: إن نقصها الوطء فترد إلى القيمة، ما لم تكن أقل من الثمن، فلا ينقص منه.
وقوله: "في الذي باع جارية ثم اشتراها من الذي باعها (منه واطلع على عيب دلسه به 6 البائع أن يرجع عليه بما نقص، إن كان باعها بالأقل 7 " 8
قال في الباب الأول: فاطلع على عيب.
وقال في الباب الثالث: ثم اطلع على عيب، فهذا ينبيك أن معرفته بالعيب إنما كان بعد شرائه الثاني من المشتري منه، ولذلك خيره أشهب في الرجوع [عليه] 9 إن شاء، وهذا لا يخالفه ابن القاسم، ولو كان عالماً بالعيب، وهو عند المشتري منه، ثم اشتراه منه لم يكن له بوجه رجوع عليه لشرائه 10 منه، وهو عالم به، وإنما يرجع هنا على البائع الأول، ولا يضره شراؤه بعد علمه بالعيب على قول
ابن القاسم، وأشهب جميعاً، عند أكثر المشايخ، ومحققيهم، لأنه كان في يد غيره ممنوعاً من القيام به عند ابن القاسم، ومن استيفاء جميع حقه عند أشهب، فهو يقول: إنما اشتريته لأرده، وهو أيضاً بين من قوله في الكتاب: "إذا اشترى عبداً فباعه ثم ادعى عيباً لم يكن له أن يخاصم بائعه" 1، لكن إن رجع إليه يوماً 2 بشراء أو غيره، كان له أن يرده على بائعه فهذا قد أعلمك أنه قد علم بالعيب قبل رجوعه إليه بالشراء، وجعل له رده على البائع الأول، وهذا كله يرد تأويل بعض الشيوخ، أنه متى علم ثم اشتراه لم يكن له رده على الآخر، ولا على (الأول) 3 لرضاه بالعيب 4 بشرائه 5 (له) 6 بعد علمه، ويرد قول بعضهم أنه إنما يمنع على قول أشهب 7 إذا كان قد خاصمه، وأخذ الأقل لأنه حكم [قد] 8 نفذ، وكل هذا لا حجة لقائله فيه، لأنه كان ممنوعاً (من القيام) 9 بذلك البيع، ما دام في ملك غيره، فإذا توصل بشرائه ليصل 10 إلى حقه فيه، فليس برضى، ويبقى بعد هذا تخيير أشهب في المسألة، له في رده على بائعه الآخر، فكان جوابه في أصل المسألة لا على سؤال ابتداء، وسحنون هنا أول الباب في قوله الذي يدل أنه علم بالعيب قبل شرائه من مشتريه، وإنما يصلح التخيير إذا لم يعلم بالعيب إلا بعد شرائه الثاني على ما قدمناه، قالوا: ولو أن المشتري الثاني خير في رده العبد 11، أو إمساكه، فاختار
إمساكه، ثم اشتراه المشتري الأول [منه لم يكن له أن يرده على البائع الأول، ولا يختلف ابن القاسم وأشهب أنه لو باعه المشتري الأول] 1، وهو 2 عالم بالعيب إلا أنه ظن أن العيب حدث عنده، أو باعه وكيل له، وهو يظن أنه عالم، به أنه يرجع على بائعه الأول بالأقل مما نقص العيب، أو بقيمة الثمن 3.
وقوله: "لأن المكاتب حين عجز فقد صار محجوراً" 4.
ثم قال آخر الباب في مسألة الرد بالعيب على المكاتب، بعد عجزه: "وإن فضل فضل 5 كان للعبد الذي عجز، وإن كان نقصاناً اتبع به في ذمته" 6 قال بعض شيوخنا: جعل عجزه حجراناً، ولم يجعله انتزاعاً لماله.
[39] وقد قال بعض أصحابنا في العبد المأذون: ليس؛ لسيده الحجر عليه إلا بالإشهاد.
وها هنا جعل عجزه مجرداً حجراً دون إشهاد، ولا سلطان.
وقال آخرون: حكم المكاتب إذا عجز في هذا 7، حكمه 8 قبل كتابته، فإن كان محجوراً رجع 9 إلى الحجر، وإن كان مأذوناً رجع 10 إلى الأذن، وقد جعل ابن القاسم في المكاتب عجزه انتزاعاً، في مسألة جعله للسيد اقتضاء مكاتبته 11 إذا عجز فجعله انتزاعاً، وهو قول أشهب، وكله خلاف ما هنا.
وقوله "في المشتري للدار وبها صدع إذا كان صدعها يخاف منه على الدار فهو عيب ترد منه وإن كان صدعاً لا يخاف منه على الدار فلا أرى أن ترد، لأنه قد يكون في الحائط الصدع، فيمكث في الحائط ذلك الصدع زمانا، فلا أرى هذا عيباً" 1.
وتمام هذه المسألة "في كتاب القسمة: إذا وجد أحدهما في نصيبه عيباً يسيراً، يرجع 2 بقيمة العيب، إذا كان خفيفاً" 3. ومثله في مسألة العيوب، في كتاب محمد.
وروى زياد 4 عن مالك في كتاب الاستيعاب لأقوال 5 مالك ما يدل أن الدور وغيرها سواء، ولا ترد 6 من شيء من ذلك، [إلا في الكثير] 7 ونحوه في المختصر الكبير 8، وإليه كان يذهب من [متأخري] 9 مشايخنا أبو جعفر بن رزق 10 القرطبي 11 في كل شيء، وعليه كان يتأول جميع مسائل الكتاب 12 وغيره في هذا الباب خلاف ظاهرها، وتأويل الجمهور فيها، وقد يحتج بقوله في الكتاب: "في الكي
الخفيف الذي لا ينقص من ثمنه وإن كان عند النخاسين عيباً، فلا يرد به إذا لم يكن عيباً فاحشاً" 1 فيكون قوله: "لا ينقص"، أي ما له بال 2، وإلا فكل ما هو عيب لا بد له من نقص، وإن قل.
وقال المخزومي: ما نقص من القيمة الثلث فصاعداً، أو أقل من الثلث، بيسير 3 فهو من العيوب المفسدة، يرد به 4، وإن كان أقل من الثلث بكثير لم يرد به 5.
وحكى الباجي عن بعض الأندلسيين: أن الرباع وغيرها سواء، ترد من قليل عيوبها، وكثيرها 6.
وتأمل قوله "في الصدع، إن كان يخشى على الدار منه الهدم" 7، فقد قال اللخمي: إن هذا الصدع لو كان في حائط لم يرد منه، إذ لو استحق لم ترد به 8.
قال القاضي: وهذا موافق لظاهر الكتاب، إذ لم ينص أن الصدع في حائط، وإنما قال في الدار، خلاف ما ذهب إليه عبد الحق 9، وابن سهل، وغيرهما.
وتأولوا أنه إن خشي هدم الحائط من الصدع الذي فيه وجب الرد.
وقد قيل: إنما يرد لخوف تهدم الحائط، إذا كان 10 ينقص الدار كثيراً.
قال القاضي: وهذا 1 أيضاً (صحيح) 2 المعنى، أرأيت لو كان الحائط الذي يلي المحجة ولا يمكن سكنى الدار حتى يبنى، أو الذي يتعلق به بناء الدار، فيلزم تدعيم ما عليه، ويتعلق به، ويلزم فيه نفقة كثيرة، لوجب به الرد دون إشكال، لأنه يتكلف 3 من بنيانه، والنفقة فيه، ما يشق، وقد يفرق في هذا الباب بين هذا، وبين الاستحقاق، لأنه إذا استحق الحائط، وما لا قدر له من 4 الدار، لم يضره، وإن انهدم 5 مثل هذا، اضطر إلى بنائه، والنفقة فيه، وذلك ضرر، وتركه بلا بناء أضر، لكشف الدار منه، ومن حجة المبتاع أن يقول: مثل هذا لا أتكلفه، ولا أصبر عليه 6، وعلى مشقته.
وقد نحى أبو عبد الله بن عتاب إلى ما قلناه.
ولم يختلفوا أن ما شمل الدار من العيب، ويقطع منفعة من منافعها، كتهور بئرها، أو غور مائها، أو فساد مطمر 7 رحاضها 8، أو استحقاقها، أو تعفن قواعد بئرها، أو وجود مائها زعاقاً 9 في البلاد التي مياه آبارها حلوة، أو وهاء أسس 10 حيطانها، وشبه هذا، أنه يجب به الرد.
وأصل الباب، أن كل ما فيه ضرر على المبتاع، أو ما يحط من الثمن كثيراً.
واختلف في مقدار الكثير.
فقال أبو محمد بن أبي زيد فيما حكى عنه الباجي: ما نقص معظم الثمن 11.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: الثلث كثير.
وقال ابن عتاب: الربع كثير 1، وهذا نحو ما تقدم للمخزومي.
(وقال بعضهم: لا حد فيه، إلا وجود الضرر.
وقال أبو عمر بن القطان 2: مثقالان في قيمة العيب قليل، وعشرة كثير، يجب بمثله الرد) 3. وقال أبو الوليد ابن رشد عشرة من مائة كثيرة 4.
وقوله "فيمن اشترى جارية ممن تحيض فارتفع حيضها 5 في الاستبراء شهرين أو ثلاثة 6. قال مالك: ذلك عيب يردها 7 به إن أحب" 8.
ظاهره: أن الشهرين أمد كثير يوجب الرد، وهو قول مالك في كتاب محمد 9، وقول سحنون، خلافاً لما لأشهب 10 في كتاب محمد، أنها لا ترد من الشهرين 11، وإنما ترد فيما زاد على الثلاثة، وتبيين ضرره، ونحوه لابن القاسم، أنها ترد في الأربعة الأشهر (والخمسة 12) 13.
وعن مالك، والمغيرة 1، وابن دينار 2، وعبد الملك، وسحنون، وفضل، ترد في خمسة وأربعين يوماً.
قال مالك: وللبائع أيضاً أن يرد البيع، ويفسخ لأجل نفقته، وقال (ابن) 3 حبيب: لا خيار للمشتري قبل ثلاثة أشهر، وله الخيار في الثلاثة، وحكاه من رواية أشهب، ومطرف 4 عن مالك.
و [قد] 5 قال في الكتاب بعد هذا في الشهرين، "لم يحد مالك في ذلك حدًّا" 6 إلا الطول، وما يرى أنه ضرر، ويحمل قوله أولاً في السؤال "هو عيب ترد 7 به" 8 يعني ارتفاع الدم 9، لا تحديد ذلك بالشهرين،